المجتمع الدولي يركز على صعوبات إعادة إطلاق عملية السلام خلال قمة باريس

عادل الجبير لـ «الشرق الأوسط» : لا تعديلات على المبادرة العربية

صورة جماعية للزعماء والقادة الذين حضروا قمة باريس أمس (رويترز)
صورة جماعية للزعماء والقادة الذين حضروا قمة باريس أمس (رويترز)
TT

المجتمع الدولي يركز على صعوبات إعادة إطلاق عملية السلام خلال قمة باريس

صورة جماعية للزعماء والقادة الذين حضروا قمة باريس أمس (رويترز)
صورة جماعية للزعماء والقادة الذين حضروا قمة باريس أمس (رويترز)

مثلما توقع عدد من الخبراء، لم تسفر «المبادرة من أجل السلام» التي دعت إليها واستضافتها باريس أمس عن مقررات أو خطوات «ثورية»، بل بقيت في سياق ما كان منتظرا منها، أي إظهار وعي الأسرة الدولية للمخاطر المترتبة على استمرار التأزم في مفاوضات السلام الفلسطينية - الإسرائيلية المتوقفة منذ عامين، والسعي إلى عمل مشترك من أجل توفير الشروط والظروف الضرورية والمناسبة لعودة الطرفين إلى طاولة المفاوضات.
ومن بين جميع الحاضرين، كان وزير الخارجية الفرنسية جان مارك أيرولت الأكثر تفاؤلا؛ إذ أعرب عن أمله في تحقق انعقاد مؤتمر ثان في العاصمة الفرنسية خلال الخريف المقبل يكون استكمالا للأول، بعد أن تكون «مجموعات العمل» التي سيتم تشكيلها، التي ستتناول الشؤون الأمنية وخفض العنف، وخطوات بناء الثقة والأمن الإقليمي، والاعترافات المتبادلة والمحفزات الاقتصادية، قد أنجزت مهامها ليتم عرضها وإقرارها. وأهمية المؤتمر الثاني أيضا أنه سيضم الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي اللذين لم تتم دعوتهما في اجتماع الأمس. والأمر الثاني الذي يعكس تفاؤل أيرولت أنه يأمل باستئناف المفاوضات المباشرة الفلسطينية - الإسرائيلية «في الوقت الملائم»، عارضا خدمات فرنسا والمؤتمرين لتوفير «الإطار والدعم» المناسبين لتسهيل انعقادهما، بما في ذلك عرض الضمانات والحوافز التي ستقوم مجموعات العمل المتخصصة بتحضيرها.
لكن هذا التفاؤل لم يجد من يدعمه، على الرغم من إدراك الجميع لخطورة الوضع في الشرق الأوسط وانسداد الأفق السياسي، وهو ما توقف عنده الرئيس فرنسوا هولاند في كلمته الافتتاحية التي خلت من الإشارة إلى المؤتمر الثاني، أو إلى استئناف المفاوضات المباشرة. وقال مصدر دبلوماسي عربي، رافق مجريات اجتماع الأمس، إن الحاضرين (29 وزيرا وزير دولة وأمين عام منظمة إقليمية أو دولية) ركزوا على الصعوبات الحقيقية التي تواجه إعادة إطلاق عملية السلام وعلى الحاجة إلى التحرك. لكن أيا منهم لم يقدم تاريخا محددا لمعاودة المفاوضات، بمن فيهم وزير الخارجية الأميركي جون كيري. وعلمت «الشرق الأوسط» من أوساط أميركية أن كيري عبَّر عن تشاؤمه بقوله إنه «لا يعول كثيرا على الاجتماع» الذي ترفضه إسرائيل رفضا شديدا، وقال لصحافيين رافقوه «سنرى.. سنجري ذلك الحوار. لكن ينبغي أن نعلم إلى أين سيذهب وماذا سيحدث. بدأنا توا. دعونا ندخل في المحادثات».
وعلم أن كيري عقد كثيرا من المشاورات الجانبية داخل مركز المؤتمرات، وتحدث في الداخل لربع ساعة تقريبا، لكن مصدرا دبلوماسيا فرنسيا قال لـ«الشرق الأوسط» إن الأهم هو «أن يتركنا كيري نعمل، ونحن نعرف رأيه، ومفاده بأن ما هو غير أميركي لا يمكن أن ينجح»، مضيفا أن نجاح الاجتماع والتعبئة الدبلوماسية والسياسية عالية المستوى التي جيشها «من شأنها دفع كيري للتخلي عن فتوره».
من جهتها، قالت مسؤولة الشؤون الخارجية والأمن الأوروبية فدريكا موغيريني، التي مثلت الاتحاد الأوروبي، إن «من واجب اللاعبين الدوليين والإقليميين أن يجدوا مخرجا للأزمة؛ لأن الجانبين (الفلسطيني والإسرائيلي) عاجزان عن فعل ذلك وحدهما. وبحسب موغيريني فإن «سياسة التوسع الاستيطاني وعمليات الإزالة والعنف والتحريض تكشف لنا بجلاء أن الآفاق التي فتحتها أوسلو عرضة لأن تتلاشى بشكل خطير». أما الأمر الثاني اللافت الذي تمخض عنه اجتماع باريس فهو عودة مبادرة السلام العربية إلى الواجهة، التي ستكون من ضمن مرجعيات الحل السياسي المنشود.
وقال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، في حديثه للصحافة أمس، إن أساس أي خطة سلام مستقبلية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ما زال يتمثل في المبادرة العربية لعام 2002، وحث إسرائيل على قبولها، مضيفا أن مبادرة السلام العربية بها كل العناصر المطلوبة لتسوية نهائية. وبحسب الوزير السعودي فإن المبادرة مطروحة على مائدة المفاوضات، وتمثل أساسا قويا لحل النزاع الطويل، وعبر عن أمله في أن تسود الحكمة في إسرائيل وأن تقبل بهذه المبادرة.
وعكس الجبير موقف المملكة السعودية «الثابت» بشأن إيجاد حل للنزاع على أساس قرارات مجلس الأمن ومبادرة السلام العربية، والهادف إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وإيجاد حل عادل للاجئين الفلسطينيين، مبني على القرار «194»، مضيفا أن هذا كله ورد في مبادرة السلام العربية. وأعرب الجبير عن أمله في أن يفضي الاجتماع إلى «مؤتمر دولي للسلام» للوصول إلى الحل النهائي والشامل للنزاع.
وسألت «الشرق الأوسط» الوزير السعودي عما إذا كان قد طلب من الطرف العربي في الاجتماع، الذي مثله إلى جانب نظرائه وزراء خارجية مصر والأردن والمغرب، إدخال أي تعديلات على مبادرة السلام العربية فأجاب بالنفي. وقال: «لماذا يطلب التعديل؟ مبادرة السلام العربية واضحة، وهي تتماشى مع القرارات الأممية، ومع المبادئ التي تقوم عليها معظم المبادرات الدولية، وقد أصبحت مبادرة السلام العربية اليوم من المراجع الأساسية إيجاد حل لهذا النزاع».
وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل تجاهلت لسنوات طويلة المبادرة العربية التي أطلقت في العام 2002 في قمة بيروت العربية، لكن رئيس الحكومة الإسرائيلية عاد إليها مؤخرا عندما اشتدت عليه الضغوط السياسية؛ بسبب المبادرة الفرنسية التي رفضها شخصيا، وأشار إلى وجود «عناصر إيجابية» في المبادرة العربية، لكنه طالب بتعديل بعض ما تنص عليه دون أن يحدده بدقة. كما أن رئيس الحكومة الفرنسية مانويل فالس ركز عليها في مقابلة أجرتها معه صحيفة «يديعوت أحرونوت» بمناسبة زيارته الأخيرة لإسرائيل، وطالب فيها الدول العربية بالاعتراف بإسرائيل لتشجيعها على اجتياز خطوة السلام. وذكر الجبير بأن هذه الخطة، إلى جانب إقامة الجدولة الفلسطينية، وإيجاد حلول لموضوع اللاجئين والمياه، تنص على وضع آلية للأمن لحماية المنطقة ودولها «وبالمقابل تعقد معاهدة سلام بين إسرائيل والدول العربية، وتقوم بين الطرفين علاقات طبيعية».
وجاء في البيان الختامي، الذي وزع عقب الاجتماع إشارتان لمبادرة السلام العربية في الفقرتين الثالثة والرابعة؛ حيث أشارت الثالثة إليه من ضمن مرجعيات الحل، وإلى أهمية «تفعيلها»، فيما شددت الفقرة الرابعة على ما يمكن أن تحمله على صعيد توفير السلام والأمن الإقليميين في حال العمل بها.
والأمر الثابت الذي شددت عليه كل المداخلات داخل قاعة الاجتماع وخارجها هو الحاجة إلى التحرك، وعدم الارتكان للأمر الواقع القائم حاليا؛ لأن أحد مخاطره، وفق الرئيس هولاند: «أن يستغله المتطرفون والإرهابيون من كل حدب وصوب». وما قاله هولاند عن الحاجة إلى دولتين، جاء أيضا في البيان الختامي الذي تضمن تعبيرا عن المخاوف من أن ما يحصل على الأرض و«تحديدا النشاطات الاستيطانية» من شأنه أن يهدد حل الدولتين، وهو ما يحذر منه الفلسطينيون باستمرار، وما شددت عليه موغيريني التي كشفت أن الرباعية الدولية ستنشر في الأيام القادمة تقريرا يشخص الحالة الراهنة، ويوصي بمبادرات لم ترد الكشف عنها. كما أشار البيان النهائي إلى الحاجة إلى أن يظهر الطرفان عمليا رغبتهما في إعادة ترميم الثقة بينهما، و«توفير كل الشروط لوضع حد كامل للاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967» على أساس القرارات الدولية ومبادرة السلام العربية. لكن البيان لم يخض في التفاصيل ولا في المحددات، بل بقى عاما لتلافي الخلافات بين المشتركين.
وفي الخلاصات التي عكسها الوزير أيرولت بنهاية الاجتماع، شدد على الحاجة إلى إطار للمفاوضات، وإلى أجندة دقيقة للعمل بموجبها، ووعد بالاستمرار في التشاور مع جميع الأطراف من أجل المؤتمر الدولي قبل نهاية العام، الذي ستعمل باريس من أجله. أما بخصوص موضوع الأجندة، فقد أشار أيرولت إلى تشكيل مجموعات العمل التي ستركز على إجراءات خفض العنف وعلى الضمانات الأمنية، وعلى المحفزات الاقتصادية والتجارية، خصوصا مع الاتحاد الأوروبي.
وترغب باريس في أن تبدأ بلورة كل هذه المعطيات مع نهاية الشهر الحالي على أن تكون جاهزة بمناسبة انعقاد المؤتمر الدولي قبيل نهاية العام الحالي، ما يعني عمليا أن المطلوب انعقاد المؤتمر المذكور في المرحلة الساخنة من الانتخابات الرئاسية الأميركية، وبينما تكون باريس أيضا مشغولة بانتخاباتها الرئاسية والتشريعية المقررة ربيع 2017.
من جانبه، عرض وزير الخارجية المصري سامح شكري رؤية مصر للتوصل إلى حل عادل وشامل لها، الذي يرتبط بها استقرار منطقة الشرق الأوسط، بما يفضي إلى إنهاء الاحتلال وإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية.
وشدد شكري خلال مشاركته في مؤتمر باريس على ضرورة على التزام المجتمع الدولي بما قطعه من وعود لإخراج الدولة الفلسطينية من إطارها النظري والقانوني لتصبح واقعا ملموسا يعيشه الفلسطينيون ويتعايش معه الإسرائيليون بسلام، وشدد على أن تحقيق الاستقرار يتطلب الموازنة بين الشرعية وتوازن المصالح. وأشار شكري إلى حديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حول ما يمكن تحقيقه من تفاهم في المنطقة حال إيجاد حل حقيقي للقضية الفلسطينية، مؤكدا أن أفكار السيسي تحقق آمال الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وشدد على ضرورة أن تتعاون واشنطن وموسكو والدول الأوروبية مع دول المنطقة لتحريك العملية السلمية باتجاه الحل، موضحا استعداد مصر لبذل كل جهد ممكن، سواء فيما يتعلق بالعمل على تهيئة الأجواء الفلسطينية، أو فيما يخص العمل على تفعيل مبادرة السلام العربية، وقال بهذا الخصوص: «دعوتنا اليوم حول هذه الطاولة إنما يعكس إدراكا، ليس مستغربا على فرنسا في كل الأحوال لأهمية بل حتمية التوصل إلى تسوية حقيقية لقضية الشعب الفلسطيني، ليس فقط احتراما لمبدأ إعادة الحقوق لأصحابها، وإنما حفاظا كذلك على الاستقرار الإقليمي والدولي»، وأكد في السياق نفسه أن «العرب يذكرون لفرنسا مواقف تاريخية مبكرة داعمة بوضوح للحقوق الفلسطينية وداعية إلى إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، فاعتبارا من 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1974 صوتت فرنسا لصالح الاعتراف بمنظمة التحريـر الفلسطينية مراقبا في الأمم المتحدة، مؤكدة الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف، كما كان الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران عام 1982 أول رئيس غربي يعلن أمام الكنيست في إسرائيل عن دعمه لهدف إنشاء دولة فلسطينية».
وأعاد شكري مطالبة المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته التاريخية إزاء استحقاقات السلام ومتطلباته، مشيرا إلى ضرورة أن ينظم المجتمع الدولي علاقاته بما يسمح بتعامل فعال مع التحديات المشتركة التي تواجهه.
وكانت جامعة الدول العربية قد أدانت التصريحات التي أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في جلسة الكنيست الإسرائيلي، الأربعاء الماضي، التي أكد خلالها «أنه لا عودة إلى الواقع الذي ساد مدينة القدس ما قبل يونيو (حزيران) 1967، ولن نعود إلى ذلك الواقع، ولا حاجة إلى أن نعتذر عن وجودنا في القدس.. ومصيرنا مرتبط بها».
وفي أول رد فعل من جانب إسرائيل توجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، طالبا تدخله لتخفيف حدة البيانات والقرارات الصادرة على هامش قمة باريس. وقال له خلال محادثة هاتفية، مساء أول من أمس، إن «إسرائيل معنية بتحريك عملية السلام، ولكن ليس من خلال مهرجانات دولية تطوقها وتفرض عليها الإملاءات».
وجاءت محادثة نتنياهو في إطار اتصالات جرت على مستوى أدنى، حاول فيها الإسرائيليون التأثير على عدد من الدول التي شاركت في مؤتمر باريس، أمس، حتى يعملوا على تخفيف حدة بيانات المؤتمر.
وكان نتنياهو قد دعا إلى «مشاورات سياسية - إعلامية»، على ضوء انعقاد مؤتمر باريس، بمشاركة مسؤولين من وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي وهيئة الإعلام الوطنية. وتقرر القيام بمحاولة ممارسة ضغوط على عدة دول مشاركة في مؤتمر باريس من أجل «التأكد من عدم اتخاذ قرارات مهمة، مثل وضع جدول زمني لمفاوضات مستقبلية بين إسرائيل والفلسطينيين، وعدم القيام بخطوات مثل دعم من جانب مجلس الأمن الدولي لتحريك عملية السلام». وتقرر خلال المشاورات أن توضح إسرائيل عبر قنوات دبلوماسية وعلنية إنها تفضل دفع «المبادرة الإقليمية» التي يطرحها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على المبادرة الفرنسية؛ حيث قال مسؤول حكومي إسرائيلي رفيع المستوى إن إسرائيل تعتقد أن احتمالات نجاح مبادرة السيسي أكبر بأضعاف من احتمالات نجاح المبادرة الفرنسية، مع أن هناك قناعة بأن مبادرة السيسي تحتوي على مطالب أشد من إسرائيل.
وعقد مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية الدكتور دوري غولد مؤتمرا صحافيا في أعقاب المشاورات، شبَّه خلاله المبادرة الفرنسية باتفاقية سايكس - بيكو، وقال: «إن المبادرة الفرنسية ستفشل». وقال: «إن الطريق الوحيدة لصنع السلام هي بواسطة مفاوضات مباشرة ومن دون شروط مسبقة، وبدعم دول عربية، وليس من خلال مؤتمرات في باريس. وإذا كان لديك صراع مع جار لا ينبغي السفر إلى فرنسا وإحضار السنغال من أجل حله».



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended