الفلوجة.. مدينة الدماء

ينظر إلى طرد «داعش» منها على أنه خطوة لتحرير الموصل والقضاء على التنظيم

الفلوجة.. مدينة الدماء
TT

الفلوجة.. مدينة الدماء

الفلوجة.. مدينة الدماء

تشهد مدينة الفلوجة العراقية راهنا معركة يعتبرها النظام العراقي، وكذلك «التحالف الدولي» مفصلية وحاسمة ضد تنظيم داعش الإرهابي المتطرف. غير أن أوضاع سكان المدينة الواقعة إلى الغرب من العاصمة العراقية بغداد تشغل في هذه الساعات اهتمام الأوساط السياسية والعسكرية التي تحرص على تفويت الفرصة على الجماعات الطائفية وغير المنضبطة ومنعها من ممارسة الانتقام الدموي، كما سبق لها أن فعلت في أماكن أخرى، مثل تكريت والمقدادية.
إن تصفية وجود «داعش» في الفلوجة في الحسابات العراقية وكذلك الدولية يشكل خطوة مهمة للقضاء على وجود التنظيم في العراق، وتمهيدا لتحرير شمال غربي العراق منه، ولاسيما مدينة الموصل وجوارها.
قبل الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 كان اللقب الشائع لمدينة الفلوجة، وهي مركز القضاء الذي يحمل اسمها ويقع إلى الغرب من العاصمة بغداد، هو «مدينة المساجد» أو «أم المآذن»؛ وذلك لكثرة الجوامع والمساجد فيها. فهذه المدينة العراقية العريقة التي لا يزيد عدد سكانها عن نحو 140 ألف نسمة تضم نحو 500 مسجد، مع العلم أنه لا يزيد عدد سكان القضاء كله التابع لها عن نصف مليون نسمة طبقا لآخر إحصاء سكاني جزئي لوزارة التخطيط العراقية عام 2011.
ولكن بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وسقوط بغداد يوم التاسع من أبريل (نيسان) من العام نفسه، لم يكن أحد يتوقع أن يكون لهذه المدينة الغافية على الضفة الشرقية لنهر الفرات، التي لا تبعد عن بغداد أكثر من 60 كيلومترا، شأن كبير في الأحداث والوقائع اللاحقة. ذلك أن عيون الساسة والعسكريين الأميركيين كانت شاخصة إلى بغداد وأسلحة الدمار الشامل بوصفها أهم ذرائع الحرب، والأمر نفسه ينطبق تقريبا على قوى المعارضة العراقية التي جاءت مع الأميركيين، وعلى ظهور دباباتهم.
مدينة مختلفة
من الجوانب السكانية والجغرافية وطبيعة التقاليد، فإن الفلوجة تبدو مختلفة عن سواها من المدن والقصبات العراقية؛ إذ إنها احتلت على الدوام موقعا استراتيجيا مهما، لاسيما أثناء وجود القوات البريطانية؛ لكونها حلقة الوصل إلى المنطقة الغربية ومعسكر الحبانية - القاعدة العسكرية البريطانية المعروفة آنذاك -.
وكان من الأحداث التي اشتهرت بها الفلوجة معركة سن الذبان الشهيرة عام 1941 مع القوات البريطانية، ولقد وقعت المعركة على طريق الفلوجة، وشهدت المنطقة قصفا من الطائرات الحربية البريطانية. وفي تلك الفترة حاول البريطانيون كسب ود شيوخ العشائر في المنطقة، وتحقق لهم ذلك مع بعضهم بينما قاومهم الغالبية.
بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي فإن أهم ما عرف عن الفلوجة وأهلها التدين الشديد مثلما يقول الشيخ حميد الكرطاني، أحد شيوخ أحد أطراف الفلوجة، خلال حوار مع «الشرق الأوسط»، إذ قال: «عرفت المدينة بمساجدها وتدينها، ومن أشهر المشايخ الذين عرفوا بتدينهم وزهدهم وكراماتهم التي تعد بمثابة كرامات الأولياء الشيخ المرحوم محمد الفياض». وأضاف الكرطاني شارحًا إنه «على الرغم من أن الفلوجة لا تبعد عن بغداد سوى 40 دقيقة بالسيارة، فإن رئيس النظام السابق صدام حسين لم يزرها ولا مرة واحدة طوال 35 سنة من حكمه إلا لدى مروره إلى منتجع بحيرتي الحبانية القريب أو الثرثار».
ومن المفارقات اللافتة التي يشير إليها الكرطاني أن «الكثير من بيوت القرويين، وخصوصا في قرية الزغاريت أزيلت عن الشارع العام؛ بسبب مرور صدام إلى منتجع الثرثار». ومما يميز الفلوجة كذلك والحديث للشيخ الكرطاني «مطاعم الكباب فيها التي تكاد تكون أشهر مطاعم الكباب في العراق كله، وأبرزها (حجي حسين) و(زرور) و(البادية) التي أغلقت أبوابها بعد احتلال (داعش) المدينة، ومن ثم فتحت هذه المطاعم لها فروعا لها في بغداد وبعض دول الجوار». وتابع الشيخ الكرطاني سرده، مشيرًا إلى أمر لافت أيضا يتعلق بالفلوجة يتمثل في «أن الشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي عاش فيها أواخر الثلاثينات من القرن الماضي، وفيها كتب مؤلفه الشهير (الشخصية المحمدية) الذي كان يحمل وجهات نظر مختلفة تماما لما هو سائد آنذاك لجهة ما تحوزه تلك المدينة من تديّن ومحافظة شديدة على التقاليد».
دماء فوق المآذن
الفلوجة التي تدور المعارك اليوم عند تخومها في مسعى إلى تحريرها من قبضة تنظيم داعش الإرهابي المتطرف الذي يتعامل معها بوصفها إيقونة ولاياته التي تشكل ما يسميه دولته الإسلامية أبت، في الواقع، إلا أن تكون لها بصمة لن تقف عند حدود تثبيت المواقف إلى تغيير مسار الأحداث. ففي خطوة بدت مبكرة على صعيد مقاومة الاحتلال الأميركي، الذي بدأ متصالحا أول الأمر مع الجميع من منطلق فكرة الخلاص من النظام السابق، فضلا عن ذريعة وجود أسلحة دمار شامل كان البحث جاريا عنها وقتذاك، أوقدت الفلوجة أولى شموع المقاومة. ومن ثم خاضت حربين كبيرتين مع القوة العظمى الوحيدة في العالم (الولايات المتحدة الأميركية) في غضون سنة تقريبا.
وفي هذا السياق، يكمل الدكتور سلمان الجميلي، وزير التخطيط العراقي والقيادي في «تحالف القوى العراقية» (السنّي) سرد الشيخ الكرطاني عن المدينة وتاريخها وواقعها. ويقول الجميلي، الذي ينتمي إلى قبيلة الجميلات التي تعد إحدى أبرز قبائل الفلوجة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» مفصلا أن «الفلوجة تمثل رمزية في كل شيء، بدءا من وصفها العام وميزاتها الجغرافية والسكانية، وحتى المعركة التي تدور فيها حاليا.. حيث إنه على الرغم من كثرة المعارك التي خاضها الجيش العراقي طوال السنتين الماضيتين ضد تنظيم داعش لاستعادة مدن ومحافظتي ديالى وصلاح الدين، وكذلك مدينة الرمادي التي هي عاصمة محافظة الأنبار، وهيت والرطبة في الأنبار أيضا، فإن معركة الفلوجة تبدو مختلفة تماما على المستويين الداخلي أو الخارجي».
واستطرد الدكتور الجميلي قائلا: «إن سلسلة الأحداث التي وقعت في الفلوجة بعد سقوط النظام السابق يعيد إلى الأذهان ما مثلته وتمثله هذه المدينة من رمزية عالية تمثلت أول ما تمثلت بكونها مدينة ذات عمق ديني وتقاليد محافظة جدا يشهد عليها كونها أكثر المدن العراقية مساجد بالقياس إلى مساحتها وسكانها»، وأضاف: «هذه الصفات جعلت من الفلوجة بمثابة رأس الرمح في كل شيء ابتداء من مقاومة الاحتلال الأميركي عندما انطلقت منها أولى عمليات المقاومة، ثم عندما جعلها تنظيم داعش الإرهابي أهم حاضنة له مستفيدا من هذه الرمزية العالية، وبالتالي، دفع التنظيم لأن يتخذها مقرا له (منذ أوائل عام 2014) قبل ستة شهور من احتلاله مدينة الموصل ومحافظة صلاح الدين.. وبالقياس إلى هذا كله، والطبيعة التي احتفظت وما زالت تحتفظ بها الفلوجة، وعلى الرغم من خوضها حربين مع الولايات المتحدة الأميركية خلال أقل من عقد من السنوات، فإنها اليوم - والحديث ما زال للجميلي - تمثل أبرز إجماع وطني على صعيد عملية استعادتها من تنظيم داعش، لدرجة أنه يمكن القول اليوم إنه لم يحصل إجماع عراقي على أي قضية من القضايا بعد عام 2003 مثل هذا الإجماع بخصوص أهمية عودة الفلوجة إلى حضن الوطن مع الإدراك التام لكل ما يمكن تقديمه من تضحيات». وهو ما يعني أن هذه العروس الغافية على ضفاف نهر الفرات ما زالت من وجهة نظر العراقيين تستحق كل هذه التضحيات.
شخصيتها المتعالية العنيدة
من ناحية أخرى، لعل الشخصية الدينية شبه المتعالية للفلوجة جعلتها في وضع يصعب معه على أي حاكم التعامل مع أمورها خارج سياق ما تؤمن به هي. حتى رئيس النظام السابق صدام حسين بكل جبروته وسطوته حاول جهده خطب ود المدينة التي بقيت عصية على صعيد تقديم الدعم الذي يتمناه هو لا مثلما تتمناه هي، وهذا مع أنها كانت تعد - بوصفها إحدى أبرز المدن السنية ذات التوجه التقليدي - من المدن والأقضية الموالية للنظام نظرا، وبالأخص، إلى كثرة ما قدمته من طاقات عسكرية وأمنية ومخابراتية وفي معظم أجهزة الدولة الحساسة.
القتال ضد الأميركيين
وبعد سقوط بغداد عام 2003 بقيت الفلوجة خارج نطاق التسويات العسكرية أو السياسية حتى وقعت الواقعة حين دخلت قوات أميركية خلال شهر أبريل عام 2003 إحدى مدارسها. ويومذاك نظم نحو 200 شخص من سكان المدينة مظاهرة احتجاجية على تصرفات الجنود الأميركيين من اعتقالات ومداهمات، وانتهت هذه المظاهرة بصورة عنيفة، إذ قتل 17 من الأشخاص المشاركين في المظاهرة وجرح 30 شخصا تقريبا. ويوم 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2003 أسقط مسلحون عراقيون هليكوبتر عسكرية أميركية من نوع «شينوك» في ضاحية الكرمة الملاصقة للفلوجة، ما أدى إلى مقتل 16 عسكريا أميركيا وجرح 26 آخرين.
ثم خلال مارس (آذار) 2004 وقعت عملية تناقلت أخبارها وكالات الأنباء العالمية، وذلك عندما قتل أربعة من حراس وموظفي شركة بلاك ووتر الأمنية الأميركية في الفلوجة، وسُحلت جثثهم في الشوارع قبل إحراقها وتعليقها لاحقا على جسر في أطراف المدينة يطل على نهر الفرات.
وعلى الأثر، ردت القوات الأميركية على هذه العملية بسلسلة من أعمال القصف المكثف انتقاما من أهالي المدينة بحجة القضاء على تنظيم «القاعدة»، بل حاولت السيطرة على المدينة بمساعدة قوة من الجيش العراقي. لكن أهالي الفلوجة تصدوا للقوات الأميركية العالية التسليح ومنعوها من تحقيق غايتها. وخلال ما عُرف بـ«معركة الفلوجة الثانية» وقبل الهجوم البري على المدينة أقدمت القوات الأميركية على قطع تيار الكهرباء وإمدادات المياه عن الفلوجة، وبقصفها لأكثر من خمسة أشهر متواصلة منذ مايو (أيار) 2004 إلى بداية الهجوم في نهاية عام 2004. كذلك أقدمت القوات الأميركية على تدمير المستشفيات والمراكز الطبية، واستخدم الجيش الأميركي مختلف الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليا والقنابل الفوسفورية وقنابل النابالم الحارقة على أهالي الفلوجة، فأدى إلى مقتل الكثير من المدنيين ونزوح الآلاف.
وتشير مصادر إلى أن الأميركيين استخدموا الغاز الخانق، ومن ثم الفوسفور الأبيض في محاولة منهم لكسر إرادة الأهالي، وفي نهاية المطاف في وجه الصمود العنيد لأبناء المدينة، استخدموا السلاح الكيماوي مع الفوسفور، وهو ما أحرق الأخضر واليابس، ولم يتبق حياة في الفلوجة، حتى الكلاب والقطط نفقت والأشجار يبست. وعند ذلك فقط تمكن الأميركيون من دخول المدينة على نحو 400 جثة متفحمة. القوات الأميركية كانت أعلنت من جانبها يومذاك عن مقتل 1600 شخص واعتقال 1050 شخصا من أهالي المدينة. والواقع أنها تركت جثث القتلى مرمية في الشوارع، ومن ثم سارت الدبابات الأميركية فوق جثثهم. وظلت روائح الجثث المتعفنة لضحايا الهجمات الأميركية تفوح في الكثير من المناطق.
سيطرة «داعش»
في فبراير (شباط) 2014 سيطر تنظيم داعش الإرهابي على الفلوجة، واحتفظ بسيطرته عليها حتى اليوم.. بينما تدور في هذه اللحظات رحى معركة كبيرة لاستعادتها من التنظيم حملت اسم «كسر الإرهاب»، وذلك من منطلق أن القضاء على «داعش» في هذه المدينة يمكن أن يمهد الطريق للقضاء على الإرهاب بصورة عامة.
على صعيد آخر، بالمقاييس المذهبية في العراق، فإنه إذا كانت مدن كالنجف وكربلاء تكاد تكون ذات أغلبية شيعية مطلقة نظرا إلى قداستها الدينية لكونهما تضمان مراقد الأئمة (علي بن أبي طالب والحسين بن علي والعباس)، فإن الفلوجة تكاد تنفرد عن المدن والمحافظات الغربية من العراق بوصفها مدينة ذات غالبية سنية مطلقة مع أنها لا تحتوي على مراقد أئمة أو أولياء. وهي بذا مختلفة مثلا عن حي الأعظمية في العاصمة بغداد، مثلا، الذي يحتضن مرقد الإمام أبي حنيفة النعمان أو بعض أحياء بغداد السنية القريبة من مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني.
التركيبة العشائرية
الجدير بالذكر، أن معظم سكان الفلوجة ينحدرون من عشائر كبيرة في العراق، هي عشائر الدليم بكل فروعها (البوعلوان، والمحامدة، والفلاحات، والحلابسة، والبونمر، والبوفهد)، والجميلات، والجبور، والكبيسات، والبوعيسى، والعزة، والجنابيين، وزوبع، وقبيلة بني تميم بفروعها (العيايشة، والبو ذهيبة، والبو سهيل، والبو فياض)، بالإضافة إلى مجموعة من العشائر الأخرى، كما توجد في المدينة مجموعة من السكان الأكراد. تاريخيا، بنيت الفلوجة قرب مدينة الأنبار التاريخية التي فتحها خالد بن الوليد عام 12 هجرية الموافق 633 ميلاديا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب. وكان العثمانيون قد اتخذوا الفلوجة محطة استراحة لهم في الطريق الصحراوي المؤدي إلى بغداد. وفي العام 1920 إبان الاحتلال البريطاني، شهدت المدينة اضطرابات؛ بسبب مقتل الضابط البريطاني جيرارد ليتشمان على يد أحد شيوخ العشائر.
واجتماعيا اشتهرت الفلوجة بكثرة مقاهيها الشعبية التي كان يرتادها أبناء المدينة من جميع الطبقات الاجتماعية، فتجمع المثقفين والأدباء والكتاب والمؤرخين من أبناء المدينة، حتى أصبحت منتديات فكرية وأدبية بالإضافة إلى اتخاذها مجالس يرتادها شيوخ العشائر والوجهاء لمناقشة شؤون المجتمع. ومن أبرز هذه المقاهي: قهوة عبود عرب، وقهوة أبو علاء المصري، وسوق أطلس، وقهوة جلاوي، فضلا عن قهوة صالح الملة مهيدي.
المعركة الحالية
اليوم حيث تدور معركة الفلوجة بهدف استعادتها من تنظيم داعش الإرهابي بعد سنتين من احتلاله المدينة، تحولت الفلوجة إلى قبلة اهتمام داخلي وإقليمي ودولي؛ نظرا إلى ما تحوزه من مكانة تكاد تختلف تماما عن كل المدن التي تمكن «داعش» من احتلالها سواء في العراق وسوريا. ولعل هذا هو السر الكامن وراء اختيار عبارة «كسر الإرهاب» كتسمية للمعركة المهمة التي لم تحسم بعد. والحقيقة أنه على الرغم من أن المعركة حتى تاريخ كتابة هذه الكلمات، فإن القوات العراقية تتقدم باتجاه «المواجهة - الحسم»، لكن «داعش» الذي قد لا يملك أكثر من 1000 مقاتل - أكثر من نصفهم من أهالي المدينة - يراهن على زيادة الضغط على القوات العراقية باتجاه توقي الحذر حماية للمدنيين. والحال أن هؤلاء المدنيين هم الآن بين مطرقة التنظيم في الداخل وسندان المدافع والصواريخ والقاذفات في الخارج.. وحتما يصعب عليها التمييز بين البريء والمذنب.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.