شخصيات تستوحي الأسطورة لمواجهة الحياة

القاص رضوان آدم يعيد مساءلة الأسطورة في «جبل الحلب»

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة
TT

شخصيات تستوحي الأسطورة لمواجهة الحياة

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة

تلعب المجموعة القصصية «جبل الحلب» للقاص المصري رضوان آدم الصادرة حديثا عن دار «روافد» بالقاهرة، على الأسطورة، وتعيد مساءلتها في سياق إنساني ومعرفي جديد؛ إذ نجحت في كسر هذا الاحتكار الذكوري لدور البطولة، ضمن خيط أسطوري شيق، كان لـ«امرأة الحلب» فيه الكلمة العليا حتّى خلال المواجهة المحتومة مع لعبة الأقدار.
«أيام» هي أول قصص «الحلب»، وبطلتها امرأة حلبية ستهز عرش الرجال، «لا أحد في نجع الواحاتي يعرف أن جليلة هي أيام، وريثة عرش الحلب، وابنة الجيلاني، الملكة المحاربة التي حكمت الحلب ثلاثين عاما»، هكذا يستهل المؤلف، أسطورة المرأة التي تتمتع بقدرة استثنائية مكنتها من التخفي من وجه أعداء قومها، إلى أن تحين اللحظة المناسبة للانقضاض على رجال الواحاتي، في الوقت الذي يؤمن فيه رجال قريتها بشجاعتها وحكمتها في محاربة الغزاة؛ وإلا كيف ارتضوا بتنصيبها ملكة على النجع كله؟ «يقولون فيما بينهم إن الملكة أيام حية وستظهر يوما»، في هذا النص الوجيز نلمح نزوعا إيمانيا نحو «مهدي منتظر» يحرر النجع من الظلم والخيانة، ويعيد ميزان العدل منصوبا، ولذلك أبلغت الجيلانية الصبي الذي أرسله الواحاتي لإجبارها على الاستسلام، بأن «الحلب سيقاتلون حتى آخر قتال دفاعا عن أرضهم المقدسة».
وتمتد الحكايات لتزيح الستار عن وريثات عرش الحلب، منذ أن وطأت قدم «سميعة» أرض النجع، وهى الجدة الكبيرة لـ«أيام».. امرأة نافذة على الأقدار، ذات بأس شديد، وعندما تمر سيرتها على لسان حفيدتها الجيلانية، تقص كلمات بسيطة عنها، «ثم تعود لبيتها وحيدة، دون أن تكشف سرها لأحد»، وبينما هي كذلك، توغل الأسطورة لتستنزف الماضي البعيد، حيث كانت جليلة لا تزال فتاة صغيرة، عندما أخبرت أمها، خالها الميرازي، بأن الأرواح يجب أن تظل بعيدة عن «أيام» حتى تبلغ العشرين، ساعتها تحكم الحلب وتفصح عن اسمها الحقيقي، واختار لها الميرازي اسما يناديها الناس به، حتى لا ينكشف أمر المهمة الحربية التي أتت من أجلها لتحرير النجع من رجال الواحاتي، لكن خالها «لم يخفِ الوشم المرسوم على كتفها اليسرى»، وأوصاها بالبحث عن حلب الجبال إذا وقع له مكروه، ثم اختفى هو الآخر في كهف صغير لمدة خمسة أعوام، حتى تهدأ عيون الواحاتي.
وإذا كانت الأسطورة قد اختتمت بانتصار الجيلانية، فإن الملكة لم تختم بعد حكاياتها، إذ «غرقت في البكاء عندما أتت على ذكر جيش الحلب الذي دكّ المستوطنين وحرر النجع، بينما يسود السكون رؤوس الحلب».
«سليمة» هي الشخصية التالية في المجموعة، التي أخذت توجه حجارتها نحو وجه السماء تستنزل منها الولد وتنتظر البشارة، تريد اقتناص الحياة من هذه القدرة الغاضبة، لكنها «لن تتمكن من إلحاق الأذى بالسماء طالما لم تتفرق الغيوم المستفزة».
على عكس «سليمة»، نجد زميلتها «سكينة» تصارع من أجل الفوز بموت هادئ مطمئن، الأولى تسترجي البقاء، والثانية تستعطف الفناء، هناك الحجارة التي تزعج هدوء السماء، وهنا «البومة» التي تقض مضجع «سكينة» ووقارها لتزف معها شؤم الرحيل. لكنّ المرأة الثمانينية تستعصم بالسيدة زينب والغوالي، وحفيدها صبري، «الطفل المعظم، الذكر الوحيد الذي أنجبته ابنتها الوحيدة على خمس بنات»، الذي بلغ مبلغ الرجال مبكرا بعد أن علّمته «سكينة» تدخين السجائر منذ أن بلغ عامه الثامن. وبكل هذه الوسائل الدفاعية، نجحت «سكينة» في التصدي لبومة الشؤم التي مرت من أمام نافذتها في استحياء شديد دون أن تمسها بسوء، بينما «يحفظ صبري في عمره هذا، أكثر من أربعين مغامرة لجده مسعود عمران، عرفها من لسان جدته»، التي تحتفظ في رأسها بتاريخ القرية التي غيرت جلدها مرات.. «كبر صبري ويستطيع الآن حملها ودفنها وأخذ عزائها كرجل بالغ»، لكن الطفل خرج إلى الشارع ليطارد بومة الشؤم بالحجارة، بينما «سكينة» تبتسم في صمت.
وفي سياق هذا الولع بالأسطورة، يختلف حال «تغيانة» عن حال رفيقاتها، فهي خادمة الشجرة المقدسة للشيخ فخر الدين، الرجل المبروك الذي يبرئ الأكمه والأبرص، وله كلام مع السماء.. «الذي كان له قلب يزن أكثر من أربعة كيلو جرامات»، نفوذ «تغيانة» يمتد إلى السيطرة على عقول رجال القرية، خصوصا بعدما أغضبوا «الشيخ فخر الدين».. تلزمهم إذن زيارة يتطهرون فيها من آثامهم، ويصطحبون الأطفال المعتلين لعرضهم على الشيخة «تغيانة» التي تباركهم بتعويذات يلقنها لها الشيخ الهالك منذ مئات السنين.
من حكايات النساء، تنسج حكايات الرجال في الخط الأسطوري نفسه.. صراع مرير مع الأقدار، وخِناق مع السماء. «عبيد البياض» هو أحد هؤلاء الأبطال، بطولته تكمن في نوبة سعال تهاجمه على شكل غزوات طوال الليل، تكاد تفتك بصدره، في الوقت الذي تستسلم فيه القرية خائفة من لعنة عبيد الذي «لا يموت أبدا، ليس من لحم ودم كباقي البشر، جلده مانع للرصاص، ولديه (ستة) أرجل، و(ستة) أذرع، وألف أذن، ويطير بالليل»، إلى درجة أن شيخ القرية طرق الأبواب موصيا بعدم سب عبيد حتى لا تحل اللعنة على الناس، كما دعا الشيخ أهل القرية إلى أن يقتصدوا في الطعام، ويكثروا من الدعاء، ويخزنوا القمح تحسبا لسنوات عجاف، على الرغم من أن عبيد لم يكن يسعل سخامًا وقطرانًا، كان يسعل سيلا من الذكريات وحكايات قريته الخائفة. يسمعها الناس وهم يترقبون نوباته المتشنجة بالقرب من ساحة بيته المهجور، ومع اشتداد السعال يبكي عبيد بكاء لم يسمعه النجع من قبل، يحن إلى ذكرى «حليمة»، حبيبته التي قتلها أهلها عقابا لها على الفضيحة التي ارتكبتها مع عبيد، وتتعارك أنفاسه مع هذه النوبات القاسية، وتلوح له صورة أمه التي لم يجدها أبدا.
«عجيب» هو أحد شخصيات مجموعة الحلب، يحمل عبء البطيخة المقدسة التي تضم أسرار الكنيسة، كان لا ينطق إلا بمقدار ما يجعله حيا، وظل كما هو، لا يتغير، إلا رقبته التي تشطح في أيام الآحاد وكأنها تريد أن تبوح بالسر المقدس. في هذه الأثناء لا يستطيع «عجيب» السيطرة على نفسه.. يسب ويلعن ولده عايد، خصوصا عندما يتناقل الناس شائعات بأن «عجيب» سرق بطيخة الكنيسة الذهبية وخبأها في مكان مجهول.
ورغم كل هذا الجبروت وهذا الكبرياء الذي يبدو عليه أبطال «جبل الحلب»، فإن تحت هذا الساتر الصلب من المشاعر الجافة يختفي حس إنساني، يراوغ بين الضعف، والرجاء والخوف.. يجمع كل هؤلاء الأبطال، مما يضع القاري أمام إحساس طاغ بالعطف عليهم، والرثاء لهم، وفي سياق من الحكي الممتع تنسجه قصص المجموعة.



أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه
TT

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات، التي شرّحت تصدعات المجتمع البرتغالي، عملاقاً أدبياً في مسقط رأسه وخارجه.

على مدار أكثر من 30 رواية ومجموعة من الكتابات الأخرى، رصد أنتونيس ببراعة خروج البرتغال المتعثر من حقبة الديكتاتورية الخانقة للدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، التي امتدت من عام 1932 إلى 1968، وما تلاها من حروب استعمارية فاشلة في أفريقيا.

غلاف «ذاكرة الفيل»

وسمح له نهجه التجريبي الجريء في صياغة الشكل الروائي بتجاوز هويته ككاتب «صعب المراس» قادم من دولة أوروبية ثانوية غالباً ما يتم التغافل عنها. وكان اسمه حاضراً بقوة في القوائم القصيرة للعديد من النقاد المرشحين لنيل جائزة «نوبل للآداب»، بل رأى البعض أنه كان يستحقها أكثر من مواطنه البرتغالي خوسيه ساراماغو، الذي فاز بها عام 1998، فيما ذكر أصدقاؤه أنه كان يشعر بشيء من المرارة لعدم نيله الجائزة.

وقد حققت روايته «ذاكرة الفيل» الصادرة عام 1979 شهرة واسعة بين عشية وضحاها، وهي رواية تمحورت حول تجاربه كطبيب عسكري في حرب بلاده في أنغولا. أما روايته الصادرة عام 1983 بعنوان «فادو ألكساندرينو»، فقد سردت الاعترافات المؤلمة لأربعة من المحاربين القدامى في حروب البرتغال الاستعمارية، وهي ذات نسيج سردي متماسك بفضل الحيوية المتوقدة لصورها البلاغية الآسرة.

غلاف «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء»

واستخدم أنتونيس تقنيات مماثلة في روايات كبرى أخرى، مثل «دليل المحققين» الصادرة عام 1996، التي ركزت على سيرة وزير وحشي سابق في عهد ديكتاتورية سالازار؛ أما روايته الصادرة عام 2001 بعنوان «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟»، فقد صورت الرحلات الذهنية المضطربة لابن إحدى الشخصيات الاستعراضية في لشبونة.

بيد أن بعض النقاد لم يقتنعوا تماماً بأساليب أنتونيس، فقد كتب دوايت غارنر في صحيفة «نيويورك تايمز» أنه على الرغم من أن أسلوب «تيار الوعي» لدى المؤلف قد يكون «رائعاً» في بعض الأحيان، فإن رواية «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟» كانت تجربة مضنية للغاية، وأضاف: «أفضل خلع أظفر إصبع قدمي بكماشة صدئة على أن أسير عبر صفحاتها الـ585 المرهقة مرة أخرى». كما كتب ناقد آخر في الصحيفة، وهو ريتشارد إيدر، أن لجنة «نوبل» اتخذت القرار الصحيح باختيار السيد ساراماغو وتفضيله على أنتونيس.

غلاف «دليل المحققين»

ومن وجهة نظر أنتونيس، فإن غياب الحبكة الواضحة هو الأقرب للطريقة التي «يعيش» بها الناس حياتهم فعلياً في الواقع. إذ قال لماريا لويزا بلانكو، التي نشرت كتاباً من الحوارات معه عام 2001: «لا أريد من الناس أن (يقرأوا) رواياتي قراءة عابرة فحسب، وإنما أريدهم أن يعايشوها ويتفاعلوا معها، وأن (يُصابوا بها) كما يُصاب المرء بالمرض».

ينتمي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي ولد في لشبونة في الأول من سبتمبر (أيلول) لعام 1942، إلى الفئة البرجوازية العليا في لشبونة، لكن يصف طفولته بأنها كانت «محمية للغاية، وشبه قبلية». والده هو جواو ألفريدو دي فيغيريدو لوبو أنتونيس، طبيب أعصاب وأستاذ جامعي، ووالدته هي ماريا مارغاريدا ماتشادو دي ألميدا ليما. كان أنطونيو الأكبر بين ستة أشقاء، برز عدد منهم كأطباء مرموقين، بينما شغل شقيقه الأصغر «مانويل» منصب سفير البرتغال لدى المملكة المتحدة.

كانت تنشئة أنتونيس تتسم بشيء من المحافظة والتكلف في أوساط النخبة البرجوازية العليا، وكانت مدينته لشبونة، المتلاشية والكئيبة المطلة على البحر، التي قضى فيها حياته كلها، تظهر غالباً كخلفية مهيمنة في أعماله. فقد كتب في رواية «فادو ألكساندرينو»: «في الخارج، في الشارع، كانت أمطار مارس (آذار) المنسابة من الليلة السابقة تترنح منسالة على الواجهات المتهالكة مثل مكياج امرأة عجوز باكية».

وعلى الرغم من ثقافة والديه الواسعة، فإنهما حافظا على مسافة عاطفية من أبنائهما الستة، فقد وصف علاقته بوالدته في مقابلة مع صحيفة «لوموند» عام 2005 بأنها كانت «علاقة رسمية للغاية». كما كان أنطونيو الشاب يخضع لاختبارات أسبوعية حول القراءات المفضلة لوالده. وفي تلك الأثناء، كانت الديكتاتورية السلطوية تخنق المجتمع البرتغالي، علماً بأن والد أنتونيس كان أحد أطباء سالازار الشخصيين، وتقمع أي معارضة تجاه الحروب الاستعمارية البرتغالية.

يقول أنتونيس لمجلة «باريس ريفيو» في عام 2011 (كانون الثاني): «في نشأتي، كان من الطبيعي ألا تملك جواز سفر، وألا تتحدث في السياسة، وألا تستخدم حتى كلمة ديمقراطية. وأتذكر أنني سألت والدي ذات مرة وأنا صبي: ما هي الديمقراطية؟ فأجابني: اصمت وكُل».

ومع تقدمه في العمر، توترت علاقته بوالده، فعندما نشر أنتونيس روايته الأولى، قال له والده: «يمكن للمرء أن يدرك أن هذا عمل مبتدئ». وذكر المؤلف لصحيفة «لوموند»: «بعد ذلك، لم نتحدث عن أعمالي الأدبية مرة أخرى، رغم أنه أخبر أحد إخوتي بعد سنوات طويلة بأنه معجب بي».

وصف أنتونيس الحرب في أنغولا بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يصفّون بلامبالاة المتمردين الأسرى ويغتصبون الأفارقة

بدأ أنتونيس دراسته للطب في جامعة لشبونة عام 1959، وتخرج طبيباً قبل أن يبدأ خدمته العسكرية عام 1970. وفي العام نفسه، تزوج من ماريا خوسيه زافيير دا فونسيكا إي كوستا، وأنجب منها ابنتين: «ماريا» و«جوانا». ثم تزوج لاحقاً من ماريا جواو إسبيريتو سانتو بوستورف سيلفا، وأنجب منها ابنته الثالثة «ماريا إيزابيل». وبعد طلاقه الثاني، تزوج للمرة الثالثة في عام 2010 من كريستينا فيريرا دي ألميدا.

وفي عام 1973، عاد من أنغولا ليمارس الطب النفسي في مستشفى «ميغيل بومباردا» في لشبونة، وكان يكتب رواياته ليلاً. ومنذ البداية، كانت تجربة الحرب في أنغولا، والندوب التي خلفتها في نفسه، هي الدافع المحوري لأغلب أعماله.

كان يصف الحرب في رواياته بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يشهرون مسدساتهم بلا مبالاة لتصفية المتمردين الأسرى، ويغتصبون الأفارقة تحت تهديد السلاح، في مأساة لم تترك وراءها سوى اليأس. أما أطفال الحرب في قصصه، فقد كانوا مشوهين بالقصور العقلي، وعاجزين عن التأقلم مع ما يُفترض أنه حياة عادية بعد عودتهم إلى البرتغال.

يستذكر في حواره مع مجلة «باريس ريفيو» تجربته في أنغولا قائلاً: «كل ما أردته هو العودة حياً. أتذكر أننا كنا نحتفظ بتقاويم ونشطب على كل يوم نبقى فيه على قيد الحياة! لقد تحدثتُ مع أشخاص شاركوا في حرب فيتنام وحرب الجزائر، وفهمتهم تماماً».

وتناولت كتبه الثلاثة الأولى معاناة قدامى المحاربين الذين تطاردهم الأشباح، وظلت الحرب وسمة بادية للغاية ولازمة في كل رواياته اللاحقة. وكان من بين آخر أعماله المنشورة رواية «حتى تصبح الحجارة أخف من الماء» (2016)، التي استكشفت بأسلوب نثري تجريبي الهزات الارتدادية الناجمة عن حرب أنغولا.

وبوصفه كاتباً مارس الطب النفسي، أراد أن تعكس كتاباته تقلبات العقل البشري، إذ أوضح للناقدة رافائيل ريرول في صحيفة «لوموند» عام 2005، أن ما كان يحاول فعله هو «وضع نفسي في حالة قريبة من الحلم، حتى تخُفف من قسوة الرقابة الداخلية المعتملة في ذهني».

وأوضح أن تلك «الرقابة» هي التي «تحول بيننا وبين التفكير بطريقة غير ديكارتية»، مُبيّنا إيمانه بعدم خطية الإدراك البشري. وكتب الكاتب الفرنسي هادي قدور في صحيفة «لوموند» أن التخلص من هذه القيود سمح لأنتونيس بـ«إدراك العالم على حاله، قبل أن ننسقه وفق فئاتنا الاجتماعية كي ندركه»، مقارناً إياه بمارسيل بروست وفيرجينيا وولف.

وفي معرض تلخيصه لمفهومه عن الرواية، قال أنتونيس بأنها: «هذيان مُنظم».

* خدمة «نيويورك تايمز»


يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان
TT

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

عن دار «منشورات الربيع» بالقاهرة صدرت رواية «المساكنة الملعونة» للكاتبة السورية سوسن جميل حسن، وهي نص لفت الأنظار مؤخراً بسبب موضوعه المختلف الذي يختلط فيه جمال الإبداع بقسوة المحتوى؛ إذ تتناول المؤلفة تجربتها الشخصية مع مرض سرطان المخ الذي داهمها العام الماضي على نحو مفاجئ، حين كشفت الفحوصات عن ورم بحجم كبير وفي مرحلة متأخرة.

خضعت الكاتبة التي تقيم بالعاصمة الألمانية برلين إلى أكثر من جراحة عاجلة لإزالة الورم، لكنها سرعان ما أمسكت بجهاز «اللابتوب» وهي على الفراش لتبدأ في طرح تأملات وانفعالات في الموت والحياة عبر نص ينتمي إلى أدب السيرة الذاتية وكتابة اليوميات، على نحو يفيض عذوبة وشجناً بكلمات شديدة الصدق والواقعية.

ما زاد من عمق التجربة أن سوسن هي بالأصل طبيبة، وسبق أن عملت لسنوات طويلة ضمن منظومة وزارة الصحة السورية، تخصص أمراض الباطنة، قبل أن تغادر البلاد إلى ألمانيا بعد حماسها لأحداث ثورة 2011 وتعاطفها مع المتظاهرين عبر مقالات صحافية دأبت على نشرها بانتظام. وتستهل المؤلفة عملها بإهداء لافت إلى أفراد من عائلتها تقول فيه: «إلى ميسون، محمد، لمى، سليم، ريم، لين، لارا، لولا فيض محبتكم التي غمرت روحي ما استطعت الصمود، أحبّكم».

تقول المؤلفة في السطور الأولى من الرواية: «ها أنا في اليوم السادس والسبعين بعد لحظة الحقيقة. كانت تلك اللحظة في السابع والعشرين من آذار/ مارس 2025، يوم رأيت الموت للمرة الأولى في حياتي».

وتضيف: «لم أكن أشعر فيما مضى أن الموت قريب إلى هذا الحد، لكن الواقع قدّم لي الدليل الدامغ: الموت جزء من الحياة، هكذا كان عقلي يرسمه، وأدّعي فلسفة أُقنِع نفسي بها، لكنه عندما حضر وواجهني هازئاً بي، لم تنجدني الفلسفة، ولا ادعاءاتي السابقة كلها».

تكشف الرواية مشاعر البطلة وهي تكتشف إصابتها بسرطان الرئة مع انتقالات إلى الدماغ، وكيف أن تصنيفها من حيث مرحلة المرض هو المرحلة الرابعة، وعندما سألت طبيب الأورام عن العمر المقدر أن تعيشه، قال بكل وضوح إن ربع المرضى مثلها فقط يعيشون لخمس سنوات، فتتساءل: «خمس سنوات؟ وأحلامي؟ ومشاريعي؟ والروايات التي عزمت على تأليفها؟». وتروي المؤلفة كيف كانت مضطربة وتشعر برهبة من دخولها هذا النفق، المسمى بجهاز الرنين المغناطيسي؛ فهي التجربة الأولى لها على الرغم من معرفتها المسبقة به، والتطورات التي وقعت عليه منذ استخدامه لأول مرة في تصوير كامل الجسم عام 1977، لكنها بقيت مضطربة وخائفة. ومن دون محاكمات عقلية حينها وإنما بخيارات عاطفية، قرّرت أن تلجم خوفها، وأن تظهر بصورة المرأة ليست القوية فحسب، بل الجبارة.

كان هذا القناع الذي لبسته منذ أكثر من ثلاثة عقود، عندما تُوفِّي زوجها ووالد ابنتها وابنها، مخلفاً وراءه تركة ثقيلة من الديون والقضايا، حين كانت صبية لم تكمِل 34 سنة، وكان التحدي كبيراً، ولا بد من إظهار القوة عند امرأة «أرملة» في مجتمع ذكوري يعُدّ المرأة «غير المحروسة بذَكَر» جسراً يمكن المرور فوقه من دون إذن، وفق تعبير النص.

وُلدت سوسن جميل حسن في مدينة اللاذقية عام 1957، ودرست الطب البشري في جامعة «تشرين»، وعملت في المشافي التابعة لوزارة الصحة، وتولت مناصب إدارية طبية. صدرت روايتها الأولى «حرير الظلام» في 2009، ثم توالت أعمالها تباعاً: «ألف ليلة في ليلة»، و«النباشون»، و«قميص الليل»، و«خانات الريح»، و«وارثة المفاتيح»، فضلاً عن «اسمي زيزفون» التي وصلت إلى القائمة الطويلة في الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر».


أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية
TT

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

في أكتوبر (تشرين الأول) 1849 غادر مكسيم دو كامب البالغ من العمر 27 عاماً، وهو صحافي طموح ذو آمال عريضة، مدينة باريس لتصوير مواقع متنوعة عبر شرق البحر المتوسط. وبعد أن شُجِّع رسمياً على استغلال «الدقة التي لا تقبل الجدل» في التصوير الفوتوغرافي الناهض كفن حديث آنذاك، عاد إلى فرنسا بعد عام ونصف العام ومعه أكثر من 200 صورة، اختير منها 125 صورة لتشكل مادة لكتابه «مصر والنوبة وفلسطين وسوريا»، وهو أول كتاب مصور فوتوغرافياً يُنشر في فرنسا.

يتخذ الباحث والمؤرخ في شئون العمارة والفنون التراثية دكتور خالد عزب من تلك الواقعة مدخلاً لكتابه «الشرق بعيون الكاميرا الأولى - أقدم الصور الفوتوغرافية لمصر والشام» الصادر أخيراً عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة والذي يرصد تجارب الرحلات الأولى التي قام بها صحافيون ومغامرون ومستشرقون أخذوا على عاتقهم الاستفادة من نشأة الفوتوغرافيا كأداة لتسجيل وتوثيق ونقل عالم الشرق إلى مواطنيهم وقرائهم في الغرب عبر الكتب والصحف على حد سواء.

قضى مكسيم عشرة أيام في الإسكندرية، ثم ذهب إلى مدينة رشيد واستقل قارباً للقاهرة، حيث مكث من نوفمبر (تشرين الثاني) 1849 حتى فبراير (شباط) 1850 وزار حي «المطرية» والأهرامات، ثم عرج على الصعيد والتقط صوراً لمحافظة بني سويف، حتى وصل إلى معبد «أبوسمبل» وتجول بين أعمدته الشاهقة وكالعادة سجَّل ملاحظاته بكل دقة وفق منهج واضح في الكتابة والتحليل.

أشادت آراء نقدية في الصحف الفرنسية بأعماله المصورة ورأت فيها «معياراً جمالياً للتصوير الوثائقي»، حيث تُقدَّم مطبوعاته الورقية بدرجات ألوان باردة متدرجة، وصفها أحد النقاد بأنها «رمادية زاهية»، كما تتمتع هذه الأعمال بـ«بنطاق مدهش من الألوان الدافئة والعمل اليدوي والتوهج الذي يذكرنا بأصلها المتوسطي». وعلى الرغم من تركيز الكتاب على المعالم الأثرية والأطلال القديمة، فإنه يقدم أيضاً دليلاً على الحضارة الحديثة التي نشأت في العمارة ومشاريع الري والهندسة.

ويتطرق خالد عزب كذلك إلى دي برانجي ورحلته إلى الشرق، معتبراً أننا هنا أمام واحدة من أفضل مجموعات الصور التي التُقطت لمصر والشام في الحقبة الأولى لانتشار التصوير الفوتوغرافي.

ولد جوزيف جيرالد دي برانجي بفرنسا في 2 أكتوبر 1804 لعائلة ثرية وظل طفلاً وحيداً بعد وفاة إخوته، درس الرسم وواصل دراسته في باريس حيث حصل في عام 1828 على دبلوم في الفنون، وكان لديه اهتمام بدراسة الآثار، كما كان له دور مميز في الحفاظ على تراث فرنسا، لكن طغى عليه اهتمامه بالثقافة الإسلامية بشكل خاص، فضلاً عن الهندسة المعمارية والبستنة.

كانت له رحلات عديدة إلى الخارج فزار في الفترة من 1831 إلى 1834 كلاً من إيطاليا والجزائر وإسبانيا وصقلية وسويسرا حيث قدم خلالها رسومات للآثار والمناظر الطبيعية. بعد إقامة دي برانجي في روما، ذهب إلى اليونان ثم القاهرة والإسكندرية، فضلاً عن القدس وبعلبك ودمشق وحلب.

بالنسبة إليه، كانت الصور الفوتوغرافية مجرد أداة في خدمة الرسم ووفرت له نسخاً دقيقة للآثار لتبرز التفاصيل المعمارية الدقيقة، حيث قام بتصنيف لقطاته التي لا تعد ولا تحصى بعناية، وكتب على ظهرها التواريخ والأماكن التي التقطها فيها لكنه لم يفكر في عرضها على الفور، لتنشر فيما بعد تباعاً.