اجتماع باريس حول سوريا يطالب بهدنة شاملة.. والعودة إلى محادثات جنيف

روسيا والولايات المتحدة تؤكدان عزمهما على مضاعفة الجهود من أجل الوصول إلى تسوية سياسية

وزير الخارجية الأميركي جون كيري عند وصوله إلى مقر الخارجية الفرنسية لحضور اجتماع باريس الخاص بسوريا أمس (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري عند وصوله إلى مقر الخارجية الفرنسية لحضور اجتماع باريس الخاص بسوريا أمس (رويترز)
TT

اجتماع باريس حول سوريا يطالب بهدنة شاملة.. والعودة إلى محادثات جنيف

وزير الخارجية الأميركي جون كيري عند وصوله إلى مقر الخارجية الفرنسية لحضور اجتماع باريس الخاص بسوريا أمس (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري عند وصوله إلى مقر الخارجية الفرنسية لحضور اجتماع باريس الخاص بسوريا أمس (رويترز)

استبقت روسيا والولايات المتحدة الأميركية بساعات قليلة اجتماع باريس لمجموعة «النواة الصلبة» الداعمة للمعارضة السورية، ببيان أكدا فيه عزمهما على «مضاعفة الجهود من أجل الوصول إلى تسوية سياسية للنزاع في سوريا»، فيما تدهور مجددا الوضع الميداني، خصوصا في منطقة حلب التي شهدت العشرات من الغارات الجوية وعمليات القصف المتبادلة ما جعل الهدنة الهشة أصلا غير موجودة.
وقال مصدر دبلوماسي فرنسي رفيع المستوى لـ«الشرق الأوسط»، إن توقيت الإعلان قبل ساعة واحدة من بدء اجتماع باريس، أمس، «لم يكن مجانا، بل إنه يفيد بأن الضغوط السياسية يمكن أن تفعل فعلها». وأجمع وزير الخارجية الفرنسية ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ووزير الخارجية الألماني وآخرون على الإشادة بالبيان الأميركي - الروسي وما تضمنه من التزامات. ووصفته فيديريكا موغيريني بأنه «إيجابي جدا». بيد أن الوزير الفرنسي عد أن ما يهم هو التنفيذ «لا أن يبقى البيان حبرا على ورق». وفهمت باريس والدول المشاركة في الاجتماع أن البيان بمعنى ما رسالة مباشرة موجهة للمجتمعين الذين يهدفون أساسا إلى الضغط السياسي على روسيا والولايات المتحدة الأميركية من أجل الوصول إلى هذه «الإنجازات».
وعلمت «الشرق الأوسط» أن المجتمعين طلبوا من منسق الهيئة العليا للمفاوضات أن يعمل على إبعاد مقاتلي المعارضة المعتدلة عن مواقع «النصرة»، وهو قد التزم بذلك.. بيد أن هذه المصادر عدت أن أمرا كهذا «ليس سهل التنفيذ» بالنظر لتداخل المواقع والأفراد. وأشارت موغيريني في تصريح لها عقب الاجتماع إلى أن هذا المطلب «ليس روسيا فحسب، بل جاء من كل الأطراف المشاركة في الاجتماع».
ما الذي حققه اجتماع باريس؟ الجواب جاء من جان مارك إيرولت ومن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الذي قال للصحافة، إن مجموعة باريس «أكدت دعمها للمعارضة السورية ودعمها لرياض حجاب، والتزامها بالوصول إلى حل وفق بيان (جنيف واحد) والقرار (2254) لا مكان فيه للأسد». وأضاف الجبير أن المجتمعين «بحثوا في آخر الوسائل لدعم المعارضة السورية». أما بشأن الثنائية الروسية - الأميركية، فقد أعلن الجبير في كلام دبلوماسي يحمل كثيرا من المعاني أن الوزير كيري «جزء من المجموعة، وعندما يتحدث إلى الوزير لافروف فكأنه يمثل المجموعة»، مما يعني ضمنا أنه يتعين عليه الالتزام بما قررته هذه المجموعة. ولخص الوزير السعودي الموقف بأن الجميع يطالب بأن يلتزم النظام وحلفاؤه بوقف النار وإدخال المساعدات الإنسانية من غير شروط، والبت في موضوع إنشاء المجلس الانتقالي للسلطة من أجل بناء سوريا الموحدة من غير الأسد. وأضاف الجبير: «نحن كلنا ملتزمون بهذا الاتجاه».
بدت «كلمة السر» الطاغية في اجتماع باريس دعم المعارضة وتوفير الأسباب والحجج لكي تعود إلى طاولة المحادثات في جنيف. وأفصح الوزير الفرنسي عن هذا الجانب بتأكيده رغبة الجميع بعودتها إلى جنيف، ليضيف بعدها مباشرة، أنه «من الصعب عليها تفسير هذه العودة من غير حصول تقدم ميداني».
وفي هذا السياق، طالب إيرولت بـ«ضمانات ملموسة» للمحافظة على الهدنة، وسلامة المدنيين، وبالطبع إيصال المساعدات الإنسانية، وأيضا الانطلاق في المسار السياسي، وكلها نقاط جاء عليها البيان الروسي - الأميركي. لكن إيرولت لم يحدد الجهة التي يفترض أن تكون مصدرها. وقالت أوساطه لـ«الشرق الأوسط» إن المقصود هو اجتماع فيينا لمجموعة الدعم لسوريا الذي سيلتئم في العاصمة النمساوية في 17 مايو (أيار) الحالي، حيث يفترض أن تبرز هذه الضمانات بشكل ملموس وحسي من الراعيين الأساسيين. وبانتظار هذا الاستحقاق، قال إيرولت إن الهدف المشترك للمجتمعين الذين اطلعوا مباشرة من الوزير كيري على فحوى البيان ومتضمناته وتفاصيله، هو أن «تحترمه جميع الأطراف بشكل كامل». بيد أن أوساطا من المعارضة السورية التي اتصلت بها «الشرق الأوسط» لم تكن «بادية الارتياح» لما حصل في باريس رغم التأكيدات والوعود. وبعد أن كان مقررا أن يبلغ حجاب الطرف الفرنسي برغبته في الحديث إلى الصحافة، عاد بعدها ليلغي الموعد من غير الكشف عن الأسباب.
ووفر الاجتماع فرصة للوزراء المجتمعين وممثلي البلدان الحاضرة للتلاقي والاجتماعات الجانبية في صالونات وزارة الخارجية. وقد وصل كيري متأخرا ربع ساعة عن الموعد، ثم عاد إلى الوزارة للقاء ثنائي مع إيرولت، فعشاء عمل.
رغم أهمية الاجتماع وما يشكله من فرص لتبادل الرأي وتوحد المواقف، فإن الوزير إيرولت لم يفته التأكيد على أنه «لا يحل محل اجتماع فيينا ومجموعة الدعم»، وأن أحد الأغراض التي سعى إليها هو «التحضير» لفيينا؛ حيث ستحضر روسيا وإيران التي كانت الغائب الأكبر عن تصريحات الوزير الفرنسي والآخرين. بيد أن مصدرا فرنسيا برر هذا الغياب بالقول إن «ما تقبله روسيا لا يمكن أن ترفضه إيران».
أما الأمر الآخر الذي شدد عليه إيرولت، فهو «ترسيم الطريق» كما فهمته مجموعة باريس من حيث تبريد الجبهات والبحث عن هدنة شاملة محترمة، والتأكد من وصول المساعدات الإنسانية، والعودة إلى محادثات جنيف وإعادة إطلاق المسار السياسي عبر عملية الانتقال المعروفة، والتي أحد أهدافها، بحسب الوزير الفرنسي، وضع حد للحرب وتلافي تفكك بنى الدولة السورية.
