تنويع مصادر الاقتصاد.. كلمة السر لتحقيق «رؤية المملكة 2030»

في إطار أكبر تحول اقتصادي في تاريخها

وزراء سعوديون أثناء مؤتمر صحافي لإعلان خطة التحول الوطني للمملكة في جدة أول من أمس (رويترز)
وزراء سعوديون أثناء مؤتمر صحافي لإعلان خطة التحول الوطني للمملكة في جدة أول من أمس (رويترز)
TT

تنويع مصادر الاقتصاد.. كلمة السر لتحقيق «رؤية المملكة 2030»

وزراء سعوديون أثناء مؤتمر صحافي لإعلان خطة التحول الوطني للمملكة في جدة أول من أمس (رويترز)
وزراء سعوديون أثناء مؤتمر صحافي لإعلان خطة التحول الوطني للمملكة في جدة أول من أمس (رويترز)

قررت السعودية تنفيذ خطة طموحة للتحول الوطني بحلول عام 2020، ترمي إلى تنويع المصادر غير النفطية للاقتصاد السعودي، وتوفير 450 ألف وظيفة في القطاعات غير الحكومية، وذلك بعد موافقة الحكومة السعودية على «برنامج التحول الوطني» في السادس من يونيو (حزيران) الحالي، كأحد البرامج الأساسية لتحقيق رؤية السعودية على الأجل الطويل حتى عام 2030.
وبعد تحقيق الموازنة السعودية لعجز قارب 100 مليار دولار خلال العام المالي الماضي متأثرًا بانهيار أسعار النفط العالمية، أصبح من الضروري إيجاد مصادر دخل بديلة يعتمد عليها الاقتصاد السعودي، وهو ما أدركته الإدارة الاقتصادية للبلاد ورسمته في خطة مستقبلية بعيدة المدى، ترمي إلى إصلاح نقاط الضعف الأساسية وحسن إدارة واستغلال الموارد المتاحة بشكل يضمن تعظيم عوائدها واستمراريتها للأجيال القادمة.
وتعد رؤية السعودية 2030 خطة بعيدة الأجل تهدف لتحويل المملكة إلى قوة استثمارية عالمية وتقلل اعتمادها على النفط كمحرك رئيسي للاقتصاد، وينظر إليها وإلى أبرز برامجها - خطة التحول الوطني - على أنها أكبر تغيير تقوده الحكومة في تاريخ المملكة.
* الأهداف الرئيسية لبرنامج التحول الوطني
تهدف خطة التحول الوطني إلى زيادة الإيرادات الحكومية غير النفطية بأكثر من ثلاث أمثالها إلى 530 مليار ريال (141 مليار دولار) بحلول عام 2020، مقارنة بـ163.5 مليار حاليًا (43.59 مليار دولار)، وذلك من خلال أكثر من 500 مشروع ومبادرة، وزيادة الأصول الحكومية بنسبة 67 في المائة، من ثلاثة إلى خمسة مليارات ريال (800 مليون إلى 1.33 مليار دولار).
بجانب تنويع مصادر الدخل غير النفطية وزيادة فرص العمل الجديدة في القطاعات غير الحكومية، يهدف البرنامج إلى خفض الإنفاق العام بنسبة 40 في المائة على مدى السنوات الخمس المقبلة من 45 في المائة حاليًا، بجانب تقليص دعم الماء والكهرباء بمقدار 200 مليار ريال (53.33 مليار دولار) بحلول 2020، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص للمساهمة في دفع عجلة التنمية وخلق فرص عمل، لتقليل نسبة البطالة بين السعوديين من 11.6 في المائة حاليًا إلى 9 في المائة بحلول 2020، ورفع نسبة مساهمة النساء في سوق العمل من 23 في المائة إلى 28 في المائة.
ويهدف أيضًا إلى زيادة الصادرات غير النفطية من 185 مليار ريال سعودي (49.33 مليار دولار) إلى أكثر من 300 مليار ريال (80 مليار دولار) بحلول عام 2030، كذلك زيادة الاستثمارات في السياحة من 145 مليار ريال (38.66 مليار دولار) إلى 171.5 مليار (45.73 مليار دولار)، وزيادة عدد الحجاج من 1.5 مليون شخص إلى 2.5 مليون سنويا، وعدد المعتمرين من سبعة ملايين إلى 15 مليونا سنويا.
هذا بالإضافة إلى تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر من 30 مليار ريال (8 مليارات دولار) إلى 70 مليارا (18.66 مليار دولار)، كذلك التخطيط لبناء مجمع دولي ضخم للصناعات البحرية من شأنه أن يوفر 80 ألف فرصة عمل، وخفض الواردات بـ12 مليار دولار سنويا.
* ميزانية البرنامج
أوضح وزير الدولة السعودي محمد بن عبد الملك آل الشيخ إنه سيتم تنفيذ المرحلة الأولى من البرنامج عبر 24 هيئة حكومية بميزانية قدرها نحو 270 مليار ريال (72 مليار دولار) خلال السنوات الخمس المقبلة، بالإضافة إلى مساهمة القطاع الخاص التي من المتوقع أن تصل إلى 300 مليار ريال (80 مليار دولار).
ومن المتوقع وفقا لخطة التحول أن يساهم فرض ضريبة للقيمة المضافة وضريبة على المشروبات المحلاة والتبغ ورسوم إضافية على القطاع الخاص في زيادة الإيرادات غير النفطية، وأكد آل الشيخ أن الضريبة الوحيدة التي تم الاتفاق عليها حتى الآن هي ضريبة القيمة المضافة التي تعتزم دول الخليج تطبيقها اعتبارا من 2018.
وأكد وزير الدولة أنه لن يكون للمبالغ المخصصة لبرنامج التحول الوطني أثر مالي كبير على ميزانية الدولة، ولن تمول الدولة البرنامج بفرض ضرائب جديدة على الدخل، وبحسب الوثيقة تشمل مبادرات برنامج التحول الوطني التي سيتم إطلاقها في عام 2016 إنفاق 150 مليون ريال (40 مليون دولار) على إعداد وتطبيق ضريبة الدخل على الأجانب العاملين في المملكة.
ومن المتوقع الاستفادة من أرباح صندوق الاستثمارات العامة السعودي، في تنويع مصادر دخل الاقتصاد الوطني، وذلك بعد تحويله إلى صندوق سيادي بأصول تقدر قيمتها بتريليوني دولار، ليصبح بذلك «أضخم» الصناديق السيادية عالميا، ومزيدًا من الإيرادات ستدخل إلى الموازنة العامة السعودية بعد طرح نحو 5 في المائة من أسهم شركة «أرامكو» الوطنية للاكتتاب العام وفقا لرؤية المملكة 2030، من خلال عائدات الضرائب ونسب من الإيرادات مقابل حقوق الانتفاع.
* تطوير الخدمات المقدمة للمواطنين جزء من الخطة
تسعى الخطة إلى رفع مستوى الخدمات التي تقدمها الحكومة وتعزيز جودتها من أجل تحقيق الكفاءة والفعالية في ممارسة أجهزة الدولة لمهامها واختصاصاتها على أكمل وجه والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة للمستفيدين.
وتشمل خطة التحول الوطني مئات المبادرات الحكومية التي وضعت لتحقيق عدد من الأهداف الاجتماعية بجانب الاقتصادية لتنفيذها خلال خمس سنوات، وتتضمن 4.7 مليار ريال (1.25 مليار دولار) لتطوير أقسام العناية المركزة والطوارئ في المستشفيات.
كما شملت المبادرات إعادة هيكلة وتنظيم قطاع البريد بتكلفة 2.1 مليار ريال (560 مليون دولار) وتأسيس هيئة للملكية الفكرية بتكلفة 5 ملايين ريال (1.33 مليون دولار) وتحسين أداء الخدمة المدنية بتكلفة 8 ملايين ريال (2.13 مليون دولار) وبرنامج للعناية بالتراث الحضاري للمملكة بتكلفة قدرها 3.5 مليار ريال (930 مليون دولار).
* تعزيز ريادة السعودية في مجال الطاقة وخاصة المتجددة
السعودية كأكبر مصدر للنفط في العالم تطمح في الحفاظ على صدارتها النفطية وتعزيزها مستقبلاً، وتسعى وزارة الطاقة إلى المحافظة على طاقة إنتاج النفط عند 12.5 مليون برميل يوميا، مع زيادة طاقة إنتاج الغاز إلى 17.8 مليار قدم مكعبة يوميا من 12 مليار قدم مكعبة حاليًا، وزيادة طاقة التكرير إلى 3.3 مليون برميل يوميا من 2.9 مليون وفقا لأهداف البرنامج الوطني. وأكد وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية خالد الفالح أن الوزارة تهدف في إطار البرنامج إلى تعزيز القدرة التنافسية لقطاع الطاقة السعودي، ومضاعفة إنتاج الغاز الطبيعي وتعزيز الصادرات غير النفطي، وأوضح الفالح أن هناك خططا لإنشاء عدد من المدن الصناعية يرتقب أن توفر 150 ألف فرصة عمل.
* طموحات كبيرة مع وجود تحديات
تهدف الخطة إلى إتاحة الفرصة للقطاع الخاص لتوفير مصادر جديدة للدخل وتعزيز عملية خلق الوظائف، لكن توجد مخاوف من صعوبة تمكن القطاع الخاص من القيام بدور فعال مع اعتماده بشكل رئيسي في العقود المنصرمة على الإنفاق الحكومي الذي بات يتراجع في ظل سعي الحكومة الحالي لترشيد النفقات.



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.