اجتماع باريس حول سوريا يطالب بهدنة شاملة.. والعودة إلى محادثات جنيف

اجتماع باريس حول سوريا يطالب بهدنة شاملة.. والعودة إلى محادثات جنيف

روسيا والولايات المتحدة تؤكدان عزمهما على مضاعفة الجهود من أجل الوصول إلى تسوية سياسية
الثلاثاء - 2 شعبان 1437 هـ - 10 مايو 2016 مـ رقم العدد [ 13678]
وزير الخارجية الأميركي جون كيري عند وصوله إلى مقر الخارجية الفرنسية لحضور اجتماع باريس الخاص بسوريا أمس (رويترز)

استبقت روسيا والولايات المتحدة الأميركية بساعات قليلة اجتماع باريس لمجموعة «النواة الصلبة» الداعمة للمعارضة السورية، ببيان أكدا فيه عزمهما على «مضاعفة الجهود من أجل الوصول إلى تسوية سياسية للنزاع في سوريا»، فيما تدهور مجددا الوضع الميداني، خصوصا في منطقة حلب التي شهدت العشرات من الغارات الجوية وعمليات القصف المتبادلة ما جعل الهدنة الهشة أصلا غير موجودة.

وقال مصدر دبلوماسي فرنسي رفيع المستوى لـ«الشرق الأوسط»، إن توقيت الإعلان قبل ساعة واحدة من بدء اجتماع باريس، أمس، «لم يكن مجانا، بل إنه يفيد بأن الضغوط السياسية يمكن أن تفعل فعلها». وأجمع وزير الخارجية الفرنسية ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ووزير الخارجية الألماني وآخرون على الإشادة بالبيان الأميركي - الروسي وما تضمنه من التزامات. ووصفته فيديريكا موغيريني بأنه «إيجابي جدا». بيد أن الوزير الفرنسي عد أن ما يهم هو التنفيذ «لا أن يبقى البيان حبرا على ورق». وفهمت باريس والدول المشاركة في الاجتماع أن البيان بمعنى ما رسالة مباشرة موجهة للمجتمعين الذين يهدفون أساسا إلى الضغط السياسي على روسيا والولايات المتحدة الأميركية من أجل الوصول إلى هذه «الإنجازات».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن المجتمعين طلبوا من منسق الهيئة العليا للمفاوضات أن يعمل على إبعاد مقاتلي المعارضة المعتدلة عن مواقع «النصرة»، وهو قد التزم بذلك.. بيد أن هذه المصادر عدت أن أمرا كهذا «ليس سهل التنفيذ» بالنظر لتداخل المواقع والأفراد. وأشارت موغيريني في تصريح لها عقب الاجتماع إلى أن هذا المطلب «ليس روسيا فحسب، بل جاء من كل الأطراف المشاركة في الاجتماع».

ما الذي حققه اجتماع باريس؟ الجواب جاء من جان مارك إيرولت ومن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الذي قال للصحافة، إن مجموعة باريس «أكدت دعمها للمعارضة السورية ودعمها لرياض حجاب، والتزامها بالوصول إلى حل وفق بيان (جنيف واحد) والقرار (2254) لا مكان فيه للأسد». وأضاف الجبير أن المجتمعين «بحثوا في آخر الوسائل لدعم المعارضة السورية». أما بشأن الثنائية الروسية - الأميركية، فقد أعلن الجبير في كلام دبلوماسي يحمل كثيرا من المعاني أن الوزير كيري «جزء من المجموعة، وعندما يتحدث إلى الوزير لافروف فكأنه يمثل المجموعة»، مما يعني ضمنا أنه يتعين عليه الالتزام بما قررته هذه المجموعة. ولخص الوزير السعودي الموقف بأن الجميع يطالب بأن يلتزم النظام وحلفاؤه بوقف النار وإدخال المساعدات الإنسانية من غير شروط، والبت في موضوع إنشاء المجلس الانتقالي للسلطة من أجل بناء سوريا الموحدة من غير الأسد. وأضاف الجبير: «نحن كلنا ملتزمون بهذا الاتجاه».

بدت «كلمة السر» الطاغية في اجتماع باريس دعم المعارضة وتوفير الأسباب والحجج لكي تعود إلى طاولة المحادثات في جنيف. وأفصح الوزير الفرنسي عن هذا الجانب بتأكيده رغبة الجميع بعودتها إلى جنيف، ليضيف بعدها مباشرة، أنه «من الصعب عليها تفسير هذه العودة من غير حصول تقدم ميداني».

وفي هذا السياق، طالب إيرولت بـ«ضمانات ملموسة» للمحافظة على الهدنة، وسلامة المدنيين، وبالطبع إيصال المساعدات الإنسانية، وأيضا الانطلاق في المسار السياسي، وكلها نقاط جاء عليها البيان الروسي - الأميركي. لكن إيرولت لم يحدد الجهة التي يفترض أن تكون مصدرها. وقالت أوساطه لـ«الشرق الأوسط» إن المقصود هو اجتماع فيينا لمجموعة الدعم لسوريا الذي سيلتئم في العاصمة النمساوية في 17 مايو (أيار) الحالي، حيث يفترض أن تبرز هذه الضمانات بشكل ملموس وحسي من الراعيين الأساسيين. وبانتظار هذا الاستحقاق، قال إيرولت إن الهدف المشترك للمجتمعين الذين اطلعوا مباشرة من الوزير كيري على فحوى البيان ومتضمناته وتفاصيله، هو أن «تحترمه جميع الأطراف بشكل كامل». بيد أن أوساطا من المعارضة السورية التي اتصلت بها «الشرق الأوسط» لم تكن «بادية الارتياح» لما حصل في باريس رغم التأكيدات والوعود. وبعد أن كان مقررا أن يبلغ حجاب الطرف الفرنسي برغبته في الحديث إلى الصحافة، عاد بعدها ليلغي الموعد من غير الكشف عن الأسباب.

ووفر الاجتماع فرصة للوزراء المجتمعين وممثلي البلدان الحاضرة للتلاقي والاجتماعات الجانبية في صالونات وزارة الخارجية. وقد وصل كيري متأخرا ربع ساعة عن الموعد، ثم عاد إلى الوزارة للقاء ثنائي مع إيرولت، فعشاء عمل.

رغم أهمية الاجتماع وما يشكله من فرص لتبادل الرأي وتوحد المواقف، فإن الوزير إيرولت لم يفته التأكيد على أنه «لا يحل محل اجتماع فيينا ومجموعة الدعم»، وأن أحد الأغراض التي سعى إليها هو «التحضير» لفيينا؛ حيث ستحضر روسيا وإيران التي كانت الغائب الأكبر عن تصريحات الوزير الفرنسي والآخرين. بيد أن مصدرا فرنسيا برر هذا الغياب بالقول إن «ما تقبله روسيا لا يمكن أن ترفضه إيران».

أما الأمر الآخر الذي شدد عليه إيرولت، فهو «ترسيم الطريق» كما فهمته مجموعة باريس من حيث تبريد الجبهات والبحث عن هدنة شاملة محترمة، والتأكد من وصول المساعدات الإنسانية، والعودة إلى محادثات جنيف وإعادة إطلاق المسار السياسي عبر عملية الانتقال المعروفة، والتي أحد أهدافها، بحسب الوزير الفرنسي، وضع حد للحرب وتلافي تفكك بنى الدولة السورية.

وفي حديث صحافي صباح أمس، عد إيرولت أن كيري «يعي تماما أننا في طريق مسدود» وأن «المفاوضات (محادثات جنيف) لا يمكن أن تستمر ما دام النظام ينتهك الهدنة ويقصف المستشفيات ومخيمات اللاجئين، وأن المعارضة هي التي تستهدف في حلب وليس (داعش)». وفهم هذا الكلام على أنه «انتقادات مباشرة لطريقة الوزير كيري في إدارة الأزمة ثنائيا مع موسكو» وفق ما قالته مصادر دبلوماسية أوروبية لـ«الشرق الأوسط» أمس، في معرض تقويمها لاجتماع باريس. وأضافت هذه المصادر أن الدول المجتمعة «أرادت إسماع صوتها ورؤيتها للوزير الأميركي» وتأكيد «حضورها ودورها في الملف السوري وعدم رغبتها في تسليم إدارته للثنائي كيري - لافروف»، بسبب تخوفها من «عدم انخراط أميركي كاف» في مآل هذه الأزمة و«غياب الحزم» في التعاطي مع الطرف الروسي.

وفي هذا السياق، أكد إيرولت أن ما يريده المجتمعون هو أن «تمارس موسكو ضغوطات أكبر على نظام الأسد». لكنه رفض مقولة أن يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو «من يقرر» في سوريا، بل برر التوجه إليه مباشرة لأنه «الجهة التي نتفاوض معها»، وضمنا، الجهة التي تؤثر على قرارات النظام.

بيد أن الهدف الأول للاجتماع كان، بحسب الخارجية الفرنسية، الوقوف إلى جانب المعارضة السورية وشد أزرها وتوفير الشروط والأسباب التي تجعلها تعود إلى طاولة المحادثات في جنيف، بعد أن علقت مشاركتها في الجولة الثالثة منها بسبب انتهاكات الهدنة، وندرة وصول المساعدات الإنسانية، ورفض وفد النظام في العاصمة السويسرية الخوض في عملية الانتقال السياسي. وتعد دعوة حجاب للمشاركة في الاجتماع دليلا على رغبة المؤتمرين في الاستماع لما تقوله المعارضة وتطلبه على كل الأصعدة المادية والإنسانية والتسليحية.

واغتنم إيرولت المناسبة ليحدد ثلاثة أهداف لاجتماع مجموعة الدعم لسوريا يوم 17 مايو الحالي في فيينا الذي تتشارك في رئاسته واشنطن وموسكو، وهي: وقف عمليات القصف، ووصول المساعدات الإنسانية، واستئناف المفاوضات السياسية. كذلك لخص إيرولت رؤية المجموعة للحل السياسي «وفق قرار مجلس الأمن»، «2254»، الذي ينص على «مرحلة انتقالية» من أجل تجنب تكرار حالة العراق. وما بدا مهمًا في نظرة الوزير الفرنسي لهذه المرحلة أنه ربطها بـ«تقاسم للسلطات» بما في ذلك القوات المسلحة وأجهزة المخابرات وكتابة دستور جديد وإجراء انتخابات «ثم بالطبع رحيل الأسد عن السلطة»، مما يعني القبول ببقائه وفق شروط محددة أثناء المرحلة الانتقالية، وهو ما ترفضه المعارضة. وبحسب الوزير الفرنسي، فإن «الجميع متفقون على ضرورة رحيل الأسد بما في ذلك الروس، وأنا متأكد من ذلك».

وكان الاجتماع الذي انطلق في مقر الخارجية الفرنسية بحضور وزراء وممثلين عن 10 دول (فرنسا والولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وإيطاليا والمملكة السعودية وقطر وتركيا ممثلة بوزراء خارجيتها، والإمارات العربية المتحدة بوزير الدولة للشؤون الخارجية، فيما مثل موظفون كبار بريطانيا والأردن). وحضرت فيديريكا موغيريني، مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيما مثل الدكتور رياض حجاب الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن مؤتمر الرياض.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة