الفالح: يجب البحث عن طرق جديدة لإعادة «أوبك» منظمًا رئيسيًا للسوق

وزير الطاقة السعودي لم يستبعد وضع سقف للإنتاج «متى احتاج الأمر»

وزير الطاقة السعودي خالد الفالح
وزير الطاقة السعودي خالد الفالح
TT

الفالح: يجب البحث عن طرق جديدة لإعادة «أوبك» منظمًا رئيسيًا للسوق

وزير الطاقة السعودي خالد الفالح
وزير الطاقة السعودي خالد الفالح

على باب الجناح في أحد الطوابق العلوية في فندق «بارك حياة» الفاخر في قلب فيينا كان يقف هناك «الكوبرا»، وهو الاسم الذي أعطاه وزير البترول السابق علي النعيمي لذلك الحارس الشخصي الذي لازمه لسنوات طويلة، واستمر يحرس وزير الطاقة خالد الفالح من بعده. أما في الداخل، فكان الفالح ينتظر الصحافيين في غرفة الاستقبال على الأريكة، وعلى يمينه نائبه الأمير عبد العزيز بن سلمان، الذي كان نائبا للراحل هشام ناظر وللنعيمي، وعلى مقربة منه كان نبيل الجامع، أحد نواب الرئيس في «أرامكو السعودية» الذي حضر مع الفالح أول اجتماع لهما في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) الخميس الماضي. وفي استقبال الصحافيين، كان هناك محافظ المملكة في «أوبك» الدكتور محمد الماضي، والممثل الوطني للسعودية فيها الدكتور ناصر الدوسري.
وقبل دخول الصحافيين، كان الفالح يشاهد الأخبار على شاشة تلفاز ضخمة؛ إذ كان قد عاد لتوه من مبنى «أوبك» بعد يوم طويل وحافل انتهى نهاية سعيدة، حيث اتفق الوزراء على اختيار أمين عام جديد للمنظمة هو النيجيري محمد سنوسي باركيندو بعد ثلاث سنوات من الخلافات حول المرشحين.
وبعد أن أخذ جميع الصحافيين أماكنهم، بادر الفالح الذي بدا هادئا وسعيدا بانتصاره ذلك اليوم، بسؤالهم عن رأيهم في نتيجة الاجتماع؛ إذ بجانب تعيين باركيندو، لم تتفق «أوبك» على وضع أي سقف للإنتاج، وهو الأمر الذي انقسم حوله المحللون؛ فترك «أوبك» تنتج بلا سقف يراه البعض فشلا، في حين يراه البعض نجاحا هذه المرة؛ إذ إن السوق في أفضل حالاتها، كما يقول رئيس شركة «جي بي سي للاستشارات» يوهانس بنيني.
وقال بنيني أمام مبنى «أوبك» لوكالة «بلومبيرغ» أثناء انعقاد الاجتماع، إن «النتيجة المتوقعة اليوم هي ألا تضع (أوبك) سقفا للإنتاج، مع نمو الطلب على النفط، وتوسع حصتها السوقية في ظل هبوط الإنتاج من خارج (أوبك) نتيجة هبوط الأسعار منذ أن قررت (أوبك) في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014 الدفاع عن حصتها السوقية، وترك الأسعار تهبط لحد يخرج فيه كل المنتجين غير القادرين على المنافسة من السوق».
* لماذا «أوبك» من دون سقف؟
وشرح الفالح للصحافيين السبب الذي دفع «أوبك» إلى عدم اتخاذ قرار حيال فرض سقف جديد للإنتاج، قائلا: «إن فكرة السقف ستضعنا في معضلة؛ لأننا لو وضعنا سقفا للإنتاج أقل من المستوى الفعلي الحالي للإنتاج فإن هذا يعني أننا سنعكس ما قمنا به وهو ترك السوق تنمو، ولو وضعنا سقفا للإنتاج عند أو أعلى من المستوى الفعلي فإننا وقتها لم نقم بعمل شيء». ويضيف: «ولهذا اتفقنا على أنه من السابق لأوانه أن نتدخل، وقررنا ترك قوى السوق بالاستمرار في البحث عن إيجاد سعر لتوازن العرض مع الطلب».
ولكن الفالح لم يستبعد فكرة سقف الإنتاج نهائيا، وأوضح أن «أوبك» قد تضع سقفا للإنتاج متى ما احتاجت إلى ذلك.
إلا أن الفالح أكد للصحافيين، أن «أوبك» لن تعود إلى استخدام طرقها القديمة لتوازن السوق، وأن على الوزراء أن يبحثوا عن طرق جديدة لكيفية جعل المنظمة أكثر فاعلية في لعب دورها الرئيس منظما للسوق.
لقد جربت «أوبك» الكثير من الطرق حتى الآن، كما يقول الفالح، «لقد جربت تحديد الأسعار، وتحديد الإنتاج من خلال سقف للإنتاج أو من خلال نظام الحصص. وجربت ترك الأسعار للسوق، وجربت وضع نطاق سعري للنفط تدافع عنه». «مع كل طريقة جربتها (أوبك) كانت هناك عيوب»، كما قال الفالح، وهو ما يعني أن «رحلة (أوبك) لاستكشاف نظام جديد ستستمر ولن تتوقف».
ونظام الحصص هو أقدم نظام استخدمته «أوبك»، وهو أعقد نظام كما قال عنه وزير الطاقة القطري السابق عبد الله العطية، حيث إن الأعضاء يلجأون إلى الغش وزيادة إنتاجهم، وتقديم أرقام غير صحيحة لسكرتارية المنظمة. وكان وزير النفط الإيراني بيغن نامدار زنغنه قد صرح قبل اجتماع الخميس الماضي، بأنه يريد عودة «أوبك» إلى نظام الحصص؛ إذ لا قيمة للسقف من دون الحصص. لكن تطبيق نظام الحصص صعب في الوقت الحالي، وفي أوضاع سوق مثل هذه. ومن ألد أعداء نظام الحصص هو محافظ المملكة في «أوبك» الدكتور محمد الماضي، الذي أوضح في نقاشات كثيرة له داخل اجتماعات المحافظين، أن سوق النفط اليوم تنافسية وليست احتكارية مثلما كانت في الثمانينات، عندما كانت «أوبك» تحتكر 60 في المائة من الإنتاج العالمي، وكانت هي المنتج الهامشي، أي صاحب آخر براميل تدخل للسوق.
وفي نظر محمد الماضي، فإن المنتج الهامشي اليوم هم المنتجون أصحاب التكلفة العالية الذين تطورت أساليب إنتاجهم وأصبحوا منافسين شرسين. كما أن الماضي في خلال لقاءاته مع المحافظين كان يحذر من أي وسيلة لتقييد الإنتاج مثل الحصص في وقت السوق تتوسع فيه وهو الوضع الحالي؛ إذ إن الطلب ينمو بشكل كبير من مطلع 2015. وبما أن اجتماع الثاني من يونيو (حزيران) انتهى من دون أي سقف أو حصص، فإن الكثير سعداء باستثناء الجزائر وفنزويلا اللذين جاءا للاجتماع بحثا عن طرق لتجميد إنتاج «أوبك» أو حتى خفضه؛ لأنهما في حاجة إلى أسعار أعلى حتى على حساب حصة «أوبك» السوقية.
* جهود خليجية
ورغم كل الاختلافات في وجهات النظر، إلا أن الفالح قاد الاجتماع إلى بر الأمان، ولم يكن هو الوحيد الذي لعب دورا في تهيئة الأوضاع وتقريب الخلافات، بل ساهم كل وزراء الخليج في ذلك.
فالوزير القطري محمد السادة هو رئيس «أوبك» هذا العام، والتقى غالبية الوزراء الغاضبين وتوصل معهم إلى نقاط تفاهم، والوزير الإماراتي سهيل المزروعي مؤيد للموقف الخليجي. وحتى وزير المالية الكويتي أنس الصالح الذي حضر اجتماعه الثاني بصفته وزيرا مكلفا للنفط التقى وزير النفط الإيراني في ساعة متأخرة جدا ليلة الاجتماع، وحاول إقناعه بالخروج باجتماع إيجابي. وكان الفالح من أول يوم حضره إلى فيينا عازما على إنقاذ «أوبك» والخروج بنتيجة إيجابية في أول اجتماع له بعد أن فقدت المنظمة أهميتها بسبب الخلافات حول حصص الإنتاج.
ورغم كل هذا الاهتمام في «أوبك» إلا أن الفالح قال للصحافيين، إنه لا يريد التعليق وإبداء وجهة نظره في المنظمة؛ لأنه ما زال جديدا عليها، ولكنه أكد أن العالم لا يزال في حاجة إلى «أوبك»، وأنها لا تزال لديها دور تلعبه؛ فهي المنظمة الوحيدة حاليا التي تستطيع حماية السوق من صدمات الأسعار.
* اكتتاب «أرامكو»
ولم تنته أسئلة الصحافيين، الذين جلسوا للاستماع إلى الفالح في جناحه عند حد «أوبك»، بل سألوه أيضا عن الشيء الأهم الآن، وهو اكتتاب شركة «أرامكو السعودية» الذي سيكون الاكتتاب الأكبر في العالم.
وتحدث الفالح كثيرا عن الاكتتاب؛ إذ أوضح أن «أرامكو» ستوسع أنشطتها عالميا بعد الاكتتاب؛ فهي الآن لديها الكثير من الاستثمارات العالمية في قطاع المصب والتكرير. ولكن «فيما بعد الطرح العام الأولي، وحتى مع استعدادنا للطرح العام الأولي، ستجدون (أرامكو) مهتمة جدا بالاستثمار في قطاع المنبع العالمي».
وقطاع المنبع هو قطاع إنتاج النفط والغاز، وقال الفالح، إن التركيز سيكون على الاستثمارات في الغاز عالميا أكثر من النفط. ولم يعط تفاصيل عن مشروعات الغاز التي ينوي استهدافها، إلا أن المحلل النفطي الدكتور محمد الرمادي قال لـ«الشرق الأوسط»: «في نظري أن (أرامكو) ستتجه للبحث عن أصول للغاز الصخري؛ فهي تعمل مع (سابك) حاليا، و(سابك) تبحث عن استثمار في الغاز الصخري في أميركا الشمالية».
وأحد الأمور الشائكة بالنسبة للمصارف العالمية حول اكتتاب (أرامكو) هي سياسة الشركة للحفاظ على طاقة إنتاجية فائضة يتم استخدامها وقت الأزمات، معتبرين هذا الأمر غير مجدٍ؛ لأنها أصول غير مستخدمة ولا يوجد شركة نفط عالمية مساهمة لديها أمر مماثل.
ورد الفالح على هذا التساؤل قائلا: إنهم سيقنعون المستثمرين بأن الإبقاء على الطاقة الإنتاجية الفائضة أمر ذو مردود على المدى الطويل، كما أنه على المستثمرين «أن يتقبلوا هذه السياسة للشركة إذا ما أرادوا الحصول على أسهم في الشركة ذات أقل تكلفة إنتاجية في العالم».
وأوضح الفالح أمرا مهما آخر، وهو أن أسعار الطاقة محليا، وسياسات الإنتاج والإبقاء على الطاقة الإنتاجية الفائضة بعد الاكتتاب، قرارات ستكون على مستوى الحكومة وليست على مستوى الشركة.
ومن الأمور التي ستتغير هو النظام المحاسبي لـ«أرامكو» لكي يتمكن المستثمرون من فهم أعمالها. ومن بين الأمور التي يجري مناقشتها حاليا مع الحكومة هي النظام الضريبي للشركة وشكله الجديد بعد الاكتتاب.
وتدرس «أرامكو» خيارات بشأن طرح أقل من 5 في المائة من قيمتها، تشمل إدراجا في البورصة المحلية، أو إدراجا مزدوجا يتضمن سوقا أجنبية. والطرح العام الأولي جزء رئيسي في جهود المملكة لإصلاح الاقتصاد. وقال الفالح، إن الإطار الزمني المستهدف لإدراج «أرامكو» بحلول 2018 «معقول».
إلا أن الأولوية الحالية ستكون لإدراج أسهم الشركة الأم وليست شركات التكرير التابعة، كما أوضح قائلا: «أعتقد أن الأولوية الآن هي لإدراج (أرامكو)... الشركة الأم. هذا هو ما ينصب عليه التركيز».
والفالح أكثر وزير شغلا هذه الأيام، فهو سيدير قطاعات كثيرة، من بينها الكهرباء والصناعة إلى جانب النفط وشركة «أرامكو»، ولهذا عندما سأله الصحافيون عن موعد بدء حقل شيبة قال لهم مبتسما «معلوماتي ستوضح لكم أني لم أعد رئيسا لـ(أرامكو)».
والفالح ليس قلقا من النفط الصخري، بل يقول بأننا نحتاج إليه طالما أن الإنتاج منه لا يؤدي إلى فائض، لكن هناك أمرا واحدا يقلق الفالح حاليا، هو تدني الاستثمارات عالميا في إنتاج واستكشاف النفط، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط مستقبلا، بحسب قوله.



شركات الطاقة السعودية في 2025: أرباح مليارية تتحدى تقلبات الأسواق

مستثمرون سعوديون وأجانب يقفون أمام شعار شركة أرامكو السعودية العملاقة للنفط خلال المنتدى العالمي العاشر للتنافسية (أ.ف.ب)
مستثمرون سعوديون وأجانب يقفون أمام شعار شركة أرامكو السعودية العملاقة للنفط خلال المنتدى العالمي العاشر للتنافسية (أ.ف.ب)
TT

شركات الطاقة السعودية في 2025: أرباح مليارية تتحدى تقلبات الأسواق

مستثمرون سعوديون وأجانب يقفون أمام شعار شركة أرامكو السعودية العملاقة للنفط خلال المنتدى العالمي العاشر للتنافسية (أ.ف.ب)
مستثمرون سعوديون وأجانب يقفون أمام شعار شركة أرامكو السعودية العملاقة للنفط خلال المنتدى العالمي العاشر للتنافسية (أ.ف.ب)

أثبت قطاع الطاقة السعودي خلال عام 2025 قدرة فائقة على تحصين مكتسباته المالية وتجاوز تذبذبات الأسواق العالمية، محققاً صافي أرباح تجاوز 92.5 مليار دولار (347.2 مليار ريال). ورغم الضغوط التي فرضتها معادلة العرض والطلب العالمية واضطرابات سلاسل التوريد، فإن النتائج المالية للشركات المدرجة كشفت عن تحول استراتيجي في الأداء؛ حيث لم يعد الزخم السعري للنفط هو المحرك الوحيد، بل برزت الكفاءة التشغيلية والتحوط الذكي كصمامي أمان ضمنا استمرارية التدفقات النقدية الضخمة التي تجاوزت إيراداتها 430 مليار دولار.

وفي حين سجَّلت الأرباح تراجعاً نسبياً بنحو 11.5 في المائة مقارنة بالعام الاستثنائي 2024، حيث بلغت حينها 104.62 مليار دولار (392.58 مليار ريال)، أظهرت النتائج تبايناً إيجابياً لشركات الخدمات اللوجيستية والحفر مثل «البحري» و«أديس»، مما يؤشر على مرحلة جديدة من النضج التشغيلي وتنويع مصادر الدخل داخل القطاع الأهم في المنطقة.

هذا الانخفاض في أرباح شركات القطاع يعود إلى تراجع أرباح شركة «أرامكو السعودية» الأكبر وزناً في مؤشر السوق السعودية. كما تأثرت شركات القطاع الأخرى بتحديات متعددة، منها تراجع الإيرادات وانخفاض المبيعات وكذلك توزيعات الأرباح من الاستثمار في المحافظ الاستثمارية لشركات القطاع.

رجل يمر بجانب شعار السوق المالية السعودية (رويترز)

تباين في أرباح الشركات

وأظهرت النتائج المالية لشركات قطاع الطاقة تبايناً في الأداء، حيث ارتفعت أرباح شركتين، وانخفضت أرباح إحدى الشركات، وقلَّصت شركة من خسائرها، كما واصلت شركة أخرى خسائره، وتحوَّلت أخرى للخسارة مقابل تسجيلها لأرباح خلال عام 2024.

في التفاصيل، حقَّقت شركة «أرامكو السعودية» أعلى نسبة أرباح بين شركات القطاع، حيث بلغت أرباحها 92.75 مليار دولار (348.04 مليار ريال) خلال 2025، رغم تراجعها بنسبة 11.64 في المائة مقارنة بالعام السابق. وأرجعت الشركة هذا التراجع إلى انخفاض الإيرادات والدخل المتعلق بالمبيعات، رغم أن ذلك قابله جزئياً انخفاض في تكاليف التشغيل وانخفاض ضرائب الدخل والزكاة.

وحلَّت شركة «البحري» في المرتبة الثانية بأرباح بلغت 647.58 مليون دولار (2.43 مليار ريال) خلال 2025، بنمو نسبته 0.12 في المائة، مقارنة بأرباح العام السابق والذي حققت فيه أرباحاً وصلت إلى 578.29 مليون دولار (2.17 مليار ريال). وردَّت الشركة نمو أرباحها إلى ارتفاع مجمل الربع لقطاع النقل البحري للنفط، وتحسن الأداء التشغيلي وأسعار النقل العالمية.

سفينة تابعة لشركة الوطنية السعودية للنقل البحري (الشركة)

وجاءت شركة «أديس» ثالثةً بأرباح وصلت إلى 218.13 مليون دولار (818.5 مليون ريال)، محققةً نمواً بنسبة 2 في المائة مقارنة بالعام السابق. وقالت الشركة إن ارتفاع صافي الربح جاء بما يعكس ارتفاع مصروفات الاستهلاك والفوائد مقارنة بالإيرادات، بالإضافة إلى مكاسب تحت بند أرباح من أدوات حقوق الملكية بالقيمة العادلة من خلال الأرباح والخسائر تم تسجيلها خلال الربع الثالث، وهو ما تلاشى أثره بشكل كبير نتيجة التكاليف المتعلقة بصفقة الاستحواذ.

إيرادات القطاع

وعلى مستوى إيرادات شركات القطاع خلال 2025، فقد شهدت تراجعاً وصل إلى نحو 4.74 في المائة، حيث سجَّلت إيرادات بلغت نحو 430.12 مليار دولار (1.61 تريليون ريال) مقابل تسجيلها إيرادات وصلت إلى 450.4 مليار دولار (1.69 تريليون ريال) في عام 2024، وبانخفاض قدره 21.44 مليار دولار (80.45 مليار ريال).

وفي تعليق على هذه النتائج، قال محلل الأسواق المالية، وعضو «جمعية الاقتصاد» السعودية، الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن قطاع الطاقة استراتيجي وحيوي جداً في الاقتصاد السعودي، وتعكس هذه النتائج استمرار الربحية المرتفعة لشركات القطاع، رغم التراجع النسبي.

ووصف هذا التراجع بأنه «طبيعي» بعد مستويات استثنائية في 2024، ويعكس اعتدال أسعار النفط مقارنة بالعام السابق، مع التزام تحالف «أوبك بلس» بسياسات خفض الإنتاج لدعم التوازن، وتراجع الإيرادات نتيجة انخفاض الأسعار والكميات، رغم بقائها عند مستويات قوية، وكذلك ارتفاع التكاليف التشغيلية والاستثمارية لدى بعض الشركات، خصوصاً في مشروعات التوسع والطاقة المتجددة. وفي المقابل، أظهرت شركات مثل «البحري» و«أديس» القابضة أداءً إيجابياً مدعوماً بنمو الطلب على خدمات النقل البحري والحفر، مما يعكس تنوع مصادر الربحية داخل القطاع.

وتوقع الخالدي أن يبقى القطاع مستقراً على المدى القريب مع ميل طفيف للنمو، مدعوماً بعدة عوامل منها استمرار إدارة المعروض النفطي عالمياً، مما يدعم الأسعار ضمن نطاق متوازن، وتوسع «أرامكو» في الغاز والطاقة النظيفة والبتروكيميائيات، مما يقلل الاعتماد على النفط الخام فقط، وتحسن أداء الشركات الخدمية (الحفر والنقل) مع زيادة المشروعات الإقليمية.

وعلى المدى المتوسط إلى الطويل، توقع أن يحمل مستقبل شركات القطاع تحولاً استراتيجياً نحو التركيز على تنويع مصادر الطاقة من الهيدروجين، والطاقة المتجددة، وتعزيز الكفاءة التشغيلية وتقليل التكاليف، واستفادة الشركات من رؤية السعودية 2030 في دعم الاستثمارات والبنية التحتية، مشيراً إلى أن القطاع لا يزال قوياً وربحياً، والتراجع الحالي يُعد تصحيحاً صحياً بعد ذروة تاريخية، بينما التوجه نحو التنويع والاستدامة سيشكل المحرك الرئيسي لنموه في السنوات القادمة.

رافعة تحمل شعار «أديس» (الشركة)

عوامل التشغيل

من جهته، يرى الرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد»، محمد حمدي عمر، خلال تصريحه لـ«الشرق الأوسط» أن القراءة الاقتصادية لهذه الأرقام تقول إن قطاع الطاقة السعودي لم يفقد قوته، لكنه دخل مرحلة أكثر تعقيداً من مجرد تحقيق أرباح مرتفعة، ومضيفاً: «إننا أمام قطاع ما زال يحقق مستويات ربحية ضخمة تتجاوز 347 مليار ريال، لكن الصورة الأهم أن النمو لم يعد قائماً على الزخم السعري وحده، بل أصبح أكثر حساسية لعوامل التشغيل، والطلب العالمي، وهوامش التكرير، وتباين أداء الشركات داخل القطاع».

وأوضح أن أسباب تراجع انخفاض أرباح شركات القطاع، «يعود إلى الوزن الاستثنائي لـ(أرامكو) داخل القطاع، فهي ليست مجرد شركة ضمن القطاع، بل هي المحرك الرئيسي للصورة المالية كلها، وأي تراجع في إيراداتها أو أرباحها ينعكس تلقائياً على المؤشر الكلي، كما أن القطاع لم يتحرك ككتلة واحدة؛ فهناك شركات استفادت من تحسن النشاط أو من قوة نماذج أعمالها، مثل (البحري) و(أديس)، بينما واجهت شركات أخرى ضغوطاً تشغيلية أو سوقية واضحة، وهو ما يعكس أن التحدي لم يعد في القطاع ككل فقط، بل في جودة التمركز داخل هذا القطاع».

وأضاف عمر أن «تراجع الإيرادات الكلية للقطاع يشير إلى أن سوق الطاقة العالمي دخل مرحلة أكثر تقلباً، فيها لم تعد الأسعار المرتفعة وحدها كافية لضمان تحسن متوازن في النتائج. اليوم، أصبحت الإدارة التشغيلية، والقدرة على التحوط، وتنويع مصادر الدخل، وكفاءة سلاسل الإمداد، عوامل لا تقل أهمية عن السعر نفسه. لذلك فإن من يقرأ هذه النتائج باعتبارها مجرد تراجع سنوي في الأرباح يختزل الصورة؛ الأصح أنها تعبير عن انتقال القطاع من مرحلة الريع السهل إلى مرحلة المنافسة التشغيلية الأكثر تعقيداً».

وحول مستقبل النتائج المالية لشركات الطاقة، أشار إلى أن القطاع «سيبقى ركيزة أساسية في الاقتصاد والسوق المالية السعودية، لكن الفارق في المرحلة المقبلة سيكون بين الشركات التي تملك القدرة على التكيف مع التذبذب العالمي، وتلك التي تبقى أسيرة دورة الأسعار، بمعنى أن المستقبل ليس لمن يملك الحجم فقط، بل لمن يملك المرونة، والانضباط المالي، والقدرة على تحويل التقلُّب إلى فرصة».

ورأى أن النظرة للمرحلة المقبلة «إيجابية» على مستوى القطاع، «لكنها أكثر دقة على مستوى الشركات، فالمكاسب لن تكون موزعة بالتساوي، وإنما ستتجه نحو الشركات الأكثر كفاءة، والأوسع تكاملاً، والأقدر على إدارة المخاطر في بيئة عالمية ما زالت مضطربة».


