قارئ الشبكة العنكبوتية.. «حاطب ليل»

التكنولوجيا بدلاً من أن ترفع من معدل القراءة.. أسهمت في تسطيحها

محمد تنفو  -  رشيد منسوم
محمد تنفو - رشيد منسوم
TT

قارئ الشبكة العنكبوتية.. «حاطب ليل»

محمد تنفو  -  رشيد منسوم
محمد تنفو - رشيد منسوم

تجمع الآراء على أن «العالم قبل الإنترنت هو غير العالم بعد الإنترنت»، وأن «الزمن لم يعد الزمن نفسه، والجغرافيا لم تعد الجغرافيا نفسها، والناس لم يعودوا الناس أنفسهم». حقائق يؤكدها المفكر الفرنسي إدغار موران، بقوله إنه «يستعمل الإنترنت ليس، فقط، من أجل البريد الإلكتروني، ولكن للحصول على المعلومة ومتابعة نشرات الأخبار»، ملاحظا أن «الإنترنت متعدّدة الاستعمالات مثل اللغة، فبالإمكان استعمالها لكتابة الأشعار، كما يمكن أن تستعملها المافيات والمجرمون». غير أن أهم استعمال للإنترنت، برأي موران، يبقى «دمقرَطة الثقافة»، قبل أن يتقدم، أكثر، ليرى أن «للإنترنت قوة تحريرية رائعة تخدم بعض الحركات، مثلا في إيران والصين وتونس ومصر كانت وسيلة للتواصل، سمحت للشباب والجماهير بالتحرك فورا. وعندما ننظر لقضية (ويكيليكس) فهي مهمة، حيث تم الكشف عن ملفات سرية في غاية الأهمية. فثمة أشياء نكتشفها وأخرى تغيب عنا.
على مستوى مفهوم وفعل القراءة، وكيف صارت القراءة في زمن الإنترنت، في منطقتنا العربية، يرى الباحث والناقد المغربي محمد تنفو، أن «فعل القراءة الحقيقي غائب في مجتمعنا العربي. فالشاب العربي عازف عن القراءة، ويقرأ ما يقارب حجم قصة قصيرة جدا في السنة. لذلك؛ صار هذا الشاب يفتقر إلى قدرات تسعفه على الفهم والبناء والتأويل والنقد والتقويم».
وفي مقابل رصده هذا العزوف عن القراءة الفاعلة والفعالة، يتحدث تنفو عن «انشغال الشاب العربي بالشبكة العنكبوتية، وهو انشغال يصل إلى درجة الإدمان والهوس. وما دام هذا الشاب غير محصن بشكل كبير، ويفتقر إلى مناعة حقيقية تمكنه من الإبحار في العوالم الافتراضية المفيدة، فإنه يصير ضحية لهذه الشبكة؛ إذ يقوم بدور (حاطب ليل) لا يكتفي بجمع الحطب المفيد القادر على الإنارة الحقيقية، بل يحمل المفيد وغير المفيد».
يرى تنفو، أن «المواقع الإلكترونية التي تحتل قصب السبق، بالنسبة لاهتمام الشاب العربي، هي المواقع الإباحية، ومواقع تبادل الصداقات، والمواقع الشخصية للفنانين والفنانات.... فداخلها لا يمل ولا يكل. أما دخول المواقع الثقافية المفيدة فيكون من باب الواجبات المنزلية التي يصدرها الأستاذ مدججا بسلاح النقطة». لذلك؛ يتحدث تنفو، بمرارة، عن الشاب العربي الذي صار «ضحية التكنولوجيا وكبش فدائها»، ملاحظا أنه «بدلا من أن ترفع التكنولوجيا من معدل القراءة، أسهمت في إقبارها وتسطيحها. ومن ثم، دقت هذه التكنولوجيا، بفعل فاعل، مسمارا قاتلا في جسد الكتاب الورقي».
في المقابل، لاحظ تنفو كيف أن مجموعة من المجلات، في العالمين العربي والغربي «انتقلت من مرحلة الولادة الحقيقية الورقية إلى مرحلة الولادة الافتراضية»، مشيرا إلى أن «العالم الغربي ما زال يهتم بالفعل القرائي الحقيقي، بخلاف العالم العربي الذي يعاني داء فقدان مناعة القراءة، بسبب تحول الفعل القرائي إلى فعل يماثل الولادة القيصرية. لذلك؛ فتوجيه أصابع الاتهام إلى التكنولوجيا يعد ضربا من الجنون وسوء الفهم».
