الدوافع وراء ابتعاد السوريين عن «داعش»

أحد العوامل الرئيسية هو معاملة تفضيلية من جانبه للمقاتلين الأجانب على أهل البلاد

عناصر من داعش خلال دورية في تل أبيض في وقت سابق من العام الحالي (رويترز)
عناصر من داعش خلال دورية في تل أبيض في وقت سابق من العام الحالي (رويترز)
TT

الدوافع وراء ابتعاد السوريين عن «داعش»

عناصر من داعش خلال دورية في تل أبيض في وقت سابق من العام الحالي (رويترز)
عناصر من داعش خلال دورية في تل أبيض في وقت سابق من العام الحالي (رويترز)

تخلى عمار عن ولائه وثقته بعد سنتين من انضمامه إلى تنظيم داعش. كان عمار طالبا سابقا يدرس القانون في محافظة دير الزور السورية، وانخرط في الاحتجاجات الشديدة التي اجتاحت مختلف المحافظات السورية ضد حكم الرئيس السوري بشار الأسد عام 2011. ثم التحق بصفوف تنظيم داعش في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014. بعدما رأى الثورة تسقط في هوة الحرب الأهلية. وكانت «الخلافة»، كما ظن، هي القوة الوحيدة القادرة على تحدي نظام الأسد واستعادة الكرامة لجموع المسلمين بعد عقود من الاضطهاد والهوان على أيدي الغرب. وكان يعتقد حقا أن «داعش» يسعى فعلا إلى تحقيق العدالة والأمن لبلاده.
ولكن بعد من العنف المستمر الذي لا تبدو نهاية له في الأفق القريب، أصيب عمار بخيبة أمل شديدة في التنظيم الذي واصل، على نحو متزايد، معاملة المقاتلين السوريين كمواطنين من الدرجة الثانية، وكان يتعامل مع المدنيين السوريين بما هو أسوأ من ذلك. لقد شاهد عمار «داعش» وهو يعدم أصدقاءه الذين كان يعرفهم منذ نعومة أظفاره، وازداد إثر ذلك حنقه وسخطه على المقاتلين الأجانب الذين استقدمهم التنظيم من أوروبا ومنطقة الخليج العربي، والذين يتلقون رواتبهم بأضعاف ما يتلقاه نظراؤهم من السوريين ويحاولون احتكار المناصب القيادية في التنظيم. وفي الجماعة التي تدعي الجدارة واحترام الشريعة، فإن المعاملة التفضيلية «المنافقة» من جانب «داعش» للمقاتلين الأجانب على أهل البلاد الأصليين أصابت عمار بصدمة عميقة وشديدة.
في تقرير رصدته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية المرموقة تظاهر عمار، إثر ذلك، في يناير (كانون الثاني) من هذا العام، بأنه ذاهب للقتال في الخطوط الأمامية في العراق، ولكنه بدلا من ذلك غادر وحدته المقاتلة وفر إلى تركيا. وبفعلته هذه فهو قد انضم إلى عدد متزايد من مقاتلي «داعش» السوريين الذين فقدوا إيمانهم بادعاءات الجماعة الكاذبة التي باتوا يعتبرون تكتيكاتها أبعد ما تكون عن الإسلام ولا تمت للإنسانية بصلة. ورغم أن البيانات المتاحة حول هذا التوجه غير كافية، فإن المئات من مقاتلي «داعش» قد انشقوا بالفعل عن صفوف التنظيم في محافظتي الرقة وحلب خلال شهر مارس (آذار) وحده. ونسبة كبيرة منهم من السوريين، الذين انضم بعضهم إلى جماعات المعارضة المعتدلة، مثل الجيش السوري الحر، وبعضهم الآخر تخلى عن الصراع السوري بالكلية عن طريق عبور الحدود إلى تركيا أو الأردن.
وعلى الرغم من صدق عمار في أن غالبية قادة «داعش» في سوريا هم من المقاتلين الأجانب أو العراقيين، فإن التنظيم المتطرف ورغم ذلك يعتمد وبشكل كبير على عناصر سوريا في مهام الاستخبارات، وبناء العلاقات مع المدنيين، والتوسط في عقد التحالفات مع العشائر، وإدارة المؤسسات الحيوية، بما في ذلك الضرائب، التي تستلزم وجود معرفة عميقة وداخلية بالسكان المحليين وجغرافية المكان.
غير أن تزايد عدد المقاتلين السوريين المنشقين عن التنظيم باتت تشكل تهديدا خطيرا على «حكومة (داعش)» وعلى العمليات العسكرية في سوريا. ولقد أجرينا مقابلات شخصية مع ثمانية من مقاتلي «داعش» السابقين في تركيا حول الدوافع التي حركتهم للانضمام إلى التنظيم في أول الأمر – ثم الدوافع التي أدت بهم إلى الانشقاق. وتعكس قصصهم صورة للتنظيم الذي يكافح وبشدة من أجل المحافظة على أبسط أدوات السيطرة على أفراد التنظيم ومقاتليه.
* نقائص «داعش»
إن إدراك الأسباب الكامنة وراء انشقاق السوريين عن «داعش» يستلزم بالضرورة إدراك أسباب الانضمام إلى التنظيم الإرهابي في المقام الأول. وتكشف المقابلات الشخصية التي أجريت مع مقاتليه السابقين من السوريين الدوافع الأولية وراء الانضمام.
- أولا، التحق بعض السوريين بـ«داعش» لأنهم من المؤمنين الحقيقيين والملتزمين فكريا بهدف إقامة «الخلافة» التي تحكم وفقا لأحكام ونصوص الشريعة. وبعد عقود طويلة من الحكم السلطوي والحرب الأهلية المتطاولة، كانت تلك الفئة من المقاتلين مقتنعة بالانضمام إلى «داعش» إيمانا بوعود التنظيم بتوفير الأمن، والرخاء، والعدالة الإسلامية. وكما أوضح أحد المنشقين - وهو من محافظة دير الزور - «تزعم الولايات المتحدة وغيرها من الحكومات الغربية أنها تحارب الإرهاب، ولكنهم في حقيقة الأمر يستخدمون الإرهاب كذريعة ومبرر لقتل المزيد من المسلمين. و(داعش) هو المدافع والممثل الوحيد عن المسلمين في هذه المعركة القائمة بين الإسلام والغرب».
- ثانيا، انضم بعض السوريين إلى صفوف التنظيم بسبب إما أنهم مجرمون مطلوبون للعدالة أو من مقاتلي الأعداء المقبوض عليهم والذين تلقوا وعودا بالعفو مقابل تعهدهم بالولاء للتنظيم. وبالنسبة لتلك الفئة، كان الانضمام إلى «داعش» السبيل الوحيدة لتجنب مواجهة الموت المحقق والرهيب. وفي بعض المناطق السورية، أطلق «داعش» وعفا بالفعل عن مئات من المجرمين المدانين سابقا من جانب محاكم النظام السوري شريطة انضمامهم إلى صفوف التنظيم كمقاتلين. ولقد انضم اثنان من أفراد «الجيش السوري الحر» إلى «داعش»، وأجريت معهما المقابلة الشخصية لأجل هذا المقال، بعدما أجبرت الألوية التي كانوا يحاربون فيها على الاستسلام للتنظيم الإرهابي، وكان أحدهما بالقرب من مطار دير الزور الحربي، والآخر في محافظة الحسكة. وعندما عرض «داعش» عليهما العفو مقابل خضوعهما لدورات الاستتابة، قبلا الصفقة على الفور.
وقال أحد هذين الرجلين «لم أؤمن قط بدعوى (داعش)، لكنني كنت محاصرا في المدينة، ولم أتمكن من الفرار. وكنت على يقين من أنهم سيقتلونني لو رفضت الانضمام إليهم، ولذلك قررت الانضمام للبقاء على قيد الحياة، ثم بدأت في إعداد الخطط للفرار منهم».
- ثالثا، هناك عدد كبير من السوريين ينضمون لـ«داعش» لأسباب اقتصادية. ففي سوريا، حيث سجل أعلى معدل للبطالة بين كل الدول العربية، يستميل «داعش» المواطنين من خلال توفير فرص العمل ذات الرواتب الجيدة التي تعتبر أفضل من كل البدائل المتاحة. ووفقا لوثائق التنظيم الرسمية، فإن الراتب الأول للمقاتل يبدأ من 50 دولارا في الشهر، مع 50 دولارا أخرى تدفع للزوجة أو الجارية، و50 دولارا لكل أو أي من الوالدين، ثم 35 دولارا لكل طفل من الأطفال. وإذا ما وضعنا هذه المزايا في الحساب، تقدر بعض المصادر أن الرواتب النموذجية في «داعش» تتراوح بين 400 إلى 1200 دولار في الشهر. وبالإضافة إلى الراتب الأساسي، يتلقى المقاتلون في التنظيم مزايا مادية أخرى، بما في ذلك الغذاء، والغاز، والإسكان. ويقول المقاتلون السابقون المنشقون عن التنظيم الإرهابي إن أصحاب المهارات أو الخبرات الخاصة، وهم في العادة من الأجانب، يتلقون رواتب أكثر من غيرهم.
في المقابل، ما يدفعه «الجيش السوري الحر» من رواتب لمقاتليه لا يتجاوز 36 دولارا في الشهر، مع انعدام المزايا الإضافية الأخرى التي يوفرها «داعش» لمقاتليه، وتبدأ رواتب الجيش النظامي السوري من 63 دولارا في الشهر، بينما تدفع «جبهة النصرة» متوسط 100 دولار للمقاتلين في الشهر. وأوضح أحد المنشقين عن «داعش» في دير الزور أنه انضم إلى التنظيم بسبب أنه كان يتحمل مسؤولية إعالة 6 شقيقات ولم يكن قادرا على توفير الغذاء والحماية لهن. وعندما توقف النظام الحاكم في سوريا عن سداد رواتب المواطنين في دير الزور وأجبرت منظمات الإغاثة الإنسانية على الانسحاب من المدينة، انهار الاقتصاد المحلي تماما. وقال المقاتل المنشق عن التنظيم «أمضيت شهرين كاملين أبحث عن عمل وعندما تمكنت من العثور على وظيفة، كنت أعمل 12 ساعة في اليوم مقابل راتب هزيل لم أتمكن به من شراء ما يكفي من الخبز لعائلتي. لم أكن لأترك عائلتي تتضور جوعا، ولذلك لم يكن أمامي من خيار سوى الانضمام إلى (داعش)». وللعلم، من أحد العوامل التي دفعته للانضمام أيضا كان الخوف من إجبار شقيقاته على الزواج من مقاتلي «داعش» رغما عن إرادتهن، إذ أضاف المقاتل السابق يقول: «انضممت للتنظيم لحماية شقيقاتي من رجال التنظيم».
- رابعًا، من فئات المقاتلين التي كانت تنضم إلى «داعش» من يعتبرون نظام بشار الأسد العدو الأول والأخير، وأن «داعش» هو التهديد الأكبر أمام بقاء واستمرار ذلك النظام. وهنا يقول عمار شارحًا «لقد تخلى العالم بأسره عن سوريا في محنتها. وكان «داعش» هو التنظيم الوحيد الذي يقف في وجه نظام بشار». بينما أحد المنشقين عن التنظيم كانت عائلته قد تعرضت للقتل على أيدي رجال الحكومة السورية، لأنه انضم إلى صفوف «داعش» من أجل «الانتقام». وأضاف أن أغلب أفراد التنظيم من أبناء مدينة حمص، التي شهدت أشرس عمليات القمع ضد الاحتجاجات، إنما انضموا لنفس السبب.
