جاك دريدا ومقاربة جديدة لمفهوم الكذب

أكثر تطابقًا مع الحقيقة وملتصق بالصورة التي تبرز الواقع وتلغيه

جاك دريدا ومقاربة جديدة لمفهوم الكذب
TT

جاك دريدا ومقاربة جديدة لمفهوم الكذب

جاك دريدا ومقاربة جديدة لمفهوم الكذب

شكل مفهوم الكذب، موضوعا بالغ الأهمية في الفكر الفلسفي مند بداياته الأولى. فالفلسفة بحث عن الحقيقة وسعي إليها. ولا يمكن بلوغ هذه الغاية إلا عن طريق تعرية أضدادها، المتمثلة في الوهم، والزيف، والأسطورة، والخيال. ولعل في الحوارات السقراطية ضد السفسطائية، والكهف الأفلاطوني، والتمييز بين الحقيقة والدوكسا (الفكر اليومي)، والحقيقة والدوغما، أبلغ مثال على هذا الأمر. يصنف الكذب في إطار اللاحقيقة. وهو مفهوم زلق متقلب، من الصعب الإمساك به وتصنيفه وتخليص الحقيقة منه. فنقيض الحقيقة له ألف وجه ووجه. ولا يمكن الإلمام به كليا، وبالحقل الذي يشغله، كما يعبر عن ذلك مونتيني، لأنه يشتغل في المناطق المظلمة، بين الذات والموضوع، الحقيقة والواقع، الحقيقة والوهم، النية الحسنة والنية السيئة. فيصبح الكذب أحيانا، أكثر الحقائق صدقا ويقينا، ويصدقه حتى أولئك الذين يعتقدون في قرارات أنفسهم، بأنهم أكثر الناس تحصنا ضده.
يحاول الفيلسوف الفرنسي، جاك دريدا (1930 - 2004) في كتابه تاريخ الكذب، الذي عمل على ترجمته وتقديمه الأستاذ أحمد بازي، عن المركز الثقافي العربي 2016. أن يعود إلى هذا المفهوم، من خلال مختلف المرجعيات الفلسفية التي قاربته على مدار تاريخ الفلسفة، بغية مساءلتها، والاحتفاظ بما يساعد على فهم منطق اشتغال الكذب في زمننا المعاصر، وفي الوقت نفسه، نقد مختلف التصورات التي لم تفلح في أن تحيط بهذا المفهوم إحاطة تامة.
عرض جاك دريدا لمقاربات كثيرة للكذب في تاريخ الفلسفة، باحثا فيها عما يمكن أن يساعده على فهم جيد له. لكنه في النهاية، يؤكد على أن هذه المقاربات، لا تحيط بالكذب كما أصبح معقدا في زمننا المعاصر. ليس الكذب خطأ كما ارتأى ذلك نيتشه. فقد نخطئ من دون أن نكون كاذبين. وليس الكذب phantasma، الذي يعني بالنسبة لليونان الخيال والخرافة. وهو ليس pseudos الذي يجمع بين الخطأ والخداع والتزوير بشكل معقد، كما هو وارد في محاورة هيبياس. كما أن الكذب ليس لا قصدية، كما هو وارد عند أفلاطون. فمن المستحيل أن نجد كذبا غير مقصود. وهذا ما يصححه أرسطو بتحديد أدق، حيث لا يعني الكذب عنده فقط فعل الكذب، وإنما نية إحداثه. إنه فعل ضد إيمان الشخص، أي أن الشخص يكذب، على الرغم من أنه مؤمن بعكس ذلك. والإيمان قدسية بالنسبة لأوغسطين، والصدق مقدس، والكذب ضد هذا المقدس. وبالتالي، يصبح قول الحقيقة بالنسبة لأوغسطين مقدسا. وهذا ما يتبناه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، جاعلا هذه القدسية عقلية وليست دينية فقط. وهو أكثر فيلسوف مؤثر في نظر دريدا في هذا المجال، حيث توقف عنده كثيرا. ربط كانط بين الحقيقة والصدق. الصدق ضد الكذب. والكذب ضد الحقيقة. قول الصدق واجب مقدس بشكل قطعي إلزامي ولا مشروط. فلا وجود حتى لكذب نافع. بل إن الكذب النافع جريمة في حق الواجب والأخلاق والإنسانية. لأن الكلام مع الآخرين أصلا وعد بقول الحقيقة، والكذب إخلاف لهذا الوعد، وفي الوعد توجد الحرمة والقداسة التي تطبع الوصية الأخلاقية لقول الصدق.
رغم الإغراء الذي تقدمه المقاربة الكانطية، إلا أنها بالنسبة لدريدا غير كافية لتقديم طرح واف للكذب وتعقيداته. فقد أعاد كانط الصدق إلى الذات. فالصدق أخلاق نابعة من الذات. والكذب هو الآخر، كذب نابع من الذات. الذات هي المركز. إلا أن هذه الذات في نظر دريدا، لا تعيش معزولة محصنة في قلعتها، تحلل وتحرم. بل إنها تنخرط في واقع وسياق ومجتمع وتاريخ. أي أن الجوانب التاريخانية للكذب، هي أكثر الجوانب المؤثرة فيه. ليس الكذب مرتبطا بالذات فقط، بل بالواقع والتاريخ والظروف. هكذا، من الضروري في نظر دريدا، أن نتجاوز طرحين اثنين غير دقيقين لمفهوم الكذب: الطرح الأول ينظر إلى الكذب كفعل مسيطر - كما هو وارد عند حنة آرندت التي اعتبرت أن هناك تحولا تاريخيا على مستوى الظروف والبنية والتجارب المشتركة المؤسسة لهذا المفهوم، حيث ترى أن الكذب قد اكتمل في هذا العصر بشكل كبير جدا، وتحول التاريخ، بشكل عام، إلى كذب بالمطلق. وكظاهرة أضحت شمولية مميزة للعصر، تنعزل عن الذوات التي تمارسها، كأن المسألة أضحت خارج قدرات الفرد الواعية، والطرح الثاني، أن ننظر إلى الكذب كفعل محصور في الذات الحرة المؤمنة، التي يجب أن تحتفظ بقدسية الحقيقة كما سبقت الإشارة لذلك عند كانط.
يتجاوز دريدا طرح إيمانويل كانط، وينطلق من طرح حنة آرندت، ليعمل على تخطيه هو الآخر بعد ذلك، ليربط بين الكذب وفعل الكذب. ففعل الكذب يتوجه إلى الآخرين، ولا يمكن الكذب إلا على الآخرين، قصد خداعهم وتضليلهم وإلحاق الأذى بهم، ودفعهم إلى الاعتقاد بأشياء يعرفون أنها غير صحيحة؛ حيث إن الكاذب يعرف حقيقة ما يعزم قوله، ويعرف كذلك الفرق الموجود بين ما يفكر فيه وما يقوله ولمن سيقوله، والنتائج المترتبة عن هذا، وإلا فلا نقول إن الكلام ينتمي إلى خاصية الكذب. وبالتالي، فالمقصد هنا، أولا وأخيرا، هو الأهم، حيث يتوفر على بعد إنجازي، ويرمي إلى خلق الحدث والدفع إلى الاعتقاد به. هكذا يمكن أن نجد منطقة حرة من السهل علينا أن نمسك فيها بالكذب، في ارتباطه، ليس بالأخلاق فقط، وإنما بالثقافة والمعتقد والسياسة، حيث ينبغي الكشف عن الأقنعة والتقنيات والوسائل الموظفة للقيام به.
انطلاقا من هذا التحديد، يدخل دريدا إلى صلب الموضوع ليربط الكذب بالسياسة، فالكذب وسيلة للحكم، والديماغوجية يمتهنها كل من في سدة الحكم؛ حيث أصبح بالإمكان التلاعب بالوقائع، حتى في العالم الحر، من طرف تنظيمات ضخمة تخدم مصالح أطراف معينة، تعمم العقلية المرتبطة بمصلحة الدولة. فيتم التلاعب على مستوى واسع بالآراء والأحداث، وحتى بحقائق معروفة من طرف الجميع. والرسم غير مطالب منه أن يطابق الواقع بل أن يحل محله. وبعبارة أخرى، غالبا ما يكون الفرق بين الكذب التقليدي والكذب العصري، هو الفرق ذاته الذي يوجد بين الحجب والنقض. لقد أضحى الكذب السياسي في هذا العصر، دراسة واستراتيجية. كما أن قول الحقيقة هو الآخر يخضع للمعايير نفسها، وبالتالي لا بد من البحث في الخصوصية التاريخية والسياسية والتقنية الإعلامية للكذب. فليست كل الحقائق صالحة للإفصاح. والأمر ليس مقدسا ولا مشروطا بالشكل الذي يريده كانط. أي أنه يجب الأخذ بالحسبان لكل الإكراهات التي يمكن افتراضها، والمراعاة بكل براغماتية للفرص المواتية، والعواقب المحتملة، وأشكال التعبير البلاغية المستعملة، ومشاعر المتلقي، سواء كان خاسرا أو مستفيدا. فيصبح من الضروري الاشتغال بمنطق جديد، وتجاوز الثنائية القائمة على الصدق والكذب عن طريق استحضار منطق الوعي والإنجازية. ولنأخذ على سبيل المثال، رفض بيل كلينتون الاعتراف بأن إلقاء القنبلة النووية على هيروشيما كان من دون مبرر، على الرغم من الشهادات المناقضة لذلك. ولنأخذ مثالا آخر: التصريح الذي أدلى به الوزير الأول الياباني موراياما لما عبر باسمه الخاص، عن أسفه الصادق والعميق، وبحداده الشخصي، عن الجرائم المرتكبة من طرف اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، في جميع أنحاء آسيا، من دون أن يلزم الدولة، ومن دون استحضار الإمبراطورية اليابانية. والأمثلة كهذه كثيرة جدا. فهل نطالب هنا بيل كلينتون بالالتزام بقول الحقيقة كواجب مقدس كما يرى كانط؟ وهل نقول إن اعتراف موراياما حقيقة أم كذب؟ وهل نرجع إلى الشخص الفاعل الذي يقصد بدقة ما يقول، أم نمضي كما ترى آرندت، ونربطه بالمشهد السياسي الكاذب بمجمله؟ هل تسعفنا ثنائيات الصدق والكذب، والنية السيئة والحسنة، لفهم كل هذه المظاهر؟ هكذا يصبح الكذب مختلفا تماما عن الخطأ، أو النقص الذي قد يعتري المعلومات أو الخبرات. وهو يستدعي العزم المقصود على إلحاق الأذى، وبالتالي لا بد من إعادة مساءلة الشهود والتواريخ والأرشيفات، حيث تنخرط وسائل الإعلام، إضافة إلى الجامعات والأساتذة والمثقفين. وبالموازاة مع ذلك، إعادة كتابة تاريخ للتزوير والنفي والإنكار. ولا بد من الكشف من داخل الدولة على مختلف التعبيرات والتعديلات الإنكارية، وكل عبث بالصور والمشاهد.
لم يعد الكذب هنا، ادعاء مناقضا للحقيقة فقط. كما أنه لا يمكن اعتباره جهلا. ولا يمكن كذلك إلحاقه بالكذب على الذات. فهو ينتمي إلى صنف آخر، بحيث لا يمكن اختزاله في مختلف المقولات التي ورثناها من أفلاطون إلى أوغسطين وروسو حتى كانط وآرندت. وبالتالي، من الضروري التفكير بطريقة جديدة لمقاربته، حتى لا نفتح الباب أمام انحرافات ذات طابع شمولي، ونتسلح بالأدوات الملائمة لفهم هذا الإشكال، فقط لأن الكذب كما يعرفه عصرنا، لم يسبق له مثيل. إنه كذب أكثر تطابقا مع الحقيقة، وملتصق بالصورة الواقعية التي تبرز الواقع وتلغيه في الوقت نفسه.



«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف
TT

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

بعد قراءة صفحات قليلة من رواية الكاتبة اللبنانية نجوى بركات «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت 2025) تدرك أنها رواية معنية بالشيخوخة وتداعياتها. خصوصاً الشيخوخة المقترنة بالوحدة، بالعيش المنفرد. نحن هنا في حضرة سيدة لبنانية ثمانينية تُدعى مي، تعيش بمفردها في طابق علوي من بناية سكنية مترفة في بيروت. تصحبنا نجوى بركات في جولة طويلة داخل أيام مي وروتينها المتكرر، ليس ذلك فحسب، إنما تجول بنا أيضاً في تلافيف ذهنها المتراوح بين الصحوة المرهفة وعوارض التآكل تحت وطأة ألزهايمر وما يصاحبه من المظاهر التدريجية للخرف وفقدان الذاكرة. المائة وخمس وعشرون صفحة الأولى من الرواية، أي نحو نصفها، مكرّسة للرصد المجهري لمعنى أن تكون امرأة عجوزاً وحيدة في المرحلة الأخيرة من عمرها، أو بالأحرى في نهاية المرحلة الأخيرة، المرحلة التي يتآكل فيها الجسد ويفقد قدرته على الاستقلال عن الآخرين والاعتماد على الذات، ويصبح محتاجاً للعون في أخص الخصوصيات مثل الاستحمام وتجفيف الجسد بعده وقضاء الحاجة وتمشيط الشعر وإعداد الطعام.. إلخ إلخ. كل ما نؤديه بغير تفكير ولا نتصور أن نشرك فيه أحداً طوال العمر يصبح جهداً فوق العادة ولا تجدي معه المكابرة. لكنه ليس الجسد فقط بل يفاقم من تداعيه التداعي الذهني أيضاً. يصبح العالم كله موضع ريبة. تسيطر علينا الأوهام والخيالات والمخاوف والتوجُّسات. نفقد الثقة حتى بمن نحن في أمسِّ الحاجة لعونهم.

تنفق نجوى بركات 125 صفحة في تصوير هذه المرحلة من الحياة في هذه الحالة الفردية، وتنغمس في أدق التفاصيل، سواء في الوصف الخارجي أو في تسجيل التداعيات الذهنية للشخصية. وما لم يكن القارئ مثابراً، منتبهاً لما تحاول الكاتبة فعله فقد يدركه السأم وينبذ الكتاب. أما أنا الذي عاين ناساً مروا بهذه المعاناة وعاشوا فيها سنوات قبل أن يوافيهم المخلِّص الأكبر، كما شاهدت العديد من الأفلام السينمائية الممتازة التي تناولت هذه الظاهرة المرضية ورصدت تطوراتها في تصوير واقعي تنفطر له القلوب (انظر مثلاً الفيلم الفرنسي Amour (الحب) 2012 للمخرج النمساوي مايكل هانيكه)، فقد كنت واعياً بما تحاول الكاتبة أن فعله، الذي لا يتحقق إلا بالقذف بنا بلا رحمة في أتون التحلل المتسارع لشخصيتها جسدياً وذهنياً، والذي لا يتحقق إدراكه إلا بالمكوث الطويل عند تفاصيل الحياة اليومية التي لا تستحق عادة الذكر أو الوصف إلا لأنها في الشيخوخة المريضة تصبح نضالاً بطولياً من أجل التمسك بأهداب الوعي والوجود الجسدي معاً.

لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لهذا الموضوع بهذه الكفاءة. من هنا كان إعجابي بالنص يزداد كلما أوغل في التفاصيل بإمعان «ناتورالي» أو طبيعي لا يتحرج من شيء ولا يتقزز من شيء كما عهدنا قديماً في أوصاف المدرسة الناتورالية وعَلَمها الأكبر، إميل زولا. في هذا النصف من الرواية لا يبدو أن جنس الشخصية ذو بال. هي امرأة اسمها «مي» لكن كان يمكن أن تكون رجلاً. أعني أن الوهن الجسمي والانحلال العقلي في الشيخوخة المتقدمة ليسا حكراً على جنس دون آخر، وعلى كل ما بين الجنسين من فوارق قد تبرز أو تتوارى في مراحل العمر المختلفة، ففي هذه المرحلة تتلاشى فوارق الذكورة والأنوثة ويتوحد طريق التحلل نحو النهاية. لكن الكاتبة امرأة ولعل المشاهدات الحياتية التي استقت منها الكاتبة خبرتها بالتجربة كانت ذات مصادر أنثوية، فمن الطبيعي أن يكون تجسيد الخبرة عن طريق شخصية مؤنثة.

إلا أن آخر ما كنت أتوقعه أن تتحول الرواية فجأة «وبقدرة قادر» إلى رواية نسوية، فننسى كل ما سبق لكي تجرّنا الكاتبة على غير إرادتنا في اتجاه آخر تماماً في القسم التالي من الكتاب، المعنون «هي»، الذي يستغرق 65 صفحة من الرواية. وليست «هي» إلا ميّ في شبابها، حين كانت ممثلة وكاتبة مسرحية واعدة. كنا في القسم الأول والأكبر من الرواية نتلقى نتفاً في السرد عن طفولة مي وعلاقتها بأبيها وأمها.. إلخ من ضمن تداعيات الأفكار في مونولوغها الداخلي الممتد والمتأرجح بين الذكرى والنسيان واختلاط الملفات. هذا القسم الثاني ينسى مي ويقطع الصلة بـ125 صفحة السابقة ويحكي لنا عن «هي» الشابة وكأنها شخص غير العجوز التي عاشرناها فيما سبق من الكتاب. وأعترف أني لم أفهم الحكمة من هذه البنية. إلا أن ما يثير الحفيظة النقدية فعلاً هو ما أسلفت من أن الرواية تنقلب فجأة وبدون تمهيد ولا ضرورة إلى رواية «نسوية» بالمعنى الآيديولوجي المألوف فهي قصة حب تعيسة بين مي في شبابها ورجل تجتمع فيه كل موبقات الشخصية الذكورية المجسدة لآفات المجتمع البطريركي المضطهد للنساء عقيدياً وممارساتياً. مي هي المرأة الموهوبة الذكية الجميلة المتفوقة التي لسوء حظها أو بفعل من عمى الحب تقع في براثن رجل مخاتل حسود قليل الموهبة والطموح سكيّر مقامر عنيف مستغل لها سارق لمالها بل ومقامر بجسدها حين ينفد ماله على مائدة القمار، وإن كان هذا لا يكفي فهو مجبر لها على إجهاض حمل كانت متمسكة به، وإذ ترفض أن يصحبها إلى طبيب ليجهضها، فإنه يتكفل بالمطلوب بضربها وركلها بوحشية حتى يسقط الجنين وتتعرض حياتها للخطر.

هذه قصة معروفة ومتكررة بلا حصر في الروايات النسوية وغير النسوية وفي الأفلام الميلودرامية.. إلخ. هل كنا حقاً في حاجة إلى أن تُعاد على مسامعنا على امتداد 65 صفحة وحيث تُصور الشخصية الذكورية تصويراً مسطحاً هي شر خالص بلا أي درجة من الرمادية، على نحو ما تمليه الآيديولوجية المبسطة التي تعتقد أن لا سبيل لتحرير المرأة وتعرية الظلم المجتمعي لها ونشره على الملأ إلا بتصوير الذكور في صورة شيطانية خالصة. لا أدري كيف وقعت نجوى بركات في هذا الفخ الواضح المكشوف؟ أكانت حقاً في حاجة لتلك الكتابة النمطية الساذجة بعد أن أبدعت في النصف الأول من الرواية في موضوع إنساني عام قلَّ من كتب عنه وصوَّره ذلك التصوير الدقيق غير المهادن كما فعلت هي. ومما يزيد الطين بلة أنه لا صلة حيوية بين الجزأين بمعنى أن معاناة «مي» مع ذلك الرجل المتوحش ليست هي ما وصل بها إلى الشيخوخة والوهن الجسدي والخرف العقلي، فتلك نهاية نصل إليها جميعاً على نحو أو آخر، سواء عشنا حياة جميلة أو تعيسة، والحقيقة أن مي كانت تجاوزت تجربة شبابها المؤلمة وتزوجت من رجل طيب يحبها وأنجبت منه توأماً وعادت إلى العمل والنجاح المهني. ومن هنا غياب الصلة العضوية بين الكتابة العفوية الإنسانية الكريمة في النصف الأول من الرواية، والانقلاب المؤدلج الساذج في القسم الثاني. تنتهي الرواية بمشهد يستدعى إلى الذاكرة عن طريق تناصٍّ لا أشك أنه مقصود – يستدعى المشهد الختامي لمسرحية تنيسي ويليامز الشهيرة «عربة اسمها الرغبة» (1947) حيث يسلم حارس العمارة مي إلى الطبيب ومعاونيه الذين جاءوا ليصحبوا مي إلى بيت للمسنين بتعليمات من ابنيها اللذين يعيشان في أميركا. لا تعود مي تعرف الحارس ومثل «بلانش ديبوا» في المسرحية تقبل مساعدته قائلة إنها «لطالما اعتمدت على لطف الغرباء». هكذا تفضي الشيخوخة بنا إلى حال من «الغربة» عن أنفسنا وعن الآخرين والعالم أجمع.

«غيبة مي» رواية أفلتت من يد الكاتبة على نحو مؤسف. كان بإمكانها أن تكون رواية أصيلة متميزة في موضوعها وفاتحة لباب جديد في الكتابة عن الشيخوخة، فإذا بها تنعطف لغير ما سبب في «سكة الندامة» التي انتهت بها رواية نسوية عقيدية ساذجة. من كان يريد أن يحظى من الرواية بأفضل ما فيها فليتوقف عن القراءة عند الصفحة 126، حيث كان يجب على الروائية أن تتوقف عن الكتابة. لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لموضوع الشيخوخة بهذه الكفاءة حتى الصفحة 126 حيث كان يجب أن تتوقف


حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام
TT

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

صدر حديثاً عن دار «المحرر»، في القاهرة، كتاب «أيام الغضب والحب»، للروائية المصرية نهى محمود، وهو كتاب سردي لا ينتمي إلى أي من الأنواع الأدبية المعروفة، بل نصوص مفتوحة، تقف على التخوم بين السرد واليوميات والتأمل؛ لذا آثرت المؤلفة أن تضع على الغلاف أسفل العنوان كلمة «نصوص»، تحاشياً لحصر الكتاب في لون أدبي بعينه.

يتكون الكتاب من خمسة عشر فصلاً قصيراً، تحمل عناوين دالة مثل «الكثير من الحزن والإندومي»، و«الرايات الخضراء في قلبي»، و«الحب والغضب مشعلاً الحرائق الرائعة»، و«عن الأشياء المحببة البغيضة»، ينفتح فيها السرد على مشاعر متناقضة، بين الحب والغضب والفقد والأمومة والعزلة، عبر لغة تلامس تخوم الشعرية، دون أن تفقد طاقاتها السردية والحكائية، مع مراوحات بين تأمل الذات وتأمل العالم من حولها، والوقوف على الحدود الفاصلة بين متناقضات شتى، كما تشير في أحد العناوين بشكل مباشر «هناك في البين بين». فهذه البينية تنتظم الكتاب كله، من حيث البناء الجمالي والشكلي للنصوص، وأيضاً من حيث الموضوعات والقضايا المسرود عنها داخل هذه الوحدات السردية.

في فصول الكتاب، تحضر تفاصيل حياتية مثل علاقة الكاتبة بابنتها، أو بأمها، كما أن ثمة حضوراً واضحاً لأفلام سينمائية مصرية وعالمية، كما تبرز أصناف متعددة من الطعام، وربط الكاتبة بين حالاتها وعلاقة ذلك ببعض الأفلام والأطعمة، فتنتقل من الذاتي إلى الموضوعي، وينفتح اليومي والعادي على الوجودي والنفسي، مثلما تقول في أحد المواضع «مررت طوال الشهور السابقة بحالة من التجمد، ليست مثل تلك التي تصل لها الأطعمة المجمدة في الفريزر».

ونهى محمود كاتبة وصحافية مصرية. صدرت لها روايات «راكوشا» و«الحكي فوق مكعبات الرخام» و«هلاوس» و«سيرة توفيق الشهير بـ توتو»، وكتب سردية منها «بنت من ورق» و«كراكيب نهي»، والمجموعتان القصصيتان «الجالسون في الشرفة حتى تجيء زينب» و«السير في طرق ممتدة وبعيدة».

من أجواء الكتاب نقرأ: «تحتاج مشاعر غامضة مثل الحب والغضب إلى وعي جمعي، بشر يكتبون عنها كثيراً، ويتكلمون في حلقات حميمية أو جلسات علنية تذاع عبر وسائل التواصل وغيرها، ليشعر البشر كيف أن غيرهم أيضاً يشعر بما يملأ قلوبهم، وأن الأمر لا يخص واحداً سيئ الحظ، وإنما لعنة جماعية تصيب الجميع.

أحياناً أو طوال الوقت، أضيّع سنوات من عمري... أخبط رأسي في الباب المغلق ذاته، ولا تجيء على خاطري أي فكرة أخرى سوى الاستمرار في الطرق، حتى يمر عابر بالصدفة، ويشير لي إلى مقبض الباب، أنظر نحو المقبض بدهشة، أديره وأخرج».


باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
TT

باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)

يلتقي جمعٌ من المثقفين والأكاديميين السعوديين، في ندوة تبحث في العلاقة بين الثقافة والسياحة، تستضيفها محافظة الطائف (غرب السعودية)، أشهر الوجهات السياحية في المملكة، والمسجلة ضمن المدن المبدعة في الأدب في منظمة «اليونيسكو».

وتحمل الندوة عنوان: «الثقافة والسياحة... القيم المشتركة»، وتنظمها مؤسسة «أدب» الثقافية، ومركز عبد الله بن إدريس الثقافي، حيث تأتي في إطار تعزيز التكامل بين القطاعين الثقافي والسياحي، وإبراز الدور الذي تؤديه الثقافة في دعم التنمية السياحية، واستثمار المقومات الحضارية والتراثية التي تزخر بها البلاد، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وتتناول أوراق العمل التي يشارك فيها نخبة من الباحثين السعوديين؛ العلاقة بين الثقافة والسياحة من جوانبها الفكرية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في إثراء الحوار الوطني وتبادل الخبرات. ويتضمن برنامج الندوة ثلاث جلسات علمية وحواراً ثقافياً مفتوحاً مع الخبراء المشاركين.

وتحمل الجلسة الأولى، عنوان: «الثقافة والسياحة.. القيم المشتركة بين الثقافة والسياحة (المفاهيم والمرتكزات)»، ويديرها عطاء الله الجعيد، ويشارك فيها الدكتور سعود الصاعدي بورقة عنوانها: «جدلية السياحة والثقافة بين المعالم والمفاهيم نحو نموذج مشترك»، والدكتور عبد الله المطيري، بورقة عنوانها: «هبة الأرض: تأملات أولية في السياحة»، والدكتور محمد اللويش، بورقة عنوانها: «حديث المكان: بناء الهوية الثقافية وتشكيل الوعي السياحي»، والدكتور ماهر الشبل بورقة بعنوان: «من الرحلة إلى الفكرة».

أما الجلسة الثانية فتحمل عنوان: «الثقافة وصناعة التجربة السياحية من الموروث إلى الجاذبية»، وتديرها الدكتورة مستورة العرابي. ويشارك فيها الدكتور إبراهيم البعيز بورقة بعنوان: «دور الإعلام في تجسير العلاقة بين الثقافة والسياحة»، والدكتور صالح زمانان بورقة بعنوان: «المسرح والفنون الأدائية في التنمية السياحية: مقاربة ثقافية في السياق السعودي»، والدكتورة رانية العرضاوي، بورقة بعنوان: «الرحلة السياحية الثقافية: هوية المكان وصناعة الذاكرة الجاذبة».

أما الجلسة الثالثة فتحمل عنوان: «الهوية الثقافية وصورة المكان في الوعي السياحي»، ويدبرها الدكتور أحمد الهلالي، ويشارك فيها: سليمان الناصر، بورقة بعنوان: «من الجغرافيا إلى المعنى: القيم التي تسمو بالسفر»، والدكتورة نورة القحطاني، بورقة بعنوان: «الهوية الثقافية وصناعة صورة المكان: مقاربة من منظور الدراسات الثقافية على التجربة السعودية»، وسلطان البازعي، بورقة بعنوان: «الثقافة... عنصر جذب سياحي»، والدكتور ياسر المطرفي، بورقة بعنوان: «الحج مختبراً ثقافياً: مشروع مقترح في ضوء نموذج الأبعاد الثقافية».