غازي العتباني لـ«الشرق الأوسط»: إخوان مصر يفتقدون لقيادات تمتلك الدهاء

قال إن فكرة الحاكمية لسيد قطب غامضة جدًا ولم يتبنها أحد في السودان

غازي العتباني لـ«الشرق الأوسط»: إخوان مصر يفتقدون لقيادات تمتلك الدهاء
TT

غازي العتباني لـ«الشرق الأوسط»: إخوان مصر يفتقدون لقيادات تمتلك الدهاء

غازي العتباني لـ«الشرق الأوسط»: إخوان مصر يفتقدون لقيادات تمتلك الدهاء

قطع رئيس تيار تحالف قوى المستقبل للتغيير د. غازي صلاح الدين العتباني، والذي يرشحه الكثيرون خليفة د. حسن الترابي، بوجود فراغ عريض تركه الراحل، وبفقدان المقدرات العقلية والفكرية والسياسية التي يملكها، بيد أنه بدا واثقا من قدرتهم على ملء الفراغ والتنظير لأفكار تجديدية تحفظ وجودهم الفاعل بين الطبقة السياسية بالبلاد.
وأرجع العتباني سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر إلى رهانهم على الجيش وربط أنفسهم بالمؤسسة العسكرية، وتخليهم عن الحالة الثورية، وإلى تنميطهم ونشر دعاية شوهت صورتهم وخوفت الناس منهم، وافتقارهم لقيادات تمتلك الدهاء والخبرة السياسية.
وقال العتباني إن طاقة التيار العريض لا تزال الأكثر استعدادًا لملء الفراغ، وإن نفوذهم السياسي سيظل إلى حين ولادة قوى تنافسهم وتنتصر عليهم.
واعتبر انتصار تيارات قريبة من الإخوان أو إخوانية في تركيا وفي مصر وتونس ردًا على من حكموا عليهم بالفناء، استنادًا إلى إخفاق بعض تجاربهم السياسية، قاطعًا ببقائهم في السودان حتى في ظل نظام ديمقراطي، بشرط أن يعيدوا النظر ويراجعوا تجربتهم، وكشف لأول مرة عن سودانيين سماهم بـ(جنود أخفياء) دعموا التجربة التركية.
واعتبر العتباني فكرة (النظام الخالف) التي مات عنها الترابي، تطويرًا لفكرة قديمة في التاريخ السياسي بالبلاد (جبهة الميثاق الإسلامي)، وتهدف لتشجيعهم على توسيع صفهم، وتجاوز الصف الإسلامي التقليدي إلى الصف المسلم والوطني.
وشن هجومًا عنيفًا على الحوار الوطني السوداني واعتبره حوارًا للتعاطي السياسي وهو معلق بين السماء والأرض، وقال: إنه لن يفلح في وقف الحرب ولا مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تواجه البلاد، لأن قوى مهمة لم تشارك فيه.
وأعلن العتباني رفضه للفكرة الإخوانية القائمة على مبدأ (الحاكمية)، التي يسهل تحويلها لأداة بيد الحكام الديكتاتوريين، وإن التجربة العملية أثبتت أنها مجرد عبارة جذابة وغامضة.
* ما هي القوى السياسية والفكرية، وربما الأشخاص المؤهلون لسد فراغ الترابي؟
- كان خطاب التيار بداية القرن العشرين بسيطًا وتجريديًا، ومع المكابدة والمدافعة اليومية طور خطابًا أكثر تعقيدًا وتأثيرًا. سأقول كلامًا قد يبدو خلافيًا لبعض الناس، وهو أن طاقة ما وصفه بالتيار الإسلامي العريض لا تزال الأكثر قابلة للتمدد وملء الفراغ، رحيل الترابي وضعهم في تحدي ملء الفراغ وسيظلون لحين ولادة قوى أخرى تنافس وتنتصر. فحضور وانتصار «الإسلاميين» في تركيا وفي مصر وتونس رد على من حكموا عليهم بالفناء كتيار استنادًا إلى إخفاقات في بعض التجارب السياسية. سودانيًا ستبقى القوى ذات الخلفية «الإسلامية» حتى في ظل نظام ديمقراطي، إذا أعادت النظر في تجربتها وأجرت المراجعات اللازمة، وقدمت طروحات مجددة وشاملة.
* المسافة كبيرة بين د. الترابي وأقرب حوارييه ومؤيديه، البعض يقول إنك الأقرب لملء الفراغ..!
- ما يميز الترابي ليس الأفكار فقط، بل الطريقة التي حمل بها الأفكار، فقد كان «مقاتلاً فيها»، وكان حريصًا على المبادرة بالتعبير عن آرائه حتى لو كانت خلافية، له حيوية خاصة في طرح أفكاره، خلافًا لآخرين ربما هم مفكرون لكنهم أكثر انطواءً.
أنا ممارس يتلقى الحكمة عبر المدافعة العملية اليومية، أكثر من التأطير النظري، وهذا وجه مباينة بيني وبينه، ولست قلقًا ممن يقود اللحظة التاريخية، فإذا أتيحت حرية حقيقية سيظهر مجددون وليس واحدًا.
* ترك الترابي أطروحة (النظام الخالف) ورحل، سمعت أنك كنت على تماس مع الفكرة، ما هي؟
- حرصت على التعرف عليها ودراستها لتحديد موقفي منها، ورغم لقاءاتي المتعددة معه، لكنه هو لم يكن مستعدًا لشرح الفكرة بكاملها، البعض قال: إن الترابي يريد البدء بآخرين. من نقاشاتي وبعض الذين اطلعوا عليها هي تعديل لفكرة (جبهة الميثاق الإسلامي)، وتشجيع للإسلاميين على توسيع صفهم، وتجاوز الصف التقليدي إلى الصف الوطني.
لا غبار على الفكرة رغم صعوبة نجاحها تمامًا في حال عدم توفر النفوذ والقوة السياسية والفكرية والمادية المرتبطة بالسلطة، وستتعرض لاختبار قاس لو أن تيار «الإسلاميين» فقدوا السلطة.
* هل تعتقد أنها دفعت د. الترابي لتناسي الخلاف مع تلاميذه السابقين، فقدم تنازلات مريرة؟
- يبدو استدراك الترابي بعيدًا عن طبيعته الصدامية المقاتلة، وإنه مارس قدرًا كبيرًا من كظم الغيظ وضبط النفس، من أجل هذه الأطروحة المدهشة ذات الطبيعة التصالحية. فتقدم وتبنى وسوق لأطروحة الحوار الوطني بوعي وليس اضطرارًا وفي اللحظة المناسبة.
* للترابي اجتهادات مثيرة للجدل، مثل (عذاب القبر)، هل يستمر أثرها على مؤيديه؟
- يجب التفريق بين الترابي ومواقفه الفكرية الجاذبة للشباب، وبين آرائه الفقهية، وهي (مسائل فقهية) ليست ضرورية أو مهمة للحياة الحديثة. فقضية عذاب القبر جدلية. لذا لم يكن الموقف التلقائي للإسلاميين موافقًا عليها، وبالتالي ليس لها نفوذ كبير في تشكيل نفسيات وعقلية الإسلاميين.
ما كنت أميل لمناقشتها ومعي كثير من «الإسلاميين» لأنها جدل دائري، أما لماذا يطرحها؟ فقد أشرت إلى خصوصية شخصيته مقارنة بمن حوله، فهو يتميز بعقلية نشطة جدا ومولدة للمسائل الخلافية، ما يعكس حيوية ونشاطًا ذهنيًا غنيًا واستعدادًا لتحدي المسلمات.
* حتى أطروحة الإسلام الإبراهيمي وأن كافة الدين عند الله الإسلام؟
- حاول بعض المثقفين الذين ارتبطوا بالحياة الغربية ومناهجها، التماس أوجه اللقاء والمقاربة بين الإسلام والدينين الإبراهيميين، دون أن ينطلقوا من فتاوى غير مؤيدة، بل من دعوة في القرآن لأهل الكتاب لـ(كلمة سواء) وللحوار والجدل بالحسنى، وليس على المساحة المشتركة بين العقائديات، فهناك مسافة واسعة بين عقيدة التوحيد وعقيدة التثليث مثلاً، أما الأخلاق المستمدة من الدين فهناك تشابه كبير بين المسيحية واليهودية والإسلام. هذا الارتباط دفعهم للميل لإيجاد أرضية مشتركة، بعضهم توصل إلى اعتبار الأديان الإبراهيمية عقيدة، ولا أظن أن الترابي بينهم.
* إلى أي مدى يظل مفهوم الحاكمية في نسخته المصرية، قادرًا على تقديم حلول لمشاكل الواقع؟
- (الحاكمية) عبارة جذابة للغاية ويلفها الغموض. هي عبارة معبئة أوجدها سيد قطب فتحمس لها الشباب الإسلامي، لكني لا أعتقد أنهم في السودان تبنوها بصورة رسمية. ربما وردت في خطابهم أما في تجربة الحكم، فقد أدركوا خطورة الفكرة وإبهامها، لأنها تجعلك تتحدث عن الحاكمية لله، وتترك أسئلة مثل من يقيم هذه الحاكمية، من يقيس مدى الالتزام بها من عدمه، بما يجعلها عرضة لتأويلات الحكام وتسخيرها لاستدامة سلطانهم.
حتى بالمصطلح الإسلامي الحاكمية للمجتمع صاحب البيعة، فأبايعك على العدل والحرية والديمقراطية وتبايعني على السمع والطاعة وعلى حسن المحافظة على واجبات المواطنة. لقد اختفت الكلمة بمعناها الأول من أدبيات الإسلاميين الذين صار لهم فكر سياسي واضح وواقعي.
* لكنها ظلت ترد في أدبيات الإنقاذ، على الأقل فعليًا ودعائيًا..
- ذكرت لك أنها لم ترد في وثيقة رسمية، وبالتالي لا تعبر إلا عن رأي شخصي، والتعبير عن آراء شخصية متطرفة وارد، أنا لا أجد مبررًا شرعيًا للقول: (فلترق كل الدماء).
* كأنك تقول: إنها مواقف فردية؟
- ليست فردية، فأصحاب الفكرة الواحدة حين يلتقون يتحمسون لها وقد يعبرون بصورة متطرفة، رغم عدم وجود اعتراف رسمي بفكرتهم. كان بعضهم يعترض عليها، وهو أمر أشبه بأن يعبر الناس بحماس عن أوطانهم، فالأناشيد الوطنية في أوروبا، كلها دماء وكلها عدوان واقتحام واحتلال.
* يبرر البعض انقلاب الإنقاذ، بأنه كان صدًا لمؤامرة تستهدفهم، هل ما زال مثل هذا التبرير يجد القبول عندك؟
- الموقف الصحيح كان مساندة الديمقراطية وحمايتها بما توفر للإسلاميين من قوة عسكرية بدلاً عن الإطاحة بها. أما القول بأن هناك تيارات انقلابية قوية مسنودة من دول عربية داخل الجيش فهو صحيح، لكن الموقف الصحيح ليس الاستناد على ذلك وتدبير انقلاب عسكري، بل استخدام قوة الحركة لحماية القيم الديمقراطية. وفي ذات الوقت لا أرى اتخاذه منصة لإدانة الإسلاميين.
لست مؤيدًا للنواح حول هذه القضية والبكاء على الأطلال، بقدر حماستي للمراجعات لتمدنا بذخيرة وحكمة نؤسس بها الحكم الحقيقي والسيادة فيه للشعب.
* أثر تجربة أنصار الإنقاذ السودانيين على تجاربهم في بلدان أخرى، مثل تركيا تونس مصر وغيرها؟
- للتجربة السودانية أثر قوي جدًا عليهم رغم تحفظهم على الانقلاب العسكري، فوصول الإنقاذ للحكم كان قضية خلافية، أما كيف يدار فقد استفادوا منه في فهم تحديات الدولة الحديثة.
ظلت العلاقة وثيقة مع تونس خاصة بين الترابي وراشد الغنوشي وعلى مستوى الكوادر السياسية. وهناك تواصل قوي جدًا مع التجربة التركية التي أسهم سودانيون كثر فيها ودعموها، وظلوا (جنودًا أخفياء). كان الأثر السوداني على التجربة المصرية محدودًا في البداية، لكن بتولي الإخوان الحكم استفادوا من عِبر التجربة السودانية.
* لماذا ارتبطت إذن بالإرهاب؟
- لم تقدر التجربة مدى قوتها تقديرًا دقيقًا في البداية، فدخلت المواجهة الأولى مع الغرب والولايات المتحدة الأميركية حول غزو الكويت واحتلال العراق، ثم توسعت إثر قيادة تيار سياسي يدعو للتحرر من النفوذ الأميركي، فوجد السودان نفسه في مواجهة مباشرة معه، في وقت ضعفت فيه الرابطة الإسلامية والعربية المتضامنة. ومنذ اعتبار السودان راعيًا للإرهاب عام 1993. أصبح في حالة مواجهة مع الآلة الغربية منفردًا، بقوتها العسكرية والسياسية والاقتصادية عبر المؤسسات الدولية مثل مجلس الأمن والصناديق المالية.
* لماذا سقطت أو أسقطت تجربة حكم الإخوان المسلمين في مصر في تقديرك؟
- يكمن السبب الرئيسي في المواجهة غير المتكافئة، فقد راهن الإخوان على العسكريين، وأهملوا ما أسميه (الحالة الثورية) في الشارع، فالحالة الثورية قد تكون فضفاضة وقد تبدو ضعيفة، لكنها مثل الأفكار تربط بين الأدمغة والعقول لتشكل قوة في النهاية. أسندت الحالة الثورية الإخوان في مرحلة من المراحل، لكنهم قدروا ربط أنفسهم بمؤسسة أكثر انضباطًا وقدرة على التعامل مع الواقع، فوضعوا أنفسهم تحت رحمتها.
ثانيًا تنميط شخصية الإخوان وما قد يفعلونه، ونشر دعاية كثيفة على درجة عالية من الكفاءة ضدهم في مصر، فاستطاعت تشويه صورتهم، وخوفت قطاعات مؤثرة ومهمة في المجتمع منهم.
أما ثالثًا فلم تبرز بينهم شخصيات سياسية بسبب القمع الذي تعرضوا طويلاً وعدم مشاركتهم في حكم مصر أصلاً، فلم يبد عليهم دهاء الساسة، واكتفوا بالتركيز على النشاط الاجتماعي فخلقوا قاعدة اجتماعية ضخمة، لكنه ولاء لا يستطيع التعبير عن نفسه إلاً بوجود قيادة تتمتع بقليل من الجاذبية والدهاء. حتى من يستطيعون قيادة الحوار مع الآخر بينهم وضعت عليهم العقوبات ومنعوا من ممارسة السياسة، مثلما حدث مع (خيرت الشاطر). فتقدم منهم أشخاص صادقون ومؤهلون أكاديميًا لكنهم لا يملكون خبرة ودهاء الساسة.
* تحالف قوى المستقبل للتغيير الذي صنعته مكون من أحزاب صغيرة، أعدت به تقديم الخمر القديمة في أباريق جديدة، وكنت مركزة؟
- هي حالة تنطبق على جميع الأحزاب، وأعترف بأنها حالة مرضية لكني لست سببها، وضعنا نظامًا أساسيا وحددنا ولاية الرئيس بستة أشهر قابلة للتجديد لمرة وهذا تقدم كبير.
هذا من آفات السياسة السودانية، وليس الأمر مقتصرًا على تحالف قوى المستقبل، فالزعم بتمثيل قطاع واسع شائع بين القوى السياسية، ولا يمكن التحقق منه إلا بالانتخابات. لذا فلندعه جانبا ونعمل معيار النفوذ والفاعلية. أنا مشغول بتأسيس علاقات داخلية قوية تقوم على الحد الأدنى المعقول بين الناس من أقصى اليسار إلى اليمين، وعلى إزالة الجفوة بيننا والأحزاب التي تنظر إلينا تقليديًا بريبة، ووضع الفاعلية والنفوذ السياسي الإيجابي بمواجهة أدواء السياسة السودانية ومعالجتها، والاتفاق على برنامج حد أدنى.
* نعيت الحوار الوطني وقلت إنه معلق بين السماء والأرض؟
- الحديث عن الحوار الوطني ذو شجون، وأمارسه بدرجة من الألم والمعاناة. حين أطلق الرئيس الحوار كان إرهاصا بمفاجأة يتوقعها الشعب، للأسف لم تكن هناك مفاجأة، كان كلامًا معمما حول الوثبة والحوار، ومع هذا تركنا الخصومة وشاركنا فيه بفاعليه، فأثمر (خريطة الطريق واتفاق أديس أبابا). مضى أكثر من عامين وما زال حوارًا للتعاطي السياسي أكثر من كونه التزامًا أخلاقيًا وسياسيا. اعتراضي ليس على الأوراق ولا الشخصيات القومية، بل لأنه يقترح إيقاف الحرب، فإذا وصل لنهايته بهذه الصورة لن يؤدي لوقف الحرب، لأن هناك أطرافا مهمة غير ممثلة. كان متاحًا للحكومة القيام بحملة لتجديد الثقة تزيل ظلال الشك في النوايا. لكنها أطلقت الحوار المحلي بمن حضر، وما زالت توصياته النهائية لم تسلم ولم يصل لنتيجة، ولا ندري أين يذهب، لهذا قلت إنه معلق بين السماء والأرض.
تطحن المشكلة الاقتصادية المواطن، ولا حل إلا بتصحيح العلاقات مع المجتمع السياسي والاقتصادي الدولي وبوقف الحرب. الحرب وسوء العلاقات الخارجية مشكلات سياسية داخلية. وأخشى استمرار الحرب والأزمات في غيبه حوار حقيقي ومشروع وطني.
* عطفًا على الاحتجاجات الطلابية التي تشهدها البلاد، هل تنتابك مخاوف انهيار الدولة؟
- على السياسي أن يضع حسابًا لأسوأ الاحتمالات، لذا لا أستبعد شيئا، ربما لو سألتني سؤالاً مباشرا هل تتوقع انتفاضة شاملة، فسأقول لك هذا قد لا يبدو قريبًا أو متاحًا في اللحظة، لكن كل شيء ممكن، فقد رأينا في السودان وغيره أنها تأتي بغتة لكن علينا تجنب سيناريوهات الفوضى. يمكن أن يكون التغيير في الأفراد أو السياسات والأجهزة والمؤسسات، أو التعويل على الحرب وحمل السلاح، أو قبول الواقع بصورة قدرية جبرية. هناك منطقة متوسطة بالوسائل السياسية المكفولة دستورًا لنتجنب العنف. لو أن هنالك عقلية مرنة واقعية تدرك أن المشكلة ليست مع القوى والشخصيات السياسية، بل مشكلة سياسية واقتصادية واجتماعية على مستوى الشعب فيمكن تجنب كل هذا، أما أن يكون الحوار في مقام حيث لا حيث وعند لا عند، فكيف أتعامل معه الآن؟
* لكنك متمسك به..
- متمسك به من حيث المبدأ، فقد تطرأ ظروف تغير عقلية الطرف الممسك بآلية الحوار، ولأنه أفضل المتاح الذي أراه كحزب، ولممارسة الضغوط لجعل الحكومة تتعامل معه بجدية.



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended