جلس الإسباني جوزيب غوارديولا (مدرب برشلونة في ذلك الوقت) على مقعده داخل سانتياغو بيرنابو، وتطلع نحو الكاميرات مشيرًا إلى الطريق الذي قطعه من الجزء الخلفي من الغرفة، وسأل أين هو جوزيه مورينهو (مدرب ريـال مدريد في ذلك الوقت) وما الطريق الذي سلكه، وبعد أن خلص إلى أنه سلكها جميعًا بالقطع، انطلق في حديثه القتالي. كان ذلك عشية لقاء الفريقين في قبل نهائي بطولة دوري أبطال أوروبا عام 2011، وكان غوارديولا قد دخل غرفة المؤتمر الصحافي وأمارات الغضب بادية عليه.
وما أعقب ذلك كان عبارة عن «مونولوغ» طويل مكثف ضد خصمه، في محاولة لتصفية الحسابات.
الآن، سيتعين عليه خوض الأمر برمّته من جديد، مع انتقال الخصومة الشهيرة بين مورينهو وغوارديولا إلى مانشستر. في تلك الليلة قال غوارديولا: «أعرفه وهو يعرفني». بالفعل، سبق للرجلين العمل معًا في برشلونة، كغوارديولا كقائد فريق ومورينهو مساعد مدرب. كما وقفا في مواجهة بعضهما البعض كمدربين تحت مظلة الدوري الإسباني الممتاز. أيضًا، التقيا لفترة وجيزة عندما التقي تشيلسي مع بايرن ميونيخ في إطار كأس السوبر الأوروبي عام 2013. أما هذه المرة، فإنهما يتشاركان المدينة ذاتها، إيذانًا ببدء فصل جديد في تاريخ الخصومة بينهما. حقيقة الأمر هذا العداء حول اثنين من ألمع الأسماء بمجال التدريب الكروي إلى ما يشبه الشخصيات الكوميدية أو السينمائية. وقد يداعب خيال الكثيرين منا لدى ذكر الرجلين صورة مشهد سينمائي يقول فيها أحدهما للآخر بنبرة لا تخلو من تحذير: «هذه المدينة لا تتسع لكلينا».
المثير أن الأمر يبدو كما لو كان محتومًا، فبمجرد استعانة مانشستر سيتي بغوارديولا مدربًا، لجأ مانشستر يونايتد إلى غريمه اللدود، ليتحقق بذلك قانون «لكل فعل رد فعل». وعند تحليل الوضع من منظور عاطفي، نجد أنه من الطبيعي بمجرد أن يستقطب مانشستر سيتي اسمًا بارزًا بمجال التدريب، أن يشعر مانشستر يونايتد بالحاجة لاجتذاب اسم أكبر. أما من منظور رياضي كروي، فإنه إذا استعان مانشستر سيتي بغوارديولا تحديدًا، فإن مانشستر يونايتد ليس أمامه سوى السعي للاستعانة برجل قادر على أن يضمن لهم ردع هذا الإسباني. ورغم أنه بالتأكيد هناك مدربون آخرون لديهم القدرة على التصدي لغوارديولا، فإن هذا ما أصبح عليه الشكل المألوف للتوازنات. وعليه، نجد أن هذا النمط يتكرر باستمرار. جدير بالذكر أنه عندما تعاقد ريـال مدريد مع مورينهو في صيف 2010، كانت مهمته بسيطة: هزيمة غوارديولا وإسقاط برشلونة.
الواضح أن هذه المهمة ظلت نصب عينيه يوميًا. يذكر أن مكتب مورينهو أثناء عمله في ريـال مدريد، كان به لوحة كبيرة بالحجم الطبيعي تحمل صورته وهو يجري عبر استاد كامب نو، رافعًا إصبعه نحو الأعلى، احتفالاً بفوزه في مباراة الدور قبل النهائي ببطولة دوري أبطال أوروبا عام 2010 عندما كان يقود إنترناسيونالي الإيطالي ونجح في الوصول للنهائي، بينما فشل برشلونة في ذلك. أما بالنسبة لريال مدريد، فإن الأمر حقق لهم شعورًا كبيرًا بالراحة، إذ أنقذهم مورينهو من ألم مشاهدة النادي الكتالوني، وهو يحمل درع البطولة في بيرنابو. الآن، يتعين على مورينهو إنجاز مهمته، والخطة التي يتعين عليه تنفيذها الآن أصبحت بالتأكيد مألوفة لدى مانشستر يونايتد، وتتمحور حول سحق الخصوم.
وعليه، فإن مورينهو على وشك شن حرب جديدة، داخل وخارج الملعب. لقد بدا دومًا مولعًا بالصراعات، التي بدأت تكتسب يومًا بعد آخر طابعًا شخصيًا متناميًا. ومن يدري، ربما كانت صراعاته دومًا شخصية. يذكر أنه حتى غوارديولا ذاته أخبر رئيس برشلونة، خوان لابورتا، بأنه سيكون من الأسهل جعل مورينهو مدربًا لبرشلونة عام 2008، لكن الاختيار وقع عليه بدلاً من ذلك. والواضح أن مورينهو، الذي سبق أن أعلن أن برشلونة سيبقى في قلبه «إلى الأبد»، كانت أنظاره متركزة على هذا المنصب. بعد ذلك، واجه مهمة ثقيلة ملقاة على عاتقه بحاجة إلى استخدام تكتيكات بالغة القوة والحدة: حيث كان فريق غوارديولا قد فاز بثلاثة بطولات عام 2009، وبالدوري الممتاز عام 2010. وقد حال دون وصولهم إلى نهائي أبطال أوروبا للمرة الثانية على التوالي.
وقد سعى مورينهو لتحطيم العلاقات التي نشأت بين لاعبي ريـال مدريد وبرشلونة الذين كانوا قد فازوا لتوهم ببطولة كأس العالم لإسبانيا عام 2010، حيث أخبر لاعبيه أنه حضر فعاليات البطولة، وعلم أن زملاءهم الكتالونيين يكرهون إسبانيا وينبغي ألا يتخذوهم أصدقاء قط. كما أطلق شكواه من التعرض للظلم من قبل الحكام واللجان والتوزيع التمييزي للمباريات، بل وحتى الفرق التي لم تبذل مجهودًا كافيًا في مواجهة الفرق المنافسة بقوة لناديه. باختصار، لقد صور الأمر وكأن هناك حملة منظمة ضد ناديه، وبطريقة ما عمد لتصوير ريال مدريد ونفسه باعتبارهما ضحايا ضعفاء لا حيلة لهم.
شن مورينهو حملة بلا هوادة ضد برشلونة - رغم أنه نادرًا ما كان يذكر النادي بالاسم، مفضلاً بدلاً من ذلك الإشارة إليهم بعبارة «أندية أخرى». وقد هاجم ما اعتبره منحهم مكانة تمييزية تجعلهم فوق أية مساءلة، وتصويرهم بأنهم «الأخيار الطيبون»، وتصويرهم لأنفسهم باعتبارهم المدافعين الوحيدين عن «كرة القدم»، كما لو أنه ليس هناك أي أسلوب آخر مشروع للعب كرة القدم. واتهم مورينهو أعضاء النادي بالضغط على المسؤولين، الذين انحازوا إليهم. وشدد على أنه خلف القناع الظاهر للآخرين، ليس ثمة اختلاف كبير بينه وبين غوارديولا، مما دفع مدرب برشلونة لإطلاق وعد بالعمل على تغيير سلوكه. وفي أيام المباريات، كان يبدو كمن يقود فريقه داخل معركة - أحيانًا بالمعنى الحرفي للكلمة. ودائمًا ما كانت البطاقات الحمراء التي يتعرض لها لاعبوه تعزز خطابه، الأمر الذي كان يخلف تداعيات خطيرة أغلب الأحيان.
وجاء أحد أشهر مواقفه عندما تسلل خلف تيتو فيلانوفا، مساعد مدرب برشلونة ولكمه في عينه. وعندما سئل عن هذا الأمر بعد المباراة، زعم أنه لا يعرف «من يكون بيتو فيلانوفا هذا أو أيًا ما يكون اسمه»، إلا أنه في الواقع كان يعرفه جيدًا، تمامًا مثلما كان يعلم أن كلمة «بيتو» بالإسبانية لها استخدامات جارحة ومهينة.
وعليه، اتسعت دائرة القتال، وبدا العداء التاريخي القائم بين ريـال مدريد وبرشلونة الذي يعود لما يقرب من قرن من الزمان، ليزداد حدة واشتعالاً أكثر عن أي وقت مضى، واتسعت دائرة الانقسامات حتى داخل صفوف ناديه. ورغم أن لقاء الرجلين مجددًا في مانشستر قد يحمل وراءه بعض الإثارة، لكن علينا أن نتنبه إلى أنه بحلول نهاية المعركة التي دارت رحاها على أرض إسبانيا، بدا الأمر برمته مرهقًا وكريهًا. من يدري، ربما في بيئة مختلفة وفرق مختلفة وفي ظل مطالب مختلفة، سوف يتبدل ذلك الحال - أو ربما لا يتغير.
لقد رحل مورينهو وغوارديولا بفارق عام واحد عن بعضهما، ولم يبد أن أيًا منهما كان يشعر بالرضا أو أنه حقق إنجازًا قيمًا وقت رحيله، وإنما على العكس بدا أن كليهما منهك بعض الشيء. بعد رحيل غوارديولا، سئل عن ذكرياته بخصوص لقاءات «الكلاسيكو» التي تعد أهم المباريات على مستوى العالم وتضم أفضل لاعبي كرة القدم على وجه الأرض. ورغم أنه سبق أن عايش فوز فريقه في قبل النهائي دوري الأبطال بنتائج 6 - 2 و5 - 0 و2 - 0، التي تمثل بعض أروع اللحظات في تاريخ ناديه على الإطلاق، جاء رده على السؤال كاشفًا، حيث قال: «لا أحمل بداخلي ذكريات طيبة عنها»، وقد عاد آخرون إلى لقاءات «الكلاسيكو» الأربعة في غضون 18 يومًا عام 2011، وناضلوا كي يتمكنوا من تذكر كرة القدم في خضم كل الضباب الكثيف الذي أحاط بالمباريات.
من جانبه، قال إميليو بتراغيينو، المدير الإداري لريال مدريد: «لم نستعن بمورينهو هنا كي يبني صداقات». أما الذي نجح مورينهو في تحقيقه فعلا، فهو كسب مدافعين متحمسين عنه، وقد صوره بعضهم باعتباره نصير الحق الذي يقاتل دفاعًا عن ريـال مدريد. في المقابل، اعتبره آخرون شخصًا يعاني عقدة الاضطهاد وكريهًا. وفي تصريحات لصحيفة «إل باييس» الإسبانية، قال أندريس أنيستا نجم برشلونة: «لا أحب الحديث عنه، لكن الواضح أن الضرر الذي ألحقه مورينهو يفوق الخير الذي حققه. لقد أضر بالكرة الإسبانية».
وقد رد مورينهو على هذا القول بادعاء أن كرة القدم الإسبانية، التي أوضح أنه كان يجري النظر إليها باعتبارها مكافئًا للنادي الكتالوني، تعرضت «للضرر» حسب رأي أنيستا، لأنه (مورينهو) «وضع نهاية لهيمنة برشلونة عليها».
عام 2012، حصد ريـال مدريد بطولة الدوري الممتاز بفوزه على برشلونة في استاد كامب نو بهدفين مقابل هدف واحد، ليبدأ بذلك سلسلة تألفت من سبعة لقاءات «كلاسيكو» لم يُمْنَ خلالها سوى بهزيمة واحدة. وكان مورينهو المدرب الوحيد الذي قاد ريـال مدريد نحو درع الدوري على مدار ثمانية أعوام. وخلال موسمه الأول مع النادي، نجح في اقتناص بطولة «كأس ملك إسبانيا» من أيدي برشلونة. أما غوارديولا، فقد أخفق في الفوز بأربع بطولات فقط من إجمالي 18 عندما كان في كامب نو، وقد اقتنص مورينهو ثلاثة من الأربعة المفقودة. ومع ذلك، فإنه على مدار عامين من فيلم «بيب في مواجهة جوزيه بإسبانيا»، نجح غوارديولا في الفوز بثلاث بطولات كبرى، بينما فاز مورينهو باثنتين فقط - دوري وكأس لمورينهو مقابل دوري وكأس وأخرى أوروبية لغوارديولا.
وعندما رحل غوارديولا نهاية موسم 2011 - 2012، بدا مورينهو وكأنه أصبح يتيمًا، فلم يعد أمامه غريم لمنافسته. وعلى ما يبدو، أنه لم يستطع التكيف مع هذا الوضع، وانتهى به الحال إلى الدخول في صراعات مع لاعبيه، وأنهى الموسم خالي الوفاض ومتأخرًا عن برشلونة بفارق 15 نقطة، الذي تولى تدريبه حينها فيلانوفا الذي نجح في استعادة اللقب. ورغم أن بعض أنصار مورينهو رأوا في رحيل غوارديولا انتصارًا آخر لمدربهم الحبيب، ودليلاً على أن غوارديولا مُني بالهزيمة على يد المدرب الأفضل، فإن الحقيقة تبقى أن رحيل غوارديولا لم يفلح في دفع ريـال مدريد نحو خانة الفائز.
وقد تعلم مورينهو وغوارديولا أخيرا الدرس. من جانبهم، أعرب البعض بشماتة واضحة عن اعتقاده أن غوارديولا بدأ خساراته عندما انفجر في نوبة الغضب الشهيرة ضد مورينهو عام 2011، لكن ما حدث لاحقًا داخل الملعب يدحض ذلك. في الليلة التالية، فاز برشلونة بهدفين من دون مقابل، وتساءل مورينهو متحسرًا: «لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟»، لينطلق بعدها في موجة غضب وحشي ضد قوى الظلام التي تآمرت ضد فريقه من داخل «يونيسيف» و«يويفا». وقال مورينهو: «غوارديولا مدرب رائع، لكنني فزت ببطولتي دوري أبطال أوروبا، بينما فاز هو بواحدة فقط، وهي بطولة كنت لأشعر بالحرج حيال الفوز بها لو أنني مكانه. وكنت لأشعر بالخزي لفوزي بالبطولة عبر فضيحة ستامفورد بريدج (عندما فاز برشلونة على تشيلسي بفضل أخطاء تحكيمية واضحة)، وإذا فاز هذا العام، فإن الفضل وراء ذلك سيعود لفضيحة بيرنابو. وآمل أن يتمكن يومًا ما من الفوز ببطولة دوري أبطال أوروبا على نحو لائق. لو كان هؤلاء أناسًا صالحين في أعماقهم، لم يكونوا ليشعروا بأن مثل هذا الوضع صائب. ولم أزل آمل أن ينجح غوارديولا في الفوز يومًا ما ببطولة دوري أبطال أوروبا نظيفة من دون فضائح».
بالفعل، فاز غوارديولا بالبطولة ذلك العام. ولدى مورينهو بطولتان أيضًا. ومنذ ذلك الحين، لم يضف أي منهما إلى رصيده. وقد اتخذ كل منهما وجهة مختلفة: ألمانيا، حيث فاز غوارديولا بثلاثة بطولات للدوري الممتاز وبطولتي كأس، وإنجلترا، حيث فاز مورينهو ببطولة دوري ممتاز وبطولة كأس رابطة الأندية الإنجليزية المحترفة. الآن، يلتقي الغريمان مجددًا.. هذه المرة في مانشستر.
غوارديولا ومورينهو في مانشستر.. طبول الحرب تقرع من جديد
بعد المنافسة المحتدمة بينهما داخل إسبانيا .. الصراع ينتقل إلى الدوري الإنجليزي
مورينهو وغوارديولا ينقلان صراعهما إلى الدوري الإنجليزي
غوارديولا ومورينهو في مانشستر.. طبول الحرب تقرع من جديد
مورينهو وغوارديولا ينقلان صراعهما إلى الدوري الإنجليزي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




