المتحدث باسم «طالبان»: الإعلام يضخم «داعش».. ويطبل لوجوده في أفغانستان

الملا ذبيح الله أكد لـ «الشرق الأوسط» أن التحقيقات مستمرة في عملية اغتيال الملا منصور.. والأمير الجديد يحظى بالإجماع

صورة خاصة من طالبان لعناصر الحركة خلال إحد التدريبات ({الشرق الأوسط})
صورة خاصة من طالبان لعناصر الحركة خلال إحد التدريبات ({الشرق الأوسط})
TT

المتحدث باسم «طالبان»: الإعلام يضخم «داعش».. ويطبل لوجوده في أفغانستان

صورة خاصة من طالبان لعناصر الحركة خلال إحد التدريبات ({الشرق الأوسط})
صورة خاصة من طالبان لعناصر الحركة خلال إحد التدريبات ({الشرق الأوسط})

الملا هبة الله أخند زاده، الذي عُيّن نهاية الشهر الماضي، قائدًا جديدًا لحركة طالبان في أفغانستان، من علماء الدين البارزين وكبار قضاة الشرع في الحركة، كان نائبًا لسلفه الملا أختر منصور الذي قتل في غارة أميركية. ولد الزعيم الجديد، وهو في الخمسينات، لأب فقيه في قندهار في جنوب أفغانستان، على غرار سلفيه الملا عمر والملا أختر منصور. واعترف الملا ذبيح الله الرجل الثاني في الحركة والمتحدث الرسمي باسم «طالبان» في حوار مع «الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني بأن التحقيقات ما زالت جارية في عملية اغتيال الملا منصور بطائرة درون أميركية، وقال إن «استنتاجنا حتى الآن هو أن الأميركيين إلى جانب وجودهم العسكري في المنطقة لهم حضور استخباراتي مكثف فيها». وقال ردًا على سؤال حول اتهام إيران بتسريب معلومات تتعلق بالملا منصور: «لا نستطيع أن نتهم أحدًا بالتعاون مع أميركا في استهداف الأمير أختر منصور (رحمه الله) من دون شواهد موثقة». وكان زعيم «طالبان» الملا منصور قتل في غارة بطائرة من دون طيار (درون) في كويتا بباكستان نهاية الشهر الماضي. وتقع منطقة كويتا في إقليم بلوشستان القريب من الحدود مع أفغانستان. وأضاف الملا ذبيح الله أن «طالبان» تتعهد بالوفاء على مسؤولياتها والتزاماتها في الميادين العسكرية والسياسية، وهي تحرير أراضيها من المحتلين وإقامة الحكومة التي يرتضيها المواطنون المسلمون ويضحون لأجل قيامها.
وخلال العام الماضي، دخلت حركة طالبان في حالة من الاضطراب عندما حل منصور محل مؤسس الجماعة الراحل الملا محمد عمر. وجاء حوار «طالبان» مع «الشرق الأوسط» على النحو التالي:
* ما موقف الحركة من عملية السلام بعد مقتل أختر منصور؟
- إن تعامل «طالبان» مع أمثال المصالحة والمفاوضات من القضايا هو بموجب الخطة، ولا يتعلق ذلك بوجود شخص أو عدم وجوده. وإن موقفنا تجاه المفاوضات واضح جدًا، وهو أن بيد الإمارة الإسلامية قيادة الجهاد ممثلة لشعبها المسلم، وكجهة مسؤولة تتعهد بالوفاء بمسؤولياتها والتزاماتها في الميادين العسكرية والسياسية، وهي تحرير أراضيها من المحتلين وإقامة الحكومة الإسلامية فيها التي يرتضيها المواطنون المسلمون ويضحون لأجل قيامها، ومن أي طريق يتحقق ذلك تمتلك الإمارة لها خططًا صارمة.
* هل استهداف الملا منصور جاء بتعاون أمني بين إيران وأميركا خصوصًا بعدما تردد أنه كان قادمًا من إيران؟
- إن تحقيقاتنا ما زالت جارية حول الأمر، واستنتاجنا حتى الآن هو أن الأميركيين إلى جانب وجودهم العسكري في المنطقة لهم حضور استخباراتي مكثف فيها.
إن الإمارة وبالتحديد الملا منصور (رحمه الله) لم يكن له أي مشكلة مع دول المنطقة بما فيها الدول المجاورة، بل كان يتمنى إيجاد موقف موحد في المنطقة تجاه الاحتلال، فلا نستطيع أن نتهم أحدًا بالتعاون مع أميركا في استهداف الأمير منصور رحمه الله من دون شواهد موثقة.
* ما طبيعة العلاقة بين إيران و«طالبان»؟
- هذه حقيقة واضحة، إن خطر استمرار الاحتلال الأميركي في أفغانستان هو تهديد أكبر لجميع المنطقة، تتضرر منه الصين وروسيا، وإيران وباكستان وسائر دول المنطقة، وتبقى المنطقة تحترق في أتون الحرب المدمرة، فنحن نعتقد بأنه لو ساد في المنطقة فكر تسبب في هزيمة أميركا وفضيحتها في أفغانستان، لكانت هذه خطوة جيدة، ولكن حتى الآن ليس لنا بشكل رسمي أي اتفاقية، لا مع إيران ولا مع أي أحد.
* هل الحركة تنسق مع طهران لمحاربة «داعش» في أفغانستان؟
- خلال مقاومة «طالبان» التي استمرت لخمسة عشر عامًا لم يوجد أي تنسيق استخباراتي ولا عسكري بين «طالبان» والدول المجاورة أو غيرها، لكننا نتوافق مع التعاون أو الفكر الذي يؤدي دورًا إيجابيًا في مواجهة الاحتلال الأميركي وإحباط مخططاته الاستخباراتية، ما دام غير متصادم مع ثوابتنا العليا ومصالحنا الوطنية.
* ما حجم البيعة للملا هبة الله من قبل قادة «طالبان»؟ وهل المُلا رسول المعارض لأختر منصور بايع الزعيم الجديد؟
- لعلكم تعلمون أن الإمارة هي تيار عقائدي وآيديولوجي، وأي جماعة هذا شأنها فلن تكون هناك مشكلة بينهم على القيادة، ولذلك لم يقع أي خلاف بين مقاتلي «طالبان» في تعيين الزعيم الجديد ومبايعته، وقد سارع العلماء، والقادة الميدانيون، وجميع المسلحين، وعوام المسلمين إلى مبايعة الأمير الجديد، فحجم البيعة للأمير الجديد مائة في المائة، والجميع على قلب رجل واحد.
وأما الملا محمد رسول فلا يدرى حاله، هل هو على قيد الحياة أم هو ميت؟ لم يره أحد ولا تحدث مع وسائل الإعلام، فمن الممكن أنه إما أن يكون أسيرًا أو ميتًا.
* هل يمكن أن تكشفوا للقارئ العربي عن شخصية الأمير الجديد الملا هبة الله أخند زاده؟ هل هو المرجع الديني والفقيه الشرعي في حركة طالبان على مدى أكثر من عقد من الزمان؟
- إن زعيم الإمارة الجديد الشيخ هبة الله أخند زاده كما هو معروف بين المقاتلين بالعالم النحرير والأستاذ المشفق، كذلك له مكانة في قلوبهم بكونه شخصية قوية، وأميرًا نبيلاً صبورًا، ماضي العزيمة ووفيًا إلى ثوابت الإمارة ومصالحنا الوطنية، ومنذ بداية الإمارة عاش حياة اختبارية محفوفة بالإنجازات والنجاحات كشخصية فعالة في طريق العمل المؤثر.
* ما موقف «طالبان» من تقارب حكمتيار من الحكومة في كابل؟
- الإمارة منشغلة الآن بالمقاومة ضد الاحتلال الأميركي، وتعتبرها فريضة دينية ووطنية للشعب الأفغاني المسلم، وترحب بكل من يقف في وجه المحتلين ويؤدي مسؤوليته الدينية والوطنية، وعلى العكس من يلقي سلاحه أمام المحتلين وعملائهم تحت شعار السلام والمصالحة، ويسعى لإضفاء الشرعية على احتلالهم وعدوانهم فذلك عند الإمارة مبادرة مؤسفة ومحزنة.
* هل المُلا هبة الله قادر على لم شمل «طالبان» المتشتتين من صفوف الحركة؟
- كما أسلفت لا توجد أي خلافات وانقسامات في صفوف الإمارة، وقد التف جميع مقاتلي الإمارة حول الأمير الجديد وكلمتهم واحدة ولله الحمد.
أما بعض أولئك الأشخاص الذين حادوا الطريق عن الإمارة ويشنون حربًا دعائية ضد مقاتلي الحركة بمساندة من مخابرات إدارة كابل، فلا يُعتبرون أفرادًا بالإمارة، وبالطبع لا يعتبر خلافهم خلافًا بين مجاهدي «طالبان».
* يبدو أن عملية الربيع التي أطلقتها «طالبان» فشلت، ما الجديد عن هذه العملية؟
- إن العمليات العمرية التي أطلقتها الإمارة العام الحالي لم تفشل، بل إنها زلزلت العدو وأربكته أكثر من السنوات الماضية، وإن قادة الإمارة الإسلامية العسكريين يراقبون العمليات عن كثب، وهم على يقين أن الاستراتيجة العسكرية تتقدم بنجاح نحو الأمام وأنها أوصلت العدو إلى حالة سيئة، ولو دعت الضرورة إلى تغيير الخطط والتكتيكات الحربية، فستأتي التغييرات والتطورات الجديدة.
وستستمر هذه العمليات إلى عام، ولم يمض عليها الآن إلا شهران فقط، فوصفها بالفشل في بداية انطلاقها ناتج عن فهم خاطئ، وإن شاء الله ستكونون شاهدين على إنجازات كثيرة خلال الفترة الباقية من وقتها.
* هل ما زال مكتب قطر الممثل الوحيد لـ«طالبان»؟
- نعم كل إدارة انتخبت من قبل قيادة الإمارة الإسلامية تمثل الإمارة ما لم تتخذ القيادة أو الشورى قرار عزلها أو تقليص صلاحياتها، ومكتب قطر هو المكتب الممثل للإمارة الإسلامية في الشؤون السياسية بأوامر من القيادة، وهو يمثل الإمارة الإسلامية بناء على الصلاحيات التي منحت له.
* ما موقف «طالبان» من قتل المدنيين خصوصًا ما حصل أخيرًا من عمليات قتل وخطف للمسافرين في قندوز؟
- إن الإمارة قامت بتشكيل لجنة مستقلة لمنع خسائر المدنيين تسعى إلى منع وقوع الخسائر في صفوف المدنيين وإلى دفع الأذى منهم.
إن الإمارة تعتبر إضرار الأبرياء المدنيين جريمة إنسانية لا تعفوها الشريعة الإسلامية، وللأسف فإن المحتلين ارتكبوا أمثال هذه الجرائم بشكل مكرر وما زالوا يرتكبونها.
وأما الذين أُلقي القبض عليهم في قندوز فقد كانوا من جنود إدارة كابل، وقام مقاتلونا بأسرهم بعد معلومات استخباراتية دقيقة وشواهد موثوقة، وقد أفرج عن المدنيين بعد التعرف عليهم فورًا.
* ما علاقة «طالبان» بروسيا؟
- إن الإمارة تطمح إلى إقامة علاقات طبيعية مع دول المنطقة والمجاورة بما فيها روسيا، وخصوصًا مع الدول التي تعارض الاحتلال والوجود الأميركي في أفغانستان والمنطقة في الأوضاع الحالية، ففي العلاقات الطيبة واتخاذ موقف موحد حول مسألة ما خير للجميع، ولكن لحد الآن ليس لنا أي اتفاقية مع أحد بشكل رسمي.
* ما موقف «طالبان» من ظاهرة «داعش» التي تتوسع في أفغانستان؟
- إن «طالبان» كما هم منهمكون ليلاً ونهارًا بالقتال في سبيل الله لتطهير البلاد من رجس الاحتلال الأميركي، كذلك لا يسمحون لأحد أن يحدث الفوضى والبلبلة والفتن داخل البلاد، وبما أن وسائل الإعلام الغربية تضخم «داعش» وتطبل له وما هو إلا جزء من حربهم الدعائية المخيفة، ونحن نعتقد بأن مقاتلينا أحبطوا مخطط «داعش» مسبقًا الذي قامت مخابرات العدو بنسجه، فهو لا يوجد بهذا الكم الذي تروج له وسائل الإعلام الغربية.
* أين تعيش قيادات «طالبان»؟ هل ما زالت في باكستان؟ وما مدى التأثير الباكستاني على الحركة؟
- تعيش قيادات الإمارة في أفغانستان، لأن إدارة مثل هذه الحرب الكبيرة المعقدة لا تمكن من دون حضور القيادة، ولكن لا يمكن التغاضي عن أن «طالبان» حركة نابعة من المجتمع الأفغاني والملايين من الشعب الأفغاني ومئات الآلاف من العوائل يعيشون في باكستان وإيران وغيرهما من الدول، فمن الممكن أن تكون ضمنها عائلة قائد ميداني أو مجاهد عادي، وأما القول بوجود تأثير باكستاني على «طالبان» فما هو إلا مجرد دعايات لا حقيقة لها، وقد أثبتت «طالبان» مرارًا وتكرارًا أنهم أحرار مستقلون متعهدون إلى ثوابتهم ومصالحهم الوطنية.
* يتردد في العواصم الغربية أن «طالبان» ضعفت بعد وفاة المُلا عمر، هل هذا صحيح؟
- لو كانت هذه حقيقة لما كان المقاتلون في حالة هجومية ضد العدو في مختلف أنحاء البلاد، ولما كانت مراكز الولايات مهددة بالسقوط، ولما كانت المديريات تسقط واحدة تلو الأخرى بأيدي رجالنا، ولما نسفت قواعد العدو وثكناته في أرجاء البلد، ولما كان قتلى العدو من عناصر حكومية وجنوده العسكرية كل يوم بين ثلاثين إلى خمسين، ولما تقدم عشرات منهم إلى الاستسلام أمام «طالبان»، ولما هربوا من صفوف الجيش والشرطة.
والحقيقة أن «طالبان» لم تضعف بل تقوى وتشتد عزيمتها، وهذا مما اضطر الأعداء إلى الاعتراف بها.
* ما تعليقكم على ما يتردد في الإعلام الغربي عن الزعيم الجديد الملا هبة الله بأن خبرته في مجال القضاء، تفوق خبرته في مجال الحرب.. وأن الملا هبة الله له شخصية مستقلة ولا تؤثر فيه أبدًا المشاعر والعواطف، كما أن عمله في المحاكم أكسبه القدرة على ضبط النفس بشكل جيد؟
- لا شك أن الزعيم الجديد الشيخ هبة الله أخند زاده عالم محدث وفقيه ذو خبرة عالية في الأمور القضائية، وبما أنه قضى كثيرًا من عمره في ميادين الحرب، فهو أولاً ضد الروس والشيوعيين، ثم ضد عصابات الشر والفساد، وها هو الآن يقارع الاحتلال الأميركي منذ عقد ونصف العقد بلا كلل ولا ملل، ومن هذا المنطلق نستطيع أن نقول إن الشيخ يمتلك خبرة جيدة في جميع الأمور القتالية لا في مجال القضاء فحسب، وهذه حقيقة واقعية أنه ذو شخصية قوية وعزيمة صلبة لا تزعزعه التأثيرات السلبية أثناء اتخاذ القرارات.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.