السعودية: تعافي إنتاج حقل «منيفة» وخط «شرق - غرب» من الهجمات

وزارة الطاقة السعودية أكَّدت أن التعافي السريع يعكس ما تتمتع به «أرامكو السعودية» ومنظومة الطاقة بالمملكة من مرونة تشغيلية عالية وكفاءة في إدارة الأزمات (أرامكو السعودية)
وزارة الطاقة السعودية أكَّدت أن التعافي السريع يعكس ما تتمتع به «أرامكو السعودية» ومنظومة الطاقة بالمملكة من مرونة تشغيلية عالية وكفاءة في إدارة الأزمات (أرامكو السعودية)
TT

السعودية: تعافي إنتاج حقل «منيفة» وخط «شرق - غرب» من الهجمات

وزارة الطاقة السعودية أكَّدت أن التعافي السريع يعكس ما تتمتع به «أرامكو السعودية» ومنظومة الطاقة بالمملكة من مرونة تشغيلية عالية وكفاءة في إدارة الأزمات (أرامكو السعودية)
وزارة الطاقة السعودية أكَّدت أن التعافي السريع يعكس ما تتمتع به «أرامكو السعودية» ومنظومة الطاقة بالمملكة من مرونة تشغيلية عالية وكفاءة في إدارة الأزمات (أرامكو السعودية)

أعلنت السعودية، يوم الأحد، استعادة كامل طاقة ضخ النفط عبر خط أنابيب النفط بين الشرق والغرب، لتصل إلى حوالي 7 ملايين برميل يومياً، واستعادة منشأة «منيفة» لطاقتها التشغيلية، وذلك بعد أيام من تقديمها تقييماً للأضرار حول تأثر بعض مرافق منظومة الطاقة نتيجة الاستهدافات.

يأتي ذلك في وقت تكتسب فيه موثوقية الإمدادات واستمرارها للأسواق المحلية والعالمية، أهمية متزايدة في ظل التوترات الإقليمية. إذ يعكس التعافي السريع ما تتمتع به «أرامكو السعودية»، ومنظومة الطاقة في المملكة، من مرونة تشغيلية عالية وكفاءة في إدارة الأزمات والتعامل مع التحديات الطارئة، كما جاء في بيان صادر عن وزارة الطاقة السعودية أعلنت فيه تعافي مرافق الطاقة وخط «شرق - غرب» المتضررة من الهجمات واستعادة طاقتها التشغيلية.

ويمتد خط أنابيب «شرق - غرب» (بترولاين) بطول 1200 كيلومتر من بقيق شرقاً إلى ينبع غرباً، ويُعتبر المنفذ الوحيد لتصدير النفط الخام إلى السعودية في ظل إغلاق مضيق هرمز.

وجاء في بيان وزارة الطاقة: «إلحاقاً لبيان وزارة الطاقة الصادر في تاريخ 9 أبريل (نيسان) 2026 بشأن تأثر بعض مرافق منظومة الطاقة في المملكة نتيجة الاستهدافات، بما في ذلك فقدان نحو 700 ألف برميل يومياً من طاقة الضخ عبر خط أنابيب شرق - غرب، وانخفاض إنتاج حقل منيفة بنحو 300 ألف برميل يومياً، إضافة إلى تأثر إنتاج حقل خريص بنحو 300 ألف برميل يومياً، تعلن وزارة الطاقة عن نجاح الجهود التشغيلية والفنية في استعادة طاقة الضخ الكاملة عبر خط أنابيب شرق - غرب، البالغة نحو سبعة ملايين برميل يومياً، واستعادة الكميات المتأثرة من إنتاج حقل منيفة البالغة نحو 300 ألف برميل يومياً، وذلك خلال فترة زمنية وجيزة».

أما فيما يتعلق بحقل «خريص»، فلا تزال الأعمال جارية لاستعادة القدرة الإنتاجية الكاملة، وسيُعلن عن ذلك عند اكتمالها، وفق البيان.


تقرير أممي: اتساع الفجوة المالية العالمية و«التزام إشبيلية» يواجه وعوداً لم تُنفذ

امرأة بلا مأوى تجلس في أحد شوارع باريس (أ.ف.ب)
امرأة بلا مأوى تجلس في أحد شوارع باريس (أ.ف.ب)
TT

تقرير أممي: اتساع الفجوة المالية العالمية و«التزام إشبيلية» يواجه وعوداً لم تُنفذ

امرأة بلا مأوى تجلس في أحد شوارع باريس (أ.ف.ب)
امرأة بلا مأوى تجلس في أحد شوارع باريس (أ.ف.ب)

خلص تقرير للأمم المتحدة إلى أن الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة تتسع أكثر فأكثر، حيث لا تزال الإجراءات التي اتفقت عليها العديد من الدول العام الماضي، بما في ذلك إصلاح المؤسسات المالية العالمية الكبرى، وعوداً لم تُنفذ.

صدر التقرير، الذي يُقيّم الخطة التي اعتُمدت في إشبيلية بإسبانيا خلال يونيو (حزيران) الماضي لتضييق الفجوة وتحقيق أهداف الأمم المتحدة الإنمائية لعام 2030، قبيل «اجتماعات الربيع» التي ستُعقد الأسبوع المقبل في واشنطن لصندوق النقد والبنك الدوليين، وهما المؤسستان الماليتان العالميتان الرئيسيتان اللتان تُعنيان بتعزيز النمو الاقتصادي.

وقالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، إن الصندوق كان مستعداً لرفع مستوى النمو العالمي، لكن الحرب الإيرانية ألقت بظلالها على آفاق الاقتصاد العالمي.

وقال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية، لي جون هوا، إن التوترات الجيوسياسية تُفاقم معاناة الدول النامية في جذب التمويل. وأضاف: «هذا وقت عصيب للغاية بالنسبة إلى التعاون الدولي؛ إذ باتت الاعتبارات الجيوسياسية تُؤثر بشكل متزايد على العلاقات الاقتصادية والسياسات المالية».

بائع يبيع الخضراوات في سوق بمدينة كولومبو (أ.ف.ب)

وأشار التقرير إلى ارتفاع الحواجز التجارية وتكرار الصدمات المناخية بوصفها عوامل تُفاقم الفجوة المتنامية.

في مؤتمر إشبيلية الذي عُقد العام الماضي، تبنّى قادة العديد من دول العالم، باستثناء الولايات المتحدة، بالإجماع «التزام إشبيلية» الذي يهدف إلى سدّ فجوة التمويل السنوية للتنمية البالغة 4 تريليونات دولار. ودعا الالتزام إلى زيادة الاستثمارات في الدول النامية وإصلاح النظام المالي الدولي، بما في ذلك صندوق النقد والبنك الدوليان.

ودعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مراراً إلى إجراء تغييرات جذرية في هاتَيْن المؤسستَيْن، قائلاً إن صندوق النقد الدولي أفاد الدول الغنية على حساب الدول الفقيرة، وإن البنك الدولي أخفق في مهمته، لا سيما خلال جائحة «كوفيد-19» التي أثقلت كاهل عشرات الدول بديون طائلة. وتعكس انتقاداته انتقادات أخرى من جهات خارجية تشير إلى استياء الدول النامية من هيمنة الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين على عملية صنع القرار في المؤسسات المالية.

وأشار تقرير الأمم المتحدة بشأن تنفيذ «التزام إشبيلية» إلى أنه يمثّل «أفضل أمل» لسد الفجوة المالية المتزايدة. لكن في عام 2025، ذكر لي أن 25 دولة خفّضت مساعداتها التنموية للدول الأفقر، مما أدى إلى انخفاض إجمالي بنسبة 23 في المائة مقارنةً بعام 2024، وهو أكبر انكماش سنوي مسجل. وأضاف أن أكبر انخفاض -بنسبة 59 في المائة- كان من نصيب الولايات المتحدة.

وبناءً على بيانات أولية، توقع لي انخفاضاً إضافياً بنسبة 5.8 في المائة خلال عام 2026.

وأوضح التقرير أن الرسوم الجمركية -بما فيها تلك التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب- كان لها أثر بالغ على الدول النامية. وأشار التقرير إلى أن متوسط ​​الرسوم الجمركية على صادرات أفقر دول العالم ارتفع من 9 في المائة إلى 28 في المائة في عام 2025، في حين ارتفع متوسط ​​الرسوم الجمركية على صادرات الدول النامية، باستثناء الصين، من 2 في المائة إلى 19 في المائة.