الرفاعي: أدب الطفل العربي لا يزال يدور في خانة الصياد والحمار

أصدر مجموعة موجهة للأطفال وأطلق جائزة للقصة القصيرة

طالب الرفاعي
طالب الرفاعي
TT

الرفاعي: أدب الطفل العربي لا يزال يدور في خانة الصياد والحمار

طالب الرفاعي
طالب الرفاعي

بعد سنوات من الأعمال السردية والروائية المتميزة غالبا، يتجه الروائي الكويتي طالب الرفاعي إلى عالم الطفل، عبر مجموعة جديدة موجهة للأطفال تحمل اسم «نوّير»، يريد من خلالها «أن يخاطب هذا العالم الصغير بلغة وسطى، وثقافة تمزج بين الأصالة والحداثة، بين التراث الذي يلهم خيال الأطفال، والتصالح مع المستقبل بما يحمله من تطور تقني وعلمي».
طالب الرفاعي كان في جناح داخل معرض أبوظبي الدولي للكتاب ليدشن مشروعا موجها للطفل. وكان قد أطلق قبل أشهر أحدث مبادراته من خلال الملتقى الثقافي الكويتي الذي يديره وبالتعاون من الجامعة الأميركية بالكويت، وهي: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية»، جائزة سنوية للقصة القصيرة العربية بقيمة 20 ألف دولار، وهي أول جائزة للسرد في المنطقة.
خلال تدشينه مجموعته الموجهة للطفل: «نوّير»، في معرض أبوظبي الدولي للكتاب، التقت «الشرق الأوسط» بالروائي الكويتي طالب الرفاعي، وحاورته عن تجربته الجديدة.
‎> حدثنا عن تجربتك الجديدة في الكتابة للطفل، ما الذي حفزك للتوجه للطفل؟
- منذ سنوات وأنا أفكر في الكتابة للطفل، فالكثير مما يقدم للطفل العربي معاد، لم يعد مواكبا لنبض العصر وروحه، ولم يعد قادرا على مجاراة ما تقدمه دور النشر والمكتبات الأجنبية من مادة فكرية ثقافية علمية عصرية ومشوّقة ومغرية تتناسب ومخيلة وذكاء طفل يولد في القرن الواحد والعشرين، بينما أجهزة التقنية التكنولوجية تحيط به من كل جهة.
ما حفّزني حقيقة هو رغبتي في أن أقدم نصا، حكاية للطفل العربي، يقول شيئا عن عوالم اللحظة الراهنة، ويؤكد قيما إنسانية مهمة، وأخيرا يتنبه لخصوصية الطفل العربي، ويعامله بما يستحق من تفهّمٍ واهتمام واحترام. وهذا ما تحمله قصة «نوّير» الصادرة مؤخرا عن دار «كلمات»، الدار الرائدة في أدب الطفل في إمارة الشارقة، في الإمارات العربية المتحدة.
> ما الإضافة التي يحملها روائي بقامة طالب الرفاعي حين يكتب للطفل؟
- تقدير الإضافة متروك للقراء وليس لي أنا؛ القراء أطفالا وناشئة وكبارا. لكن، فيما يخصني فلقد سعيت ما أمكنني إلى تقديم نص يحتوي على الحكاية والتسلية أولا، ويحمل في طياته إشارات إنسانية واضحة لموقف الطفل من البيت والأسرة والأصدقاء والوطن.
> ما الذي يستوقفك في النوعية الأدبية والمعرفية لأدب الطفل في المكتبة العربية؟
- ما يستوقفني في كتب الأطفال هي تلك الكتب التي تحاكي مخيلة الطفل، الكتب التي تتعامل مع الطفل بوصفه كائنا إنسانيا واعيا ومتفاعلا مع ما يقرأ، وليس متلقيا سلبيا يكتفي بالمرور على الحكاية. ما يستوقفني في كتب الأطفال هو ما نشاهده في الغرب من كتب تفاعلية بمادتها الحكائية وبصناعتها، وبما يجعل الطفل يقدِم عليها فرحا متشوقا للدخول في عوالمها الساحرة. وأخيرا ما يستوقفني في كتب الأطفال هو أن الآخر، في شتى بقاع الأرض، استطاع أن يحفظ ويؤكد على حكايا تراثه، وينتقل بها من جيل إلى جيل، إلا نحن في الوطن العربي، فإننا، وللأسف، لم نقدم شيئا علميا منهجيا يذكر لحفظ التراث العربي، أو في الحد الأدنى، يوثّق لكل قطر من أقطار الوطن العربي خصوصيته في شكل قصص للأطفال والناشئة وبشكل إنساني يحترم مخيلة وذكاء وولع الطفل.
> ما التقنية الفنية التي ميّزت «نوير»؟
- كي أقدم شكلا جديدا على قصص الأطفال والناشئة العربية، فلقد استخدمت صيغة ضمير المخاطب، وهي صيغة كتابة نادرة الاستخدام في قصص الأطفال في عالمنا العربي. حيث يقوم المؤلف بمخاطبة بطل أو بطلة قصته قائلا؛ «أنتَ، أو أنتِ»، وهو في الآن نفسه وفي مستوى ثان للتلقي إنما يخاطب الطفل القارئ. وبذا يشعر الطفل بأنه المعني بالقصة وأنه بطلها.. قد تبدو صيغة الكتابة صادمة في أسطرها الأولى، لكن القارئ سرعان ما يجد نفسه وقد فهم واندمج فيما يقرأ. كما أنني حاولت جاهدا أن أقدم نموذجا لطفلة خليجية عربية ذكية ومتعاطفة مع من حولها في عالمها الخاص من جهة، ومتسائلة عما يدور حولها من جهة ثانية. نوّير طفلة خليجية عربية مزروعة في بيئتها وبيتها ومتواصلة مع كل ما يحيط بها.
> «نوّير»، هل هي استلهام للتراث الكويتي الخليجي؟ وهل ترى دورا للتراث في إثراء خيال الطفل؟
- قصة «نوّير» تحاول المواءمة بين التراث والحداثة. التراث الخليجي واللحظة الراهنة. القصة تقدم حالة قائمة في المجتمعات الخليجية بشكل خاص وملحوظ. حيث انتقال أسرة من بيت قديم إلى بيت عصري جديد. الانتقال من بيئة حميمة إلى بيئة جديدة قد تكون متوحشة. ولذا؛ تأتي أسئلة كثيرة على ذهن بطلة القصة «نوّير»؛ بداية كيف يترك الإنسان بيته؟ وكيف تترك هي أصدقاء غرفتها؟ وكيف تتخلى عن شجرة بيتهم وعصافيرها التي يحاكونها في كل زغزغة؟ ومن سيحل محل صديقتها الأقرب ابنة الجيران؟ وكيف تهجر مدرستها ومدرساتها؟ وأخيرا أين موقع الكتاب والكتب في حياة طفلة عربية، تعيش في عالم ملون وراكض؟ أسئلة كثيرة تحاول قصة «نوّير» الإجابة عنها، وبمساعدة رسومات ناطقة بريشة الفنان المبدع فادي فاضل.
> كيف تفسر فقر المكتبة العربية لهذا النوع من الأدب؟
- فقر المكتبة العربية كبير، وكبير جدا فيما يخص كتب الأطفال العصرية، كتب الأطفال التي تليق بطفل عربي منكشف على تقنيات ثورة المعلومات وأجهزة الكومبيوتر والتلفون الذكي. للأسف، ما زالت المكتبة العربية لأدب الطفل، تدور في خانة الصياد والحمار والحمامة والديك والقرية، وهذه الأشياء على أهميتها ما عادت تمثل الواقع الحياتي الراهن. كما أنها تُقدم للطفل بطريقة بائسة محمولة على الوعظ والإرشاد. تجارة الكتاب في العالم العربي بأسره هي تجارة رابحة إلى حدٍ ما، وهذا ما يفسر إقبال الناشر والقارئ على معارض الكتب العربية، ولكن في الآن نفسه فإن الكاتب والناشر العربي المتخصص بأدب الطفل ليس لهما وجود ملحوظ. وتبدو الدلالة واضحة وصارخة بعدم وجود كاتب عربي متخصص في أدب الطفل ومعروف بذلك.

جائزة القصة القصيرة

> أطلقتم من خلال الملتقى الثقافي الذي تديره، وبالتعاون مع الجامعة الأميركية في الكويت «جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية» في أواخر السنة الماضية، فما الهدف من إطلاق جائزة عربية جديدة من الكويت؟ وماذا تراها تضيف إلى مشهد الجوائز العربية؟
- نعم، جاء الإعلان عن جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية في نهاية العام الماضي. ولقد كان بمبادرة شخصية مني بصفتي عاشقا لفن القصة القصيرة، وبالتعاون مع الجامعة الأميركية في الكويت. فكما تعلمون، فإن معظم الجوائز العربية تذهب لجنس الرواية، مما كرس هذا الجنس، وجعل الجميع؛ الكاتب والناشر والجمهور يلهثون خلفه، ولقد جاء ذلك على حساب باقي الأجناس الأدبية وعلى رأسها القصة القصيرة والشعر.
جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، هي جائزة كويتية جاءت لتُعلي من شأن فن القصة القصيرة الجميل والآسر. هي جائزة برزت لتعيد شيئا من الروح والاهتمام لفن يكتبه المئات من الكتاب العرب، وليس أصدق من أن المترشحين للدورة الأولى وصل إلى قرابة 200 مجموعة قصصية، وتحديدا 198 مجموعة، وبما فاق توقعنا بكثير، وأوضح تعطش الساحة الإبداعية العربية لجائزة رصينة للقصة العربية.
‎جائزة الملتقى هي مشاركة كويتية في ساحة الجوائز العربية، وهي تقدم للقاص الفائز مبلغ عشرين ألف دولار أميركي، كما وتحمل ترجمة مجموعته القصصية إلى اللغة الإنجليزية وربما لغات أخرى، وهي في آخر المطاف جائزة تذهب لكاتب عربي يحاكي الواقع بطريقة إبداعية معاصرة وبرؤية إنسانية واضحة. كما أن الجائزة في سابقة واضحة في آلية التعامل مع المترشحين قد أعلنت أسماء السادة أعضاء لجنة التحكيم لحظة إغلاق باب الترشيح ومع بيان أعداد المتقدمين للدورة الأولى، وبما يعني الشفافية تجاه الجائزة والكاتب وجمهور القراءة. ولقد تكونت لجنة الجائزة لهذا العام من السادة؛ أحمد المديني رئيسا، وعضوية كل من: عزت القمحاوي، ودكتورة فاديا الفقير، وسالمة صالح، ودكتور علي العنزي. هذا، وسيتم الإعلان عن القائمة الطويلة (10) مجاميع في بداية شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وعن القائمة القصيرة (5) مجاميع في بداية شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، وأخيرا سيعلن الفائز للدورة الأولى في بداية شهر ديسمبر (كانون الأول)، وسيكون ذلك في احتفال كبير يقام في الكويت.

سيرة أدبية

بدأ طالب الرفاعي، الكتابة الأدبية منذ منتصف السبعينات، أثناء دراسته الجامعية، وأصدر منذ ذلك الوقت الكثير من الأعمال الروائية والسردية، بينها: «أبو عجاج طال عمرك» دار الآداب، بيروت 1992، «أغمض روحي عليك» دار الآداب، بيروت 1995، «مرآة الغبش» دار المدى، دمشق 1997، «ظل الشمس» دار شرقيات، القاهرة 1998، «حكايا رملية»، دار المدى، دمشق 1999. كما صدرت له دراسة بعنوان «البصير والتنوير» دار قرطاس، الكويت 2000، «الثوب»، ومسرحية «عرس النار» دار المدى، دمشق 2001، و«رائحة البحر» دار المدى، دمشق 2002، التي حازت جائزة الدولة في الآداب. وله كتاب «المسرح في الكويت.. رؤية تاريخية» الكويت 2002. وكان آخر أعماله الروائية، رواية «في الهنا».



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي