الفيلسوف ميشال أونفري والإسلام على المقاس الفرنسي

حين يموت الشعب ويجري تعويضه بجمهور يصنعه الإعلام

غلاف «التفكير في الاسلام»
غلاف «التفكير في الاسلام»
TT

الفيلسوف ميشال أونفري والإسلام على المقاس الفرنسي

غلاف «التفكير في الاسلام»
غلاف «التفكير في الاسلام»

بمنهجه الأركيولوجي القائم على البحث والحفر في الأرشيفات يذكر فوكو في كتابه «المراقبة والعقاب»، الذي لدينا ترجمة له بالعربية من طرف: د. علي مقلد، ومراجعة د. مطاع صفدي، عن مركز الإنماء القومي سنة 1990، قصة ذلك الجندي الفرنسي «روبيرت فرنسوا داميان» في أواسط القرن الثامن عشر الذي هاجم الملك لويس الخامس عشر بسكين فأصابه بجرح خفيف، فتم القبض عليه وحكم عليه بالإعدام سنة1757 صدر عن دار غراسيه، في مارس (آذار) الماضي، كتابا للنجم الإعلامي الفيلسوف ميشال أونفري Michel Onfray، بعنوان لافت هو: «التفكير في الإسلام» Penser L›Islam، وقد بات الكتاب متداولا اليوم في الإعلام المرئي الفرنسي، يثير نقاشا كبيرا، خصوصا بعد الهجمات التي تعرضت لها فرنسا.
ويعالج الكتاب الأسباب الحقيقية وراء تفجير فرنسا؟ ويحاول الإجابة عن سؤال: ما الذي يجعل الإسلام، بتعبير نيتشه، يتملك الصحة الجيدة؟ ويثير أسئلة من نمط: هل الإسلام واحد أم متعدد؟ ما دور الدعاية الإعلامية في تشكيل صورة نمطية عن الإسلام؟ هل الإسلام دين سلام أم دين حرب؟ حرفية النص وتأويله في الإسلام؟ وما العمل في حالة حدوث تناقضات بين متون المصادر في الإسلام، أي القرآن والحديث والسيرة؟ كيف يمكن لفرنسا أن تتعامل مع الإسلام في الداخل ببرغماتية، وتجعل منه قوة دافعة؟ هل يمكن تكييف الإسلام مع مبادئ الجمهورية الفرنسية؟ وأسئلة أخرى عميقة، من قبيل اللائكية والإسلام، والإسلاموفوبيا (الخوف من الإسلام)، والإسلاموفيليا (محبة الإسلام)، وغيرها.
والكتاب في حقيقته عبارة عن حوار مع الصحافية الجزائرية أسماء كوار، بخصوص الإسلام. ويقول أونفري عنه إنه ليس مكتوبا من طرف متخصص في الإسلام، ولكن هو كتاب مواطن يعد الإسلام، بالنسبة له، سؤالا فلسفيا. فهو يعلن منذ البداية أنه يريد التفكير في الإسلام بحرية.
* أنفري يلوم فرنسا
في البداية، يعلن أونفري رفضه للسياسة الفرنسية، ويعتبرها المسؤولة عما يحدث لها من عنف. فحينما قررت فرنسا أن تتدخل عسكريا في مالي، في يناير (كانون الثاني) 2013، سمحت لنفسها بالتدخل، قبل ذلك، في أراضي إسلامية كالعراق وأفغانستان وليبيا، فيما سماه أنفري بالحروب الاستعمارية الجديدة، كانت في حقيقة الأمر، تحضر لانتقام مؤجل ضدها. فإذا كان اللوم ينبغي أن يوجه لطرف، فبالأساس يجب أن يكون إلى فرنسا. فما يحدث لها من ردود عنيفة، ما هو إلا نتاج هجومها السابق، والمساهمة في تدمير مناطق إسلامية، وتدخلها في شؤون لا تعنيها. فلا يمكن لفرنسا أن تكون في مأمن، وأن لا تكون هدفا للهجوم عليها، وقد ساهمت في حروب على أراضٍ إسلامية.
هنا ينبه أونفري فرنسا إلى أنه إذا كانت قد قادت حملة إسلاموفوبيا على بعض الأراضي الإسلامية، فهي على العكس من ذلك، تقود حملة إسلاموفيليا في الداخل، معتقدة أن الإسلام في فرنسا لا علاقة له بالإسلام العالمي. وهذا بحسب أونفري، جهل بمعنى «الأمة» الذي يجمع المسلمين بأكملهم في العالم، ويلم شملهم في توليفة واحدة. فالإسلام ديانة لا إقليمية. وما زاد من حدة ذلك، هو الإنترنت الذي جمع المتفرقين في المكان والزمان ضمن المعمورة.
* دعوة إلى سياسة برغماتية
يشير أنفري في كتابه إلى أنه لا يمكن إنكار أن عودة الأديان إلى أوروبا عموما، وفرنسا خصوصا، قد أخذ صبغة إسلامية، وينبغي بحسبه، التعامل مع هذه العودة بعقل اسبينوزي (نسبة للفيلسوف باروخ اسبينوزا). أي بهدوء وحياد وجداني، ومن دون حقد أو تبجيل أو كراهية، وخصوصا من دون عمى، ومن دون حب قبلي أو أحكام مسبقة. فالمطلوب فقط، هو شيء واحد، هو الفهم والاستيعاب. ما دفع أنفري إلى أن يتخذ الأفق الأنواري كمرجع له، مذكرا بعبارة اسبينوزا التالية: «لا تضحك، لا تبك، لكن افهم».
فإذا كانت فرنسا قد مرت بأحداث مأساوية أخيرا، فهذا لا يعني من وجهة نظر الكاتب التعامل بانفعال مع الأمر، أو السقوط في مطلب الشفقة، الذي هو وقود الإعلام ورجال السياسة الباحثين عن النجاح في الانتخابات. فالإعلام ليس محتاجا لأن نفكر، ولكن لأن نشاهد في وقت الإشهارات الممولة، والرفع من نسبة المتفرجين، لهذا يتم الإكثار من برامج العنف والجنس والفضائح، وكل ما يخلق الإثارة. أما التفكير والتحليل، فهما منفران، ما يعني الخسارة المالية. فحتى شعار «أنا شارلي: Je suis charlie» الشهير، الذي تردد بعد تفجيرات يناير، اعتبره أونفري، مضللا، ومجرد دعاية إعلامية صارخة. لقد مات الشعب وتم تعويضه بجمهور صنعه الإعلام. فمنذ سنوات، لم تعد المدرسة هي المشكلة لوعي الناس. فقد فقدت هذا الدور، حيث تم بيعها للآيديولوجيين في السوق، لتعوض بالتلفاز والإنترنت وكل وسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت تصنع الحشود التي لا تفكر، بل تتجمع كرجل واحد بشعار «أنا شارلي».
كان أول سؤال طرحته الصحافية أسماء كوار على ميشال أونفري هو: هل لديك معرفة عميقة بالإسلام؟ ليجيبها: في الحقيقة، أنا أعرف المسيحية أكثر بحكم تربية والدي. لكن وكما قرأت التلمود اليهودي، قرأت وبتمعن، والقلم في يدي، القرآن وأحاديث الرسول وسيرته، وبعض ما تيسر من الكتب حول الإسلام. كما سافرت إلى العشرات من الدول الإسلامية كالجزائر، والمغرب، ولبنان، وتركيا، وفلسطين، والإمارات العربية. ما جعلني أرى التنوع الإسلامي وعدم تجانسه، مكتشفا في الوقت نفسه، أن البربرية التي يلصقها بعض الغرب على الإسلام هي مجرد حكم قيمة. فقتل الأبرياء وذبح الناس يعد شيئا بربريا بالفعل. لكن لا ينبغي نسيان أن الغرب كان معتديا بتدخلاته السافرة، بحثا عن الثروات، وخصوصا التي يمكن جنيها من بيع السلاح.
إذن فالرجل لا ينطلق من كونه يدعي التخصص في الإسلام، ولكن كما قال هو: قرأ المصادر المهمة للإسلام، ليسائل النصوص بحثا عن أجوبة للأسئلة التي أصبح الإسلام يطرحها على العالم، خصوصا مسألة العنف. فالموضوع بالنسبة إليه، يحتاج للتفكير حقا، وتجنب الدعاية الإعلامية ما أمكن.
ومن أهم ما جاء في حواره، هو تقسيمه إلى قسمين: إسلام الحرب وإسلام السلام.
فهناك من يضع نصب عينيه السور الحربية، من قبيل: الآية 7 التي جاءت في سورة الأنفال «ويقطع دابر الكافرين»، والآية رقم 5 من سورة التوبة، القائلة: «فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم». ومن جانب آخر، هناك من يقتطف من القرآن الآيات السلمية، من قبيل الآية 256 من سورة البقرة، القائلة: «لا إكراه في الدين}، والآية 32 من سورة المائدة: «من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا». وهنا يذكر أنفري بأن هذا الأمر موجود حتى في المسيحية واليهودية.
وبالعودة إلى سياسة بلده فرنسا، يقول إنفري إنه يعارض بالمطلق أي تفكير في عملية طرد المسلمين من الأرض الفرنسية. فالمسلمون أصبحوا يشكلون جزءا من التراب الفرنسي، وقول كهذا هو علامة على الدولة الكليانية. إن كون الإسلام يوجد في فرنسا، وهو في تزايد وتصاعد، ويظهر قوة، ويمتلك ما يسميه نيتشه «الصحة الجيدة»، يعد معطى واقعيا لا يرفع. فلا معنى لإرجاع المسلمين إلى ديارهم الأصلية، فهم في دارهم الثانية. لهذا يدعو أنفري الجمهورية الفرنسية إلى التعامل بذكاء شديد مع الإسلام في البلاد. فمثلا، إذا ما أخذنا المساجد، فهي وإن لم تكن ممولة بمال الشعب، فهناك من يستغلها للدعاية ضد مبادئ الجمهورية. لهذا وجب التعامل مع هذا الوضع ببرغماتية عالية، بحيث على فرنسا أن تعمل ما في وسعها لتعزيز الآيات السلمية، وتكوين أئمة يسهرون على ذلك، ومراقبة المساجد كي تخلو من الدعاية للإرهاب. هذا على مستوى الداخل. أما على مستوى الخارج، فقد آن الأوان لفرنسا، وهي دولة ضعيفة بحسب أونفري، أن تغير جذريا من سياستها الخارجية، وتوقف الإمبريالية العالمية، وفرض القانون على العالم تحت مسمى حقوق الإنسان، وتتخذ موقفا حياديا، ولا تقدم على الحرب إلا إذا كانت أرضها مهددة، وطبعا بعد استفتاء شعبي.
في الختام، قد نقول إن ميشال أونفري شخص غير متخصص في الإسلام، وأنه يتحدث في مجال لا يدرك تفاصيله. بل إنه اعتمد، حتى في دراسته للمصادر الإسلامية، على الترجمات، ولم يعتمد على اللغة العربية. نعم قد يكون لهذه الانتقادات ما يبررها. ولكن هذا لا يمنع من أن الإسلام لم يعد حكرا، منذ الآن فصاعدا، على معتنقيه القدامى، أو على دارسيه المتخصصين من المستشرقين. بل أصبح مشاعا، ويسري في كل بقاع العالم، ومتداولا على نطاق واسع. بكلمة واحدة، الإسلام أصبح قضية عالمية. لهذا فالفيلسوف ميشال أونفري، وهو للتعريف ملحد، يفكر في الإسلام من منطلق كونه أصبح جزءا لا يتجزأ من فرنسا. فهو أحد أركان نسيجه المجتمعي، ناهيك بأن قراءة المصادر في الترجمات ليست عيبا، بل هي وسيلة أساسية في التلاقح الحضاري. وهو ما يسمح بهذا الكم الكبير والكوني من النقاش حول الإسلام. فالقرآن ليس ملكا لأحد، بل لكل البشرية.
وأخيرا، هل يمكن القول: إن هناك إسلاما عالميا يتشكل وبمواصفات مختلفة، وتشارك في بناء تصوره كل البشرية؟



كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟
TT

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبياً في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت. في فرنسا فرض ديكارت نفسه. ربما لهذا السبب لم يصل الكتاب إلى الشعبية التي بلغها في بلدان أخرى».

إجابة ماركيز تبدو صادمة جداً، وغريبة في الوقت نفسه. فما علاقة ديكارت الفيلسوف الفرنسي الشهير برواية تُترجم إلى الفرنسية، وكيف أخضع ديكارت فرنسا وسيطر عليها كلياً حتى لا تتمكن من تقبل رواية من طراز «مائة عام من العزلة»؟

من جانب آخر، أستطيع أن أضع ثقافتنا الآن في مواجهة سؤال يشبه ما قاله ماركيز عن كبرياء الفرنسي العقلاني الذي رفض تذوق رواية من أميركا اللاتينية لأنها صدمت أركان العالم العقلي الذي بناه ديكارت للفرنسيين لـ«حمايتهم من الوهم والتأكيد على عالم التجربة المحدود الذي نعيش فيه».

بالنسبة لنا كقراء في ثقافة أخرى مختلفة عن الثقافة الفرنسية في كل شيء، أُعجبنا بأعمال ماركيز جميعها. لقد اعتبرنا كتاب أميركا اللاتينية صانعي رواية بامتياز. وانتشرت كتب ماركيز وبورخيس وكورتاثار وفوينتس وساباتو وغيرهم من الكتاب بيننا وما زلنا نقرأها. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل أضافت روايات ماركيز على أقل تقدير إيقاعاً جديداً على أعمال روائية تكتب وتنشر عندنا؟ أو بعبارة أكثر دقة: هل استفدنا من الواقعية السحرية في تغيير وجهة نظر الروائي العربي تجاه الواقع الذي يعيش فيه، ويكتب عنه؟ وإذا كان ماركيز فسر عدم انتشار روايته شعبياً في فرنسا بسبب التفكير العقلاني الذي يتمتع به الفرنسي فكيف نفسر انتشار رواية الواقعية السحرية بين القراء، ومن ضمنهم كتاب روائيون، دون أن نستطيع تحديد ملامح هذا التأثر الفني بهذا الاتجاه الفني الرائد، أعني هل لدينا نماذج روايات استلهمت الواقعية السحرية وقربت لنا الواقع بطريقة مختلفة بحيث جعلتنا نراه من زاوية أخرى؟ من خلال متابعتنا لما يكتب هنا وهناك، وجدنا أن هناك فجوة كبيرة بين الإعجاب بماركيز واستلهام تراث الواقعية السحرية. كما أن هناك اهتماماً قليلاً بمنهج الواقعية السحرية كفن يحاول أن يعلمنا تحطيم الحدود الشكلية للأشياء، والأهم من هذا يسعى الروائي الذي يستلهم الواقعية السحرية إلى التقليل من سيطرة العقل على العالم. وهذا أحد أهداف الواقعية السحرية المهمة.

ولو كان ماركيز متابعاً للأعمال الروائية الصادرة عندنا ربما لتعجب من عدد القراء المعجبين بأدبه مع قلة التأثر بهذا النوع من الأدب. لا أعرف كيف سيفسر ماركيز هذه الظاهرة الغريبة التي تندرج ضمن الإعجاب بأدبه دون أي تأثر بما كتب. فما زلنا نفكر بالعالم وكأنه كتلة تخضع لتفسير واحد وعلينا تصديق هذا التفسير... هذا ما يجعلني أقول إن ماركيز منفي عندنا كما نفته فرنسا قبلنا حين وضعته في سجن عقلها الديكارتي.

لكن كيف فهمنا الواقعية السحرية في نهاية المطاف. هل هناك رواية عربية تعاملت مع الواقع من خلال وجهة نظر خاصة تقودنا إلى الشعور بالعالم وهو يسير بسرعة فائقة أمامه؟ أليست هذه هي رسالة ماركيز أولاً، ورسالة واقعيته السحرية قبل كل شيء؟

بهذا الوعي تنفتح الواقعية السحرية على عالم الأشياء، وهنا في إطار هذا الإحساس الشفاف بالعالم تخضع التقنية لوجهة نظر الروائي فتندمج بها وتذوب بشكل كامل. التقنية مرآة تكشف لنا حقيقة العالم وإظهاره بصورة جديدة مختلفة. لذا سيكون تساؤلي بعد كل ما قلت: هل لدينا عائق ما من حدوث التغير الجمالي الذي يجعلنا نفكر بأسلوب جديد وبعاطفة أكثر تسامحاً؟ هل مرت عاصفة روايات ماركيز دون أن تحدث التغير المطلوب في طريقتنا المتعلقة برؤية العالم من حولنا؟

ليست الواقعية السحرية تكتيكاً سردياً يستخدمه الروائي للتأثير في القراء، كما أنها ليست نقلاً مباشراً للواقع كما نراه. تقترب الواقعية السحرية من الوجودية إلى درجة يختفي الحد الفاصل بينهما. وهنا يتشابه الروائي ذو الخيال الأكثر نقاء مع الوجودي الذي يكره سيطرة الاحتمال الواحد على الواقع. نحن إذن أمام تمرد كبير يحاول تخليصنا من الإحساس المتكرر بالعالم من حولنا وكأننا نقوم بالدور نفسه كل يوم متناسين أفعالنا الإنسانية وقلقنا الوجودي الذي لا يهدأ.

بعد هذه المقدمة لا بد من التوقف عند وجهة نظر محددة طرحها الناقد فاضل ثامر في كتاب «المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي». الحقيقة أحسست بأن الواقعية السحرية التي تحدث عنها ثامر في كتابه تختلف جذرياً عن الواقعية السحرية التي أشار ماركيز إليها في بعض أحاديثه ومقالاته وأعماله الروائية.

فعلى مستوى المفهوم استخدم فاضل ثامر ثلاث مفردات هي الغرائبي والفانتازي والواقعي السحري ظناً منه أنها كلمات مترادفة. والحقيقة أن هناك فرقاً بينها لا بد من إيضاحه، فما يستخدم في مجال النقد هو «Magico»؛ أي الواقعية السحرية، وهذا المصطلح هو الأكثر شهرة والأكثر استخداماً في إسبانيا وفي أميركا اللاتينية، والأدق في التعبير عن هذه المدرسة الفنية.

أما الغرائبي فهي مفردة تشير إلى ما هو غريب عن الواقع، وهي ليست أفضل من كلمة «الفانتازي»؛ هذه الكلمة المعربة التي تعني الوهم، ولا علاقة لهاتين الكلمتين بالواقعية السحرية. ولو عدنا إلى ماركيز فقد حاول تببين وجهة نظره التي ترتبط بالخيال كمفهوم نقدي قبل كل شيء.

إذن استخدام هذه الكلمات الثلاث مترادفاتٍ خطأ نقدي لا بد من الانتباه له. ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاعتقاد أن الواقعية السحرية هي مجرد أسلوب أدبي يمكن تعلمه بل هي وجهة نظر فكرية تنتقد أي تفكير يحاول السيطرة على الواقع ويفرض عليه طابعاً واحداً. إن قوة الرواية تأتي من هذا الإيمان بأن الحياة تنوع مذهل يصدم الإنسان ويدفعه للتساؤل والحيرة إزاء ما يراه.

لكن إذا عدنا لوجهة نظر فاضل ثامر فسنرى أن الواقعية السحرية شيء آخر يختلف كثيراً عما قدمه ماركيز، وما تحدث عنه. وفاضل ثامر يضرب مثلاً للواقعية السحرية بماركيز نفسه.

أظن أن الخطأ النقدي الثاني الذي وقع فيه فاضل ثامر هو محاولته تفسير ظهور الواقعية السحرية وكأن هذا النمط من السرد خضع لمنطق السبب والنتيجة، إذ لعبت الظروف في دفع الروائي إلى اللجوء لسرد غير تقليدي تماشياً مع تغييرات العصر. يقول فاضل ثامر «إن القاص العربي لم يعد قادراً على تصوير معاناة الإنسان في عالم شديد التعقيد بالأدوات الواقعية أو التقليدية التي كان معتاداً عليها، خاصة بعد أن راح هذا الإنسان يتعرض لسلسلة من الضغوط والإحباطات والعذابات التي لا يمكن قهرها أو مواجهتها» (ص 2).

هذا أحد أسباب تفضيل الروائي العربي للواقعية السحرية. لنتابع كي نتعرف على أسباب أخرى يعرضها الناقد لنا، يقول أيضاً: «كما يسهم هذا المنحى في تحرير السرد العربي من الرتابة والتقليدية والفوتغرافية والآلية ويكسبه المزيد من الشفافية والرهافة والفنية» (ص 3).

إذن هناك سبب فني أيضاً دفع الروائي لاختيار أسلوب الواقعية السحرية، ثم نصل إلى النقطة الأخيرة التي يقول فيها فاضل ثامر: «إضافة إلى ما تقدم فإن هذا المنحى الغرائبي والسحري والفنطازي يعيد سرد ما انقطع بين السرد العربي الحديث والموروث السردي والحكائي العربي القديم» (4).

الواقعية السحرية هي منحى أدبي لجأ إليه الروائي ليتمكن من وصف واقعه بأسلوب لا تستطيع الأدوات التقليدية فعله. وكانت هناك أسباب خارجية دفعت الروائي لممارسة هذا اللون من السرد، أهمها إمكانية تصوير الواقع بشكل أفضل كما بينا. لكن هل هذه الأسباب كل ما جعلت ماركيز هو ماركيز؟ هل هذه هي كل أسرار الواقعية السحرية التي عرضها لنا فاضل ثامر بأمانة كبيرة؟

أين الوعي النقدي بالواقعية السحرية كما تكشف عنها أحاديث ماركيز؟ أين فاعلية الخيال التي ترفض الاحتمال الواحد وتقدم الحياة على أنها أكثر رحابة وأكثر جمالاً؟ أين الصدمة التي تعرض لها ماركيز وهو يلمس في لحظة قصيرة فناء ماكوندو مدينته الأثيرة عنده؟

أسئلة أخرى لن نجد أجوبتها في الصورة التي رسمها فاضل ثامر لهذا المنهج السردي الرائع الذي أجد فيه صرخة ضد عقلانية الاحتمال الواحد.

ثم كيف نفسر إصرار الناقد على ربط الواقعية السحرية بأسلوب قديم سردي قديم يجد الناقد فيه بذوراً لواقعية سحرية قديمة. ولو أن الناقد فاضل ثامر عرف لنا الخيال، ولو أنه حلل ما قاله ماركيز عن عمله لوجد أن هناك مسافة كبيرة بين السرد الحكائي الموروث وسرد الواقعية السحرية. أظن أن مشكلة فهمنا للواقعية السحرية ينشأ من افتقار ثقافتنا للاهتمام بعنصر الخيال قبل كل شيء. إننا نجيد معركة الجدل والاستنتاج والبحث عن حقيقة وحيدة ومطلقة. وكل هذا يطبع وعينا ويجعله لا يهضم عملاً لماركيز أو بورخيس.

لست متفقاً مع الناقد في أن هناك بذوراً للواقعية السحرية في أنماط سردية قديمة يعددها الناقد فاضل ثامر مثل «ألف ليلة وليلة»، والسير والمغازي وسيرة عنترة بن شداد والسيرة الهلالية. وهنا أتساءل كيف لم تترك هذه السرديات المتنوعة فناً خاصاً بنا له ملامح واقعية سحرية قرأناها في أعمال أدبية شهيرة. فكل هذه الأنماط من السرد تضم ملامح واقعية ساذجة مطابقة للواقع أو تستخدم الوهم الذي يكرهه ماركيز أو تصف واقعاً معيناً وكأنه واقع ساكن ثابت لا ينتهي. مثل هذه الملامح السردية تحاربها الواقعية السحرية. وعلى النقد أن يقوم أولاً بتحديد المصطلحات ثم دراسة وجهة النظر النقدية الخلاقة التي تعلمنا إياها رواية حقيقية غير تقليدية وتستحق أن نقول بحق إنها رواية تعكس روح الواقعية السحرية.


هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري
TT

هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري

حين فاتحني الصديق الدكتور عارف الساعدي برغبته في أن أشارك في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة (السياب والبياتي وبلند الحيدري) أذهلتني الفكرة من حيث قيمة الوفاء لذاكرة الثقافة، ثم من حيث تحريك ذهني لمعنى الحديث عن ميلاد أي أحد بعد مائة عام من الحدث؛ ذاك الحدث الذي كان من حقه الأفول كما هي حال كل مواليد ذاك العام البعيد عنا زمناّ ومكاناّ ومعنى. وهذه لعبة مخاتلةٌ من ألاعيب الذاكرة التي تبتكر احتيالاتها الخاصة فتختار واحداً منا لكي يتذكر وهذا ليس اختياراّ عشوائياّ بدليل أن الذاكرة اختارت هذا الواحد لأمرٍ توسمته فيه وهو أن يحترم هدية الذاكرة، من حيث هي ذاكرةٌ ثقافيةً تحمل برهانها الخاص وعلامة ذلك هي الدهشة التي تختالنا مع مثل هذه الحالة العجائبية، وكيف اختارني عارف ليطلب مني طلباّ كهذا، وماذا لو اعتذرت منه بحجة ما، مثل أن أبتكر أي كذبةٍ يسمونها عادة بالبيضاء كي أتخلص.

بدر شاكر السياب

ولكني لم أبحث عن عذر، وكل ما قلته له هو «أبشر»، ولم أزد عليها، ولم أتردد عن استخدام كلمةٍ هي من موروثي الخاص فأنا أعيش في بيئة إذا قال أحدنا كلمة «أبشر» فهو يعلن الاحتفال بالوعد وهو وعدٌ محملٌ ببهجة البذل دون منةٍ ولا تسويف. وليس من عادتي أن أطلق «أبشر» بسهولةٍ لأنها كلمةٌ ذات حمولةٍ قيميةٍ عالية المعنى، والتراخي معها يحدث وحشةّ روحية لا تدع لحظاتك تمر دون أن تشعر بخجلٍ يحاصر معانيك وهذا ميثاق وفاء للذاكرة، تلك الذاكرة التي حركت الساعدي ومن ثم حركت الغذامي، وقد لا تكون الذاكرة هنا غريبةّ على الساعدي لأنه عراقي ولأنه شاعرٌ ولأنه معروف بالوفاء لذاكرة الثقافة العراقية ولشعراء العراق.

أما أنا فمحبٌّ للعراق وللذاكرة العراقية وهذا أكيدٌ عندي ولا شك، ولكن أن تتحرك ذاكرة مائة عام فهذه مسألة لها دواعيها الأخرى، وهي دواعٍ لن أحاول تحديدها لأني أرى أن الذاكرة تختارنا ولسنا من يختارها، وإذا هي اختارتنا دفعتنا للقبول دون تفكر، وهل تفكر الذاكرة...؟!، لن أقول نعم لأن الذاكرة تشتغل بشروطها الخاصة وشرطها غير عقلاني، إنه يحدث فقط. وإذا حدث تحقق، وستعتري الدهشة كل واحدٍ يتلقى خبراً عن ميلاد ثلاثةٍ سيكونون شعراء وسيمرون بحياة صاخبة، فيها نورٌ ونارٌ، وفيها بهجةٌ وانتصار بمثل ما فيها من وجعٍ، ولكنها ستصنع خريطةّ ثقافيةّ تلونها بألوانها الخاصة وهي ألوانٌ لا يمكن محوها وكلما غفلنا عنها أو نسيناها عادت لنا عبر سفراء لها مثل الساعدي.

وهنا نفتح صفحات الزمن ونقف نتبصر بحال مواليدَ دخلوا الدنيا غرباء وعاديين كغيرهم من أبناء جغرافيتهم، ولكنهم خرجوا من الدنيا بأصوات مدويةٍ تكتب أثرهم وتروي قصصهم، وتكتب لهم شهادات ميلاد غير تلك التي كانت لهم، وإنما هي شهاداتٌ كتبوها بدمهم وأرقهم وقلقهم وبمعانيهم التي احترقوا بها فأنضجتهم بمقدار ما أوجعتهم، وكل وجعٍ هو قصيدةٌ انتزعتها الروح من سكون النفس المكلومة لكي تتحول لقصيدةٍ ينشغل بها النقاد كما ستكون ميراثاّ إبداعياّ يوقع أجيالاّ بحبائل حيله عليهم لكي يوقعهم بصحبةٍ مع أشقياء الحياة ونسميهم صناع الحياة، أولئك الذين يموتون قبل غيرهم لأنهم كالسيف في غمده يأكل بعضه بعضاّ، كما وصف الفيلسوف الكندي أبا تمام وتوقع له موتاّ مبكراّ.

عبد الوهاب البياتي

وبعض الثلاثة عاش أطول من بعض، والسياب أسرعهم للموت وكأنه كان مستعجلاّ أكثر من رفيقيه، ولكنهم كلهم ماتوا مكفنين بالقصائد ووجع القصائد منذ صرختهم الأولى حتى صرختهم الأخيرة، أو بالأحرى صرخة الثقافة عليهم حين رحلوا وصار الكل يحبهم، وفي حياتهم كان الكل يلعنهم. هؤلاء الجنس البشري العجيب الذي لا يعيش إلا بالشقاء ولا يموت إلا تحت الشقاء، وكلهم تعرضوا للتشرد وكان لا بد لهم أن يتشردوا كي يبرهنوا على استحقاقهم الشعري، واستحقاقهم لمكانٍ أثيرٍ في الذاكرة ولكي نتحرك نحن لنتذكر أنهم ولدوا قبل مائة عام من هذه الوقفة التي نقفها عليهم وعلى صورهم في أذهاننا وأبيات قصيدهم في رؤوس أقلامنا نحن النقاد، وفي أشعار أجيالٍ من شعراء العرب ورثوا الشعر عنهم واستداموا شعلته بعد غيابهم.


رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين
TT

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

تلعب رواية «صيف مختلف... مذكرات سالم» للكاتبة الأردنية روند الكفارنة على وتر التنمية الذاتية لليافعين، وتخاطب فيهم الوجدان والعقل معاً.

اختارت الكاتبة أن تجعل روايتها الصادرة حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن، على صورة يوميات على لسان سالم؛ بطل القصة، إذ يبدأ حديثه باليوم الأخير في المدرسة فيقول: «هذا هو آخر يوم لنا في المدرسة، كنت أراقب السَّاعة على حائط الصفِّ وهي تقترب من آخر اختبار، رنَّ الجرس، قفزتُ من دَرجي، وناولت الأستاذ ورقة الاختبار، وانطلقتُ مُسرعاً تجاه الباب؛ مُعلناً أنَّ العطلة بدأت».

ولمجرد أن العطلة قد بدأت فلا يشغل بال سالم سوى اللعب والحلوى واللهو والنوم، معلناً أنه سيمارس هواية النَّوم حتَّى الظُّهر: «أسهَرُ حتَّى الصَّباح، فلا مدرسة، ولا مزيد من الطَّوابير الصباحيَّة. لا وجود للمدير الذي يصرُّ على انضباط الصفِّ، ورياضة الصَّباح، دون الاهتمام إن كان الطَّقس بارداً وماطراً، أو كانت حرارة شهر آب الذي يشبه خليَّة نحل، أو مُحرِّك درَّاجة ناريَّة، ودون أصوات الطَّلبة العالية، وحتَّى أستاذ الأحياء (فرج الله) بنظَّارته السَّميكة، وإشاراته الحمراء الكثيرة على دفتري، ثُمَّ من أخبره أنَّني أحبُّ مادَّتي الأحياء والجغرافيا؟».

وككثيرين من أبناء هذا الجيل فكل ما يشغل سالم هو اللعب واللهو والركض مع الرفاق، ولكن ليس كل شيء يتمناه الفرد يجده، فحين راودت سالم فكرة الراحة في الإجازة تذكر أن أمه ستدعو عمته وأبناءها لقضاء أسبوع في بيتهم، وبدأ يشكو من أبناء عمته وما يسببونه من إزعاج، كما أنه يشعر أن أمه لن تتركه دون أن تكلفه بمهام كثيرة، فيقول سالم: «عندما تكون الولد الأكبر، وتبدأ العطلة سيكون هنالك مهام كثيرة، ستستغلُّني أمِّي بعمل أشياء كثيرة لاعتقادها بأنَّ هذا يصنَعُ منِّي ولداً صالحاً، وهكذا أخبرتني أنَّه يترتَّبُ عليَّ تنظيف العِليَّة، فالعِليَّةُ تُشكِّل المخزن الرَّسميّ للعائلة، بها كلّ ما لا ترغب أمِّي في رؤيته، كانت جدَّتي ترفضُ رفضاً قاطعاً أن نقترب منها، لم تخبرني أبداً... ما المانع من عدم السَّماح لي أتجوَّل فيها ومُعاينة ما فيها؟».

وعندما بدأ سالم في تنظيف العِلّيّة لفت نظره مظروف مغلق يمكن القول إنه قد تسبب في تغيير أشياء كثيرة في شخصية سالم، وفي أحداث أيامه خلال فترة الإجازة الصيفية.

وعندما شاهد سالم رسائل كثيرة وحكى له أبوه عن الوقت الذي كانت تستغرقه المخاطبات والرسائل بين الناس، وأنهم كانوا ينتظرون أحياناً لشهر أو أكثر حتى تصلهم أخبار الغائبين أو المسافرين أخذ يفكر: «تأكَّدتُ أنَّنا نملك كثيراً من النّعَم بين أيدينا، إذا أحسنَّا ورشَّدنا استخدام التكنولوجيا، بما ينفعنا في حياتنا ومُستقبلنا. حقيقة هي نعمة كبيرة جدّاً يجب أن نشكر الله عليها».

وتختتم الكفارنة روايتها على لسان سالم الذي توصَّل إلى حكمة بعد كل ما رآه وعاشه، تُعدُّ خلاصة تجربته: «أظنُّ أنَّ الكُنوز تتعلّق بكيف تجعلنا سعداء وأنا اليوم سعيد، سعيد جدّاً، ولكنَّني توقَّفتُ عن العبث بمُكوِّنات أيّ عِليَّة في أيِّ مكان، يكفيني كلُّ ذلك، والغريب أنَّ ذلك لم يُعفِني من لعب الكاراتيه أبداً، وعندما عُدنا أخبرتني أمِّي أنَّ الدروس التي سآخذها ستكون مضاعفة لألحق بالطلَّاب الآخرين».

وللمؤلفة مجموعتان قصصيتان: «للأشياء أسماء أخرى»، و«ذاكرة متكسرة»، ورواية بعنوان «فستان أحمر».