جانيت يلين.. المرأة التي ينتظرها الاقتصاد العالمي

المرشحة لرئاسة الاتحادي الفيدرالي ستتربع على أحد أهم مناصب الولايات المتحدة

جانيت يلين.. المرأة التي ينتظرها الاقتصاد العالمي
TT

جانيت يلين.. المرأة التي ينتظرها الاقتصاد العالمي

جانيت يلين.. المرأة التي ينتظرها الاقتصاد العالمي

جانيت يلين، امرأة بقيت لعقود بعيدة عن الأنظار، لكنها باتت اليوم على وشك أن تصبح من أقوى نساء العالم والأكثر نفوذا في صياغة السياسات الاقتصادية داخل أميركا وفي كل أنحاء العالم.
فقد جاء ترشيح الرئيس الأميركي باراك أوباما ليلين لتولي رئاسة بنك الاتحادي الفيدرالي ليدفع بها إلى أعلى مراتب القوة الاقتصادية، ويجعلها بين أقوى نساء العالم، لتتصدر قائمة النساء الأكثر نفوذا في العالم، ولتصبح قوتها أكبر من شخصيات مهمة في الوقت الحاضر، مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ووزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون ومديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد وديلما روسيف رئيسة البرازيل، صاحبة سادس أكبر اقتصاد في العالم.
وعند مصادقة الكونغرس على ترشيحها، ستصبح يلين أول امرأة تتولى قيادة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في التاريخ. ومنصب رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي هو منصب كبير التأثير في السياسات الاقتصادية، وسوف تقود يلين عمليات صياغة السياسات حول أسعار الفائدة وفي تنظيم الأداء المصرفي والتعامل مع الأزمات المالية. والأهم من ذلك أنها ستكون مسؤولة عن التواصل بين بنك الاتحادي الفيدرالي وتحركات الأسواق العالمية، بمعنى أن كل قرار تتخذه ستكون له أصداء في كل أنحاء العالم.
ورغم الملل الذي يشوب عمل بنك الاتحادي الفيدرالي (الذي تأسس في عام 1913) فإن عمله الأساسي هو التأكد من أن الاقتصاد الأميركي يبقى في مرحلة معتدلة، من دون أن ينمو بشكل سريع للغاية أو بطيء للغاية، بل يسير بشكل معتدل للحفاظ على أهم معدلين، وهما معدلات التضخم ومعدلات البطالة. ويرفع بنك الاتحادي الفيدرالي معدلات الفائدة عندما يشعر بأن معدلات النمو مرتفعة للغاية، ويخفض أسعار الفائدة عندما يرى أن معدلات النمو منخفضة للغاية. ويفعل ذلك من خلال التحكم في حجم الأموال الموجودة في الاقتصاد. وقرارات الاحتياطي الفيدرالي حول سعر الفائدة لا تؤثر فقط على الاقتصاد الأميركي، بل تؤثر قراراته على الاقتصاد العالمي، كون الدولار هو عملة الاحتياطي في العالم. وقد ربطت العديد من الأسواق النائية نفسها واقتصادها بالدولار، ولهذا السبب يطلق خبراء الاقتصاد على بنك الاحتياطي الفيدرالي لقب «القوة العظمى النقدية».
وستملك تلك السيدة القصيرة ذات الشعر الأبيض الفضي، عند توليها هذا المنصب، سلطات واسعة، فالقرارات التي يتخذها بنك الاحتياطي الفيدرالي لا تخضع لإشراف وموافقة أي شخص داخل السلطة التنفيذية. ويذكر أن الرئيس أوباما يملك سلطة ترشيح رئيس بنك الاحتياطي لكنه لا يملك سلطة مراجعة قراراته.
ويقود بنك الاتحادي الفيدرالي عملياته الخاصة للحصول على التمويل، ولا يطلب أموالا من الكونغرس لذا لا يخضع للقيود المعتادة لعمليات الاعتمادات المالية التي تقرها الكونغرس. ورئيس بنك الاتحادي الفيدرالي هو أيضا رئيس لجنة السوق المفتوحة الاتحادية (FOMC) وهو المفتاح الرئيس لصياغة السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. ونظريا يملك رئيس بنك الاتحادي صوته فقط، لكنه واقعيا يملك كل مفاتيح التأثير في تحديد السياسة النقدية في أكبر اقتصاد في العالم.
ويتحكم بنك الاتحادي الفيدرالي في ضخ الأموال في أكبر اقتصاد في العالم. وخلال الأزمات المالية يتحرك بنك الفيدرالي الأميركي مثل رجل الإطفاء لإطفاء حرائق النظام المالي. ولذلك اكتسب صلاحيات واسعة منذ مرحلة الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي.
باختصار كان ينظر إلى رئيس بنك الاتحادي الفيدرالي السابق آلان غرينسبان بأنه الشخص الثاني الأكثر نفوذا في واشنطن عندما كان يشغل مقاليد المنصب، والآن فإن مقاليد منصب رئيس بنك الاتحادي في يد امرأة.
وقد جاء اختيار الرئيس أوباما ليلين (67 سنة) الأسبوع الماضي في أعقاب عملية اختيار صعبة، فقد كان خياره الأول هو وزير الخزانة السابق لورنس سمرز، لكن هذا الخيار واجه معارضة شديدة من الديمقراطيين. وتحظى يلين بدعم قوي من الحزب الديمقراطي الذي انتقد اتجاه أوباما لترشيح سمرز المقرب من وول ستريت لاعتراضهم على سياساته غير القوية في مجال تنظيم العمل المصرفي.
وشنت صحيفة «نيويورك تايمز» المؤثرة انتقادات حادة ضد فكرة ترشيح سمرز لقيادة بنك الاتحادي الفيدرالي، فيما وجدت يلين دعما واستحسانا من عدد كبير من السياسيين والاقتصاديين ومن وسائل الإعلام. وقد قالت عنها صحيفة «وول ستريت جورنال» إنها المسؤول الأطول خدمة في بنك الاتحادي الفيدرالي بعد أن عملت لأكثر من أربعة عقود. وقالت الصحيفة إن يلين كانت من أكثر الذين تنبؤا بدقة في لجنة الأسواق المفتوحة على وضع بنك الاتحادي الفيدرالي، ونبهت إلى فقاعة أزمة الرهون العقارية في عام 2005.
واعتبر ترشيح يلين الأفضل خيارا بالنسبة لأوباما باعتبارها نائبة الرئيس الحالي لبنك الاحتياطي الفيدرالي بن برنانكي والقريبة في أفكارها وسياساتها منه. وأشاروا إلى أنها ستواجه معارضة أقل في مجلس الشيوخ الذي يتعين أن يوافق على ترشيحها للمنصب.
ويقول المحللون إن تولي يلين لهذا المنصب سيكون خطوة رمزية مهمة، وسيساعد في تحفيز الأجيال الشابة من النساء في اقتحام مزيد من المجالات والفوز بالمناصب العليا في مجالات المال والاقتصاد، خاصة عند المقارنة مع لجنة السياسات النقدية في بريطانيا التي لا توجد بها أي امرأة، أو في مجلس البنك المركزي الأوروبي. وقد أعلن البنك المركزي الأوروبي خطة لضمان تشجيع النساء لتولي واحد من أعلى ثلاثة مناصب في البنك بحلول نهاية العقد الحالي.
وتنتهي فترة رئاسة بن برنانكي لبنك الاتحادي الفيدرالي في 31 يناير (كانون الثاني) المقبل، وسيكون على اللجنة المصرفية بمجلس الشيوخ تقرير موقفها من ترشيح جانيت يلين قبل هذا التاريخ. ويؤكد المحللون أن يلين لا تواجه عقبات في الفوز بموافقة الكونغرس على ترشيحها خاصة أن أي معارضة من الجمهوريين لترشيحها ستكون مخاطرة كبيرة في ظهور الحزب بمظهر المعارض لأي إجراءات وظهوره بأنه ضد مبدأ تولي امرأة للمنصب.
ويأتي ترشيح يلين في وقت يزداد فيه القلق مع استمرار الحكومة الفيدرالية والجدل السياسي الدائر بين إدارة أوباما والكونغرس حول رفع سقف الديون، مما أثر على الأسواق المالية وأدى إلى تراجعها. وفور إعلان ترشيح أوباما ليلين سادت الأسواق أجواء إيجابية، وتفاءلت الأسواق بهذا الاختيار. كما خرجت تصريحات مؤيدة من داخل الكونغرس، فقال رئيس اللجنة المصرفية بمجلس الشيوخ السيناتور الديمقراطي تيم جونسون «أنا اثني على اختيار الرئيس أوباما لجانيت يلين لتولى رئاسة بنك الاحتياطي الفيدرالي»، مضيفا «إنها لها عمق تجربه لا يعلى عليه، وليس لديّ أي شك في أنها ستقوم بعمل ممتاز». كما أشاد عدد من الديمقراطيين الليبراليين باختيارها، وقال السيناتور الديمقراطي شيرود براون «هذه لحظة تاريخية في مجلس الاحتياطي الفيدرالي وللنساء في كل العالم، وبالنسبة للذين يهتمون بخلق فرص عمل، وسوف تعمل يلين على منع الأزمات المالية وتخطط لتعزيز السوق وتعطي خطط خلق فرص عمل أقصى قدر من الاهتمام».
وينظر لجانيت يلين باعتبارها إحدى حمائم السياسات النقدية الأميركية، وتهتم أكثر بمخاطر ارتفاع معدلات البطالة أكثر من تفشي التضخم، وهو ما يعنى أنها ستكون أكثر شراسة من بن برنانكي في صنع سياسات من شأنها أن تحقق أقصى درجة من خلق فرص عمل في الولايات المتحدة، وأنها على استعداد لتحمل ارتفاع في الأسعار من أجل معالجة مشكلة البطالة. فيما يطالب العديد من المحافظين وصقور السياسة الأميركية بالسيطرة على التضخم والحفاظ على الأسعار منخفضة ليكون ذلك هو أولوية بنك الاتحادي الفيدرالي. ويتوقع البعض أنها ستميل إلى إبقاء سعر الفائدة منخفضة وستحافظ على تنفيذ السياسات الحالية المتعلقة بشراء الأصول لفترة طويلة من الزمن حتى تنخفض معدلات البطالة إلى أقل من مستواها الحالي المقدر بنحو 7.3 في المائة.
وقد أشار بنك الاحتياطي الفيدرالي برئاسة برنانكي مؤخرا إلى نيته التراجع عن شراء الأصول في خريف هذا العام، لكن علق تلك الخطط بعد الأزمة السياسية في واشنطن بين الإدارة والكونغرس، مع إشارات توضح أن الاقتصاد الأميركي لا ينمو حتى الآن بقوة كما كان بنك الاحتياطي يأمل.
وإذا حظيت يلين بموافقة الكونغرس على ترشيحها فإن مهمتها ستركز على توجيه بنك الاحتياطي ليخرج من برنامجه الاستثنائي لشراء الأصول والعمل على طمأنة المستثمرين في سوق الأوراق المالية بأن برامج التحفيز ستستمر على الأقل لبعض الوقت، وأن المعدلات الحالية ستستمر لعدة سنوات.
لكن الضجة واحتفاء الأسواق بأخبار ترشيح يلين لم يمنعا خروج كثير من الاعتراضات من جانب الجمهوريين في مجلس الشيوخ ضد ترشيحها للمنصب بسبب دعمها برنامج تحفيز ضخما قام من خلاله بنك الاحتياطي الفيدرالي بشراء مئات المليارات من سندات الخزانة وسندات الرهن العقاري في محاولة لإبقاء أسعار الفائدة منخفضة وتعزيز الاقتصاد. ويعتقد كثير من الجمهوريين أن هذا الإجراء أدى إلى رفع معدلات التضخم، وأن بنك الاتحادي الفيدرالي استحوذ على سلطة التخطيط المالي الذي يجب أن يبقي في يد الكونغرس.
وقد أطلقت مجموعة من المحافظين حملة لوقف موافقة الكونغرس على تولي يلين منصب الرئيس القادم لبنك الاتحادي الفيدرالي، بحجة أن سياساتها في التوسع في السياسات النقدية المتساهلة من شأنها أن تتسبب في ارتفاع كبير في الأسعار، وأنشأت موقعا على الإنترنت تدعو فيه الأميركيين للاعتراض على ترشيح يلين.
وأشار السيناتور الجمهوري بوب كروكر إلى أنه عارض في السابق ترشيح يلين لتولي منصب نائب رئيس بنك الاتحادي الفيدرالي في عام 2010 بسبب آرائها حول السياسة النقدية، وأنه سينظر بتشكك حول ترشيحها لمنصب رئيس بنك الاتحادي. وقال «سندرس عن كثب سجلها منذ ذلك الوقت، لكني لست على علم بأي شيء يشير إلى تغير وجهات نظرها».
وتعتبر يلين جزءا من ثنائي اقتصادي أميركي مرموق، فقد حصل زوجها جورج اكيرلوف على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001، كما حصل على منح من مؤسسات دولية مثل غوغنهايم وفولبرايت والأكاديمية الأميركية للعلوم والفنون. ويقال إنها تعرفت على زوجها ووقعت في غرامه خلال محادثاتهما الاقتصادية عندما تزاملا في العمل في بنك الاتحادي الفيدرالي. وكشفت وكالة «بلومبيرغ» أن يلين وزوجها يملكان ثروة تتراوح ما بين 3.4 مليون و7.4 مليون دولار من الأصول.
وقد حصلت يلين على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد بامتياز من جامعة براون عام 1967، وحصلت على درجة الدكتوراه من جامعة ييل المرموقة عام 1971 وعلى درجة الأستاذية من جامعة كاليفورنيا عام 1985. كما أنها حصلت على درجة الدكتوراه الفخرية في القانون من جامعة براون عام 1998 والدكتوراه الفخرية في الآداب الإنسانية من كلية بارد عام 200. ولها كتابات كثيرة في قضايا الاقتصاد الكلي والآثار المترتبة على البطالة.
ويذكر أن يلين من مواليد 13 أغسطس (آب) 1946، وتربت في بروكلين بمدينة نيويورك، وهي ابنة يوليوس يلين، الطبيب اليهودي ودرست في مدرسة لندن للاقتصاد المرموقة في لندن. وقد عملت أستاذة مساعدة في جامعة هارفارد بين عامي 1971 و1976 ثم التحقت ببنك الاحتياطي الفيدرالي كخبيرة اقتصادية.
وقد تقلدت جانيت يلين منصب الرئيس التنفيذي لبنك الاحتياطي الفيدرالي بسان فرانسيسكو بين عامي 2004 و2010، وكانت عضوا بمجلس الاستشاريين الاقتصاديين للرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون بين عامي 1997 و1999، وعضو مجلس إدارة المحافظين ببنك الاتحادي الفيدرالي. وهي متزوجة ولديها ابن وحيد هو روبرت اكيرلوف الذي يعمل أستاذا جامعيا.
ورغم ازدحام برنامجها في العمل، لدى يلين هوايات عدة مثل القراءة والطبخ وممارسة رياضة المشي ولعب التنس مع زوجها. وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن يلين أثناء دراستها في المدرسة الثانوية في بروكلين كانت تحب السفر والذهاب إلى المسرح والعزف على البيانو، إضافة إلى هوايتها في جمع الطوابع، وهي هواية تقول إنها ورثتها من والدتها.



واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
TT

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين مختلفة عن الحملة السابقة التي بدأت يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. لم يعد النقاش محصوراً في مصير البرنامج النووي أو حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك الوقت فعلاً، ومن يستطيع تحويله إلى ورقة ضغط؟ وهنا يقول محللون إن إيران تراهن على أن إطالة الأزمة، وتعطيل مضيق هرمز، وتوسيع الألم الاقتصادي العالمي، والتعويل على الصين وروسيا و«بريكس»، عوامل قد تدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تليين شروطه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع قوة وجغرافيا وعلاقات دولية لا تبدو في مصلحة طهران. فإيران التي تتكلّم عن «مكسب استراتيجي» في هرمز، وعن إدارة جديدة للممر البحري، تعاني عزلة إقليمية ودولية عميقة. وظهر هذا لا في تعاملها العدواني مع دول الخليج فحسب، بل أيضاً في «الصمت الدولي» الذي لم يتحوّل إلى موجة غضب واسعة ضد الولايات المتحدة، في حربها على ما يعدّه كثيرون في الغرب والمنطقة «نظاماً مارقاً» وداعماً للإرهاب والتطرّف والقلاقل.

لدى التمعّن في الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ينبغي القول إنه لا يكفي أن تمتلك طهران أدوات تعطيل مؤلمة كي تصبح صاحبة اليد العليا. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وتحمّل الكلفة، ومنع الضغوط الخارجية من التحوّل إلى انفجار داخلي.

في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد أوسع من عناصر القوة التي راكمتها إدارته منذ عودته إلى البيت الأبيض يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025: من الحرب التجارية والجمركية وإعادة رسم خريطة التوازن الدولي، إلى العملية العسكرية في فنزويلا، مروراً برعاية «وقف النار» في غزة، ووصولاً إلى قراره الاستراتيجي بإنهاء الدور الإقليمي الذي لعبته إيران لعقود. ولذا، قد لا تكون «لعبة الوقت» في يد طهران بالقدر الذي تفترضه.

«هرمز»: ورقة قوة أم فخ استراتيجي؟

يعلن الإيرانيون أنهم يتعاملون مع مضيق هرمز بعَدِّه الورقة الأكثر إيلاماً في يدهم. فالمضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تحوّل بعد الحرب، إلى بؤرة صراع سياسي واقتصادي وعسكري.

ولم تكتفِ طهران بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر كلامها عن «إدارة استراتيجية» للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة، وربط إعادة فتحه بإنهاء الحصار الأميركي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بما تعدّه حقوقاً سيادية جديدة.

لكن البعض يرى أن قوة هذه الورقة تحمل خطراً على إيران نفسها؛ إذ كلما حاولت طهران تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز عالمي، زادت قناعة خصومها بأن النظام الإيراني لم يعد مشكلة نووية أو صاروخية فحسب، بل غدا مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة الدولية. وهذا يفسر، جزئياً، غياب التعاطف الدولي الواسع مع إيران، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب. فالعالم قد يتضرّر من إغلاق هرمز، لكنه لا يرى بالضرورة في طهران ضحية، بل طرفاً يستخدم الجغرافيا لابتزاز الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، الرهان على الصين لا يبدو مضموناً؛ فصحيح أن بكين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وأن زيارة ترمب إلى الصين جعلت ملف إيران حاضراً في مباحثاته مع شي جينبينغ، لكن بكين ليست حليفاً عقائدياً لطهران، بل قوة كبرى تقيس مصالحها بميزان التجارة والطاقة والاستقرار. بالتالي إذا كان تعطيل هرمز يهدّد النمو الصيني وسلاسل الإمداد، فإن بكين قد تمارس ضغطاً على إيران، لا دعماً مفتوحاً لها. أما عبور ناقلة صينية للمضيق بالتزامن مع زيارة ترمب، فيوضح أن طهران قد تمنح استثناءات، لكنه يوضح أيضاً أنها تحتاج للصين أكثر مما تحتاج الصين إليها.

إقليمياً، تبدو عزلة إيران أشد وضوحاً؛ فدول الخليج، التي دفعت أثماناً متكرّرة من سياسات إيران ووكلائها، لا تنظر إلى تشديد قبضتها على هرمز بوصفه دفاعاً مشروعاً، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي. ولئن كانت بعض العواصم تتحفظ عن حرب مفتوحة أو طويلة، فهذا لا يعني أنها مستعدة لمنح طهران «شرعية» لإدارة المضيق أو مكافأتها على تعطيله.

الصواريخ الباقية لا تصنع نصراً

في المقابل، التقديرات الاستخباراتية الأميركية التي كشفت عنها الـ«نيويورك تايمز» عن بقاء نحو 70 في المائة من المخزون الصاروخي الإيراني، واستعادة طهران الوصول إلى معظم مواقعها عند مضيق هرمز، شكّلت ضربة للرواية الأميركية الرسمية التي تكلمت عن «تدمير» الجيش الإيراني، لكنها مع هذا لا تمنح طهران، تلقائياً، موقع المنتصر. فالاحتفاظ بقدرات عسكرية مهمة شيء، وتحويلها إلى استراتيجية رابحة شيء آخر.

تلك التقديرات كشفت عن أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تحقق كل أهدافها العسكرية، وأن الضربات على المنشآت المدفونة لم تكن حاسمة. لكنها كشفت أيضاً عن أن إيران خرجت من الحرب وهي مضطرة لاستخدام ما تبقى لديها من أوراق في ظروف أكثر صعوبة كاقتصاد منهك، وبنية تحتية متضررة، وقيادات مقتولة، وصادرات نفطية مضغوطة، وشارع داخلي مرشح للانفجار. وهكذا، فقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، أو تهديد السفن، لا تعني أنها تستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تعني أن «الصمود» سيتحول إلى نصر سياسي.

في أي حال، طهران ستحاول استثمار هذه التسريبات نفسياً وسياسياً. فهي تريد إقناع الداخل بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بأن أي ضربة جديدة ستكون مُكلفة، وإقناع واشنطن بأن الحصار لا يكفي لإخضاعها. لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الإيراني هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع إيران أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلم»؟ وهل تستطيع إدارة مضيق هرمز كأداة ضغط من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى التوافق ضدها؟ وهل تملك القدرة على منع الأزمة الاقتصادية من التحوّل إلى أزمة شرعية داخلية؟

من هنا، لا يبدو الكلام عن تدريبات «الحرس الثوري» و«الباسيج» في طهران مجرد رسالة ردع خارجية؛ فمشاركة «الباسيج»، بوصفه ذراعاً أمنية داخلية، توحي بأن النظام يستعد أيضاً لاحتمالات اضطراب داخلي أشدّ من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وهذا البُعد مُهم؛ لأن أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة، بل تزامن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي نابع من الفقر والتضخم والقمع وفقدان الأفق.

أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة

بل تزامُن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي داخلي



ضغوط الداخل لا تكفي لإرباك ترمب

اليوم تراهن إيران، كما فعلت قوى أخرى في مواجهات سابقة مع واشنطن، على أن الضغوط الداخلية الأميركية على ترمب، وبالذات ارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، وكلفة الحرب التي وصلت إلى عشرات المليارات، وتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي. هذه ضغوط حقيقية... لكن تحويلها إلى رهان على تراجع أميركي سريع قد يكون قراءة مبالغاً فيها.

فالانتخابات النصفية لا تشكل، حتى الآن، عاملاً حاسماً يُجبر ترمب على الانكفاء. وصحيح أن التقديرات قبل الحرب كانت تشير إلى «صعوبات» جمهورية، لكنها لم تكن حاسمة في القول إن الحزب سيخسر الكونغرس. ثم إن معركة إعادة رسم الخرائط الانتخابية الجارية في ولايات عدة - التي يخوضها الجمهوريون لتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بسيطرة مريحة أو منع تراجع موقعهم - تمنح الحزب هامشاً سياسياً إضافياً. وفوق ذلك، لا تزال سطوة ترمب على الجمهوريين قويّة بما يكفي لمنع تمرد واسع ضده في لحظة مواجهة كبرى مع إيران.

لقد ظهر هذا في فشل مجلس الشيوخ، للمرة السابعة، في تمرير إجراء يقيّد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، رغم انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. هذا لا يعني غياب القلق داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً لدى التيار الانعزالي أو الأكثر تشدداً في مسائل صلاحيات الحرب. لكنه يعني أن المؤسسات السياسية لم تنتج بعد كتلة قادرة على إجبار ترمب على التراجع.

بل حتى في أسوأ السيناريوهات الانتخابية، يستطيع ترمب التعايش مع كونغرس معارض، كما فعل في ولايته الأولى. والأهم أنه يرى نفسه قد أنجز معظم وعوده الكبرى منذ عودته إلى البيت الأبيض: كتشديد الحدود، وإعادة هندسة التجارة، وفرض الرسوم، واستعادة صورة الردع، والتحرّك عسكرياً خارج النمط التقليدي. بالتالي، قد يكون مستعداً لتحمل بعض الكلفة السياسية، كما صرح أخيراً، إذا كان البديل هو الظهور بمظهر مَن تراجع أمام إيران، خصوصاً أن خطابه يختزل المسألة في هدف واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الوقت يميل لصالح واشنطن لا طهران

جوهر المأزق أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. إيران ترى أن إطالة الأزمة سترفع أسعار الطاقة، وتزيد تململ الناخب الأميركي، وتدفع قوى دولية إلى توفير مظلة سياسية، وتثبت أن الحرب لم تكسر النظام. بينما ترى واشنطن أن الوقت يكشف عن العكس: إيران لا تزداد قوة، بل عزلة؛ اقتصادها لا يتعافى، بل يضيق؛ وأدواتها الإقليمية لا تمنحها شبكة حماية، بل ترسخ صورتها كقوة فوضى.

في هذا المعنى، قد تكون «لعبة الوقت» في يد ترمب - كما كرّر مراراً - أكثر مما هي في يد «المرشد» والمؤسسة الحاكمة في طهران. فواشنطن تستطيع إدامة الحصار البحري، وتشديد العقوبات، ومنع تعافي الصادرات النفطية، واستخدام الوجود العسكري في الخليج لرفع كلفة أي تحرك إيراني. كما تستطيع، عند الحاجة، تنفيذ ضربات محددة تحت عنوان عملية جديدة، سواء سُميت «التحرير بلَس» أو غير ذلك، لتأكيد أن مهلة «الغضب الملحمي» السياسية والقانونية انتهت، وأن واشنطن دخلت مرحلة أخرى، لتحقيق شرط مركزي: أن تقبل طهران بتقليص دورها النووي والإقليمي، أو تواجه جولة ضغط أشد.مع هذا لا يبدو أن خيارات ترمب خالية من الأخطار. فالذخائر الأميركية تعرّضت لاستنزاف كبير، وأي ضربة واسعة جديدة ستطرح أسئلة عن الجاهزية لمسرح آسيا وعن القدرة الصناعية على التعويض. ثم إن انفجاراً كبيراً في الخليج قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات يصعب سياسياً تجاهلها. لكن الفارق بين الطرفين أن واشنطن تدير «أزمة مُكلفة»، بينما تدير طهران «أزمة وجودية»؛ الأولى تخشى الاستنزاف وفوضى الأسواق، والثانية تخشى أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تفكّك داخلي يهدد النظام، وربما وحدة الكيان نفسه إذا اتسعت التصدّعات القومية والاجتماعية والاقتصادية معاً.


باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

*تقاطعت آخر أوراق التفاوض التي تبادلتها طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني حول فجوة أساسية: فواشنطن تريد اتفاقاً يثبت نتائج الحرب ويحوّلها إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم تُترك القضايا النووية الأكثر حساسية لمسار تفاوضي لاحق. هنا دور إسلام آباد نفسه لم يبقَ خارج الجدل. إذ أثارت تسريبات عن إقدام طهران على نقل عدد من طائراتها إلى باكستان، تلافياً لتدميرها في الضربات الأميركية - الإسرائيلية، عدة أسئلة داخل واشنطن حول ما إذا كان الوسيط الباكستاني قادراً فعلاً على لعب دور محايد، أم إنه بات أقرب إلى قناة اضطرارية بين طرفين لا يثقان أحدهما بالآخر.

وفق ما تسرّب عن الورقة الأميركية، حملت واشنطن تصوّراً من 14 بنداً يطلب وقفاً طويلاً لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى 20 سنة، وإخراج أو تفكيك مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز ووقف استخدامه ورقة ضغط.

أما الرد الإيراني، الذي سُلّم عبر باكستان، فركّز على إنهاء الحرب أولاً، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان وقف الهجمات، مع استعداد محدود لبحث ترتيبات تتعلق باليورانيوم خلال نافذة تفاوضية قصيرة، من دون قبول تفكيك المنشآت أو التخلي الدائم عن حق التخصيب.

هذا التباعد دفع ترمب إلى اتهام طهران بالمماطلة وتضييع الوقت. فالإدارة الأميركية رأت في الرد الإيراني محاولة لقلب ترتيب الأولويات: وقف إطلاق النار والحصار أولاً، ثم التفاوض لاحقاً على جوهر الملف النووي. وبالنسبة إلى ترمب، يعني ذلك أن إيران تريد شراء الوقت، وترميم قدراتها، وتثبيت مكسبها في «هرمز»، لا تقديم تنازل استراتيجي.

مع ذلك يمكن توقع تجدد الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، لكن على الأرجح بصيغة «إدارة أزمة» لا مفاوضات حاسمة. فواشنطن لا تزال تحتاج إلى قناة مع طهران تمنع انهيار وقف النار كلياً، وتختبر إمكان انتزاع تنازلات نووية وأمنية، في حين تحتاج إيران إلى إبقاء المسار مفتوحاً لتخفيف تكلفة الحصار وتجنب ضربة جديدة. وبالفعل، أشار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى وجود «تقدّم» في الاتصالات، رغم رفض ترمب الرد الإيراني الأخير بوصفه غير مقبول، ما يعني أن الباب لم يُغلق تماماً أمام القناة التفاوضية.


سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
TT

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. ذلك أن الرجل الذي عُيّن أولاً رئيساً للوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم» بعد حرب «إسناد غزة» عام 2024، عاد رئيس الجمهورية جوزيف عون وكلّفه لاحقاً برئاسة الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. جاءت هذه الخطوة لدى انتقال لبنان من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار في حرب «إسناد إيران» التي فتح جبهتها «حزب الله» إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في بلد لطالما كان ملف العلاقة مع إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسيةً وانقساماً، يبدو السفير السابق سيمون كرم اليوم بالنسبة إلى كثيرين «رجل المرحلة»، ليس فقط لأنه يقود أول «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل يرأسها مدني لبناني منذ عام 1983، بل لأن مهمته قد تقود إلى إعادة رسم موقع لبنان السياسي بالكامل، وربما إلى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد تنهي عقوداً من الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

من بلدة جزّين إلى مفاوضات واشنطن

وُلد سيمون كرم عام 1950 في بلدة جزّين بأقصى شمال جنوب لبنان، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) قبل أن يمارس المحاماة. أما على صعيد الوظيفة العامة، فقد تولّى منصبَي محافظ البقاع ومحافظ بيروت مطلع عقد التسعينات، ثم عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة عام 1992، حيث قدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش «الأب»، قبل أن يستقيل بعد أقل من سنتين اعتراضاً على التدخلات السورية في القرار اللبناني.

وخلال عقد التسعينات أيضاً شارك السفير سيمون كرم مع الوزير السابق إدمون رزق - ونائب جزّين السابق - في تأسيس «لقاء جزّين أولاً»، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، في وقت كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على الشريط الحدودي وصولاً إلى مداخل جزّين، قبل انسحابها عام 2000.

اليوم، يجد سيمون كرم - وهو مسيحي ماروني طائفياً وجنوبي جغرافياً - نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حاملاً مهمة التفاوض مع إسرائيل وسط نار الحرب والانقسام الداخلي والضغوط الدولية. وللعلم، فإن كرم اليوم، في نظر لبنانيين كثر، «رجل سيادة» من منطلق اعتباره عنواناً لتحوّل سياسي كبير في لبنان. غير أن مهمته الجديدة تبدو أبعد بكثير وأهم بكثير من مجرّد رئاسة وفد تفاوضي.

وحقاً، في حال نجحت المفاوضات الحالية بالوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد، قد يصبح كرم أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول تاريخي في لبنان، وذلك عبر نقله البلاد من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة التسويات وربما السلام. أما إذا فشلت، فقد يجد لبنان نفسه أمام جولة بل جولات جديدة من الصراع المفتوح، في منطقة تبدو على أبواب إعادة رسم كاملة لتوازناتها السياسية والأمنية.

من «الميكانيزم» إلى مفاوضات السلام

عندما عُيّن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، كان الهدف المعلن متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا سيما ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني. وجاء اختياره يومذاك بناءً على رغبة أميركية بإدخال شخصية مدنية إلى رئاسة الوفد اللبناني، في خطوة عكست اقتناعاً أميركياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة «سياسية - دبلوماسية» تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.

إلا أن حرب «إسناد إيران» دفعت الأمور إلى مسار مختلف تماماً، بحيث لم يعُد أمام لبنان - حسب كثيرين - إلا خيار التفاوض المباشر الذي طرحه الرئيس جوزيف عون، ولاقى تجاوباً في وقت لاحق من واشنطن وتل أبيب.

بالفعل، بدأت المفاوضات باجتماعات لسفراء لبنان وأميركا وإسرائيل، وحضر الجلسة الثانية منها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية بمشاركة رئيس الوفد السفير كرم، وسط كلام مزداد عن «ترتيبات» قد تتجاوز الجانب الأمني إلى تفاهمات سياسية أوسع، وربما إلى اتفاق سلام أو التهدئة طويلة الأمد التي تغيّر شكل العلاقة بين البلدين.

من هنا، لم يعُد كرم مجرّد رئيس لجنة تقنية لمراقبة وقف إطلاق النار، بل صار عنواناً لمرحلة سياسية كاملة، وإن كان وسط انقسامات داخلية في مقاربة المفاوضات المباشرة. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي معارضته لها، على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية أن قراره اتُّخذ بعد التشاور معه ومع رئيس الحكومة نواف سلام، في حين لا يزال «حزب الله» يهاجم المفاوضات ويهدّد بأنه لن يكون معنياً بأي نتائج تصدر عنها.

هجوم «حزب الله»

بالفعل، منذ اللحظة الأولى لتعيين كرم رئيساً لوفد لبنان في «الميكانيزم»، شنّ «حزب الله» هجوماً شديداً عليه، معتبراً أن تعيين دبلوماسي مدني لرئاسة الوفد «خطيئة ثانية»... بعد قرار «حصرية السلاح».

ولكن بالنسبة إلى خصوم الحزب، فإن اختيار كرم لم يأت تفصيلاً إدارياً، بل جاء إشارةً واضحةً إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من ربط «حزب الله» قرار الحرب بـ«المحور الإيراني».

«سيادي» من زمن «الوصاية السورية»

في واقع الأمر، لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه سيمون كرم اليوم من دون العودة إلى خلفيته السياسية. فهو من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات، وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب شخصيات مثل النائبين السابقين فارس سُعَيد وسمير فرنجية والشيخ هاني فحص، قبل أن يصبح أحد مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، ثم ينخرط لاحقاً في «حركة 14 آذار» التي رفعت شعار «لبنان السيّد الحرّ المستقل».

ويقول فارس سُعيد إن تعيين كرم الذي بدأ في لجنة «الميكانيزم»، «يمثّل محطة سياسية غير عادية»، ثم يشير إلى أن «الخلفية السياسية المتراكمة للرجل جعلت اختياره للمفاوضات يلامس أكثر من مجرد دور تقني... وهو الذي ينتمي إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية، وغلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

ويلفت سُعيد إلى «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة»، مستذكراً عدة مواقف له، منها أنه «بعدما عين عام 1991 محافظاً للبقاع، اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية، آنذاك) ورفض لقاءه في عزّ أيام الوصاية السورية». ثم بعدما تولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، اصطدم أيضاً في العاصمة الأميركية بمحاولات السفير السوري - حينذاك - وليد المعلّم (الذي أصبح وزير الخارجية لاحقاً) التأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فما كان لكرم إلا أن اختار العودة إلى بيروت والاستقالة من مهامه والعودة إلى ممارسة مهنة المحاماة».

موقفه من إيران و«وحدة الساحات»

من ناحية أخرى، تكاد تكون تصريحات كرم وإطلالاته الإعلامية محدودة في الفترة الأخيرة باستثناء الصورة الانطباعية التي يوزّعها مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بعد كل لقاء مع الرئيس عون منذ تعيينه رئيساً للوفد. وهي تظهر خلفية كرم السياسية بوضوح في مقاربته للحرب الأخيرة ولدور إيران في لبنان عبر مواقف سابقة له.

وفي مقال نشره كرم، بعد اندلاع حرب «إسناد غزة»، في صحيفة «نداء الوطن»، كتب متوجهاً إلى رئيسي الحكومة والنواب في ظل الفراغ الرئاسي آنذاك: «ماضياً تذرّعتم بوحدة المسار والمصير لتفويض سوريا، واليوم تتذرّعون بوقف العدوان على غزّة لتفويض إيران، تقرير مصير البلاد والعباد».

وأردف: «سياسة محور الممانعة منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، ثمّ بعد حرب 2006، هي أنّ دور الدولة يجب أن يبقى شكليّاً في معادلة الحدود، وأن لا يقترب ولو قليلاً من الصلاحيات التي تتيح لهذه الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية». وواصل متابعاً: «ثمّ دار الزمن دورة، فثقلت وطأة وأثمان وحدة الساحات، وبانت استحالة أن تصل بالمنادين والعاملين بها سوى إلى ما وصلت إليه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، فيما إيران مردوعة، تتفرّج على هذا الخراب العميم، فإذا بهم يدفعون ما تبقى من الدولة اللبنانية إلى المطالبة بالعودة إلى (اتفاقية الهدنة)، غير الممكنة التطبيق، إلا بامتلاك الجمهورية اللبنانية السلطة الكاملة والحصرية على كامل أرضها وعلى كل حدودها».

هذا، وسبق لكرم عن أعرب عن موقف مشابه في رفضه «زجّ لبنان في الحرب»، عندما ألقى كلمة خلال يوليو (تموز) 2025 خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق في إحدى قاعات جامعة القديس يوسف ببيروت. ولقد أزعجت الكلمة عدداً من الحاضرين المؤيدين لـ«حزب الله» ما أدى إلى انسحابهم من القاعة.

كرم قال في حينه: «إن شروط إنهاء الحرب (إسناد غزة) جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل».

ثم أضاف: «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى!».

وطني رافض لأي احتلال أو وصاية

وفيما تكشف هذه المواقف طبيعة المقاربة التي يحملها كرم في مهمته التفاوضية اليوم، والتي يرى البعض أنه سيتعامل معها كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، يؤكد الوزير السابق بطرس حرب، الذي كان أحد أعضاء «قرنة شهوان» إلى جانب سيمون كرم، أن خلفية كرم السيادية ومعارضته لـ«حزب الله» قد تشكل عنصر قوة في المفاوضات الحالية، لا نقطة ضعف.

ويوضح حرب لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «يتمتع كرم بثقافة عالية جداً، ويفهم جيداً عقلية الإدارة الأميركية نتيجة تجربته السابقة كسفير للبنان في واشنطن، وهذا قد يساعده كثيراً في مفاوضات تحصل برعاية أميركية». ويتابع حرب: «وفي الوقت نفسه لا يوجد أي شك بوطنيته وتمسكه برؤية لبنان الرافضة لأي احتلال أو وصاية».

وعن تأثير مواقف كرم المعارضة لـ«حزب الله» على المفاوضات، يرر حرب بأن «هذا الأمر سيلعب دوراً إيجابياً في مهمة إعادة لبنان إلى مرحلة السلم وإنهاء الصراعات التي دفع لبنان ثمنها غالياً»، معتبراً أن «المشكلة ليست مع (حزب الله) بحد ذاته، بل مع خروجه عن الشرعية وجرّه لبنان إلى حروب لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بها».