- خامسا، وأخيرا، ينضم بعض السوريين إلى «داعش» لسبب بسيط ألا وهو الانتهازية. إذ يقول حسام، الذي انشق عن «داعش» في محافظة إدلب السورية «لمحاولة تحقيق أقصى قدر ممكن من السلطة والمال». وعلى وجه الخصوص، بذل «داعش» الكثير من المجهود لتجنيد المسؤولين العسكريين السابقين الذين يمتلكون خبرات مهمة في العمليات العسكرية وشؤون الاستخبارات. وهذه الفئة لم تشارك أساسًا في الثورة، وهم يعتبرون من المنبوذين في المناطق البعيدة عن سيطرة النظام الحاكم. ويروي حسام محادثة جرت بين أحد زعماء العشائر في الريف السوري في دير الزور وبين أحد المسؤولين الدينيين من «داعش» كان يحاول تجنيده لصالح التنظيم. وكان رد الزعيم القبلي قاطعا وحاسما إذ قال: «كيف يمكنني الانضمام لتنظيم لا يحتضن إلا اللصوص وقطاع الطرق من المجتمع؟ إذا ما أردتم فعليا أن تكونوا خلافة إسلامية، كيف يسعكم قبول هؤلاء الأشخاص بين صفوفكم؟» فأجابه المسؤول الداعشي بقوله إن التنظيم «يحاول إصلاحهم وتصحيح حياة أولئك المنحرفين عن طريق التعليم الديني». ولكن حسام قال إنه على الرغم من هذه الجهود، فإن الكثير من الانتهازيين ممن التحقوا بصفوف التنظيم كانوا من مثيري المشاكل والشغب ولم يتمكن التنظيم من إصلاح سلوكهم. وأضاف يقول: «80 في المائة من أعضاء (داعش) هم من سوء القوم وأشرارهم».
كذلك تشير المقابلات الشخصية التي أجريت مع أعضاء «داعش» السابقين إلى أن دوافع الانشقاق والفرار من التنظيم متعددة ومتنوعة مثل دوافع الانضمام. فبالنسبة لأحدهم، ينشق بعض المقاتلين عن «داعش» وينطلق إلى غيره من الجماعات المسلحة لأن التنظيم بدأ يواجه الهزائم المتكررة ويخسر. وكما أوضح أحد المنشقين قائلا: «إنهم يزدادون ضعفا يوما بعد يوم». ولقد فر إلى تركيا بسبب خوفه من الانتقام الحتمي إن ألقي القبض عليه من جانب النظام الحاكم أو من إحدى الجماعات المسلحة المتصارعة. والحال في سوريا لا يختلف في شيء عن العراق، حيث قطعت رؤوس سجناء «داعش» وتعرض بعضهم للتشويه والتعذيب في عمليات قتل انتقامية مروعة.
* مستبدون.. ومستبدون
وبالإضافة إلى ذلك، انجذب بعض المواطنين السوريين إلى «داعش» في الأساس إيمانا بتعهد التنظيم بتدمير ما وصفوه بالنظام الاستبدادي لبشار الأسد وغيره من الحكومات الديكتاتورية في الشرق الأوسط. ولكن الآن، يتساوى «داعش» من حيث الاستبداد والقمع مع مختلف حكومات المنطقة التي يسعى للقضاء عليها. وعلى غرار النظام الحاكم في سوريا، يمنع «داعش» تأسيس منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الخاصة. حتى إن التنظيم بات يقلد أساليب التعذيب ذاتها المستخدمة داخل سجون النظام السوري. وذكر أحد المنشقين عن التنظيم، وهو من محافظة إدلب، أنه انضم للتنظيم في أول الأمر تصديقا منه بوعود تطبيق العدالة الإسلامية التي أعلن عنها التنظيم، إلا أنه بعد معاينة الواقع المزري للحكم تحت ظلال «داعش»، بما في ذلك إعدام أفراد التنظيم المشكوك في ولائهم، أصيب بخيبة أمل عظيمة، وهكذا «شعرت بحجم الكذب الذي تعرضت له، وأن تفسيرهم لدين الإسلام ليس صحيحا بالمرة. إنهم استبداديون للغاية، تماما مثل النظام الحاكم، لا فرق بينهم».
مجموعة أخرى من حالات الانشقاق عن التنظيم كانت تتعلق بحقيقة مفادها استمالة «داعش» للكثير من المواطنين السوريين، في بادئ الأمر، بحجة القضاء على الفساد – وهي أحد المظالم الرئيسية التي أشعلت الثورة السورية في عام 2011. ومن المواضيع المتكررة في دعاية «داعش» الزعم بأن لكل المواطنين الحق في المساواة في المعاملة. وكما يظهر من إحدى وثائق التنظيم في ولاية الرقة: «الناس سواسية مثل أسنان المشط. لا فرق بين الأغنياء والفقراء والأقوياء والضعفاء». وهناك نص آخر من نصوص التنظيم يشير إلى الحياد المفترض في النظام القانوني لـ«داعش» جاء فيه: ينتخب أعضاء الشرطة المحلية من بين أكثر الناس خشية وتقوى لله والذين لا يظهرون أي محاباة لأحد، مثل الشخص الذي ارتكب جريمة تستلزم حدا من الحدود الشرعية (وهي نوعية الجرائم التي يوجد بشأنها نص محدد في القرآن)، فإنه يتلقى العقوبة المنصوص عليها كاملة بلا تخفيف. ويزعم التنظيم أن هذا المبدأ من المعاملة المنصفة ينطبق ليس فقط على المدنيين، بل على أعضاء التنظيم كذلك. وينص أحد الأدلة الإرشادية الرسمية للتنظيم على تعيين الموظفين الحكوميين المدنيين والعسكريين وفق معايير الجدارة الصارمة. والأفراد المسؤولون عن اتخاذ قرارات التوظيف ممنوعون من تفضيل الأصدقاء والأقارب في تلك القرارات، وممنوعون كذلك من حرمان المرشحين الأكثر تأهيلا بسبب العداء أو سوء الطوية تجاهه.
ولكن، على الرغم من سياسات «داعش» الرسمية ضد المحسوبية والفساد، فإن المقاتلين من ذوي الصلات مع كبار قادة التنظيم يحصلون على الأفضلية في المعاملة ويجري العفو عنهم بصورة روتينية حيال سوء السلوك، مثل التدخين وتعاطي المخدرات. وأكثر المستفيدين من معايير المعاملة المزدوجة هم المقاتلون الأجانب. ولذا أصيب خالد، وهو أحد المقاتلين السابقين لدى «داعش» من أبناء دير الزور، بخيبة أمل كبيرة عندما اكتشف أن أعضاء التنظيم من الخليج العربي، أو أوروبا، أو آسيا الوسطى يتلقون رواتب أكثر بكثير من السوريين أهل البلاد، كما يحصلون على مزايا خاصة أخرى من التنظيم. ويقول خالد «هناك مكتب خاص في الإدارة العسكرية لـ«داعش» يشرف على شؤون المهاجرين (المقاتلين الأجانب). وإذا ما رغب أحد المهاجرين في هاتف ذكي «آيفون»، يمكنه طلب الهاتف من ذلك المكتب ويحصل عليه مجانا، ومن دون توجيه أي أسئلة». وفي حين أن المقاتلين الأجانب يرقون بسرعة إلى مختلف المناصب القيادية داخل التنظيم، فإن المقاتلين السوريين غالبا ما يكلفون بأخطر المهام في الخطوط الأمامية – ولا سيما تلك الفئة من المقاتلين السوريين الذين لا يحظون بالثقة الكاملة من جانب قادتهم إما بسبب الشكوك في تخطيطهم للفرار من التنظيم أو لاعتبارهم غير ملتزمين بما فيه الكفاية لهذه القضية. ومن السهولة بمكان تعرض المقاتلين السوريين لاتهامات بأنهم «قريبون للغاية» من المدنيين. وأولئك المشكوك في ولائهم يجري في أغلب الأحيان تكليفهم بأخطر وأصعب المهام – وهي وسيلة من وسائل الخداع للتخلص منهم. ومن بين المظالم الأخرى التي استشهد بها المنشقون والفارون عن «داعش» كانت انخفاض الرواتب. ويتلقى المقاتلون السوريون في واقع الأمر رواتب أقل بكثير من المقاتلين الأجانب، وخلال الشهور الأخيرة، خفض التنظيم المتطرف رواتب كل المقاتلين بمقدار النصف. وبالنسبة للمقاتلين السوريين الذين انضموا للتنظيم لأسباب اقتصادية بالأساس، فإن مزايا العضوية لم تعد تستحق ما يقابلها من مخاطر. وحسب كلام أحد المقاتلين السابقين من دير الزور فإنه قرر الانشقاق عن التنظيم عندما أصبح غير قادر على تحمل تكاليف إطعام عائلته نتيجة للتخفيضات في الرواتب وارتفاع أسعار المواد الغذائية.
وأخيرا، ينشق بعض السوريين عن «داعش» لتجنب إعادة نشرهم في ساحات القتال البعيدة في العراق أو ليبيا، وتلك التي تعتبر التفافا غير مرغوب فيه عن المعركة الأساسية مع نظام الأسد. وقبل الانضمام إلى «داعش» في عام 2014، قاتل عمار في صفوف «الجيش السوري الحر». وكان عدوه الوحيد آنذاك هو النظام السوري – وليست الحكومة العراقية، أو قوات التحالف الدولي، أو أي قوات «مرتدة» أخرى كان التنظيم قد أعلن الحرب عليها من قبل.
ولقد أصيب عمار بإحباط شديد بسبب التناقضات الداخلية الكبيرة في «داعش» إلى جانب المعاملة القاسية والسيئة بحق المدنيين السوريين. وكانت «القشة التي قصمت ظهر البعير» لديه كان قرار قائده بإعادة نشره مع وحدته إلى الخطوط الأمامية في العراق. إذ فور علمه بخبر انتقاله إلى هناك، هرب عمار إلى تركيا. وبعض من المقاتلين السابقين الذين أجرينا معهم المقابلات في تركيا يقولون إنهم طالبوا بأن يقاتلوا ضد نظام بشار الأسد فقط، ولقد فروا من «داعش» عندما حاولت القيادات العليا إرسالهم للحرب ضد إخوانهم السوريين في الجيش السوري الحر.
* فراغ ويأس
مع ورود التقارير المختلفة عن الاقتتال الداخلي، وعن الصراع على السلطة، وارتفاع عدد الضحايا، يتخذ التنظيم الإرهابي تدابير صارمة جدا لردع الانشقاق عن صفوفه والفرار. وخلال الشهور الأخيرة، نفذ التنظيم أحكام الإعدام بحق المئات من مقاتليه بسبب محاولاتهم الهروب. ووفقا لبعض التقارير الواردة، تعرض المنشقون أو الفارون لعقوبات الموت حرقا أو بالتجمد في ثلاجات حفظ الموتى وهم أحياء.
ولكن من ناحية أخرى، على الرغم من أن الزيادة في الانشقاقات عن «داعش» قد تكون من قبيل الأنباء السارة بالنسبة للتحالف بقيادة الولايات المتحدة، فإن ذلك التوجه يحمل بعض العواقب المثيرة للقلق لدى السوريين. فبالإضافة إلى عمليات الإعدام ذات الإجراءات السريعة للمقاتلين أو المدنيين المشتبه في ولائهم للتنظيم، بدأ «داعش» تجنيد أعداد كبيرة من الأطفال لتغطية الفجوة الهائلة في صفوف المقاتلين. و«أشبال الخلافة» - ما يسميهم «داعش» الآن، - هم من المقاتلين الجدد الأرخص والأكثر طواعية من الناحية الفكرية عن الشباب أو الكبار.



الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.


مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
TT

مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

في وقت جدّد فيه التزام الدولة بالتصدي الحازم لأي محاولات تستهدف تعطيل مؤسساتها الوطنية، كشف مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن فتح تحقيق شامل في الأحداث الأخيرة بعدن، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التحريض عليها أو تمويلها.

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

جاء ذلك خلال اجتماع عقده المجلس برئاسة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، وعضوية سلطان العرادة، وعبد الرحمن المحرمي، وعبد الله العليمي، وسالم الخنبشي، وبمشاركة طارق صالح ومحمود الصبيحي عبر الاتصال المرئي. وحذّر المجلس من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية» تحت ضغط الشعارات أو الحسابات الضيقة.

واستعرض الاجتماع تطورات الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن، على خلفية الأحداث التي شهدتها المدينة، ومحاولات الاعتداء على مؤسسات الدولة وتعطيل أعمالها، واستخدام الشارع وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية «غير مشروعة»، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الرسمية (سبأ).

وكانت قوات «درع الوطن»، وألوية «العمالقة» عززّت انتشارها في محيط المجمع الرئاسي بمدينة عدن، حيث رصدت «الشرق الأوسط» انتشار وحدات عسكرية إضافية في الطرق المؤدية إلى المنطقة التي تضم مقر إقامة مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الوزراء، إضافة إلى عدد من المؤسسات السيادية والخدمية؛ بينها البنك المركزي، ومكتب الجوازات، ومصلحة الأحوال المدنية.

وأكد المجلس عزمه الرد بحزم على أي مساعٍ لتعطيل مؤسسات الدولة، والعمل على فتح تحقيق شامل في هذه الأحداث، ومساءلة كل من يثبت ضلوعه في التحريض أو التمويل، مشيداً في الوقت ذاته بـ«اليقظة العالية» للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية في حماية المدنيين والممتلكات العامة والخاصة، وصون السلم الأهلي.

وعبّر مجلس القيادة عن تقديره لموافقة المملكة العربية السعودية على استضافة مؤتمر الحوار الجنوبي، معتبراً ذلك «مستوى متقدماً وغير مسبوق» في مقاربة القضية الجنوبية، بوصفها قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، تتطلب معالجة منصفة ضمن إطار الدولة ومرجعياتها الضامنة.

قوات درع الوطن تمركزت إلى جانب قوات الأمن في مداخل عدن (إعلام محلي)

وفي السياق نفسه، شدد المجلس على ضرورة عدم التفريط في هذه الفرصة تحت ضغط الشعارات أو الحسابات الضيقة، داعياً إلى حماية المكاسب المتحققة أمنياً وخدمياً واقتصادياً، واستلهام العبر من «المغامرات الطائشة» لميليشيات الحوثي التي عزلت أكثر من 20 مليون يمني، وحرمتهم من الرواتب وفرص العيش الكريم.

وجدد المجتمعون إشادتهم بالدعم السعودي «السخي» للنهوض بأوضاع المحافظات المحررة، مؤكدين اعتزازهم بالشراكة الاستراتيجية مع المملكة، وخصوصية العلاقات الراسخة القائمة على الجوار والمصير المشترك والأمن المتبادل، ومهنئين قيادتها بمناسبة يوم التأسيس وما حققته من تحولات تنموية شاملة.

كما أكد المجلس دعمه الكامل للحكومة وتمكينها من ممارسة صلاحياتها الدستورية، والمضي في تنفيذ خطة التعافي وبرنامج الإصلاحات الشاملة، بما يشمل الإسراع في إعداد مشروع الموازنة العامة، وتعزيز الإيرادات، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وتنفيذ مشاريع خدمية ذات أثر مباشر في حياة المواطنين.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي إلى جوار رئيس الحكومة الزنداني في عدن (إكس)

وتطرق الاجتماع إلى مستجدات التطورات الإقليمية في ظل استمرار ما وصفه بـ«تعنت» النظام الإيراني وميليشياته في اليمن والمنطقة إزاء المساعي الرامية إلى خفض التصعيد، وانعكاسات ذلك على الأمنين الوطني والإقليمي، مؤكداً جاهزية الدولة لردع أي تهديدات محتملة بالتنسيق الوثيق مع تحالف دعم الشرعية والمجتمع الدولي.