خفايا وأسرار اللوبي الإيراني في الكونغرس.. تحريك قضايا مزعومة ضد السعودية

مسؤولون أميركيون أكدوا ضلوع جماعات الضغط المرتبطة بطهران في إثارة مشروع «العدالة ضد داعمي الإرهاب» * تصعيد التوتر بين واشنطن والرياض يهدد إرث أوباما

الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث إلى المسؤول العسكري ناثان باري خلال حلقة نقاش عقد في 11 سبتمبر من العام الماضي بمبنى بلدية ولاية ماريلاند ( غيتي)
الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث إلى المسؤول العسكري ناثان باري خلال حلقة نقاش عقد في 11 سبتمبر من العام الماضي بمبنى بلدية ولاية ماريلاند ( غيتي)
TT

خفايا وأسرار اللوبي الإيراني في الكونغرس.. تحريك قضايا مزعومة ضد السعودية

الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث إلى المسؤول العسكري ناثان باري خلال حلقة نقاش عقد في 11 سبتمبر من العام الماضي بمبنى بلدية ولاية ماريلاند ( غيتي)
الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث إلى المسؤول العسكري ناثان باري خلال حلقة نقاش عقد في 11 سبتمبر من العام الماضي بمبنى بلدية ولاية ماريلاند ( غيتي)

تصاعدت مطالبات في الولايات المتحدة تساندها بعض وسائل الإعلام الموجهة من بعض جماعات الضغط الموالية لطهران والمساندة للاتفاق النووي، بضرورة الكشف عن الأوراق والملفات غير المعلنة التي تزعم وجود علاقة للسعودية بهجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001.
هذه الملفات عبارة عن 28 ورقة ضمن تقرير حبيس الأدراج في مبنى «الكابيتول»، حيث يقع مقر الكونغرس منذ نحو 14 عامًا.
وأشارت تقارير صحافية الشهر الماضي إلى احتمالية إقرار البرلمان الأميركي (الكونغرس) مشروع قانون «العدالة ضد داعمي الإرهاب»، الذي يُتيح تحميل السعودية مسؤولية هجمات سبتمبر في المحاكم الأميركية.
يقول مسؤول استخباراتي سابق في إدارة بوش الابن إنه يعتقد أن اللوبي الإيراني ومن خلفه بعض الأعضاء الديمقراطيين في الكونغرس الأميركي، الذين صوتوا في معركة الاتفاق النووي لصالح تمرير «قرار التأييد» وراء مشروع قانون «العدالة ضد داعمي الإرهاب»، وذلك كإجراء انتقامي من السعودية المناهضة للاتفاق النووي.
شهدت العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة المزيد من التوتر خلال الأسابيع الماضية، وعادت المزاعم القديمة حول الرياض والإجراءات القانونية التي كان البعض يرغب باتخاذها ضدها في الفترة اللاحقة على خلفية مأساة 11 سبتمبر إلى السطح مرة أخرى.
يميل جناح اليسار بالحزب الديمقراطي، الذي يؤيد بقوة رغبة الرئيس باراك أوباما في إقامة تحالف استراتيجي بعيدا عن التحالفات التقليدية لأميركا في الشرق الأوسط وصوب إيران، لتأييد التحرك بعيدا عن المملكة العربية السعودية. ومن جهة أخرى، يميل جناح الوسط بالحزب الديمقراطي لتجنب التورط في ذلك الجدل. وعلى الرغم من أن بعض الجمهوريين اليمنيين ألقوا بتصريحات معتدلة تدعو لإصلاح العلاقات السعودية الأميركية، ما زال هناك جانب من اليمين يرفض ذلك. وفي الوقت نفسه، التزم جانب كبير من الجماعات العرقية الشرق أوسطية التي تعيش بالخارج، الذين كان من المفترض أن يؤيدوا المملكة العربية السعودية في مناقشات الرأي العام الأميركية، الصمت المطبق.
وربما لا يكون مفاجئًا أن يصدر تصريح عن الجانب السعودي ينادي بـ«الإصلاح الاستراتيجي» للعلاقات بين كلا البلدين في أعقاب زيارة الرئيس أوباما للرياض الشهر الماضي، التي نظر إليها مجلس التعاون الخليجي بصفة عامة باعتبارها زيارة مخيبة للآمال: فقد صرح الأمير تركي الفيصل لـ«سي إن إن» في حوار أجري معه في 20 أبريل (نيسان) بأن وقت «إعادة تقييم العلاقات مع أميركا قد حان - إلى أي حد يمكن أن نذهب في اعتمادنا على أميركا. إلى أي حد يمكننا أن نعتمد على ثبات توجهات القيادة الأميركية. ما الذي يجعل مصالحنا المشتركة تلتقي.. لا أعتقد أننا يجب أن نتوقع أن يعود أي رئيس أميركي جديد إلى الأيام الخوالي عندما كانت الأمور مختلفة».
ولكي نفهم الظاهرة وتداعياتها على مستقبل السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، أجرت الشقيقة مجلة «المجلة»، في عددها الصادر هذا الشهر تحقيقًا موسعًا يتضمن مناقشات مع مسؤولين أميركيين سابقين بالاستخبارات المطلعين على تنظيم القاعدة وتحالفاته المعقدة، وحوارًا مع خبير أميركي مرموق حول مكافحة الإرهاب والرئاسة الأميركية، وحوارًا مع عالم نفس من نيويورك لديه خبرة في السرية و«ازدواجية المعايير» في النفسية السياسية الأميركية.
وكانت المحصلة هي تكوين صورة حول فترة زمنية تتضمن غموضا غير مسبوق واضطرابا في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وعدم وجود معارضة منظمة ومتجانسة للأجندة الاستراتيجية للرئيس أوباما فيما يتعلق بإيران والمملكة العربية السعودية ومناطق الحروب بالوكالة في المنطقة.
هناك مقدمة مهمة للتصعيد الجديد في التوتر بين السعودية والولايات المتحدة: ففي الأسابيع الأخيرة، ظهرت تقارير في وسائل الإعلام الأميركية تشير إلى أن إيران لم تلتزم تماما بالاتفاقية النووية الإيرانية، ومع ذلك استمرت إدارة أوباما في السعي بقوة لرفع أكبر قدر ممكن من العقوبات التي ما زالت مفروضة على إيران.
فعلى سبيل المثال، اختبرت إيران صاروخين باليستيين جديدين في مارس (آذار) تزعم الولايات المتحدة أنهما ينتهكان القيود التي فرضتها الأمم المتحدة على برنامج الصواريخ الإيراني. ومن ثم، قدم البيت الأبيض عرضا اقترح فيه فرض جولة جديدة من العقوبات على إيران، وهو الاقتراح الذي أثار أزمة قانونية مفاجئة.
وأصبح واضحا أن الصفقة النووية تجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، السيطرة على طموحات طهران فيما يتعلق بالصواريخ الباليستية. ولكن في الوقت نفسه، كانت إدارة أوباما تدفع بقوة لكي ترفع العقوبات الإضافية المفروضة على إيران، فعلى سبيل المثال، اتضح في أواسط شهر أبريل أن إدارة أوباما كانت تحث حكام الخمسين ولاية على إلغاء القوانين التي تقضي بحرمان الشركات التي تشارك في أعمال مع إيران من التمويل الحكومي. ووفقا لما نشرته «الشرق الأوسط» خلال الأسابيع الماضية، يبدو أن إدارة أوباما عازمة على منح إيران القدرة على التعامل بالدولار في تعاملاتها المالية الدولية - وهي المنحة التي يمكنها إثراء خزائن الحكومة الإيرانية وهو ما يمكن أن تستغله السلطات لتحقيق أي غرض تختار السعي لتحقيقه.
ومن جهة أخرى، بدأت بعض الأصوات الإعلامية الأميركية تدق جرس الإنذار حول هذه التوجهات الجديدة. ففي مثال صارخ، كتب المعلق المحافظ، ماكس بوت، في مجلة «كومنتاري»، التي تعارض الصفقة النووية الإيرانية: «بدأ احتفاء الرئيس بإيران يأتي بنتائج عكسية، حيث يكثف الملالي الذين لم يتخلوا عن أساليبهم الداعمة للإرهاب، جهودهم تأييدا للميليشيات الدموية في سوريا والعراق وما بعدهما - ومن ثم يدفعون بالمزيد من السنة إلى براثن الجماعات المتطرفة مثل جبهة النصرة و(داعش)».
وفي الوقت نفسه، يبدو أن الرئيس كان يثير غضب حلفائه السابقين في دول الخليج ويخسر تأييد رؤيته «للتوازن الاستراتيجي» مع إيران على صعيد الرأي العام الأميركي.
أضف إلى ذلك تطورًا آخر في أواسط أبريل أغضب مؤيدي اتجاه الإدارة صوب إيران بالإضافة إلى الحكومة الإيرانية نفسها:
ففي 20 أبريل في قرار جاء بتصويت 6 في مقابل 2، أصدرت المحكمة الأميركية العليا حكما بفرض ملياري دولار نيابة عن ضحايا الإرهاب الذي ترعاه إيران بما في ذلك تفجير ثكنات فيلق البحرية في 1983 في لبنان، الذي أسفر عن مقتل 241 من العاملين به. ووفقا للحكم، يمكن للمدعين في القضية أن يحصلوا على الأموال من البنك المركزي الإيراني الذي جمدت أصوله الولايات المتحدة. وفي أعقاب ذلك، هدد الرئيس حسن روحاني مباشرة بالطعن على قرار صرف ملياري دولار برفع دعوى قضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. وبمعنى آخر، لم تكن مناقشات السياسة الخارجية بصفة عامة في صالح تطلع الرئيس في المضي قدما في الهدف المميز لسياسته الخارجية ألا وهو إعادة التوازن بالاتجاه لإيران.
وفي أبريل أيضا، تغيرت ديناميات المناقشات الأميركية العامة على نحو درامي، بعيدا عن التركيز على إيران والصفقة النووية وباتجاه النقاط التاريخية للجدال بين الولايات المتحدة والسعودية.
وجاء أول عامل في ذلك التغير قبل عدة أيام من رحلة أوباما المقررة للمملكة العربية السعودية «لتهدئة الأجواء» مع زعماء مجلس التعاون الخليجي، عندما تم بث مقطع فيديو تصدر عناوين الأخبار في برنامج «60 دقيقة». صور البرنامج حوارا مطولا مع السيناتور الديمقراطي السابق بوب غراهام الذي كان يلعب دورا رئيسيا في التحقيقات الأميركية الحكومية الأولى في هجمات الحادي عشر من سبتمبر بعد وقوع الهجمات. (جدير بالذكر أن غراهام كان يعرب باستمرار عن تأييده للصفقة النووية الإيرانية). في الحوار، لفت غراهام انتباه الناس إلى وثيقة الـ«28 ورقة» الشهيرة الآن - ما زالت جزءا سريا من تقرير قدمته لجنة بالكونغرس كانت تحقق في إخفاق الاستخبارات فيما يتعلق بهجمات الحادي عشر من سبتمبر.
ولمّح غراهام مرارا أثناء الحوار، على غرار الكثير من المسؤولين والشخصيات الإعلامية، إلى أن هذه الصفحات تتضمن معلومات تزعم وجود صلة بين السعودية وأخطر العمليات الإرهابية التي حدثت على الأراضي الأميركية على الإطلاق. وفي إطار عرضه لأفكاره المعروفة، كان غراهام يلجأ إلى لب المناقشات الأميركية العامة، الذي يتعلق بموضوع مطروق منذ 12 عاما، على الرغم من أنه لم يحدث أي تطور في ما يتعلق بوثيقة الـ«28 صفحة» يبرر تصدير ذلك باعتباره «خبرا جديدا».
جدير بالذكر في هذا السياق، أن الحكومة السعودية كانت تدعو منذ عام 2003 للإفراج عن الـ28 صفحة حتى تتم مناقشتها صراحة وعلانية.
وأشار مسؤول أمني أميركي أنه قبل نحو 13 عاما أكد وزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل أن بلاده ليس لديها شيء تخفيه أو تسعى لحجبه، بل «تؤمن المملكة أن نشر الصفحات الثماني والعشرين المحجوبة - لأسباب غير واضحة حتى الآن - سيمكنها من الرد على أي مزاعم بصورة واضحة وموثوقة، وإزالة أي شكوك حول دور السعودية المعلن والحقيقي في حربها ضد الإرهاب والتزامها بذلك أمام العالم».
على أي حال، ففي ظل ثقافة سياسية تتشكك بصفة عامة في «نظريات المؤامرة»، وصف كثير من نقاد إدارة أوباما ما يعتقدون أنه كان جهودا مستترة للتلاعب بالرأي العام الأميركي من خلال تشتيت الانتباه بعيدا عن إيران وصوب المملكة العربية السعودية.
وقد استشهد الصحافي المحافظ، لي سميث، الذي يكتب في مجلة «ويكلي ستاندرد» بمصدر سابق بمجلس الأمن الوطني مطلع على وثائق الـ«28 صفحة» وهو يقول: «لا يوجد شيء مهم بهذه الصفحات». ومن ثم استنتج سميث أن هذا الجدل كان متعمدا «بنية توريط السعوديين». وتأييدا لذلك الموقف، قال إدوارد تورزانسكي، ضابط الاستخبارات في الحكومة الأميركية خلال فترة حكم ريغان «لجأت الإدارة إلى نمط سلوكي استخدمت عبره أي أداة أمكنها استخدامها لكي تعزز العلاقات مع إيران.. (و) بصفة عامة يتضح أن الإدارة تحجب أجزاء محددة من المعلومات في أوقات محددة، لكي يكون لديها رصيد سياسي يمكنها من تحقيق الغرض الذي ترغب فيه وتنشر أجزاء أخرى من المعلومات في أوقات أخرى للدفاع عن نفس الهدف. وقد تميل بعض وسائل الإعلام لعدم انتقاد الرئيس وحمايته عندما تتعرض مبادرته السياسية لخطر محدق».
وقد أثار إحياء النقاش حول الـ«28 ورقة» نقاشًا إعلاميًا محملا بالعواطف، حتى أصدرت بعض الشخصيات العامة انتقادات حادة ضد السعودية بصحيفة «نيويورك تايمز» 21 أبريل الماضي.
وفي الوقت نفسه، جاءت تغطية صحيفة «وول ستريت جورنال» الأقرب لليمين على الدرجة نفسها من الحدة. ويبدو أن تلك التعليقات التي تم نشرها في صحيفة معروفة بانتقادها لسياسات إدارة أوباما كانت تستهدف التركيز على المناحي التي تثير غضب خصوم أوباما في واشنطن. بمعنى آخر، كان المقال يحاول إثارة غضب الجمهوريين لكي يتخلوا عن الرغبة في إصلاح التحالفات العربية التقليدية لأميركا.
بالتزامن مع إصدار تقرير «60 دقيقة»، كانت هناك محاولات في الكونغرس للتصويت على مشروع قانون يطلق عليه «قانون العدالة ضد داعمي الإرهاب»، كان قد تقدم به أحد الجمهوريين وسيناتور ديمقراطي في سبتمبر الماضي وهو ما يمكن أن يدفع أسر ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر أن يقاضوا السعودية عن الأضرار التي لحقت بهم في المحاكم الأميركية - رغم عدم وجود دليل يدين المملكة في الأحداث.
وفي تلك البيئة المشحونة، أصدر مسؤولون بالبيت الأبيض تصريحات تجعل الإدارة الأميركية تبدو كـ«صوت الاعتدال» إن لم تكن أكثر المدافعين عن المملكة العربية السعودية. وأعلن البيت الأبيض معارضته لمشروع القانون - لأسباب إجرائية، وفقا للمتحدث باسم البيت الأبيض جوشوا إرنست: «إن تخوفنا الرئيسي هو أن هذا القانون يمكن أن يضع الولايات المتحدة ودافعي الضرائب وجنودنا ودبلوماسيينا في خطر بالغ إذا ما تبنت الدول الأخرى قوانين مشابهة». كما أجرت الإدارة أيضًا سلسلة من المكالمات الهاتفية مع عدد من الشخصيات الرئيسية بالكونغرس لحثهم على التصويت ضد التشريع. وفي تصريحات رسمية حول لقاء الرئيس بزعماء مجلس التعاون الخليجي في الرياض، تمت الإشارة أكثر من مرة إلى أنه لم يتم التطرق إلى التشريع أو إلى وثيقة الـ28 صفحة.
وفي ظل وصول التوتر السعودي الأميركي للذروة، أصدر اثنان من القادة السابقين بلجنة الحادي عشر من سبتمبر اللذان يشاطران الرأي العام الاحترام والجدية في الأمور المتعلقة بالمأساة تصريحات مهمة، الحاكم السابق توم كيان والنائب السابق لي هاميلتون. يسعى التصريح لتصحيح عدد من المفاهيم الخاطئة التي تمت إثارتها في الأسابيع الأخيرة كنتيجة للمناقشات الإعلامية المحمومة حول الـ«28 ورقة».
وقد بذل كل من هاميلتون وكيان جهودا مضنية في تصريحاتهما لكي يؤكدا أن التقرير الضخم الذي أصدرته لجنة الحادي عشر من سبتمبر ذا أهمية كبرى للمملكة العربية السعودية، نظرا لحقيقة أن معظم المختطفين في تلك الهجمات كانوا مواطنين سعوديين. ولكنهما أقرا أيضًا بأن المملكة نفسها أصبحت الهدف الرئيسي للجماعات المتطرفة، وأن «السعودية حليف للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، كما قتل الكثير من الجنود السعوديين في المعركة ضد عناصر (القاعدة)».
خلال فترة الخطاب التصعيدي الذي امتد لعدة أسابيع، كان من المدهش أن نلاحظ أن بعض أكبر المنظمات الإسلامية الأميركية في واشنطن التزمت الصمت فيما يتعلق بقضية الـ«28 ورقة» و«قانون العدالة ضد داعمي الإرهاب». كما لم يعربوا عن اعتراضهم على ميل إدارة أوباما بعيدا عن المملكة العربية السعودية وباتجاه إيران. وعلى النقيض، انضمت بعض المنظمات الإسلامية الأميركية للفريق المؤيد لسياسات الإدارة الأميركية فيما يتعلق بإيران، وأعربوا عن حماسهم للمساعدة في تلك العملية.
ومن أبرز الأمثلة في ذلك السياق كان «مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية - كير» الذي تأسس في التسعينات على يد أعضاء من «رابطة فلسطين الإسلامية» المؤيدة لحماس في شمال أميركا. وسرعان ما خلقت المنظمة لنفسها مساحة بين الجماعات المسلمة الرئيسية في أميركا حيث كانت تمزج بين النشاطات في الحقوق المدنية والتصريحات السياسية من حين لآخر. ووسط الجدال العام حول الاتفاقية الإيرانية النووية في عام 2015، دعت «كير» الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي للحديث في أميركا، ولم تكن المرة الأولى: «أخذا في الاعتبار التوتر الذي يتنامى بين إيران والولايات المتحدة، من الضروري الحفاظ على خطوط الاتصال مفتوحة بين البلدين، وهذه إحدى طرق الاستمرار في فتحها».
ولكن الجماعة لم تبذل أي جهود لتخفيف التوتر بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية - وعلى الرغم من أن المزاعم ضد الحكومة السعودية عادت للظهور مرة أخرى خلال ربيع 2016، التزم كل من موقع المنظمة وقياداتها الصمت التام حيال القضية.
جدير بالذكر في هذا السياق أنه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، تم تصنيف «كير» باعتبارها «تنظيما إرهابيا» من قبل حكومة الإمارات، ربما نظرا لوجود الكثير من التقاطعات مع الجماعات المسلحة التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين.
ولكن الجماعات الإسلامية ليست هي التنظيمات الوحيدة التي اتخذت موقفا سلبيا تجاه حشد الدعم للتحالف السعودي الأميركي. فعلى الرغم من وجود عناصر سياسية لبنانية أميركية تؤيد موقف السعودية في بلادهم وكذلك جماعات يمنية أميركية وسورية أميركية تتطلع إلى المملكة العربية السعودية لمساعدة إخوتهم في مواطنهم، لم تحاول أي من هذه الجماعات، على مستوى تنظيمي، أن تؤثر في الرأي العام الأميركي لصالح المملكة العربية السعودية في واشنطن. أما بالنسبة للجماعات اليهودية والجماعات الموالية لإسرائيل، فقد أعربت المنظمة اليهودية اليسارية «جي ستريت» عن دعمها للاتفاقية النووية الإيرانية. ولكن المنظمة الأكبر والأكثر موالاة لإسرائيل «إيباك» فقد عارضت بقوة الاتفاقية النووية الإيرانية، وكانت من أكثر المدافعين عن الأردن ومصر والعلاقات الوثيقة مع حلفاء إسرائيل العرب. ولكن فيما يتعلق بالأمور المزعجة بالنسبة للمملكة العربية السعودية - مثل وضع وثيقة الـ«28 ورقة» وقانون العدالة ضد داعمي الإرهاب، لم تتخذ «إيباك» حتى يومنا الحالي أي موقف علني.
وكانت جماعات الضغط الوحيدة للجاليات الأجنبية بالولايات المتحدة التي اتخذت موقفا واضحا من الجدل هي إحدى أكثر الجماعات معارضة للمملكة العربية السعودية: جماعات الضغط الإيرانية. تضمنت المجموعة «المجلس الوطني للعلاقات الإيرانية الأميركية» و«المجلس الإيراني الأميركي»، اللذين كانا ينشران أكثر التصريحات المنذرة بشأن الـ«28 صفحة» كما أن المعلقين السياسيين المطالبين بإصدار «قانون العدالة ضد داعمي الإرهاب».. كانوا يؤيدون جميعا الخطاب الموالي لطهران وينظرون إلى الحرس الثوري الإيراني باعتباره أفضل من الجهاز الأمني السعودي كحليف في الصراع ضد الإرهاب.
رغم وجود أصوات مناهضة للمملكة السعودية والأصوات التي تطالب بتمرير قانون العدالة ضد داعمي الإرهاب، أعلنت بعض الأصوات عن تأييدها الواضح للتحالف السعودي الأميركي.
فقد كتب ماكس بوت، أحد المعلقين المحافظين المرموقين في مجلة «كومنتاري» أن واشنطن لا يجب أن تسمح للتحالف الأميركي السعودي بأن ينهار. قال بوت: «تعد المملكة العربية السعودية قوة رئيسية وضرورية لدعم النظام الذي تقوده أميركا في الشرق الأوسط. ولكن إيران، على النقيض من ذلك، يحكمها نظام ثوري عازم على مد حكمها في المنطقة وتدمير إسرائيل والحصول على الأسلحة النووية».
ومن جانبه، أكد جون بولتون، السفير السابق لدى الأمم المتحدة وأحد المدافعين عن إدارة جورج بوش، اعتقاده أن السعودية لا تتحمل هجمات الحادي عشر من سبتمبر. ففي حوار مع شبكة «فوكس» الإخبارية في 18 أبريل، قال: «دعونا نكن واضحين، لقد نظرت إدارتان مختلفتان للغاية، وهما إدارة جورج بوش وإدارة باراك أوباما، في مئات الآلاف من الصفحات التي تتضمن أدلة تتعلق بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وتوصلت إلى أن المملكة العربية السعودية والمسؤولين بها لم يكونوا متورطين».
وفي الوقت نفسه، يمكن لتأثير تلك المناقشات الحادة - خصوصًا فيما يتعلق بوثيقة الـ«28 ورقة» السرية - أن تزيد حالة البارانويا، والخوف، في السياسات الأميركية.
ومن ثم يقول إيرا موسى، الطبيب النفسي ومدير التدريب بمعهد ويليام ألانسون وايت، بنيويورك: «تظهر الصعوبات عندما تكون الوثائق والتقارير سرية جزئيًا، وبالتالي، لا تستطيع عقولنا احتمال وجود فراغات، خصوصًا إذا ما كان الأمر يتعلق بأكثر الأحداث كارثية في التاريخ الأميركي. ودون المعلومات المفقودة في الصفحات الثماني والعشرين المحجوبة، سوف يطلق الأفراد وكذلك الجماعات ببساطة ودون وعي العنان لخيالهم وللافتراضات لكي يملأوا الفراغات.
كما يصبح الأفراد أكثر عرضة لتصديق الإشاعات التي تأتي من المصادر التي يميلون للارتباط بهم. وعلى الرغم من أنه في وقت ما سيصبح من الضروري الإفراج عن وثيقة الـ(28 صفحة)، يمكننا أن نتساءل: لماذا زادت حاليا التقارير والتكهنات حول محتواها. وسوف تزيد الفانتازيا حول تلك المادة السرية يغذيها مخاوفنا وتوتراتنا، على غرار خوفنا من السير في الظلام أو خوف الأطفال من الأشباح المختبئين تحت الأسرّة».
* ينشر بالتزامن مع الشقيقة {المجلة}



الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)

دعا الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ محامي رئيس الوزراء والادعاء العام إلى اجتماع في مقر إقامته، بحسب ما أعلن مكتبه الثلاثاء، في وقت يدرس طلب عفو في إطار محاكمات الفساد الجارية بحق بنيامين نتنياهو.

ويواجه نتنياهو اتهامات في قضيتين بمحاولة الحصول على تغطية إعلامية إيجابية من وسائل إعلام إسرائيلية، إضافة إلى قضية ثالثة يُتّهم فيها بتلقي أكثر من 260 ألف دولار في شكل هدايا فاخرة من مليارديرات مقابل خدمات سياسية. وقد أُسقطت عنه تهمة رابعة بالفساد.

وقالت المستشارة القانونية للرئيس ميخال تسوك-شافير في رسالة إلى الأطراف إن هرتسوغ «يرى أنه قبل ممارسة صلاحياته في ما يتعلق بالطلب المقدّم بشأن رئيس الوزراء، ينبغي بذل كل جهد لعقد محادثات بين الأطراف للتوصل إلى تفاهمات».

ووجّهت الرسالة إلى محامي نتنياهو عميت حداد، والمدعية العامة غالي بهاراف-ميارا، والمدعي العام للدولة عميت آيسمان، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

ويعدّ نتنياهو الذي نفي مرارا ارتكاب أي مخالفات، أول رئيس وزراء إسرائيلي في منصبه يمثل أمام القضاء بتهم فساد. ولطالما وصف الإجراءات القضائية التي بدأت عام 2019 بأنها «محاكمة سياسية».

وأوضح مكتب هرتسوغ أن هذه المحادثات تشكّل «مجرد خطوة تمهيدية قبل أن ينظر الرئيس في استخدام صلاحية العفو».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تطرق إلى القضية مباشرة في خطاب أمام الكنيست في أكتوبر (تشرين الأول)، داعيا هرتسوغ إلى منحه العفو. وأرسل لاحقا رسالة رسمية يطلب فيها العفو عن نتنياهو، أعقبها طلب رسمي من محامي الأخير.

واستؤنفت محاكمة نتنياهو قبل أسبوعين بعد رفع القيود الطارئة التي فُرضت خلال الحرب مع إيران.


«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)

بعد شهرين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد إيران تملك حاكماً واحداً غير منازع في قمة السلطة، في قطيعة مفاجئة عن إرث الماضي قد تدفع طهران إلى مزيد من التصلب، بينما تدرس استئناف المحادثات مع واشنطن.

منذ تأسيسها عام 1979، دارت المؤسسة الحاكمة في فلك مرشد يملك السلطة النهائية في كل القضايا الرئيسية للدولة، لكن مقتل المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، وصعود نجله الجريح مجتبى، أدخلا البلاد في نظام مختلف يهيمن عليه قادة «الحرس الثوري»، ويتسم بغياب مرجعية حاسمة وذات سلطة نافذة لاتخاذ القرار، حسب تحليل لوكالة «رويترز».

ولا يزال مجتبى خامنئي في قمة النظام، لكن 3 مصادر مطلعة على المداولات الداخلية قالت إن دوره يقتصر إلى حد كبير على إضفاء الشرعية على القرارات التي يتخذها جنرالاته، لا إصدار التوجيهات بنفسه.

ويقول مسؤولون ومحللون إيرانيون إن ضغوط الحرب أدت إلى تركيز السلطة في دائرة داخلية أضيق من المحافظين المتشددين، متجذرة في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، الذي بات يهيمن على الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الرئيسية.

وقال مسؤول حكومي باكستاني كبير أُطلع على محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة التي تتوسط فيها إسلام آباد: «الإيرانيون بطيئون بشكل مؤلم في ردودهم». وأضاف: «يبدو أنه لا توجد هيكل قيادي واحدة لاتخاذ القرار. أحياناً يستغرق الأمر يومين أو 3 أيام كي يردوا».

عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي

وقال محللون إن العقبة أمام التوصل إلى اتفاق ليست الصراعات الداخلية في طهران، بل الفجوة بين ما تستعد واشنطن لتقديمه، وما كان «الحرس الثوري» المتشدد مستعداً لقبوله.

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي الوجه الدبلوماسي لإيران في المحادثات مع الولايات المتحدة، وانضم إليه أخيراً رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قيادي في «الحرس الثوري» ورئيس بلدية طهران سابقاً ومرشح رئاسي، وقد برز خلال الحرب بوصفه قناة رئيسية بين النخب السياسية والأمنية والدينية في إيران.

لكن على الأرض، كان المحاور المركزي هو قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، وفق مصدر باكستاني ومصدرين إيرانيين، الشخصية المحورية في إيران، بما في ذلك في الليلة التي أُعلن فيها وقف إطلاق النار.

ولم يظهر مجتبى علناً حتى الآن. وقال مصدران مقربان منه إنه يتواصل من خلال مساعديه بـ«الحرس الثوري» أو عبر اتصالات صوتية محدودة بسبب قيود أمنية، وأصيب مجتبى بجروح بالغة في ساقه خلال الموجة الأولى من الغارات الإسرائيلية والأميركية على إيران، والتي قُتل فيها والده وعدد من أقاربه.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية بعد على طلب للتعليق على ما أثاره هذا المقال. ونفى مسؤولون إيرانيون في السابق وجود أي انقسامات بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة.

في قبضة قادة عسكريين

قدّمت إيران، الاثنين، مقترحاً جديداً إلى واشنطن، ويقول مسؤولون إيرانيون كبار إنه يتصور محادثات مرحلية، مع تنحية الملف النووي جانباً في البداية إلى أن تنتهي الحرب، وتُحل الخلافات بشأن الملاحة في الخليج العربي. وتصر واشنطن على ضرورة معالجة الملف النووي منذ البداية.

وقال آلان آير، الخبير في الشؤون الإيرانية والدبلوماسي الأميركي السابق، إن «أياً من الطرفين لا يريد التفاوض»، مضيفاً أن كلاً منهما يعتقد أن الوقت كفيل بإضعاف الطرف الآخر؛ إيران عبر ورقة الضغط في هرمز، وواشنطن عبر الضغط الاقتصادي والحصار.

وقال آير إن أياً من الطرفين لا يستطيع، في الوقت الراهن، أن يبدي مرونة؛ فـ«الحرس الثوري» حذر من الظهور بمظهر الضعف أمام واشنطن، بينما يواجه الرئيس دونالد ترمب ضغوط انتخابات التجديد النصفي، ولا يملك هامشاً كبيراً للمرونة من دون تكلفة سياسية.

وأضاف آير الذي شارك بالمفاوضات النووية خلال إدارة باراك أوباما من كثب: «بالنسبة إلى الطرفين، ستُفسر المرونة على أنها ضعف».

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

ولا يعكس هذا الحذر ضغوط اللحظة الراهنة فقط، بل الطريقة التي تمارس بها السلطة الآن داخل إيران. ورغم أن مجتبى هو رسمياً صاحب السلطة النهائية في إيران، فإنه، بحسب مطلعين، شخصية تصادق أكثر مما تقود؛ فهو يقر نتائج صيغت عبر توافق مؤسسي، ولا يفرض سلطته. ويقول هؤلاء إن السلطة الفعلية انتقلت إلى قيادة حرب موحدة تتمحور حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورفعت شخصيات متشددة، مثل المفاوض النووي السابق سعيد جليلي ومجموعة من النواب الراديكاليين، حضورها عبر خطاب حاد خلال الحرب، لكنها تفتقر إلى النفوذ المؤسسي اللازم لتعطيل القرارات أو تشكيل النتائج.

ويدين مجتبى بصعوده إلى «الحرس الثوري»، الذي همّش البراغماتيين ودعمه بوصفه حارساً موثوقاً به لأجندته المتشددة. وتقول مصادر مطلعة على دوائر صنع القرار الداخلية في البلاد لـ«رويترز» إن ازدياد هيمنة «الحرس الثوري»، الذي تعزز أصلاً بفعل الحرب، يشير إلى سياسة خارجية أكثر عدوانية وقمع داخلي أشد.

ويرى «الحرس الثوري» مدفوعاً بالتوجه الآيديولوجي الثوري ورؤية أمنية في المقام الأول، أن مهمته تتمثل في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية في الداخل مع إظهار الردع في الخارج.

وهذه الرؤية، التي غالباً ما يتقاسمها متشددون في القضاء والمؤسسة الحاكمة، تعطي الأولوية لسيطرة مركزية صارمة ومقاومة الضغوط الغربية، خصوصاً في السياسة النووية ونفوذ إيران الإقليمي.

السلطة بيد القطاع الأمني

وقالت المصادر المقربة من دائرة الحكم أن آيديولوجيا «الحرس الثوري» تشكل في الواقع الاستراتيجية الرئيسية؛ إذ تبقى عملية صنع القرار راسخة في يده. وأضافت المصادر أنه مع دخول البلاد في حالة حرب ورحيل خامنئي، لا يملك أي طرف داخل النظام القوة أو النطاق لمقاومة ما يراه «الحرس الثوري»، حتى لو أراد ذلك.

ولم يعد الخيار أمام القيادة الإيرانية بين سياسة معتدلة وأخرى متشددة، بل بين التشدد وما هو أشد تشدداً. وقال مصدران إيرانيان قريبان من دوائر السلطة إن فصيلاً صغيراً قد يدفع باتجاه الذهاب أبعد، لكن «الحرس الثوري» أبقى هذا الاندفاع حتى الآن تحت السيطرة.

ويمثل هذا التحول إعادة ترتيب حاسمة للسلطة، من أولوية رجال الدين إلى هيمنة القطاع الأمني. وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق: «انتقلنا من سلطة رجال الدين إلى السلطة العسكرية... إلى نفوذ (الحرس الثوري). هكذا تحكم إيران».

إيرانية تسير بجانب نموذج رمزي لصاروخ «خيبر شكن» الباليستي في طهران الاثنين (رويترز)

وقال أليكس فاتانكا، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، إن اختلافات في الرأي موجودة، لكن صنع القرار تركز حول المؤسسات الأمنية، مع قيام مجتبى بدور شخصية جامعة مركزية، لا صاحب قرار منفرد.

ورغم الضغط العسكري والاقتصادي المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تُظهر إيران أي مؤشرات إلى التصدع أو الاستسلام بعد نحو 9 أسابيع من الحرب

وأشار ميلر أيضاً إلى أنه لا توجد أدلة على وجود انقسامات جوهرية داخل النظام أو معارضة ذات مغزى في الشوارع.

ويشير هذا التماسك إلى أن القيادة باتت في يد «الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية، التي تبدو كأنها تقود الحرب بدلاً من مجرد تنفيذ عمليات قتالية. وقال ميلر إن توافقاً استراتيجياً برز داخل النظام: تجنب العودة إلى حرب شاملة، والحفاظ على أوراق الضغط، خصوصاً في مضيق هرمز، والخروج من الصراع أقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.


جولة موسعة لوزير الخارجية الفرنسي إلى منطقة الخليج

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة بمناسبة الجلسة المخصصة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة بمناسبة الجلسة المخصصة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (أ.ف.ب)
TT

جولة موسعة لوزير الخارجية الفرنسي إلى منطقة الخليج

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة بمناسبة الجلسة المخصصة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة بمناسبة الجلسة المخصصة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (أ.ف.ب)

يقوم جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، بدءاً من بعد ظهر الأربعاء، بجولة خليجية تقوده تباعاً إلى المملكة السعودية وقطر والإمارات وعمان. وتأتي هذه الجولة في إطار التواصل الأوروبي مع القادة الخليجيين وعقب تلك التي قام بها، تباعاً، رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ورئيسة الوزراء الإيطالية جيورجينا ميلوني. وستوفر الجولة الفرصة لبارو للقاء نظرائه في العواصم الأربع.

وتعكس هذه الزيارات المتلاحقة اهتماماً أوروبياً واضحاً بتتمات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران وبانعكاساتها محلياً وإقليمياً ودولياً، ورغبة في التواصل مع الدول الخليجية المعنية بشكل رئيسي بما هو حاصل في محيطها.

ووصفت مصادر دبلوماسية فرنسية السياق الذي تحصل فيه جولة بارو بأنه «خاص»، إذ تأتي بعد ستة أسابيع من الحرب، وفي سياق وقف لإطلاق النار لا تعرف مدته، وفي إطار مفاوضات متأرجحة بين معاودة الانطلاق والوصول إلى طريق مسدود وعودة الحرب، بالإضافة إلى إغلاق مضيق هرمز ونتائجه الكارثية على سلاسل إمداد الطاقة والأزمات الاقتصادية.

وذكرت باريس أن الجولة تشمل دولاً ترتبط معها فرنسا باتفاقيات دفاعية وكان لها دور في الدفاع عنها ضد الصواريخ والمسيرات الإيرانية، منوهة بأن ما قامت به فرنسا يفوق بأضعاف ما قامت به دول أوروبية أخرى. وبخصوص المفاوضات، ترى باريس أن أحد أسباب التعثر يكمن في أن كل طرف (إيران والولايات المتحدة) يعتبر أن ميزان القوى يميل لصالحه، وبالتالي لا يرى أن عليه تقديم تنازلات كبيرة؛ الأمر الذي يُصعّب عملية الخروج من الأزمة.

أهداف جولة بارو

تسعى باريس من خلال الجولة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، أولها تعزيز المقاربة الفرنسية - الخليجية، والأوروبية - الخليجية، إزاء مجموعة من الملفات أبرزها كيفية التعامل مع التحدي الذي تمثله برامج إيران النووية والباليستية والمسيرات، والدور الإقليمي الذي تلعبه طهران، وكيفية بلوغ الحلول المستدامة والمبادرات التي يمكن أن يقوم بها الطرفان (الفرنسي والخليجي) معاً.

وفي هذا السياق، فإن باريس ترى أن التركيز سيكون على كيفية إعادة حرية الملاحة إلى مضيق هرمز. ولا شك أن الوزير بارو سيعرض على نظرائه المراحل التي قطعتها المبادرة الفرنسية - البريطانية لضمان أمن الملاحة، من خلال إطلاق «مهمة» أو «بعثة» لمواكبة السفن والناقلات التي تعبر المضيق.

لكن أمراً كهذا لن ينطلق قبل أن تنتهي الحرب، علماً بأن باريس ولندن حرصتا على تجنب الخلط بين ما تقوم به القوات البحرية الأميركية وبين مهمات البعثة الموعودة. وترى باريس أنه يجب للطرف الخليجي أن يلعب دوراً، وأن لا شيء يمكن أن يتم من غير ضم الخليجيين إليه.

الملف اللبناني و«حزب الله»

لا ترى باريس أن جولة كهذه يمكن أن تتم من غير أن تتناول الملف اللبناني، خصوصاً مع المملكة السعودية، حيث للبلدين مقاربة متماثلة لجهة الأهداف التي يرغب الطرفان بأن تتحقق عملهما من أجل المحافظة على السيادة اللبنانية، وتفهم توازنات البلد الداخلية والتمسك باستقراره.

وإذا كانت باريس التي استقبلت مؤخراً رئيس مجلس الوزراء نواف سلام ورحبت بوقف إطلاق النار الذي تم تمديده لثلاثة أسابيع، إلا أنها، بالمقابل، شعرت بالقلق إزاء انتهاكاته وإزاء استفحال الأزمة الإنسانية وإزاء الانقسامات العميقة التي يعيشها لبنان بصدد «حزب الله»، والدور الذي لعبه بجر لبنان إلى حرب لا يريدها وربطه بأزمات إقليمية.

وأشارت المصادر الدبلوماسية الفرنسية إلى «عدوانية» «حزب الله» في الداخل، والتي برزت أيضاً مع مقتل عنصرين من قوات «اليونيفيل» الدولية، حيث تحمّل باريس المسؤولية لعناصر من الحزب المذكور. وثمة مصدر قلق ثان لفرنسا عنوانه احتلال إسرائيل لمناطق في جنوب لبنان، التي من شأنها دعم «سردية» «حزب الله» ووضع العراقيل بوجه السلطات اللبنانية في سعيها لوضع حد لهذه الحرب عن طريق المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

ما قبل الحرب وما بعدها

ثمة محور ثان ستدور حوله جولة بارو، عنوانه الأول تعزيز المقاربة الفرنسية - الخليجية بصدد الحلول المستدامة للأزمة ولما بعدها. وترى باريس أن الدول الخليجية لن تكون بعد الحرب كما كانت قبلها، ولذا فإن أحد الأهداف يكمن في تعزيز الشراكات بين الجانبين.

وتقول المصادر الدبلوماسية إن فرنسا كانت في المقام الأول تسعى لمساعدة شريكاتها في عملية الدفاع، وهي جاهزة لأن تكون مجدداً إلى جانبهم في حال استؤنفت الحرب. لكنها ترى أنه يتعين في المقدمة الحاجة إلى تعميق الشراكة في المجال الأمني والدفاعي والذهاب إلى شراكات متجددة؛ لأن الحرب وأساليبها تتطور وتتغير ويجب مواكبة التطورات. وفي المقام الثاني، وبالنظر لما يجري في مضيق هرمز، فإن باريس ترى الحاجة لتطوير طرق بديلة للمحافظة على إمدادات الطاقة حتى لا يقع العالم بأزمات مشابهة للأزمة الراهنة، والطريق إلى ذلك يمر عبر الربط الإقليمي بين الوسائل المتوافرة، أو تلك التي يتعين إيجادها، خصوصاً أنها تتجه كلها من الشرق إلى الغرب؛ أي باتجاه المتوسط، حيث يمكن لسوريا وللبنان أن يكونا جزءاً منها.

وباختصار، تعتبر باريس أن الهدف من الزيارة التقريب بين فرنسا وشريكاتها في الخليج في مقاربة الأزمات، وفي توفير السبل لمواجهة التحديات التي تتسبب بها.