وفي حديث صحافي صباح أمس، عد إيرولت أن كيري «يعي تماما أننا في طريق مسدود» وأن «المفاوضات (محادثات جنيف) لا يمكن أن تستمر ما دام النظام ينتهك الهدنة ويقصف المستشفيات ومخيمات اللاجئين، وأن المعارضة هي التي تستهدف في حلب وليس (داعش)». وفهم هذا الكلام على أنه «انتقادات مباشرة لطريقة الوزير كيري في إدارة الأزمة ثنائيا مع موسكو» وفق ما قالته مصادر دبلوماسية أوروبية لـ«الشرق الأوسط» أمس، في معرض تقويمها لاجتماع باريس. وأضافت هذه المصادر أن الدول المجتمعة «أرادت إسماع صوتها ورؤيتها للوزير الأميركي» وتأكيد «حضورها ودورها في الملف السوري وعدم رغبتها في تسليم إدارته للثنائي كيري - لافروف»، بسبب تخوفها من «عدم انخراط أميركي كاف» في مآل هذه الأزمة و«غياب الحزم» في التعاطي مع الطرف الروسي.
وفي هذا السياق، أكد إيرولت أن ما يريده المجتمعون هو أن «تمارس موسكو ضغوطات أكبر على نظام الأسد». لكنه رفض مقولة أن يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو «من يقرر» في سوريا، بل برر التوجه إليه مباشرة لأنه «الجهة التي نتفاوض معها»، وضمنا، الجهة التي تؤثر على قرارات النظام.
بيد أن الهدف الأول للاجتماع كان، بحسب الخارجية الفرنسية، الوقوف إلى جانب المعارضة السورية وشد أزرها وتوفير الشروط والأسباب التي تجعلها تعود إلى طاولة المحادثات في جنيف، بعد أن علقت مشاركتها في الجولة الثالثة منها بسبب انتهاكات الهدنة، وندرة وصول المساعدات الإنسانية، ورفض وفد النظام في العاصمة السويسرية الخوض في عملية الانتقال السياسي. وتعد دعوة حجاب للمشاركة في الاجتماع دليلا على رغبة المؤتمرين في الاستماع لما تقوله المعارضة وتطلبه على كل الأصعدة المادية والإنسانية والتسليحية.
واغتنم إيرولت المناسبة ليحدد ثلاثة أهداف لاجتماع مجموعة الدعم لسوريا يوم 17 مايو الحالي في فيينا الذي تتشارك في رئاسته واشنطن وموسكو، وهي: وقف عمليات القصف، ووصول المساعدات الإنسانية، واستئناف المفاوضات السياسية. كذلك لخص إيرولت رؤية المجموعة للحل السياسي «وفق قرار مجلس الأمن»، «2254»، الذي ينص على «مرحلة انتقالية» من أجل تجنب تكرار حالة العراق. وما بدا مهمًا في نظرة الوزير الفرنسي لهذه المرحلة أنه ربطها بـ«تقاسم للسلطات» بما في ذلك القوات المسلحة وأجهزة المخابرات وكتابة دستور جديد وإجراء انتخابات «ثم بالطبع رحيل الأسد عن السلطة»، مما يعني القبول ببقائه وفق شروط محددة أثناء المرحلة الانتقالية، وهو ما ترفضه المعارضة. وبحسب الوزير الفرنسي، فإن «الجميع متفقون على ضرورة رحيل الأسد بما في ذلك الروس، وأنا متأكد من ذلك».
وكان الاجتماع الذي انطلق في مقر الخارجية الفرنسية بحضور وزراء وممثلين عن 10 دول (فرنسا والولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وإيطاليا والمملكة السعودية وقطر وتركيا ممثلة بوزراء خارجيتها، والإمارات العربية المتحدة بوزير الدولة للشؤون الخارجية، فيما مثل موظفون كبار بريطانيا والأردن). وحضرت فيديريكا موغيريني، مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيما مثل الدكتور رياض حجاب الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن مؤتمر الرياض.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.