مخطوطات تمبكتو.. تشغل الفرنسيين

المؤرخون قدروا عددها بنحو 950 ألفا.. كلها مكتوبة بالعربية

مخطوطات تمبكتو.. تشغل الفرنسيين
TT

مخطوطات تمبكتو.. تشغل الفرنسيين

مخطوطات تمبكتو.. تشغل الفرنسيين

بعد التدخل الفرنسي الأخير في شمال مالي، كثر الحديث عن الوضع السياسي والأمني لهذه المنطقة الواقعة تحت سيطرة الجماعات المتطرفة، لكن الجديد أن العالم انتبه أيضا لحجم الأخطار المحدقة بتراثها الثقافي والفكري. الصحافة الفرنسية كتبت بإسهاب عن مخطوطات تمبكتو التي كادت تضيع للأبد إثر المعارك الأخيرة، لولا يقظة الأهالي الذين حفظوها في أماكن آمنة بعيدا عن أعين الجماعات المتطرفة، وكتبت كذلك عن الآثار والأضرحة القديمة التي دمرتها تلك الجماعات، علما بأن هذه المنطقة من العالم هي منذ السنوات السبعين الماضية محط اهتمام منظمة اليونيسكو التي أدرجت العديد من معالمها ضمن برنامج خاص لحماية «التراث الثقافي العالمي». المديرة العامة لليونيسكو إيرينا بوكوفا رافقت الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند لتأكد دعم منظمتها لمشاريع إنقاذ هذا الموروث الضخم الذي يعتبر الذاكرة الحية لحضارة إسلامية أفريقية طالما تم التشكيك في وجودها.

الرجل الأفريقي دخل الحضارة

خلافا لما تم الترويج له في خطاب داكار عام 2007 من أن الرجل الأفريقي لم يدخل التاريخ ولم يساهم بما فيه الكفاية في الحضارة العالمية، فإن دلائل قاطعة كمخطوطات تمبكتو تثبت عكس ذلك.
المخطوطات موجودة في مدينة تمبكتو التاريخية الواقعة في شمال المالي، وهي الملقبة بمدينة «333 والي صالح» وكذا «جوهرة الصحراء» أو «تمبكتو الغامضة». ورغم أن وجودها يرجع للقرن الثاني عشر، فإنها لم تكتسب شهرة واسعة بوصفها مركزا للإشعاع الفكري والعلمي إلا ابتداء من منتصف القرن الخامس عشر في عهد إمبراطورية الصنغاي (1468 - 1591) حيث عرفت ازدهار النشاط الفكري ورواج تجارة الكتب التي كانت تنسخ وتباع على نطاق واسع، وتحديدا في عهد الحاكم الحاج محمد أسكيا 1493 - 1528 الذي كان راعيا كبيرا للعلماء. ليون الأفريقي (حسن بن محمد الوزان الزياتي) الذي زار مدينة تمبكتو في بداية القرن السادس عشر (1526) أدلى بشهادته حول ما رآه من قوافل العلماء والقضاة والتجار الذين كانوا يفدون لها لتبادل الذهب والملح والكتب، وأبدى إعجابه بطريقة تلقين القرآن ودروس الجبر والهندسة في مؤلفه المعروف «كوسموغرافيا دو أفريكا» أو «وصف أفريقيا» المحفوظ في مكتبة روما. أما الغربيون، فقليل منهم من استطاع دخولها، وأولهم كان الرحالة الفرنسي روني كايي الذي زارها عام 1828 ومكث فيها ثلاثة عشر يوما دون أن يتمكن من قراءة المخطوطات ولا حتى من رؤيتها، ولم يبدأ المؤرخون الاهتمام بهذه المخطوطات إلا بعد أن زارها الألماني هنريش بارت واطلع فيها على مخطوطتي «طريق السودان» و«طريق الفتاش» اللتين بعد ترجمتهما كشفتا عن معلومات قيمة عن تنظيم الحياة اليومية في تمبكتو ونظريات علمية وسياسية قيمة.
أما عن محتوى هذه المخطوطات، فهو متنوع يضم علوم كالطب وجراحة العيون والرياضيات والتنجيم والنحو وتفسير القرآن، مرورا بالأحكام في قضايا الزواج والطلاق والميراث، إلى آداب المعالمة وغيرها.
محمود زبير، الباحث والمؤرخ المالي المعروف، قدر عدد هذه المخطوطات اليوم بنحو 950 ألف مخطوطة. 100 ألف موجودة في تمبكتو وحدها في يد عائلات عريقة ورثتها أبا عن جد، والباقي في مناطق أخرى من مالي كمناطق غاو، وكايس، وسيغو، وكيدال، وأيضا في موريتانيا والنيجر وفرنسا والمغرب وإسبانيا تبعا للفترات الاستعمارية التي تعرضت لها هذه المنطقة. أهم هذه المكتبات العائلية مكتبة «ماما حيدرة» التي تضم نحو 9500 مخطوطة، وهي ملك لعائلة حيدرة المعروفة بعلمائها وقضاتها، وقد تلقت معونات مادية من منظمات أميركية وبريطانية لجمع المخطوطات وحفظها، ومكتبة تمبكتو الأندلسية المسماة أيضا مكتبة «فوندو كانتي» وهي ملك لعائلة إسماعيل ديادي حيدرة، وهي تضم نحو 7000 مخطوطة يتم فهرستها الآن، إضافة لمكتبة «واناكاري» التابعة لعائلة مختار الواناكري، وهي تضم نصوصا في الفقه وتفسير القرآن والنحو، والأهم: معهد «أحمد بابا للتعليم العالي والبحوث الإسلامية» الذي يضم اليوم نحو 30 ألف مخطوطة معظمها كانت ملكا لعائلة أحمد بابا الذي كان عالما كبيرا وعائلات أخرى من تمبكتو تم جمعها بفضل جهود شخصيات علمية بارزة، وقد أنشئ هذا المركز أول مرة عام 1973 واستفاد من تمويل دول كجنوب أفريقيا، والمملكة العربية السعودية ودولة الكويت.

مخطوطات مجهولة

يكشف جورج بوهاس الباحث الفرنسي وأستاذ اللغة العربية في المدرسة العليا بليون وصاحب كتاب: «رواية إسكندر في تمبكتو» (دار نشر «أكت سود») أنه «إذا كان قد تم حفظ 90 في المائة من هذه المخطوطات من الاندثار، فإن واحدا في المائة منها فقط قد ترجم حتى الآن، و10 في المائة قد تمت فهرسته». جورج بوهاس يلفت النظر إلى فضل اللغة العربية في نشر هذه المعارف بهذه المنطقة من العالم، حيث كانت ذات منزلة كبيرة باعتبارها لغة القرآن، لكن نقص أعداد الطلبة المقبلين على تعلم اللغة العربية في مالي اليوم بات مشكلة حقيقية، لأن المترجمين أصبحوا قلة، حيث إن جل هذه المخطوطات قد كتب بالأبجدية العربية؛ وتحديدا بلغة «العجمي» التي تمزج بين اللهجات المحلية الساحلية والعربية الفصحى.
أما محمود زبير المؤرخ ومدير معهد أحمد بابا، فيتحدث عن مشكلة أخرى متعلقة بتردد الأهالي في تسليم الكتب والمخطوطات للمعاهد التي تتولى حفظها وفهرستها، قائلا: «كثير من مكتبات هذه العائلات تعرضت للنهب وللحرق، سواء خلال الاستعمار المغربي أو الفرنسي، ولهذا السبب، فإن عائلات مالي التي ورثت هذه الكنوز المعرفية باتت لا تمنح ثقتها بسهولة، وكثير منها استمروا في حفظ هذه المخطوطات في أقبية منازلهم وفي صناديق حديدية وحتى تحت الرمال بالنسبة للطوارق». أما الباحث جان ميشال جيان مؤلف كتاب «مخطوطات تمبكتو.. حقائق وخرافات» (دار نشر «لاتاس»)، فهو يرجع أسباب تردد الأهالي في عرض هذا الموروث الكتابي الضخم، لما يسميه «أفضلية المعرفة الشفوية في أفريقيا وتفوقها على التراث المعرفي المكتوب، وهو ما جعل الكثير منا يجهل أن الأفريقي بدأ يكتب منذ القرن الثالث عشر أي قبل الأوروبي بعقود طويلة. الاطلاع على هذه المخطوطات يهز نظرتنا للآخر، ويدعونا للتساؤل جديا: هل يحق لنا نحن الغربيين أن نتجاهل هذا الموروث الضخم الذي يثبت بالدلائل المكتوبة أن الرجل الأفريقي قد سبقنا للمعرفة بقرون في وقت لم نكن فيه قد وصلنا لشيء..؟».
جان ميشال جيان يبرر أقواله بالاستشهاد بمخطوطة «ميثاق ماندي» الذي وضع في أواخر القرن الثالث عشر في عهد الإمبراطور سونغاتا كايتا، وهي الوثيقة التي اعتبرت طويلا أسطورة أفريقية إلى أن عثر على الدلائل الكتابية على وجودها. وقد كانت ترجمتها ثمرة تعاون المكتبة الوطنية الفرنسية مع باحثين من مالي وفرنسا. المهم أن الاطلاع على هذه المخطوطة القديمة قد كشف عن أقدم وثيقة تتحدث عن حقوق الإنسان بمفهوم واضح لا يحتمل الجدل، حيث أدرجت مفاهيم كالمساواة بين الرجل والمرأة، وضمان الحريات واحترام الآخرين. مخطوطة أخرى وجدت في معهد أحمد باباتعود للقرن الخامس عشر، ترجمها باحث مالي يدعى حسايين تراوري، تضم فصولا طويلة عن «المبادئ اللائقة في الحكم» تكشف عن نضج كبير للمؤسسات السياسية آنذاك. الفصل الأول مثلا يتحدث عن صفات الحاكم الذي يجب أن يتحلى بالنزاهة والاعتدال ويبتعد عن افتعال الأزمات. فصل آخر يتحدث عن تركيبة مجلس المستشارين الذين يساعدون الحاكم في إصدار أحكامه، وهم يمثلون إجباريا كل الفئات الشعبية الفقيرة والغنية، وكيف ينظم الحكم في حالة أزمة أو عند سفر الحاكم، وكيفية اختيار القضاة.. إلخ، وكلها قواعد ونظريات كأنها أرست مبادئ حكم ديمقراطي عرف طريقه للساحل الأفريقي قبل قرن كامل من كتابة مكيافيللي حرفا واحدا من كتاب «الأمير».



هافيرتز ينهي صيام آرسنال التهديفي في نهائيات دوري الأبطال بعد 20 عاماً

الألماني كاي هافيرتز يحتفل بتسجيله الهدف الافتتاحي لآرسنال (أ.ف.ب)
الألماني كاي هافيرتز يحتفل بتسجيله الهدف الافتتاحي لآرسنال (أ.ف.ب)
TT

هافيرتز ينهي صيام آرسنال التهديفي في نهائيات دوري الأبطال بعد 20 عاماً

الألماني كاي هافيرتز يحتفل بتسجيله الهدف الافتتاحي لآرسنال (أ.ف.ب)
الألماني كاي هافيرتز يحتفل بتسجيله الهدف الافتتاحي لآرسنال (أ.ف.ب)

دخل الألماني كاي هافيرتز تاريخ آرسنال من أوسع أبوابه بعدما سجل الهدف الأول للفريق الإنجليزي في نهائي دوري أبطال أوروبا أمام باريس سان جيرمان، حامل اللقب، خلال المباراة النهائية المقامة في بودابست.

وجاء هدف هافيرتز مبكراً في الدقيقة السادسة، ليمنح آرسنال أفضلية مبكرة، ويكسر صياماً تهديفياً طويلاً للنادي اللندني في المباريات النهائية للمسابقة القارية.

وأصبح هذا الهدف الأول لآرسنال في نهائي دوري أبطال أوروبا منذ هدف المدافع الإنجليزي الراحل عن الملاعب سول كامبل في نهائي عام 2006 أمام برشلونة الإسباني.

وكان آرسنال قد خسر ذلك النهائي بنتيجة 2 - 1، قبل أن يغيب عن المشهد الختامي للبطولة طوال العقدين الماضيين.

وخلال تلك الفترة، لم يتمكن الفريق اللندني من بلوغ النهائي مجدداً، بينما كان أفضل إنجاز له الوصول إلى الدور نصف النهائي في الموسم الماضي، قبل أن يودع البطولة على يد باريس سان جيرمان.

ويواصل هافيرتز تأكيد حضوره في المباريات الكبرى، بعدما سبق له تسجيل هدف الفوز لتشيلسي في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2021 أمام مانشستر سيتي، قبل أن يكرر ظهوره الحاسم هذه المرة بقميص آرسنال.

ويأمل «المدفعجية» أن يكون هدف النجم الألماني خطوة أولى نحو تحقيق أول لقب في دوري أبطال أوروبا بتاريخ النادي.


رحيل «جدّ المثقفين»... إدغار موران يغلق قوس قرنٍ من الفكر المعقد

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
TT

رحيل «جدّ المثقفين»... إدغار موران يغلق قوس قرنٍ من الفكر المعقد

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)

غيّب الموت في العاصمة الفرنسية باريس، الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي البارز إدغار موران عن عمر ناهز 104 أعوام

، ليسدل الستار على حياة حافلة، وصفتها الأوساط الثقافية بـ«ذاكرة القرن العشرين المتنقلة».

ويُعدّ موران، الذي أكدت عائلته وفاته، أحد آخر العمالقة في مدرسة الفكر الإنساني المعاصر، تاركاً وراءه إرثاً فلسفياً وسوسيولوجياً ضخماً غيّر وجه النظر إلى العلوم والمعرفة الإنسانية عبر نظريته الشهيرة حول «الفكر المركب» (Pensée complexe).

ونعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المفكر الراحل، عبر منصة «إكس»، واصفاً إياه بـ«العقل العالمي والإنسانية المتجسدة»، بينما توالت برقيات العزاء من مختلف الأطياف السياسية والثقافية في أوروبا والعالم العربي، الذين رأوا في رحيله خسارة لواحد من أكثر الأصوات شجاعة ونزاهة في مقارعة الآيديولوجيات المغلقة والدفاع عن القضايا العادلة.

من مقاومة النازية إلى الانشقاق الآيديولوجي.

ولد إدغار ناهوم (الذي اتخذ اسم موران لاحقاً) عام 1921 في باريس لعائلة يهودية من أصول سالونيكية يونانية. ولم تكن حياته مجرد تأملات هادئة بين جدران الجامعات، بل بدأت في أتون المواجهة، إذ انخرط شاباً في صفوف المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية. وفي تلك المرحلة، اختار اسم «موران» السري ليكون هويته الدائمة.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

قادته حماسته الفكرية بعد الحرب إلى الانضمام للحزب الشيوعي الفرنسي، مستبشراً بالعدالة الاجتماعية، غير أن روحه المتمردة وعقله الرافض للتدجين لم يصمدا طويلاً أمام القيود الستالينية. عارض موران التوجهات الديكتاتورية لـ«الرفاق»، فتم طرده من الحزب عام 1951. لم يتراجع، بل حول هذه الخيبة إلى مادة سوسيولوجية ملهمة، حيث أصدر كتابه الشهير «نقد ذاتي»، الذي أسّس فيه مبدأ المساءلة المستمرة للأفكار والذات، مبتعداً عن اليقينيات الزائفة.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (أ.ف.ب)

هندسة «الفكر المركب» ومحاربة التبسيط

صنع موران مجده المعرفي الأصيل في أروقة المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)

. ومن هناك، أطلق مشروعه الفلسفي الأضخم المتجسد في موسوعته «المنهج» (La Méthode) التي صدرت في 6 أجزاء. كان موران يرى أن الخطيئة الكبرى للعلوم الحديثة هي «التبسيط والاختزال»، أي فصل العلوم بعضها عن بعض، ولذلك دعا إلى «الفكر المركب» الذي يربط بين علم الأحياء، والتاريخ، والسياسة، والأنثروبولوجيا، والسينما.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران مع زوجته الممثلة والعارضة والكاتبة الكندية جوهان هاريل في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

في فلسفة موران، لا يمكن فهم الجزء دون الكل، ولا الكل دون الجزء. فكل إنسان يحمل الكوكب بأكمله في تفاصيله اليومية. ولم يتردد طوال حياته في التحذير من المخاطر الكونية التي تحدق بالبشرية، مثل التغير المناخي، والتقدم التكنولوجي غير المنضبط بأخلاقيات، والتوحش الرأسمالي، معتبراً أن العالم يسير نحو «هاوية» ما لم يقم بـ«أنسنة الحضارة».

نصير فلسطين... شجاعة المواقف في وجه العاصفة

تميز موران بمواقف أخلاقية صلبت مكانته كمثقف عضوي في الشأن العام. ولم تشفع له أصوله اليهودية لدى الدوائر الصهيونية عندما انتقد بجرأة شديدة السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. وفي عام 2002، نشر مقالاً مدوياً في صحيفة «لوموند» الفرنسية برفقة مثقفين آخرين، انتقد فيه حصار غزة وممارسات الاحتلال، معتبراً أن «ضحايا الأمس يتحولون إلى جلادي اليوم».

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (أ.ف.ب)

جرّت عليه هذه المقالة ملاحقات قضائية بتهمة «معاداة السامية»، خاضها موران بشجاعة مدعوماً بتضامن واسع من مجتمع الأكاديميين العالمي، إلى أن برّأته محكمة التمييز الفرنسية العليا. وظل، حتى الشهور الأخيرة من حياته، يرفع صوته تنديداً بالعدوان على قطاع غزة والمجازر المستمرة بحق المدنيين.

ملهمات الفكر والحياة: الشريكات في مسيرة قرن

لم تنفصل حياة موران الفكرية عن تفاصيل حياته العاطفية والزوجية التي شكلت رافداً لروحه الإنسانية. ارتبط في السبعينات بالفنانة والكاتبة الكندية الراحلة جوهان هاريل، التي شاركته شغفه بالفن والسينما الإثنوغرافية.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران مع زوجته الممثلة والعارضة والكاتبة الكندية جوهان هاريل في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

وفي العقود الأخيرة من عمره، عاش موران فصلاً معرفياً وإنسانياً استثنائياً برفقة زوجته عالمة الاجتماع المغربية صباح أبو السلام، التي تزوجها عام 2012. ولم تكن صباح شريكة حياة فحسب، بل كانت رفيقة فكرية صاغ معها مؤلفات مشتركة تدرس التحولات الاجتماعية والسياسية، ومثّلت جسراً ثقافياً عزز ارتباط الفيلسوف الراحل بالقضايا العربية وقيم الحوار الحضاري بين الضفتين.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يسار) يرحب بالفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (في الوسط) وزوجته صباح أبو السلام (يمين) خلال حفل أقيم في قصر الإليزيه بباريس بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده (أ.ف.ب)

تواصل حتى الرمق الأخير

حتى مع تجاوزه عتبة المائة عام، لم يتقاعد عقل موران. ظل حتى أيامه الأخيرة يكتب، وينشر المؤلفات، ويغرد لقرابة ربع مليون متابع على منصة «إكس»، معلقاً على الحروب المعاصرة والأزمات البيئية بكثير من الدهشة الطفولية والحكمة الإنسانية.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يلقي كلمة في مقر منظمة اليونيسكو بباريس خلال حفل بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده في 2 يوليو (تموز) 2021 (أ.ف.ب)

توفي الفيلسوف الأنيق، صاحب القبعات الشهيرة وربطات العنق الحريرية، تاركاً فراغاً لا يُعوّض في الفكر العالمي، ومثبتاً مقولته المفضلة في كتابه «دروس قرن من الحياة»: «الحياة لا تكون محتملة إلا إذا أدخلنا عليها شيئاً من الشعر، أي الكثافة، والفرح، والمحبة».


متسللة في الظلام... كيف تخرج السفن من مضيق هرمز؟

سفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)
سفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)
TT

متسللة في الظلام... كيف تخرج السفن من مضيق هرمز؟

سفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)
سفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)

رغم أن مضيق هرمز ليس مفتوحاً، لكن بعض السفن – التي يتعاون عدد منها مع الجيش الأميركي – تُدرك أنه ليس مغلقاً تماماً أيضاً، وفق ما ذكرته صحيفة «وول ستريت جورنال». ففي الأسابيع الأخيرة عبرت أساطيل من السفن، بعضها من أكبر ناقلات النفط والغاز الطبيعي المُسال في العالم، هذا المضيق «الخطير» في ظل الحرب الحالية، مما وفّر متنفساً بسيطاً للاقتصاد العالمي.

وتبحر بعض السفن «مُعطلة»، كما هو متعارف عليه في هذا القطاع؛ إذ تُطفئ الأنوار وتسافر دون تفعيل أجهزة الملاحة المعروفة باسم نظام التعريف الآلي (AIS)، الذي يساعد على منع التصادم. ويُصعّب تعطيل هذه الخدمة رصد السفن إلكترونياً، ويقلل من احتمالية تعرضها لهجمات إيرانية.

ولعبور المضيق، تحافظ بعض السفن على اتصالها مع الجيش الأميركي الذي يحاصر الموانئ الإيرانية، ويستخدم الرادار والطائرات المسيّرة وغيرها من الأدوات لمراقبة حركة الملاحة، ومساعدة السفن على العبور بأمان.

ووفقاً لمالكي السفن ومسؤولين أميركيين، تُقدّم الولايات المتحدة للسفن المشورة بشأن متى يجب عليها التوقف عن التواصل، وكيفية الرد على التهديدات الإيرانية.

اختبار لنفوذ طهران

ويُعدّ مرور السفن عبر المضيق دون أي أضرار اختباراً لسيطرة إيران على الممر المائي، واختباراً لنفوذ طهران على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، حيث لا تزال حرية الملاحة نقطة خلاف رئيسية.

وذكرت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية أن البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» ستُحافظ على السيطرة على الممر المائي وإدارته. وخلال الأسبوع الماضي، حاول «الحرس» زرع ألغام بحرية، وأطلق خمس طائرات مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه في محيط المضيق، وفقاً للقيادة المركزية الأميركية.

وردّت الولايات المتحدة بإغراق زوارق زرع الألغام التابعة لـ«الحرس الثوري»، وقصف مواقع الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. ووصفت الولايات المتحدة هذه الضربات بأنها دفاعية، مؤكدةً استمرار وقف إطلاق النار مع إيران.

وفي المحادثات الجارية، أصرّت إيران على أنها ستلعب دوراً في الموافقة على حركة السفن مستقبلاً في المضيق، بما في ذلك إمكانية فرض رسوم عبور، وهو الأمر الذي ترفضه واشنطن بشدة.

«الجميع ينتظر الفرصة»

وتواصلت ناقلة نفط يونانية عملاقة محملة بمليونَي برميل من النفط الخام مع الجيش الأميركي أثناء عبورها الممر المائي قبالة الساحل العماني في وقت سابق من هذا الأسبوع. وكانت السفينة عالقة في الخليج العربي منذ أوائل مارس (آذار)، وهي الآن متجهة إلى الهند لتسليم شحنتها.

وقالت ميشيل بوكمان، محللة الاستخبارات البحرية في شركة «ويندوارد»: «الجميع ينتظر فرصة سانحة لإخراج سفنهم». وبحسب أحد أفراد الطاقم وسجلات شركة «كيبلر» المتخصصة في تتبع حركة السفن، فقد نجحت السفينة «فيكستار» المملوكة لشركة صينية في عبور المضيق ليلاً في 17 مايو (أيار)، حاملةً أسمدة من الإمارات إلى البرازيل، بعد أن ظلت عالقة في الخليج لما يقرب من ثلاثة أشهر. وأوضح فرد الطاقم أن السفينة أوقفت نظام التعريف الآلي ليلاً، وأبحرت بمحاذاة سواحل عُمان.

ولا يزال عدد السفن التي تعبر المضيق يومياً ضئيلاً، مقارنةً بما كان عليه قبل الحرب، حين كان يعبره أكثر من 100 سفينة يومياً.