فوضى سعر الصرف تفيد حيتان المال وتقضي على صغار التجار

فوضى سعر الصرف تفيد حيتان المال وتقضي على صغار التجار

احتياطي المصرف المركزي السوري من النقد الأجنبي لا يسمح بالتدخل لكبح تدهور الليرة
الأربعاء - 3 شعبان 1437 هـ - 11 مايو 2016 مـ رقم العدد [ 13679]
امرأة سورية تحمل أوراقًا من العملة السورية داخل محل صرافة في دمشق (رويترز)

«الدولار أيضًا يقصف السوريين». عبارة يرددها السوريون في الداخل ممن تزداد أوضاعهم الإنسانية والمعيشية سوءًا مع استمرار الحرب المدمرة في بلادهم.

يقول أبو نصر، وهو موظف متقاعد يعيش في حي المزرعة وسط العاصمة دمشق: «ليست فقط الطائرات والمدفعيات التي تقصفنا، بل أيضًا الدولار، ففي كل ساعة هناك ارتفاع في سعره ينذرنا بارتفاع جديد في سعر كل شيء». ثم يستدرك مصححًا كلامه: «في الواقع ليس الدولار هو الذي يرتفع بل عملتنا الليرة السورية تتهاوى وتفقد قيمتها، ومعها نفقد قدرتنا على العيش الكريم». ويبلغ أبو نصر، كما يحب أن يُسمي نفسه، السبعين من العمر. وهو مدرس متقاعد يتقاضى راتبًا تقاعديًا قيمته 12 ألف ليرة، كانت تعادل قبل خمس سنوات نحو 210 دولارات، أما اليوم بالكاد تعادل 20 دولارًا فقط لا غير، يقول إنها لا تغطي ثمن التبغ الذي يستهلكه شهريًا. وعندما يفكر بالأمر على هذا النحو يصاب بالقنوط وينعزل في منزله رافضًا الخروج منه، لأن كل مرة يخرج فيها من بيته يشعر وكأنه من أهل الكهف، وأن كل شيء في دمشق بات غريبًا عليه، بدءًا من الأسعار حتى وجوه الناس المتعبة الحزينة. أما شؤون معيشته فيتركها لزوجته وأبنائه يتدبرونها، مثنيا على الجهود الجبارة لزوجته في إدارة الإنفاق والتقنين وبشكل مكنهم من البقاء «مستورين» لغاية اليوم.

«الستر» أو بالتعبير الشامي العامي «السترة» هي مطلب السوريين عمومًا في ظل تدهور الوضعين الإنساني والاقتصادي، فالليرة السورية التي تسجِّل يوميًا تهاويًا مرعبًا تزيد المخاوف من انعدام تام للقدرة الشرائية، وخلال اليومين الماضيين، ارتفع سعر الدولار إلى أكثر من 650 ليرة سورية، وتفاوتت الأسعار بين منطقة وأخرى ومن ساعة إلى أخرى، بشكل فوضوي مقلق اضطر المصرف المركزي السوري إلى تعميم أمر إلى جميع الوسائل الإعلام والاتصال السورية، بعدم نشر سعر الدولار. وقالت إذاعة «شام إف إم» المحلية، إنها ستتوقف عن تقديم أسعار صرف الدولار في السوق السوداء نظرًا «لتباين سعر صرفه بين المحافظات، وفي المحافظة ذاتها، وسيستمر قرارها حتى يستقر السوق أو تجد الحكومة حلولاً لهذه الفوضى العارمة.

ولفتت الإذاعة إلى أنه «رغم قناعتها بعدم جدوى هذه المبادرة الفردية، فإنها تقوم بهذه الخطوة كدعوة لكل الوسائل الإعلامية والصفحات التي تتناقل سعر الصرف من أجل الانتباه إلى خطورة نشر أرقام غير دقيقة عن سعر صرف الدولار، وتأثير ذلك في الوضع المعيشي للمواطن».

