«معمارية التحقيقات الجنائية» توثق جرائم الأسد وإسرائيل

«معمارية التحقيقات الجنائية» توثق جرائم الأسد وإسرائيل

التصوير الفضائي والنماذج الكومبيوترية تدقق في المباني السكنية المدمرة وفي دهاليز السجون
الاثنين - 1 شعبان 1437 هـ - 09 مايو 2016 مـ رقم العدد [ 13677]

كيف يمكن توثيق جرائم النظام السوري ضد السجناء في ظروف حرب أهلية مدمرة، وكيف يمكن رصد الجرائم ضد الإنسانية التي نفذتها إسرائيل في حربها ضد غزة؟ هذا ما يجيب عنه الميدان العلمي الجديد المسمى «معمارية التحقيقات الجنائية» .

ويدقق هذا العلم عن قرب أو من بعد عندما تمعن السلطات في تغطية جرائمها، في آثار المباني المتهدمة في الغارات والأعمال العسكرية التي توجه ضد المدنين، كما يتقفى آثار الجرائم من شكل التهدم وبقايا الهياكل، أو يدقق دهاليز السجون وقاعات التعذيب السرية فيها، وما شابه.

ويعتبر المعماري إيال وايزمان البروفسور في الثقافات المرئية ومدير مركز الأبحاث المعمارية في جامعة غولدسميث المنضوية تحت جامعة لندن، الذي يتولى منصب مدير «معمارية التحقيقات الجنائية» الممول أوروبيا، رائدا في هذا المضمار.

ويقول وايزمان الذي يشغل أيضًا منصب عضو في مجلس إدارة جمعية دار للتخطيط المعماري والمدني في بيت ساحور بالضفة الغربية، «إننا نشابه (أطباء التحقيقات الجنائية)، لكننا لا ندرس جثث الضحايا بل المباني المتهدمة والتضاريس الأرضية المدمرة بهدف إعادة تشكيلها والتدقيق في الجرائم التي أدت إليها لتقديم المجرمين إلى المحاكمة». وقد درس وايزمان ونجح في رصد الجرائم التي تعرض لها مجموعات من المايا من سكان غواتيمالا على مدى عقود سابقة بدراسة قراهم المدمرة رغم تغطيات الأحراش لها، وذلك بوسائل التصوير بالأقمار الصناعية.

ووظف وايزمان أحدث تقنيات «معمارية التحقيقات الجنائية» في رصد حقيقة عملية عسكرية وقعت عند حدود غزة الجنوبية مع إسرائيل عام 2014، وأدت إلى مقتل فلسطينيين وإسرائيلي واحد واختفاء آخر. ولكن أدت العملية إلى مقتل عدد من المدنيين وتهديم بيوتهم. ووضع الباحث الشهادات بالصور أو الفيديو التي عرضها الشهود على شبكات التواصل الاجتماعي معا لتكوين لوحة كاملة عن تفاصيل الهجوم الإسرائيلي الذي وضعه في فيديو كامل (الرابط الإلكتروني في نهاية الموضوع). وقد يسهل هذا الفيديو الجديد تقديم المعتدين بتهمة مجرمي حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية.

وعن سوريا يقول وايزمان إن صعوبة توثيق شهادات عما يجري في السجون السورية قادته وزملاءه إلى توثيق شهادات الناجين منها الذين لجأوا إلى تركيا. وقد تعرض كل هؤلاء إلى التعذيب في مباني السجون السورية ولم تستطع أي منظمة دولية التعرف على أحوالهم فيها، لذا فقد تم وضع نموذج كومبيوتري لردهات السجون ودهاليزها وتكوين لوحة عن وسائل التعذيب داخلها حفظت تفاصيل شهادات السجناء فيها. وحاول النموذج وضع صورة قريبة جدًا للواقع من حيث ارتفاع الجدران وعدد الأبواب وما شابه من التفاصيل المعمارية.

وفي مقابلة نشرتها مجلة «نيوساينتست» البريطانية في عددها الأخير، قال وايزمان إن «معمارية التحقيقات الجنائية» نجحت في توجيه تهمة القتل إلى المشرفين على طائرة «درون» من دون طيار ضربت أحد المنازل خطأً عند قصفها لمناطق يسكنها الطالبان في باكستان، إذ أظهرت شهادة إحدى النساء الألمانيات التي كانت موجودة في أحد البيوت المجاورة أن عربة لطفل كانت موجودة في الحديقة أثناء الحادث. واستقى الباحثون معلومات أكثر من أم الطفل، مما أدى إلى إثبات حقيقة أن المشرف على الدرون لاحظ بالتأكيد وجود أطفال في المنزل، وكان عليه أن يمتنع عن ضربه.

وكدليل على نجاح مشروعه تحدث وايزمان بالتفصيل كيف تمكن من الكشف عن جرائم الحكومة الغواتيمالية في القرن الماضي التي أحرقت قرى قبائل «إكسل»، وهم سكان البلاد الأصليون قرب الغابات في فترتي الستينات والتسعينات من القرن الماضي، إذ لم تفلح لجنة تقصي الحقائق التاريخية التابعة للأمم المتحدة في مهمتها بسبب عدم تسجيل السكان الأصليين كمواطنين وتدمير قراهم.

وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية للمناطق التي كانت فيها تلك القرى وجود مواقع تعرضت للتعرية وأخرى نمت عليها أحراش لغابات صغيرة. وبينما لا يستطيع الشخص الناظر على الأرض التمييز بين الأحراش القديمة والجديدة، فإن الصور الدقيقة كشفت عن فروق بين الأحراش الجديدة وأساسات المباني في القرى المدمرة، وبذا «تمكنا من قراءة تفاصيل التضاريس الأرضية كما يتمكن الأعمى من القراءة بطريقة برايل». وقد أدى ذلك إلى تقديم المجرمين للمساءلة.

ويعتقد وايزمان أنه إن كان طب التحقيقات الجنائية يقدم المسؤول عن الجريمة إلى الحكومة لمقاضاته، فإن «معمارية التحقيقات الجنائية» تقدم الحكومات للمساءلة عن جرائمها. ويعتبر كتاب وايزمان «مناطق محظورة» من الكتب الحديثة التي تتحدث عن توظيف إسرائيل للهندسة المعمارية كسلاح سياسي. وهو يعتبر العمارة وسيلة للاحتلال أيضًا في نزاع الشرق الأوسط تُستخدم من أجل فرض المصالح، إذ يربط كتابه ما بين الطراز المعماري في القدس واستراتيجية بناء حواجز التفتيش، وكذلك المستوطنات اليهودية.

وقد شغل وايزمان مناصب كثيرة، مثل البروفسور في المعمار في أكاديمية الفنون الجميلة في فيينا، ودرس في مدرسة ستادل في فراكفور بألمانيا، ومدرسة الدراسات المتقدمة والعلوم الاجتماعية في باريس.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة