تجار يصابون بالجلطة وآخرون يغلقون محالهم بانتظار تثبيت سعر الليرة

صعود حاد غير مسبوق يتبعه انخفاض سريع في سعر الليرة مقابل الدولار

صراف عملات أجنبية داخل محله في القسم الشرقي من حلب منتصف الشهر الماضي (رويترز)
صراف عملات أجنبية داخل محله في القسم الشرقي من حلب منتصف الشهر الماضي (رويترز)
TT

تجار يصابون بالجلطة وآخرون يغلقون محالهم بانتظار تثبيت سعر الليرة

صراف عملات أجنبية داخل محله في القسم الشرقي من حلب منتصف الشهر الماضي (رويترز)
صراف عملات أجنبية داخل محله في القسم الشرقي من حلب منتصف الشهر الماضي (رويترز)

حالة من الدهشة وعدم التصديق تسود الأسواق السورية التي أصابها الشلل جراء الانخفاض الحاد والسريع في سعر الدولار مقابل الليرة السورية، التي كانت قد سجلت تدهورًا سريعًا غير مسبوق الشهر الماضي لتلامس عتبة 700 ليرة مقابل الدولار الواحد، وأدت إلى جمود في حركة البيع والشراء مع ارتفاع فوضوي في أسعار السلع والمواد الأساسية.
وفجأة وبعد نحو أسبوع من إعلان المصرف المركزي السوري تدخله لكبح تدهور قيمة الليرة، بدأ سعر الليرة يتحسن وانخفض سعر الدولار خلال أقل من أسبوع إلى ما يقارب 450 ليرة. وفي مفارقة غير مسبوقة حيرت التجار السوريين هي أن سعر الصرف الرسمي في المصرف المركزي ظل أعلى من سعر الصرف في السوق السوداء بفارق يعادل 100 ليرة، فبينما سعر الصرف في المركزي نحو 515 ليرة للدولار الواحد، هبط في السوق السوداء إلى نحو 400 ليرة في بعض المناطق.
ولا يجزم اقتصاديون متابعون أن يكون هذا التحسن المفاجئ هو فقط نتيجة لحزمة الإجراءات التي اتخذها المصرف المركزي لإنقاذ الليرة السورية، بل يردون أسبابها إلى أمور أخرى غير معلومة بعد. ويؤكد رجل أعمال سوري مقيم في دمشق أن وراء «الصعود الحاد والهبوط القسري لعبة مالية كبيرة وطويلة الأمد، هدفها إيجاد مصدر دخل بديل بعد خسارة الموارد الأخرى للنفط وانعدام التصدير». وتوقع رجل الأعمال ألا يثبت سعر الدولار عند حد معين طويلاً، «بل سيعود للارتفاع مجددًا ثم الهبوط وهكذا».
وفي كل مرة يرتفع فيها سعر الصرف يصرح المسؤولون عن السياسات المالية في النظام السوري، بأنه «ارتفاع غير منطقي سببه المضاربات على العملة المحلية»، بينما يتهم اقتصاديون معارضون، النظام، بالتلاعب بسعر الصرف بهدف نهب ما تبقى من مدخرات لدى السوريين. وكتب رجل الأعمال الشاب (ع. ط) المعارض على صفحته بموقع «فيسبوك»: «في اقتصاد دولة يعاني نسبة كبيرة من مواطنيها من الفقر، يكون قسم كبير من المغتربين ملتزمين بإرسال مساعدات دورية لأهلهم كي يبقوا على قيد الحياة، وتزداد هذه المساعدات في شهر رمضان المبارك خصوصًا من يخرج الزكاة. وعندما تكون هذه الدولة محكومة من عصابة مافيا، يهبط الدولار إلى أدنى مستوياته كي تقل الفائدة، وبنفس الوقت لا تهبط الأسعار.. مافيا بمقعد رسمي بالأمم المتحدة»!
وكان المصرف المركزي السوري اتخذ حزمة إجراءات إسعافية، منها أنه فرض على الصيارفة شراء كميات كبيرة من الدولار بسعر محدد مقابل التهديد بالإغلاق. كما قرر زيادة المعروض من القطع الأجنبي، بحيث يؤدي القرار إلى إعادة المصدّرين لبيع قطع التصدير في السوق، أو استخدامه لتمويل احتياجاتهم من المواد الأولية المستوردة اللازمة للتصنيع، مما يعني ضخ مئات الملايين من الدولارات في السوق واتجاه سعر الصرف نحو مزيد من الانخفاض. كما سمح المركزي للمصارف بإيداع قيمة الحوالات الشخصية الواردة بالقطع الأجنبي حصرًا، في حال رغبة مستلم الحوالة، في حساب خاص، بحيث يمكن لصاحب الحوالة السحب منه متى شاء كليًا أو جزئيًا بالليرات السورية، وبسعر صرف الحوالات المحدّد من قبل «المركزي» بتاريخ السحب، من قِبل صاحب الحوالة، مع تأكيد إمكانية تنفيذ الحوالة مباشرة بالليرات السورية وفقًا لرغبة صاحب الحوالة.
إلا أن التحدي الأهم بحسب تاجر أقمشة دمشقي، ليس في تحسن سريع لسعر الليرة، بل في تثبيت سعرها، وقال إنه عندما ارتفع سعر الدولار بشكل مفاجئ، لم يعد قادرًا على البيع وفضل إغلاق محله عدة أيام على أمل أن يستقر السعر، لكنه واصل الارتفاع، فاضطر للعودة إلى السوق واشترى بضاعة بسعر مرتفع، وعندما هبط سعر الدولار أغلق محله مجددًا، فهو غير قادر على بيع بضاعته بالخسارة. واتهم التاجر الدمشقي حكومة النظام بالتآمر على صغار التجار في البلد لسلب ما تبقى لديهم من أموال، مشيرًا إلى أنها مؤامرة يدفع ثمنها الشعب السوري الذي بات بغالبيته العظمى من «أفقر شعوب العالم».
وبحسب مصادر في دمشق تسبب هبوط الدولار وما جره من خسائر فادحة بحالة من الضيق لدى صغار التجار وأصيب عدد منهم بالجلطة. وبينما عبر الموالون للنظام عن شماتتهم بالتجار، إذ يعتبرونهم سبب ارتفاع الأسعار والأزمة الاقتصادية، كتب رئيس مجلس إدارة اتحاد غرف الصناعة في سوريا فارس الشهابي على حسابه بموقع «فيسبوك»: «إذا كنا نستطيع فعل ما لم تستطع أي دولة في العالم عبر التاريخ فعله في تخفيض أسعار الصرف بهذه السرعة الضوئية، لماذا لم نفعل ذلك من قبل لكي لا يتمكن بعض التجار من رفع أسعارهم أصلاً؟ هل اكتشفنا معادلة اقتصادية نقدية جديدة لم تكن موجودة سابقًا تؤهلنا للفوز بجائزة نوبل للاقتصاد؟ هذه الهزات النقدية الكبرى صعودًا وهبوطًا تدمر الطبقات الوسطى والفقيرة». وسبق منشوره بآخر اختصر فيه المشهد بحسب رؤيته: «سمحنا للمواطن بادخار الدولار والمرابحة به.. ثم قررنا فجأة معاقبته وإفلاسه.. الدولار يجب أن يذهب لدعم الإنتاج فقط».
وكعادة السوريين مع كل حدث يمس حياتهم المعيشية الصعبة ولا يعرفون خلفياته، يطلقون موجة من السخرية، فإذا كانت من المعارضة فهي تضمر الشك بالسياسات المالية لحكومة النظام، وإذا كانت من الموالين فتهدف لترويج فكرة قدرة اقتصاد النظام على الصمود، كأن ينشروا صورًا لساندويتش أو عرنوس ذرة مسلوق ملفوفين بورق نقدي من فئة المائة دولار، وصورًا للرئيس الأميركي باراك أوباما يطلب عبر الهاتف من مساعديه سحب الكميات المتوفرة من الليرة السورية من السوق، ذلك عدا ترويج قصص وفيديوهات لمواطنين يريدون التخلص من مدخراتهم من الدولار بأي طريقة قبل أن يهبط سعره أكثر فأكثر.
أما المعارضون الذين يعتبرون ما يجري لعبة مكررة، فيعيدون للأذهان أنه سبق وحصل الأمر ذاته عام 2013 وفي نفس التوقيت على أبواب شهر رمضان الكريم، حيث ارتفع سعر الدولار فجأة ليتجاوز عتبة 350 ليرة، بعد أن كان سعره يتأرجح عند حدود 180 أو 200 ليرة، وخلال أقل من أسبوع تمت إعادة السعر إلى حدود 200 ليرة، ليستقر فترة قبل أن يعاود الصعود، دون أن يؤثر ذلك على أسعار السلع التي ترتفع بشكل عشوائي لتقضي على القدرة الشرائية لدى الغالبية العظمى من السوريين.
ويسخر هادي عرفة العامل بمحل لبيع الأدوات المنزلية مما يجري، بالقول: «أطالب بعقد جلسة عاجلة للبنك المركزي الأميركي للتدخل ووقف (شرشحة الدولار في سوريا)». ويضيف: «إذا استمر الأمر على هذا النحو سينهار الاقتصاد العالمي ولن يبقى سوى الاقتصاد السوري ليهيمن على العالم». أما تميم. ر، فلا يبدو مهتمًا كثيرًا بأسعار الصرف والاقتصاد، وما يعنيه شيء واحد فقط أنه «استيقظ صباح أمس الأربعاء، ووجد غالبية المحلات مغلقة في حيه الدمشقي كأن هناك حالة إضراب عام»، وهو يريد أن يشتري شيئًا ليأكله وعلبة تبغ قبل أن يذهب إلى عمله، ويقول: «مللنا من كل شيء، لا أريد التفكير بأي شيء، أريد أن آكل وأدخن، فقط».



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».