ويتطلع التجار السوريون إلى قيام المصرف المركزي بالتدخل لتثبيت سعر الصرف، كما جرت العادة مع كل ارتفاع غير مسبوق، وبحسب أحد تجار سوق الهال بدمشق (سوق شعبية لبيع الفواكه والخضراوات واللحوم)، أنه توقف عن البيع رغم توفر البضاعة لديه ورغم الطلب عليها، وذلك بسبب عدم ثبات سعر الصرف، كونه «لا يريد البيع بالخسارة»، فهو غير واثق أنه باع اليوم بسعر، أن لا تهبط قيمة الليرة بعد ساعة ولا يعود بإمكانه استرداد قيمة البضاعة أو شراء غيرها.

وبرأيه أن التوقف عن البيع والشراء حتى تستقر الأسعار، أفضل الحلول الممكنة. من جانبه، يتهم تاجر ألبسة في سوق الحريقة الحكومة بالتقاعس عن التدخل لتثبيت السعر، ويقول إنهم لا «يريدون التدخل إلا بعد أن يتجاوز سعر الدولار حاجز الـ650، بعدها يتم التدخل لتثبيته عند حد الـ600، وبذلك يكونون قد وصلوا بالسعر إلى الحد الملائم لسياستهم المالية»، مشيرًا إلى أن «فترة فوضى الأسعار يدفع ثمنها المواطن العادي المضطر لشراء حاجاته الأساسية، وأيضًا صغار التجار الذين تأكل الفوضى هوامش أرباحهم وتضعف قدرتهم على العمل، علما بأن الأسواق في سوريا حاليا قائمة على اقتصاد التجارات الصغيرة». ويتابع تاجر الألبسة القول: «هذا أمر تتعامل معه الحكومة بغباء لصالح خدمة مصالح حيتان المال والأعمال، وهم وحدهم المستفيدون من تدهور قيمة الليرة وفوضى أسعار الصرف».

وبعد نحو عشرة أيام من اضطراب أسعار الصرف، أعلن المصرف المركزي عن عقد جلسة للتدخل في سوقي دمشق وحلب اليوم الثلاثاء، برئاسة حاكم المصرف. وقال المصرف إنه «عملية تدخل المركزي في سوق القطع الأجنبي، عن طريق المصارف ومؤسسات الصرافة تأتي (حفاظًا على استقرار سعر صرف الليرة)».

وكانت مصادر إعلامية نقلت عن البنك الدولي كشفه أن احتياطي المصرف المركزي السوري من النقد الأجنبي قد تضاءل من 16 مليار دولار قبل عام 2011 إلى 700 مليون دولار عام 2015، وهو حجم لا يسمح للمصرف المركزي بالتدخل لكبح تدهور قيمة الليرة سوى مرة واحدة.

هذه الأرقام والمعطيات تشير بشكل ما إلى ما ستؤول إليه أوضاع السوريين في حال استمرت الحرب وانعدمت سبل إيجاد حل سياسي يوقف النزف السوري، حيث بينت دراسة قام بها مشروع جامعة طوكيو للدراسات الأجنبية (TUFS) للاستقصاء الوطني للشرق الأوسط «سوريا 2016»، أن أكثر من 60 في المائة من البنية التحتية تدمر في سوريا، ووصلت نسبة المواطنين تحت خط الفقر الأدنى إلى 87.4 في المائة وفقًا لمعيار «البنك الدولي»، كما انخفضت نسبة العاملين في قطاعي الصناعة والزراعة إلى 17 في المائة، بينما نسبة العاملين في القطاعات الخدمية 83 في المائة.

وقدرت الدراسة التي نفذها مركز الرأي السوري للاستطلاع والدراسات لمصلحة مشروع جامعة طوكيو، خسائر الاقتصاد بأكثر من 200 مليار دولار خلال 5 سنوات. وانخفضت القوة الشرائية لليرة السورية بشكل كبير عما كانت عليه في العام 2010.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة