علامات استفهام تحيط بإمكانيات نجاح تجربة «جيش سوريا الجديد»

آخر مجموعة تبقت من المعارضين الذين دربهم «البنتاغون»

جيش العزة (فرع من الجيش الحر) في تمرينات بشمال حماة في سوريا (رويترز)
جيش العزة (فرع من الجيش الحر) في تمرينات بشمال حماة في سوريا (رويترز)
TT

علامات استفهام تحيط بإمكانيات نجاح تجربة «جيش سوريا الجديد»

جيش العزة (فرع من الجيش الحر) في تمرينات بشمال حماة في سوريا (رويترز)
جيش العزة (فرع من الجيش الحر) في تمرينات بشمال حماة في سوريا (رويترز)

على الرغم من جهود وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» التي تكلفت 500 مليون دولار لتدريب وتسليح قوة من المعارضين السوريين لمواجهة تنظيم داعش، فإنه لم تنجح سوى مجموعة واحدة صغيرة في الصمود.
«الجيش السوري الجديد» كان قد أكمل دورة التدريب الأميركية في الأردن، ومن ثم تسلل إلى داخل سوريا. ثم خلال شهر مارس (آذار) الماضي، من دون جلبة أو دعاية، استولى على مساحة صغيرة من الأرض من المتشدّدين، عند معبر التنف الحدودي البعيد، مع العراق في أقصى الجنوب الشرقي لمحافظة حمص السورية.
لقد تمكّن أفراد هذا «الجيش» من الصمود والاحتفاظ بالأرض التي سيطروا عليها، من دون فرار أو انشقاق أو التعرّض إلى الاختطاف، بخلاف كثير من المعارضين الآخرين الذين تلقوا تدريبًا مشابهًا، والذين تسببت حوادث مؤسفة وقعت لهم في التعجيل بتعليق البرنامج خلال الشهر الماضي. ولكن مع هذا، بات هذا النجاح المتواضع مهددًا الآن، في أعقاب هجوم انتحاري شنه إرهابيو تنظيم داعش في وقت سابق من مايو (أيار) الجاري. وكانت عربة مدرعة قد اندفعت بسرعة نحو قاعدة لمسلحي المعارضة فجر يوم السابع من مايو، فقتلت عددا منهم، بحسب المقدم مهند الطلاع، وهو ضابط سوري منشق وقائد المجموعة.
لم يذكر الطلاع عددًا دقيقًا للخسائر – أو عدد مسلحي المعارضة الموجودين في القاعدة المستهدَفة – مخافة تعريض المسلحين المعارضين الباقين لمزيد من الخطر. إلا أنه قال إن الهجوم كان بمثابة ضربة قوية لقوة لا تزال صغيرة بالفعل، وتعاني نقص الأسلحة والعتاد الذي وُعدت به - بحسب قوله - ولم يتم تسليمه. وتابع الطلاع في مقابلة معه قرب بلدة الريحانية، بجنوب تركيا، إن من تبقوا من المسلحين المعارضين يتساءلون عما إذا كانوا يريدون البقاء بالأساس في تلك النقطة الصحراوية التي يصعب الدفاع عنها، في انتظار مزيد من الهجمات. وتابع الطلاع: «أنا لا أقول إن الأميركيين خذلونا، ولكن هناك إهمالاً للواجب. إنهم لا يفعلون ما يمكنهم القيام به، ونحن لا نريد للأميركيين أن يتعاملوا بقلة احترام مع أرواح رجالنا». في المقابل، اعترف متحدث عسكري أميركي بأن طائرات حربية استجابت لطلب نجدة عندما تعرّضت القاعدة للهجوم، لكنها لم تصل في الوقت المناسب؛ لأن الهجوم حدث بشكل سريع جدًا. ومنذ ذلك الحين جرى تنفيذ عدد من الغارات الجوية ضد مواقع «داعش» في المنطقة، كما جرى تسليم إمدادات جديدة من الأسلحة، بحسب الكولونيل ستيف وارن، المتحدث العسكري الأميركي. الذي أضاف أن الجيش الأميركي يعتقد أن المجموعة ستبقى. واستطرد: «لا زالوا (مسلحو المعارضة) يسيطرون على التنف، ولقد أعيد إمدادهم، ونعتقد أنهم قادرون على الصمود. كذلك نعتقد أن لديهم ما يكفي من قوة النيران، ومن جانبنا، فإننا نقدم لهم الدعم عبر غارات جوية حسبما هو متاح». مع هذا، كشف التفجير الانتحاري مزيدًا من أوجه الخلل والأخطاء التي أفسدت منذ البداية الجهد الأميركي لبناء قوة من السوريين المعارضين مؤهلة لمواجهة «داعش». وتوقف الجهد الذي قادته «البنتاغون» بطلب من الرئيس باراك أوباما قبل سنتين، بتكلفة بلغت 500 مليون دولار، بعد بداية بطيئة، وكان التدريب قد بدأ في الربيع الماضي فقط. ولكن بعد مرور بضعة أشهر توقّف هذا المجهود بعد تعرّض المجموعة الأولى من المتدرّبين للاختطاف على أيدي «جبهة النصرة»، في حين انشقت المجموعة الثانية وسلّمت أثناء اختطافها بعضًا من أسلحتها إلى «الجبهة» المرتبطة بتنظيم «القاعدة».
ثم في مارس الماضي استؤنف برنامج التدريب، ولكن بهدف أقل طموحًا، يتمثل في العمل مع جماعات المعارضة الموجودة في محافظة حلب بشمال سوريا. وفي الوقت الراهن تقاتل المجموعات من أجل البقاء في مواجهة مقاتلي «داعش» الذين يتقدمون في المنطقة المحيطة بمدينة أعزاز، القريبة من الحدود مع تركيا.
ولكن في الوقت نفسه، مضت واشنطن قدمًا عبر «البنتاغون» في تحالف مختلف مع ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية، التي ينظر إليها كثير من جماعات المعارضة العربية بوصفها خصما أو أسوأ من هذا. وحقًا، كانت «وحدات حماية الشعب» (المدعومة من واشنطن) وراء تحقيق معظم المكاسب تقريبًا على الأرض التي تحققت حتى الآن ضد «داعش» في سوريا. لكن تنسيقها الوثيق مع الجيش الأميركي بات مصدر استياء عميق في أوساط المعارضين السوريين. وحتى الآن لم ينضم سوى عدد صغير من العرب إلى هذه الميليشيا الكردية، على الرغم من الجهد الذي بُذل لتغيير صورتها، بحيث تبدو في إطار «تحالف» مع المعارضين العرب.
من ناحية ثانية، مع تسريع الولايات المتحدة وتيرة خطط من أجل التقدم بمزيد من العمق في معاقل «داعش» العربية، بما في ذلك التحرك المدعوم أميركيًا من جانب ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» التي يغلب عليها الأكراد باتجاه مدينة الرّقّة، عاصمة التنظيم، فـ«إن الحاجة لقوة عربية قادرة على كسب تأييد السكان الذين يعيشون تحت سيطرة (داعش) تزداد إلحاحًا»، على حد قول بسام بربندي، وهو دبلوماسي سوري من دير الزور، انشق عن النظام ويعيش اليوم في واشنطن.
ويتابع بربندي موضحًا: «هذه ليست معركة للأكراد، بل معركة للعرب، ومعظم العرب السنة يريدون أن يكونوا جزءا من هذه المعركة. والوسيلة الوحيدة القائمة هي (جيش سوريا الجديد)، ولقد سمعت من كثيرين أنهم يريدون أن ينضموا لهذا الجيش».
من ناحية أخرى، يتمتع «جيش سوريا الجديد» بإمكانية الفوز بالتأييد الشعبي – حسب بربندي – لأن أفراده يتحدّرون من محافظة دير الزور القريبة والممتدة على الحدود مع العراق، وتحوي أرضها معظم النفط السوري. ومعظم عناصر هذا «الجيش» الجديد الذين جرى تجنيدهم هم من بقايا وحدة «الجيش السوري الحر» المسماة بـ«جبهة الأصالة والتنمية»، والتي كانت معروفة في المحافظة قبل هزيمتها أمام «داعش» أثناء اجتياح التنظيم المتطرف لسوريا والعراق عام 2014. ويختتم بربندي كلامه بالقول: «في اللحظة الراهنة، لا يزال جيش سوريا الجديد صغيرًا جدًا، لكن سيكون من السهولة تمكينه وزيادة أعداد عناصره».
مع هذا، تبيّن أن تجنيد المقاتلين أصعب تحدٍّ على المدى الطويل بالنسبة إلى البرنامج. وللعلم، حال شرط توقيع المتقدّمين للالتحاق بهذا «الجيش» على وثيقة يتعهدون فيها بقتال «داعش» حصرًا، والامتناع عن مقاتلة نظام بشار الأسد، دون الانضمام إليه من الأساس. أما الآخرون الذين انخرطوا في التدريب بالأردن، فقد اضطروا للانتظار طويلاً، لدرجة أن هذا الانتظار طال أحيانا لشهور بينما بحث المسؤولون الأميركيون في خلفية كل من المعارضين المتقدمين. وبالنتيجة، تراجع كثيرون وقرّروا العودة إلى سوريا قبل البت بطلباتهم، بحسب مسؤول أميركي سابق مطلع على جهد التدريب والتسليح، طلب إغفال ذكر اسمه، ليتمكن من الحديث بصراحة. ومما قاله المسؤول السابق: «إننا نستأهل كثيرا من الانتقادات حول هذا البرنامج. من بين المشكلات أن التدقيق استغرق وقتًا طويلاً للغاية، وكانت هناك مشكلة أخرى هي إجبار هؤلاء الناس على إلزام أنفسهم بقتال (داعش) وحده».
وفي الوقت نفسه، تسبب هذا في إحساس لدى أفراد «جيش سوريا الجديد» بأنه خُذل وجرى التخلي عنه، وبات مكشوفًا في قاعدة معزولة في منطقة بعيدة ووعرة في الصحراء على مسافة أميال من أي بلدات كبيرة. ومع أن «الجيش» نفذ عددا من العمليات ضد «داعش»، بدعم أميركي - حسب مسؤولين أميركيين وأعضاء بالمعارضة - فإنه، وفق المعارضة السورية، لم يتسلم أبدا الأسلحة أو المعدات التي كان يأمل في الحصول عليها.
ولطالما كانت هناك افتراضات أن مزيدا من المعارضين سيلتحقون بـ«جيش سوريا الجديد»، لكن تعليق البرنامج كان معناه أن هذا لم يحدث. وفي وقت لاحق، زادت المجموعة الأصلية في «الجيش»، التي قوامها 50 فردا دربهم الجيش الأميركي، من عددها، وذلك عن طريق قيام عناصرها بأنفسهم بتجنيد وتدريب مزيد من المسلحين، لكن القوة ظلت أصغر بشكل كبير مما كان متوقعًا.
*خدمة «واشنطن بوست»



ممارسات حوثية تحرم اليمنيين بهجتهم بالعيد

تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
TT

ممارسات حوثية تحرم اليمنيين بهجتهم بالعيد

تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)

مثلما كانت أسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وسائر مدن ومناطق سيطرة الحوثيين، شبه خالية من المتسوقين خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، ظلت الحدائق والمتنزهات العامة والخاصة، على قلتها، خفيفة الزحام خلال أيام عيد الفطر، بعد أن عجز معظم السكان عن شراء الملابس ومستلزمات العيد، وقضوا أيام العيد في منازلهم.

ولاقى إعلان الجماعة الحوثية جاهزية 66 حديقة في صنعاء لاستقبال المتنزهين خلال عيد الفطر، تهكماً واستنكاراً واسعَين، فإلى جانب المبالغة في عدد الحدائق، كشف العديد من السكان عن عدم مقدرتهم على دخولها؛ بسبب الرسوم الكبيرة، بينما تعاني غالبيتها من الإهمال ورداءة الخدمات.

واستغرب سكان تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» من مزاعم الجماعة حول عدد الحدائق رغم أن صنعاء لم تشهد نشوء أي حديقة فيها خلال سنوات سيطرة الجماعة الحوثية، مشيرين إلى أن الجماعة تسمي المجسمات والمساحات التي تستحدثها للدعاية لمشروعها «حدائق عامة» أو «متنزهات».

وتمَّ استحداث غالبية هذه المجسمات والمساحات في الشوارع العامة وتقاطعاتها، ولا توجد مساحات في محيطها للتنزه، كما لا يمكن إنشاء مرافق ترفيهية أو خدمية تابعة لها.

الجماعة الحوثية صنَّفت المجسمات التي تمثل مشروعها ضمن الحدائق ومتنزهات الترفيه (إعلام حوثي)

ولا يوجد في صنعاء سوى 9 حدائق عامة فقط، منها 3 حدائق كبيرة، واحدة منها حديقة حيوانات في جنوب المدينة، بينما تقع الثانية في وسطها وتسمى «حديقة السبعين»، غير أنه جرى خصخصة مرافقها الترفيهية منذ سنوات، ولم يعد الدخول إليها متاحاً لذوي الدخل المحدود، ويقول السكان إن أسعارها باتت مرتفعة جداً.

وتقع الحديقة الثالثة في شمال المدينة، وتسمى «حديقة الثورة»، ورغم مساحتها الكبيرة، فإن شكاوى كثيرة تصاعدت خلال السنوات الأخيرة من أن الإهمال الذي طالها وتسبب في تردي خدماتها واندثار الأشجار والنباتات وخلوها من المساحات الخضراء، في حين يفرض الحوثيون رسوماً كبيرة على الدخول إليها والاستمتاع بمنشآتها، دون إجراء أي أعمال صيانة وتنظيف لها.

مصادرة الترفيه

أنشأت الحكومات اليمنية السابقة 6 حدائق أخرى صغيرة المساحة في صنعاء، إلا أنها تعرَّضت للإهمال تحت سيطرة الحوثيين، وتكاد تخلو حالياً من المرافق الترفيهية، وتعرَّضت مثل غيرها للإهمال وفرض رسوم كبيرة على خدماتها؛ ما تسبب في عزوف السكان عن الدخول إليها.

شارع الرياض حيث أشهر سوق شعبية في صنعاء يبدو خالياً من المتسوقين (فيسبوك)

وبحسب المصادر، شهدت السنوات الأخيرة نشوء مناطق ألعاب للأطفال ومتنزهات صغيرة المساحة، وغالبيتها استثمارات خاصة، إلا أن أسعار دخولها ليست في متناول جميع سكان صنعاء، خصوصاً بعد سنوات طويلة من انقطاع الرواتب وتردي المعيشة وانتشار البطالة.

ويلجأ ملاك هذه المساحات والمتنزهات إلى رفع أسعار خدماتها؛ بسبب الجبايات التي تفرضها الجماعة الحوثية، أو يضطرون لإغلاقها؛ نتيجة قلة الإقبال عليها.

وطبقاً للمصادر، تزيد الجماعة الحوثية من فرض جباياتها على هذه المنشآت خلال أيام الأعياد والإجازات والإجازة الدراسية، بحجة زيادة مداخيلها خلال هذه الفترات.

واشتكى تجار في العاصمة المختطفة من تراجع حركة البيع خلال رمضان، ورغم أنهم علقوا آمالهم على الأيام الأخيرة من هذا الشهر، فإن العيد وصل ولم تشهد محلاتهم سوى إقبال متدنٍ على الشراء، في حين بدت الشوارع والأسواق في تلك الأيام شبه خالية كأنها في أيام العيد.

«حديقة الثورة» في صنعاء تعاني من الإهمال وانعدام الصيانة (فيسبوك)

يقول غازي، وهو طالب جامعي عمل سابقاً بائعاً متجولاً، إنه شعر بالاكتئاب عند زيارته شارع الرياض، غرب صنعاء، قبيل عيد الفطر بأيام، إذ كانت غالبية المحلات التجارية مقفلة، والمطاعم والمقاهي خالية، والحركة هادئة، وهو ما لم يكن يحدث سابقاً إلا في أيام العيد فقط.

أسواق تندثر

أجبر الحوثيون الباعة المتجولين على مغادرة الأسواق الرئيسية، ومنها أسواق شارع الرياض، بعد أن فرضوا عليهم جبايات باهظة، دون منحهم مساحات بديلة لمزاولة أنشطتهم، وفرضوا جبايات أكثر تكلفة على ملاك المحلات.

يتذكر غازي خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» كيف أنه عُرض عليه، عندما كان بائعاً متجولاً، قبل سنوات طويلة، التنازل عن المساحة التي كان يستخدمها لبيع بضاعته على رصيف الشارع، مقابل مبلغ كبير يوازي 3 آلاف دولار حينها، أما الآن فالتجار يغلقون محلاتهم في الشارع نهائياً.

ويشتهر شارع الرياض ومحيطه، بكونه إحدى أكبر الأسواق الشعبية في صنعاء وأكثرها ازدحاماً؛ نظراً لانتشار البضائع الرخيصة ذات الجودة المقبولة فيه.

سوق شعبية للملابس في صنعاء التي يعاني سكانها من انفجار أسعار كبير (الشرق الأوسط)

واضطر أحد تجار الملابس، إلى إغلاق محله في وسط العاصمة صنعاء، مكتفياً بالبيع عبر الإنترنت لتصريف ما أمكنه من ملابس استوردها من الهند والصين، وفشل في بيعها بسبب تراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويبيِّن التاجر، الذي فضَّل عدم الكشف عن هويته، أن إغلاق محلاته جاء بعد أن وجد نفسه لا يحقق أرباحاً، فأقدم على ذلك للتخفف من دفع الإيجار ورواتب العمال لديه.

ويضطر كثير من الميسورين إلى إخفاء مظاهر فرحتهم بالعيد مراعاة لمشاعر غالبية السكان، أو تجنباً لتشبيههم بالمنتمين للجماعة الحوثية التي استحوذت على الثروات والأموال لصالح قادتها وأفرادها بالفساد والنهب والجبايات، والذين لا يترددون في التباهي بثرائهم.

ويبيِّن مهيب علوان، وهو معلم كيمياء يعمل في مدرسة أهلية ويقدِّم دروساً خصوصية، أنه إذا استطاع شراء ملابس وألعاب لأطفاله، فإنه يعاني كثيراً لإقناعهم بعدم الخروج بها أمام جيرانهم ومعارفهم حرصاً على مشاعر أطفالهم الذين لم يرتدوا ملابس جديدة منذ فترة طويلة.


تناغم حوثي مع تصريحات إيرانية تهدد باستخدام ورقة البحر الأحمر

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

تناغم حوثي مع تصريحات إيرانية تهدد باستخدام ورقة البحر الأحمر

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ظل المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى مع ذراعيها اللبناني والعراقي، يواصل الحوثيون في اليمن تصعيدهم الكلامي، مؤكدين أنهم «لن يقفوا مكتوفي الأيدي»، لكن من دون الانتقال حتى الآن إلى مستوى الانخراط العسكري المباشر إلى جانب طهران.

وحتى 22 مارس (آذار) الحالي، أي بعد نحو ثلاثة أسابيع منذ بداية الحرب، اكتفت الجماعة، التي ينظر إليها على أنها صنيعة إيرانية، بإصدار بيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التأكيد على «الجاهزية» لأي تطورات، في وقت تتقاطع فيه هذه المواقف مع تهديدات إيرانية بتوسيع نطاق التوتر إلى ممرات بحرية استراتيجية، من بينها البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

أحدث هذه المواقف الحوثية جاء في بيان منسوب لوزارة خارجيتهم في حكومتهم الانقلابية، حيث عبرت الجماعة عن رفضها لأي تحركات دولية مرتبطة بمضيق هرمز، معتبرة أن الولايات المتحدة «تدفع المنطقة نحو مأزق استراتيجي» عبر سياساتها.

وحذّر البيان الحوثي من انخراط دول إقليمية في أي تصعيد، منتقداً ما وصفه بـ«الارتهان» للسياسات الأميركية، مع الزعم بأن أي تدخل خارجي سيؤدي إلى تداعيات سلبية واسعة على المنطقة.

الحوثيون رفعوا في شوارع صنعاء صوراً ضخمة لخامنئي بعد مقتله (إ.ب.أ)

وفي حين ركز البيان على المخاطر المحتملة لتوسيع رقعة المواجهة، لافتاً إلى أن ذلك قد ينعكس على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الطاقة، هددت الجماعة الحوثية بأنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، في إشارة إلى إمكانية انخراطها في الحرب.

هذا الموقف يتقاطع مع تصريحات إيرانية حديثة، حيث لوّحت طهران باستخدام الورقة الحوثية لزعزعة أمن البحر الأحمر وباب المندب في حال تعرضت جزيرة خارك لأي هجوم أميركي، وهددت بأن ذلك يدخل ضمن ما سمته «خيارات محور المقاومة».

تأجيل الانخراط

كان زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي حافظ من بدء الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، على نهج يجمع بين إعلان الدعم السياسي والآيديولوجي لإيران، وتجنب إعلان تدخل عسكري مباشر.

وأكد الحوثي وقوف جماعته إلى جانب طهران، واصفاً الصراع بأنه «حرب على الإسلام»، مع التشديد على الاستعداد لكافة السيناريوهات، ودعوة جماعته للتظاهر في سياق التأييد لطهران.

وفي حين لم يقدم الحوثيون حتى الآن على أي خطوات ميدانية مرتبطة مباشرة بالحرب على إيران، يعكس هذا التردد، وفق تقديرات باحثين تحدثوا سابقاً لـ«الشرق الأوسط»، جملة من الحسابات المعقدة، في مقدمها الخشية من استدراج ضربات عسكرية أميركية وإسرائيلية واسعة، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية لممرات البحر الأحمر وباب المندب للتجارة العالمية.

كما أن الجماعة، التي خاضت خلال العامين الماضيين تصعيداً واسعاً في البحر الأحمر عبر استهداف السفن وكذلك عبر مهاجمة إسرائيل، قد تفضل الاحتفاظ بورقة التصعيد كورقة ضغط مؤجلة، بدلاً من استنزافها في توقيت غير محسوب.

ويمنح هذا النهج الحوثيين هامشاً أكبر للمناورة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، داخل ما يُعرف بمحور المقاومة الذي تقوده إيران.

المواجهة السابقة

يأتي هذا الموقف في سياق تصعيدي بدأ منذ أواخر عام 2023، عندما شرع الحوثيون في تنفيذ هجمات على سفن في البحر الأحمر، تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة. وخلال نحو عامين، تبنت الجماعة مئات الهجمات باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة وزوارق مفخخة، ما أدى إلى إغراق سفن وإلحاق أضرار بعشرات أخرى.

جانب من مقبرة أنشأها الحوثيون في صنعاء لقتلاهم (إ.ب.أ)

وقد أسفرت هذه العمليات عن تداعيات أمنية واقتصادية واسعة، دفعت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تنفيذ حملة عسكرية ضد مواقع الحوثيين، شملت مئات الضربات الجوية والبحرية، قبل أن تتوقف لاحقاً بوساطة إقليمية.

كما نفذت إسرائيل -رداّ على الهجمات- ضربات استهدفت بنى تحتية في مناطق سيطرة الحوثيين، بينها موانٍ ومحطات كهرباء ومصانع أسمنت، فضلاً عن مطار صنعاء، كما استهدفت كبار قادة الجماعة وقتلت رئيس أركانها ورئيس حكومتها مع تسعة من وزرائه.


القوات اليمنية ترفع جاهزيتها في خطوط المواجهة مع الحوثيين

القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
TT

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها في خطوط المواجهة مع الحوثيين

القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)

مع دخول الحرب على إيران مرحلة جديدة، بإعلان 22 دولة استعدادها للمشاركة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، عيّن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قيادة جديدة لقوات «درع الوطن»، وأشاد بجاهزية القوات المسلحة في مختلف المناطق، في وقت كثّفت فيه القيادات العسكرية لقاءاتها وزياراتها الميدانية للقوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين.

جاء ذلك في وقت تواصل فيه الجماعة الحوثية، المختطِفة للعاصمة اليمنية صنعاء، حشد مقاتليها إلى خطوط المواجهة مع القوات الحكومية، وبالذات في جنوب محافظتي مأرب والحديدة، مع نقل منصات إطلاق الصواريخ إلى محافظات الجوف وصعدة والحديدة وحجة، في تحركات يُعتقد أنها تأتي استعداداً للانخراط في القتال إلى جانب إيران واستهداف حركة الملاحة في مضيق باب المندب.

وأصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، قراراً بتعيين العميد بسام محضار قائداً لقوات «درع الوطن»، وترقيته إلى رتبة لواء. كما عيّن العميد عبد الرحمن اللحجي رئيساً لأركان هذه القوات، إضافة إلى عمله قائداً للواء الرابع مشاة، وترقيته إلى رتبة لواء.

إشادة رئاسية بأداء الجيش اليمني في إفشال مخططات الحوثيين (إعلام حكومي)

جاءت هذه التعيينات متزامنة مع إشادة العليمي بجاهزية وحدات الجيش في مختلف الجبهات وتضحياتها، خلال اتصالين أجراهما مع وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، ورئيس هيئة الأركان العامة الفريق الركن صغير بن عزيز، حيث أشاد بما وصفه بـ«الصمود البطولي والملاحم الوطنية» التي يسطرها منتسبو هذه القوات في مواجهة الحوثيين، مؤكداً أن تضحياتهم تمثل حجر الأساس في ردع المشروع «التخريبي الإيراني» وإفشال مخططاته التوسعية.

واستمع العليمي، طبقاً للمصادر الرسمية، إلى مستجدات الأوضاع الميدانية ووضع المقاتلين في مختلف مسارح العمليات، مثنياً على ما يتحلون به من يقظة عالية وانضباط وروح وطنية مسؤولة في أداء واجبهم. كما أشاد بدور السعودية ودعمها المستمر للشعب اليمني وقيادته الشرعية ومؤسساته الوطنية، بما يعزز تطلعاته إلى الأمن والاستقرار والسلام.

تحركات في الساحل الغربي

في سياق هذه التحركات، ترأس عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح لقاءً لقيادة وضباط من مختلف المستويات في محوري الحديدة والبرح القتاليين في الساحل الغربي، كُرّس لمناقشة مستوى الجاهزية الميدانية وتقييم سير الأداء في مناطق الانتشار، بما يعزز كفاءة الوحدات ويرفع مستوى التنسيق بين مختلف التشكيلات.

وبعد يوم من تصدي القوات الحكومية لهجوم نفذه الحوثيون في جبهة جنوب الحديدة، أكد صالح أهمية الحفاظ على الانضباط العسكري، ومواصلة برامج التأهيل والتدريب، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يسهم في تطوير الأداء والارتقاء بمستوى الجاهزية.

ونبّه عضو مجلس القيادة الرئاسي إلى ضرورة مضاعفة الجهود خلال هذه الفترة للحفاظ على الأمن والاستقرار، وتعزيز الحضور الميداني بما يضمن حماية المواطنين والتصدي للممارسات «الإرهابية» التي تقوم بها الجماعة الحوثية.

تنسيق في حضرموت ومأرب

في الاتجاه نفسه، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مع قائد المنطقة العسكرية الأولى وقائد الفرقة الثانية في قوات «درع الوطن» اللواء فهد بامؤمن مستجدات الأوضاع العسكرية والأمنية في وادي وصحراء حضرموت.

واستعرض المحرّمي، وفق المصادر الرسمية، جملة من التطورات الميدانية والجهود المبذولة لرفع مستوى الجاهزية القتالية وتعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والأجهزة الأمنية، بما يسهم في تثبيت الأمن والاستقرار والتعامل مع التحديات القائمة، وفي مقدمتها مكافحة التهريب والتصدي للشبكات التي تعبث بأمن الوادي والصحراء.

تعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والأمنية في محافظة حضرموت (إعلام حكومي)

وأكد عضو مجلس الحكم اليمني أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود ورفع مستوى الأداء العسكري والأمني لحماية الأرض والإنسان في وادي وصحراء حضرموت، وصون أمن واستقرار المحافظة، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق والعمل المشترك بين مختلف القوات، بما يضمن مواجهة أي تهديدات أو اختراقات.

بدوره، زار رئيس لجنة الحصر في المنطقة العسكرية الثانية بساحل حضرموت، العميد أحمد البيتي، لواء النخبة الحضرمي؛ بهدف تقييم الجاهزية وتعزيز الحضور القيادي في الوحدات العسكرية، والاطلاع على مستوى التأهب العملياتي والانضباط العسكري وجاهزية الأفراد لتنفيذ المهام الموكلة إليهم.

وأشاد المسؤول العسكري بما لمسه من كفاءة عالية وروح قتالية وانضباط يعكس مستوى التدريب والالتزام، كما استمع إلى عرض حول سير الأداء الميداني وأبرز التحديات، موجهاً بضرورة رفع وتيرة الجاهزية بما يواكب متطلبات المرحلة.

وفي المنطقة العسكرية الثالثة بمحافظة مأرب، اطّلع قائد المنطقة اللواء الركن منصور ثوابه على أوضاع القوات في الجبهات الجنوبية للمحافظة، وتنقّل بين عدد من المواقع في خطوط التماس مع الحوثيين، مشيداً بصمودهم وتضحياتهم، ومؤكداً ضرورة مضاعفة الجهود ورفع مستوى الجاهزية واليقظة القتالية، والاستمرار في تنفيذ المهام بكفاءة واقتدار.

من جهتها، أكدت المنطقة العسكرية الخامسة المرابطة في محافظة حجة، شمال غربي اليمن، جاهزية المحاور كافة لخوض المعركة الوطنية ضد الحوثيين إلى جانب مختلف تشكيلات القوات المسلحة في عموم اليمن، واستعادة الدولة.