الفلوجة.. مدينة الدماء

ينظر إلى طرد «داعش» منها على أنه خطوة لتحرير الموصل والقضاء على التنظيم

الفلوجة.. مدينة الدماء
TT

الفلوجة.. مدينة الدماء

الفلوجة.. مدينة الدماء

تشهد مدينة الفلوجة العراقية راهنا معركة يعتبرها النظام العراقي، وكذلك «التحالف الدولي» مفصلية وحاسمة ضد تنظيم داعش الإرهابي المتطرف. غير أن أوضاع سكان المدينة الواقعة إلى الغرب من العاصمة العراقية بغداد تشغل في هذه الساعات اهتمام الأوساط السياسية والعسكرية التي تحرص على تفويت الفرصة على الجماعات الطائفية وغير المنضبطة ومنعها من ممارسة الانتقام الدموي، كما سبق لها أن فعلت في أماكن أخرى، مثل تكريت والمقدادية.
إن تصفية وجود «داعش» في الفلوجة في الحسابات العراقية وكذلك الدولية يشكل خطوة مهمة للقضاء على وجود التنظيم في العراق، وتمهيدا لتحرير شمال غربي العراق منه، ولاسيما مدينة الموصل وجوارها.
قبل الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 كان اللقب الشائع لمدينة الفلوجة، وهي مركز القضاء الذي يحمل اسمها ويقع إلى الغرب من العاصمة بغداد، هو «مدينة المساجد» أو «أم المآذن»؛ وذلك لكثرة الجوامع والمساجد فيها. فهذه المدينة العراقية العريقة التي لا يزيد عدد سكانها عن نحو 140 ألف نسمة تضم نحو 500 مسجد، مع العلم أنه لا يزيد عدد سكان القضاء كله التابع لها عن نصف مليون نسمة طبقا لآخر إحصاء سكاني جزئي لوزارة التخطيط العراقية عام 2011.
ولكن بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وسقوط بغداد يوم التاسع من أبريل (نيسان) من العام نفسه، لم يكن أحد يتوقع أن يكون لهذه المدينة الغافية على الضفة الشرقية لنهر الفرات، التي لا تبعد عن بغداد أكثر من 60 كيلومترا، شأن كبير في الأحداث والوقائع اللاحقة. ذلك أن عيون الساسة والعسكريين الأميركيين كانت شاخصة إلى بغداد وأسلحة الدمار الشامل بوصفها أهم ذرائع الحرب، والأمر نفسه ينطبق تقريبا على قوى المعارضة العراقية التي جاءت مع الأميركيين، وعلى ظهور دباباتهم.
مدينة مختلفة
من الجوانب السكانية والجغرافية وطبيعة التقاليد، فإن الفلوجة تبدو مختلفة عن سواها من المدن والقصبات العراقية؛ إذ إنها احتلت على الدوام موقعا استراتيجيا مهما، لاسيما أثناء وجود القوات البريطانية؛ لكونها حلقة الوصل إلى المنطقة الغربية ومعسكر الحبانية - القاعدة العسكرية البريطانية المعروفة آنذاك -.
وكان من الأحداث التي اشتهرت بها الفلوجة معركة سن الذبان الشهيرة عام 1941 مع القوات البريطانية، ولقد وقعت المعركة على طريق الفلوجة، وشهدت المنطقة قصفا من الطائرات الحربية البريطانية. وفي تلك الفترة حاول البريطانيون كسب ود شيوخ العشائر في المنطقة، وتحقق لهم ذلك مع بعضهم بينما قاومهم الغالبية.
بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي فإن أهم ما عرف عن الفلوجة وأهلها التدين الشديد مثلما يقول الشيخ حميد الكرطاني، أحد شيوخ أحد أطراف الفلوجة، خلال حوار مع «الشرق الأوسط»، إذ قال: «عرفت المدينة بمساجدها وتدينها، ومن أشهر المشايخ الذين عرفوا بتدينهم وزهدهم وكراماتهم التي تعد بمثابة كرامات الأولياء الشيخ المرحوم محمد الفياض». وأضاف الكرطاني شارحًا إنه «على الرغم من أن الفلوجة لا تبعد عن بغداد سوى 40 دقيقة بالسيارة، فإن رئيس النظام السابق صدام حسين لم يزرها ولا مرة واحدة طوال 35 سنة من حكمه إلا لدى مروره إلى منتجع بحيرتي الحبانية القريب أو الثرثار».
ومن المفارقات اللافتة التي يشير إليها الكرطاني أن «الكثير من بيوت القرويين، وخصوصا في قرية الزغاريت أزيلت عن الشارع العام؛ بسبب مرور صدام إلى منتجع الثرثار». ومما يميز الفلوجة كذلك والحديث للشيخ الكرطاني «مطاعم الكباب فيها التي تكاد تكون أشهر مطاعم الكباب في العراق كله، وأبرزها (حجي حسين) و(زرور) و(البادية) التي أغلقت أبوابها بعد احتلال (داعش) المدينة، ومن ثم فتحت هذه المطاعم لها فروعا لها في بغداد وبعض دول الجوار». وتابع الشيخ الكرطاني سرده، مشيرًا إلى أمر لافت أيضا يتعلق بالفلوجة يتمثل في «أن الشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي عاش فيها أواخر الثلاثينات من القرن الماضي، وفيها كتب مؤلفه الشهير (الشخصية المحمدية) الذي كان يحمل وجهات نظر مختلفة تماما لما هو سائد آنذاك لجهة ما تحوزه تلك المدينة من تديّن ومحافظة شديدة على التقاليد».
دماء فوق المآذن
الفلوجة التي تدور المعارك اليوم عند تخومها في مسعى إلى تحريرها من قبضة تنظيم داعش الإرهابي المتطرف الذي يتعامل معها بوصفها إيقونة ولاياته التي تشكل ما يسميه دولته الإسلامية أبت، في الواقع، إلا أن تكون لها بصمة لن تقف عند حدود تثبيت المواقف إلى تغيير مسار الأحداث. ففي خطوة بدت مبكرة على صعيد مقاومة الاحتلال الأميركي، الذي بدأ متصالحا أول الأمر مع الجميع من منطلق فكرة الخلاص من النظام السابق، فضلا عن ذريعة وجود أسلحة دمار شامل كان البحث جاريا عنها وقتذاك، أوقدت الفلوجة أولى شموع المقاومة. ومن ثم خاضت حربين كبيرتين مع القوة العظمى الوحيدة في العالم (الولايات المتحدة الأميركية) في غضون سنة تقريبا.
وفي هذا السياق، يكمل الدكتور سلمان الجميلي، وزير التخطيط العراقي والقيادي في «تحالف القوى العراقية» (السنّي) سرد الشيخ الكرطاني عن المدينة وتاريخها وواقعها. ويقول الجميلي، الذي ينتمي إلى قبيلة الجميلات التي تعد إحدى أبرز قبائل الفلوجة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» مفصلا أن «الفلوجة تمثل رمزية في كل شيء، بدءا من وصفها العام وميزاتها الجغرافية والسكانية، وحتى المعركة التي تدور فيها حاليا.. حيث إنه على الرغم من كثرة المعارك التي خاضها الجيش العراقي طوال السنتين الماضيتين ضد تنظيم داعش لاستعادة مدن ومحافظتي ديالى وصلاح الدين، وكذلك مدينة الرمادي التي هي عاصمة محافظة الأنبار، وهيت والرطبة في الأنبار أيضا، فإن معركة الفلوجة تبدو مختلفة تماما على المستويين الداخلي أو الخارجي».
واستطرد الدكتور الجميلي قائلا: «إن سلسلة الأحداث التي وقعت في الفلوجة بعد سقوط النظام السابق يعيد إلى الأذهان ما مثلته وتمثله هذه المدينة من رمزية عالية تمثلت أول ما تمثلت بكونها مدينة ذات عمق ديني وتقاليد محافظة جدا يشهد عليها كونها أكثر المدن العراقية مساجد بالقياس إلى مساحتها وسكانها»، وأضاف: «هذه الصفات جعلت من الفلوجة بمثابة رأس الرمح في كل شيء ابتداء من مقاومة الاحتلال الأميركي عندما انطلقت منها أولى عمليات المقاومة، ثم عندما جعلها تنظيم داعش الإرهابي أهم حاضنة له مستفيدا من هذه الرمزية العالية، وبالتالي، دفع التنظيم لأن يتخذها مقرا له (منذ أوائل عام 2014) قبل ستة شهور من احتلاله مدينة الموصل ومحافظة صلاح الدين.. وبالقياس إلى هذا كله، والطبيعة التي احتفظت وما زالت تحتفظ بها الفلوجة، وعلى الرغم من خوضها حربين مع الولايات المتحدة الأميركية خلال أقل من عقد من السنوات، فإنها اليوم - والحديث ما زال للجميلي - تمثل أبرز إجماع وطني على صعيد عملية استعادتها من تنظيم داعش، لدرجة أنه يمكن القول اليوم إنه لم يحصل إجماع عراقي على أي قضية من القضايا بعد عام 2003 مثل هذا الإجماع بخصوص أهمية عودة الفلوجة إلى حضن الوطن مع الإدراك التام لكل ما يمكن تقديمه من تضحيات». وهو ما يعني أن هذه العروس الغافية على ضفاف نهر الفرات ما زالت من وجهة نظر العراقيين تستحق كل هذه التضحيات.
شخصيتها المتعالية العنيدة
من ناحية أخرى، لعل الشخصية الدينية شبه المتعالية للفلوجة جعلتها في وضع يصعب معه على أي حاكم التعامل مع أمورها خارج سياق ما تؤمن به هي. حتى رئيس النظام السابق صدام حسين بكل جبروته وسطوته حاول جهده خطب ود المدينة التي بقيت عصية على صعيد تقديم الدعم الذي يتمناه هو لا مثلما تتمناه هي، وهذا مع أنها كانت تعد - بوصفها إحدى أبرز المدن السنية ذات التوجه التقليدي - من المدن والأقضية الموالية للنظام نظرا، وبالأخص، إلى كثرة ما قدمته من طاقات عسكرية وأمنية ومخابراتية وفي معظم أجهزة الدولة الحساسة.
القتال ضد الأميركيين
وبعد سقوط بغداد عام 2003 بقيت الفلوجة خارج نطاق التسويات العسكرية أو السياسية حتى وقعت الواقعة حين دخلت قوات أميركية خلال شهر أبريل عام 2003 إحدى مدارسها. ويومذاك نظم نحو 200 شخص من سكان المدينة مظاهرة احتجاجية على تصرفات الجنود الأميركيين من اعتقالات ومداهمات، وانتهت هذه المظاهرة بصورة عنيفة، إذ قتل 17 من الأشخاص المشاركين في المظاهرة وجرح 30 شخصا تقريبا. ويوم 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2003 أسقط مسلحون عراقيون هليكوبتر عسكرية أميركية من نوع «شينوك» في ضاحية الكرمة الملاصقة للفلوجة، ما أدى إلى مقتل 16 عسكريا أميركيا وجرح 26 آخرين.
ثم خلال مارس (آذار) 2004 وقعت عملية تناقلت أخبارها وكالات الأنباء العالمية، وذلك عندما قتل أربعة من حراس وموظفي شركة بلاك ووتر الأمنية الأميركية في الفلوجة، وسُحلت جثثهم في الشوارع قبل إحراقها وتعليقها لاحقا على جسر في أطراف المدينة يطل على نهر الفرات.
وعلى الأثر، ردت القوات الأميركية على هذه العملية بسلسلة من أعمال القصف المكثف انتقاما من أهالي المدينة بحجة القضاء على تنظيم «القاعدة»، بل حاولت السيطرة على المدينة بمساعدة قوة من الجيش العراقي. لكن أهالي الفلوجة تصدوا للقوات الأميركية العالية التسليح ومنعوها من تحقيق غايتها. وخلال ما عُرف بـ«معركة الفلوجة الثانية» وقبل الهجوم البري على المدينة أقدمت القوات الأميركية على قطع تيار الكهرباء وإمدادات المياه عن الفلوجة، وبقصفها لأكثر من خمسة أشهر متواصلة منذ مايو (أيار) 2004 إلى بداية الهجوم في نهاية عام 2004. كذلك أقدمت القوات الأميركية على تدمير المستشفيات والمراكز الطبية، واستخدم الجيش الأميركي مختلف الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليا والقنابل الفوسفورية وقنابل النابالم الحارقة على أهالي الفلوجة، فأدى إلى مقتل الكثير من المدنيين ونزوح الآلاف.
وتشير مصادر إلى أن الأميركيين استخدموا الغاز الخانق، ومن ثم الفوسفور الأبيض في محاولة منهم لكسر إرادة الأهالي، وفي نهاية المطاف في وجه الصمود العنيد لأبناء المدينة، استخدموا السلاح الكيماوي مع الفوسفور، وهو ما أحرق الأخضر واليابس، ولم يتبق حياة في الفلوجة، حتى الكلاب والقطط نفقت والأشجار يبست. وعند ذلك فقط تمكن الأميركيون من دخول المدينة على نحو 400 جثة متفحمة. القوات الأميركية كانت أعلنت من جانبها يومذاك عن مقتل 1600 شخص واعتقال 1050 شخصا من أهالي المدينة. والواقع أنها تركت جثث القتلى مرمية في الشوارع، ومن ثم سارت الدبابات الأميركية فوق جثثهم. وظلت روائح الجثث المتعفنة لضحايا الهجمات الأميركية تفوح في الكثير من المناطق.
سيطرة «داعش»
في فبراير (شباط) 2014 سيطر تنظيم داعش الإرهابي على الفلوجة، واحتفظ بسيطرته عليها حتى اليوم.. بينما تدور في هذه اللحظات رحى معركة كبيرة لاستعادتها من التنظيم حملت اسم «كسر الإرهاب»، وذلك من منطلق أن القضاء على «داعش» في هذه المدينة يمكن أن يمهد الطريق للقضاء على الإرهاب بصورة عامة.
على صعيد آخر، بالمقاييس المذهبية في العراق، فإنه إذا كانت مدن كالنجف وكربلاء تكاد تكون ذات أغلبية شيعية مطلقة نظرا إلى قداستها الدينية لكونهما تضمان مراقد الأئمة (علي بن أبي طالب والحسين بن علي والعباس)، فإن الفلوجة تكاد تنفرد عن المدن والمحافظات الغربية من العراق بوصفها مدينة ذات غالبية سنية مطلقة مع أنها لا تحتوي على مراقد أئمة أو أولياء. وهي بذا مختلفة مثلا عن حي الأعظمية في العاصمة بغداد، مثلا، الذي يحتضن مرقد الإمام أبي حنيفة النعمان أو بعض أحياء بغداد السنية القريبة من مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني.
التركيبة العشائرية
الجدير بالذكر، أن معظم سكان الفلوجة ينحدرون من عشائر كبيرة في العراق، هي عشائر الدليم بكل فروعها (البوعلوان، والمحامدة، والفلاحات، والحلابسة، والبونمر، والبوفهد)، والجميلات، والجبور، والكبيسات، والبوعيسى، والعزة، والجنابيين، وزوبع، وقبيلة بني تميم بفروعها (العيايشة، والبو ذهيبة، والبو سهيل، والبو فياض)، بالإضافة إلى مجموعة من العشائر الأخرى، كما توجد في المدينة مجموعة من السكان الأكراد. تاريخيا، بنيت الفلوجة قرب مدينة الأنبار التاريخية التي فتحها خالد بن الوليد عام 12 هجرية الموافق 633 ميلاديا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب. وكان العثمانيون قد اتخذوا الفلوجة محطة استراحة لهم في الطريق الصحراوي المؤدي إلى بغداد. وفي العام 1920 إبان الاحتلال البريطاني، شهدت المدينة اضطرابات؛ بسبب مقتل الضابط البريطاني جيرارد ليتشمان على يد أحد شيوخ العشائر.
واجتماعيا اشتهرت الفلوجة بكثرة مقاهيها الشعبية التي كان يرتادها أبناء المدينة من جميع الطبقات الاجتماعية، فتجمع المثقفين والأدباء والكتاب والمؤرخين من أبناء المدينة، حتى أصبحت منتديات فكرية وأدبية بالإضافة إلى اتخاذها مجالس يرتادها شيوخ العشائر والوجهاء لمناقشة شؤون المجتمع. ومن أبرز هذه المقاهي: قهوة عبود عرب، وقهوة أبو علاء المصري، وسوق أطلس، وقهوة جلاوي، فضلا عن قهوة صالح الملة مهيدي.
المعركة الحالية
اليوم حيث تدور معركة الفلوجة بهدف استعادتها من تنظيم داعش الإرهابي بعد سنتين من احتلاله المدينة، تحولت الفلوجة إلى قبلة اهتمام داخلي وإقليمي ودولي؛ نظرا إلى ما تحوزه من مكانة تكاد تختلف تماما عن كل المدن التي تمكن «داعش» من احتلالها سواء في العراق وسوريا. ولعل هذا هو السر الكامن وراء اختيار عبارة «كسر الإرهاب» كتسمية للمعركة المهمة التي لم تحسم بعد. والحقيقة أنه على الرغم من أن المعركة حتى تاريخ كتابة هذه الكلمات، فإن القوات العراقية تتقدم باتجاه «المواجهة - الحسم»، لكن «داعش» الذي قد لا يملك أكثر من 1000 مقاتل - أكثر من نصفهم من أهالي المدينة - يراهن على زيادة الضغط على القوات العراقية باتجاه توقي الحذر حماية للمدنيين. والحال أن هؤلاء المدنيين هم الآن بين مطرقة التنظيم في الداخل وسندان المدافع والصواريخ والقاذفات في الخارج.. وحتما يصعب عليها التمييز بين البريء والمذنب.



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.