الفيلسوف ميشال أونفري والإسلام على المقاس الفرنسي

حين يموت الشعب ويجري تعويضه بجمهور يصنعه الإعلام

غلاف «التفكير في الاسلام»
غلاف «التفكير في الاسلام»
TT

الفيلسوف ميشال أونفري والإسلام على المقاس الفرنسي

غلاف «التفكير في الاسلام»
غلاف «التفكير في الاسلام»

بمنهجه الأركيولوجي القائم على البحث والحفر في الأرشيفات يذكر فوكو في كتابه «المراقبة والعقاب»، الذي لدينا ترجمة له بالعربية من طرف: د. علي مقلد، ومراجعة د. مطاع صفدي، عن مركز الإنماء القومي سنة 1990، قصة ذلك الجندي الفرنسي «روبيرت فرنسوا داميان» في أواسط القرن الثامن عشر الذي هاجم الملك لويس الخامس عشر بسكين فأصابه بجرح خفيف، فتم القبض عليه وحكم عليه بالإعدام سنة1757 صدر عن دار غراسيه، في مارس (آذار) الماضي، كتابا للنجم الإعلامي الفيلسوف ميشال أونفري Michel Onfray، بعنوان لافت هو: «التفكير في الإسلام» Penser L›Islam، وقد بات الكتاب متداولا اليوم في الإعلام المرئي الفرنسي، يثير نقاشا كبيرا، خصوصا بعد الهجمات التي تعرضت لها فرنسا.
ويعالج الكتاب الأسباب الحقيقية وراء تفجير فرنسا؟ ويحاول الإجابة عن سؤال: ما الذي يجعل الإسلام، بتعبير نيتشه، يتملك الصحة الجيدة؟ ويثير أسئلة من نمط: هل الإسلام واحد أم متعدد؟ ما دور الدعاية الإعلامية في تشكيل صورة نمطية عن الإسلام؟ هل الإسلام دين سلام أم دين حرب؟ حرفية النص وتأويله في الإسلام؟ وما العمل في حالة حدوث تناقضات بين متون المصادر في الإسلام، أي القرآن والحديث والسيرة؟ كيف يمكن لفرنسا أن تتعامل مع الإسلام في الداخل ببرغماتية، وتجعل منه قوة دافعة؟ هل يمكن تكييف الإسلام مع مبادئ الجمهورية الفرنسية؟ وأسئلة أخرى عميقة، من قبيل اللائكية والإسلام، والإسلاموفوبيا (الخوف من الإسلام)، والإسلاموفيليا (محبة الإسلام)، وغيرها.
والكتاب في حقيقته عبارة عن حوار مع الصحافية الجزائرية أسماء كوار، بخصوص الإسلام. ويقول أونفري عنه إنه ليس مكتوبا من طرف متخصص في الإسلام، ولكن هو كتاب مواطن يعد الإسلام، بالنسبة له، سؤالا فلسفيا. فهو يعلن منذ البداية أنه يريد التفكير في الإسلام بحرية.
* أنفري يلوم فرنسا
في البداية، يعلن أونفري رفضه للسياسة الفرنسية، ويعتبرها المسؤولة عما يحدث لها من عنف. فحينما قررت فرنسا أن تتدخل عسكريا في مالي، في يناير (كانون الثاني) 2013، سمحت لنفسها بالتدخل، قبل ذلك، في أراضي إسلامية كالعراق وأفغانستان وليبيا، فيما سماه أنفري بالحروب الاستعمارية الجديدة، كانت في حقيقة الأمر، تحضر لانتقام مؤجل ضدها. فإذا كان اللوم ينبغي أن يوجه لطرف، فبالأساس يجب أن يكون إلى فرنسا. فما يحدث لها من ردود عنيفة، ما هو إلا نتاج هجومها السابق، والمساهمة في تدمير مناطق إسلامية، وتدخلها في شؤون لا تعنيها. فلا يمكن لفرنسا أن تكون في مأمن، وأن لا تكون هدفا للهجوم عليها، وقد ساهمت في حروب على أراضٍ إسلامية.
هنا ينبه أونفري فرنسا إلى أنه إذا كانت قد قادت حملة إسلاموفوبيا على بعض الأراضي الإسلامية، فهي على العكس من ذلك، تقود حملة إسلاموفيليا في الداخل، معتقدة أن الإسلام في فرنسا لا علاقة له بالإسلام العالمي. وهذا بحسب أونفري، جهل بمعنى «الأمة» الذي يجمع المسلمين بأكملهم في العالم، ويلم شملهم في توليفة واحدة. فالإسلام ديانة لا إقليمية. وما زاد من حدة ذلك، هو الإنترنت الذي جمع المتفرقين في المكان والزمان ضمن المعمورة.
* دعوة إلى سياسة برغماتية
يشير أنفري في كتابه إلى أنه لا يمكن إنكار أن عودة الأديان إلى أوروبا عموما، وفرنسا خصوصا، قد أخذ صبغة إسلامية، وينبغي بحسبه، التعامل مع هذه العودة بعقل اسبينوزي (نسبة للفيلسوف باروخ اسبينوزا). أي بهدوء وحياد وجداني، ومن دون حقد أو تبجيل أو كراهية، وخصوصا من دون عمى، ومن دون حب قبلي أو أحكام مسبقة. فالمطلوب فقط، هو شيء واحد، هو الفهم والاستيعاب. ما دفع أنفري إلى أن يتخذ الأفق الأنواري كمرجع له، مذكرا بعبارة اسبينوزا التالية: «لا تضحك، لا تبك، لكن افهم».
فإذا كانت فرنسا قد مرت بأحداث مأساوية أخيرا، فهذا لا يعني من وجهة نظر الكاتب التعامل بانفعال مع الأمر، أو السقوط في مطلب الشفقة، الذي هو وقود الإعلام ورجال السياسة الباحثين عن النجاح في الانتخابات. فالإعلام ليس محتاجا لأن نفكر، ولكن لأن نشاهد في وقت الإشهارات الممولة، والرفع من نسبة المتفرجين، لهذا يتم الإكثار من برامج العنف والجنس والفضائح، وكل ما يخلق الإثارة. أما التفكير والتحليل، فهما منفران، ما يعني الخسارة المالية. فحتى شعار «أنا شارلي: Je suis charlie» الشهير، الذي تردد بعد تفجيرات يناير، اعتبره أونفري، مضللا، ومجرد دعاية إعلامية صارخة. لقد مات الشعب وتم تعويضه بجمهور صنعه الإعلام. فمنذ سنوات، لم تعد المدرسة هي المشكلة لوعي الناس. فقد فقدت هذا الدور، حيث تم بيعها للآيديولوجيين في السوق، لتعوض بالتلفاز والإنترنت وكل وسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت تصنع الحشود التي لا تفكر، بل تتجمع كرجل واحد بشعار «أنا شارلي».
كان أول سؤال طرحته الصحافية أسماء كوار على ميشال أونفري هو: هل لديك معرفة عميقة بالإسلام؟ ليجيبها: في الحقيقة، أنا أعرف المسيحية أكثر بحكم تربية والدي. لكن وكما قرأت التلمود اليهودي، قرأت وبتمعن، والقلم في يدي، القرآن وأحاديث الرسول وسيرته، وبعض ما تيسر من الكتب حول الإسلام. كما سافرت إلى العشرات من الدول الإسلامية كالجزائر، والمغرب، ولبنان، وتركيا، وفلسطين، والإمارات العربية. ما جعلني أرى التنوع الإسلامي وعدم تجانسه، مكتشفا في الوقت نفسه، أن البربرية التي يلصقها بعض الغرب على الإسلام هي مجرد حكم قيمة. فقتل الأبرياء وذبح الناس يعد شيئا بربريا بالفعل. لكن لا ينبغي نسيان أن الغرب كان معتديا بتدخلاته السافرة، بحثا عن الثروات، وخصوصا التي يمكن جنيها من بيع السلاح.
إذن فالرجل لا ينطلق من كونه يدعي التخصص في الإسلام، ولكن كما قال هو: قرأ المصادر المهمة للإسلام، ليسائل النصوص بحثا عن أجوبة للأسئلة التي أصبح الإسلام يطرحها على العالم، خصوصا مسألة العنف. فالموضوع بالنسبة إليه، يحتاج للتفكير حقا، وتجنب الدعاية الإعلامية ما أمكن.
ومن أهم ما جاء في حواره، هو تقسيمه إلى قسمين: إسلام الحرب وإسلام السلام.
فهناك من يضع نصب عينيه السور الحربية، من قبيل: الآية 7 التي جاءت في سورة الأنفال «ويقطع دابر الكافرين»، والآية رقم 5 من سورة التوبة، القائلة: «فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم». ومن جانب آخر، هناك من يقتطف من القرآن الآيات السلمية، من قبيل الآية 256 من سورة البقرة، القائلة: «لا إكراه في الدين}، والآية 32 من سورة المائدة: «من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا». وهنا يذكر أنفري بأن هذا الأمر موجود حتى في المسيحية واليهودية.
وبالعودة إلى سياسة بلده فرنسا، يقول إنفري إنه يعارض بالمطلق أي تفكير في عملية طرد المسلمين من الأرض الفرنسية. فالمسلمون أصبحوا يشكلون جزءا من التراب الفرنسي، وقول كهذا هو علامة على الدولة الكليانية. إن كون الإسلام يوجد في فرنسا، وهو في تزايد وتصاعد، ويظهر قوة، ويمتلك ما يسميه نيتشه «الصحة الجيدة»، يعد معطى واقعيا لا يرفع. فلا معنى لإرجاع المسلمين إلى ديارهم الأصلية، فهم في دارهم الثانية. لهذا يدعو أنفري الجمهورية الفرنسية إلى التعامل بذكاء شديد مع الإسلام في البلاد. فمثلا، إذا ما أخذنا المساجد، فهي وإن لم تكن ممولة بمال الشعب، فهناك من يستغلها للدعاية ضد مبادئ الجمهورية. لهذا وجب التعامل مع هذا الوضع ببرغماتية عالية، بحيث على فرنسا أن تعمل ما في وسعها لتعزيز الآيات السلمية، وتكوين أئمة يسهرون على ذلك، ومراقبة المساجد كي تخلو من الدعاية للإرهاب. هذا على مستوى الداخل. أما على مستوى الخارج، فقد آن الأوان لفرنسا، وهي دولة ضعيفة بحسب أونفري، أن تغير جذريا من سياستها الخارجية، وتوقف الإمبريالية العالمية، وفرض القانون على العالم تحت مسمى حقوق الإنسان، وتتخذ موقفا حياديا، ولا تقدم على الحرب إلا إذا كانت أرضها مهددة، وطبعا بعد استفتاء شعبي.
في الختام، قد نقول إن ميشال أونفري شخص غير متخصص في الإسلام، وأنه يتحدث في مجال لا يدرك تفاصيله. بل إنه اعتمد، حتى في دراسته للمصادر الإسلامية، على الترجمات، ولم يعتمد على اللغة العربية. نعم قد يكون لهذه الانتقادات ما يبررها. ولكن هذا لا يمنع من أن الإسلام لم يعد حكرا، منذ الآن فصاعدا، على معتنقيه القدامى، أو على دارسيه المتخصصين من المستشرقين. بل أصبح مشاعا، ويسري في كل بقاع العالم، ومتداولا على نطاق واسع. بكلمة واحدة، الإسلام أصبح قضية عالمية. لهذا فالفيلسوف ميشال أونفري، وهو للتعريف ملحد، يفكر في الإسلام من منطلق كونه أصبح جزءا لا يتجزأ من فرنسا. فهو أحد أركان نسيجه المجتمعي، ناهيك بأن قراءة المصادر في الترجمات ليست عيبا، بل هي وسيلة أساسية في التلاقح الحضاري. وهو ما يسمح بهذا الكم الكبير والكوني من النقاش حول الإسلام. فالقرآن ليس ملكا لأحد، بل لكل البشرية.
وأخيرا، هل يمكن القول: إن هناك إسلاما عالميا يتشكل وبمواصفات مختلفة، وتشارك في بناء تصوره كل البشرية؟



الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».