من جهته، يرى الشاعر والمترجم المغربي رشيد منسوم، أنه «على مجرى التاريخ، كانت القراءة، بصفتها محاولة لفهم وتأويل العالم الغامض ولترميم العزلة المتجذرة في صقيع الكينونة، ثابتا من ثوابت المتخيل الإنساني، أكد من خلالها الإنسان أنه ليس مجرد خطوات بلا أقدام في صحراء، أو مجرد عابر بلا أثر في الوجود». ولأن «الكائن هش لا يحتمل فكرة الوجود، هكذا منفصلا عن الطبيعة وعن التاريخ»، فقد كانت القراءة، يضيف منسوم: «السبيل لمنح الإنسان عمق امتداداته وظلاله وكان العالم ككتاب ضخم ومفتوح يؤسس لفكرة المرآة التي تربط بين السماء والأرض، والتي تحدث عنها ميشال فوكو في كتابه (الكلمات والأشياء). كان الفهم والتحليل والتأويل والتركيب والنقد والإبداع عمليات ذهنية تجعل من القراءة نشاطا حقيقيا معقدا وعميقا. غير أن ظهور وسائل التكنولوجيا الحديثة، وما رافقها من تعاط سلبي، خصوصا من لدن الشباب، لحوامل جديدة، قد أفرز لنا نوعا جديدا من القراءة يمكن أن نطلق عليه (القراءة الزائفة)».
يشدد منسوم على أن ما ينتهي إليه من أحكام «ليس حكم قيمة اعتباطيا بقدر ما هو نحت في اللغة. فثمة، فعلا، استعارات شعرية أزهرت في اللغة لتوصيف فعل التصفح الذي يميز هذا النوع من القراءة الزائفة كـ(ركوب الأمواج) و(الإبحار)، نكاية في العمق وانتقاما من التأويل. هو إذن انتصار السطح على حلم بورخيس الذي طالما تخيل الجنة على هيئة مكتبة. فعالم اليوم يبدو أنه غير معني لا بجاك ديريدا ولا بهانز جورج غادامير أو جيل دولوز، فهو يقدم لنا ذاته، هكذا: «أنا أتسـَـــلفــَـن إذن أنا موجود». صورة طازجة وأشباح من دون ظلال. لا وجود لأثر يفضي إلى شيء. ثمة، فقط، دروب ودروب ومتاهة من دون طعم».
ينتهي منسوم إلى القول بأن «تصور فعل القراءة كما تصوغه العولمة بعين التكنولوجيا الحديثة يروم إفراغ العالم مما تبقى من المعنى لتفقد التفاحة كل استعاراتها وظلالها الأنطولوجية والجمالية، لتصير تلك الفاكهة الطازجة الملفوفة بلا ذاكرة في قطع من البلاستيك في (سوبر ماركت). إنها قراءة توحي بأننا، من خلال موت الكتاب الورقي، لم نعد امتدادات للغابة، كمعبد للرموز والدلالات. حقا إنه لمن سحر العولمة أن تمنحنا (أيفونات) بشاشات ذكية، وتحوّل معظمنا إلى شاشات مسطحة أحادية البعد، من دون أن يتعدى امتدادنا في الوجود تلك المادة اللزجة الذي تسري في أحشائها وتشدنا إليها، تماما، كالحبل السري».
وفي سياق رصد هذه التحولات التي يعرفها العالم، على مستوى وسائط التواصل، يرى الباحث والناقد المغربي سعيد يقطين، أن العصر الحالي يمكن وصفه بتسميات كثيرة، فهو «عصر المعلومات» و«عصر الصورة» و«عصر التكنولوجيا الجديدة للإعلام والتواصل» و«العصر الرقمي»، بما هي تسميات تتآزر، بحسب كاتب «النص المترابط» و«من النص إلى النص المترابط»، لتوصيف عصر مختلف بطابعه الخاص، حتى وإن كان هناك تفاوت، بين الأمم والشعوب، في دخوله والإسهام في تحولاته الكبرى؛ كما تشترك في إيحائها إلى قواسم مشتركة، تجد مدلولها الحقيقي في كوننا ندخل حقبة حضارية جديدة من تاريخ البشرية، عنوانها المركزي هو الانتقال إلى المرحلة الرقمية، التي تهمين فيها الأجهزة الرقمية التي من خلالها يتم التواصل.
هي مرحلة تختلف، من دون شك، عن سابقاتها؛ إذ تحسب على «عصر يلهث فيه قادمه يكاد يلحق بسابقه، وتتهاوى فيه النظم والأفكار على مرأى من بدايتها، وتتقادم فيها الأشياء وهي في أوج جدتها»، على رأي نبيل علي، في مؤلف «الثقافة العربية وعصر المعلومات». لذلك؛ صار المرور من فعل الكتابة إلى ربط الكتابة نفسها بمعطى جعل المكتوب، قابلا للرؤية والقراءة على الشاشة ضمن هذا التحول المتسارع، يستدعي من القارئ عدم الاكتفاء بمعرفة القراءة، فقط، بعد أن صار مطالبا بالتفاعل مع النص رقميا. أي أننا لم نعد، هنا، أمام القارئ العادي، أو حتى القارئ المثالي، الذي كانت تـُنـَـظـّر له الكتابات، ما قبل الرقمية، بل أمام «قارئ رقمي»، صار مطلوبا منه التوفر على «أنماط إدراك» خاصة تجعله مختلفا عن القارئ الورقي، فيما المؤلف لم يعد هو المبدع والمنتج المتحكم في نسيج نصوصه الإبداعية، بعد أن فقد سلطته، على رأي المفكر المغربي عبد السلام بن عبد العالي، في مؤلفه «ضد الراهن».
هكذا، تتأكد قيمة الإنترنت، على مستوى التواصل والإبداع الأدبي والثقافي، مع بعض الفروقات فيما يخص درجات التأثر بهذا الوضع الجديد، حسب البلدان ودرجة انخراطها وأخذها بأسباب التكنولوجيات الحديثة، من جهة التوفر على متطلبات الارتباط بالواقع الجديد. وفي هذا السياق، ينطلق يحيى اليحياوي، الباحث المغربي المتخصص في علوم الاتصال، من الخصوصية المحلية، لينتقد بعض الأفكار الجاهزة حول الإنترنت في بلده، وفي كثير من بلدان العالم، فيقول إن «علاقتنا بالثقافة في المغرب علاقة شاذة في الظروف الطبيعية، فما بالك لو أضيفت لها المستجدات التكنولوجية؟!».
من جانبها، تنظر الناقدة والروائية المغربية زهور كرام للتحولات الحالية المتسارعة التي يعرفها العالم من وجهة نظر إيجابية، تتلخص في أن «انتقال الحضارات من مستوى تواصلي إلى آخر، أكثر استثمارا لتطور الفكر البشري، يولد أشكاله التعبيرية التي تعبر عن حالة الوعي بهذا الانتقال. ولهذا، يحق لأفراد كل مرحلة تاريخية التعبير بواسطة الإمكانات والأدوات المتاحة؛ لأن تلك الإمكانات ليست مجرد وسائط، وإنما تعبر عن شكل تفكير مرحلة».
وبالإيجابية نفسها، في النظر إلى هذه التحولات، لكن مع اشتراط قدرة الأفراد على التعامل مع متطلبات المرحلة، يرى الباحث والقاص والناقد السينمائي المغربي محمد اشويكة، أن الرهان على القارئ الإلكتروني رهان على قارئٍ نوعي؛ لأنه يستطيع تجاوز عائق القراءة الكلاسيكية التي تكتفي بالمادة التي تشملها تضاعيف الحامل الورقي، منبها إلى أن «القراءة الإلكترونية تنمي الكفاية التكنولوجية التي تكشف النص بصفته متاهة، إذا لم يحسن القارئ اكتشافها، من خلال مهاراته الانتقالية عبر روابط النص، تضيع أجزاء كثيرة منه، ولا تكتمل المتعة».



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.