الدوافع وراء ابتعاد السوريين عن «داعش»

الدوافع وراء ابتعاد السوريين عن «داعش»

أحد العوامل الرئيسية هو معاملة تفضيلية من جانبه للمقاتلين الأجانب على أهل البلاد
السبت - 29 رجب 1437 هـ - 07 مايو 2016 مـ رقم العدد [ 13675]
عناصر من داعش خلال دورية في تل أبيض في وقت سابق من العام الحالي (رويترز)

تخلى عمار عن ولائه وثقته بعد سنتين من انضمامه إلى تنظيم داعش. كان عمار طالبا سابقا يدرس القانون في محافظة دير الزور السورية، وانخرط في الاحتجاجات الشديدة التي اجتاحت مختلف المحافظات السورية ضد حكم الرئيس السوري بشار الأسد عام 2011. ثم التحق بصفوف تنظيم داعش في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014. بعدما رأى الثورة تسقط في هوة الحرب الأهلية. وكانت «الخلافة»، كما ظن، هي القوة الوحيدة القادرة على تحدي نظام الأسد واستعادة الكرامة لجموع المسلمين بعد عقود من الاضطهاد والهوان على أيدي الغرب. وكان يعتقد حقا أن «داعش» يسعى فعلا إلى تحقيق العدالة والأمن لبلاده.

ولكن بعد من العنف المستمر الذي لا تبدو نهاية له في الأفق القريب، أصيب عمار بخيبة أمل شديدة في التنظيم الذي واصل، على نحو متزايد، معاملة المقاتلين السوريين كمواطنين من الدرجة الثانية، وكان يتعامل مع المدنيين السوريين بما هو أسوأ من ذلك. لقد شاهد عمار «داعش» وهو يعدم أصدقاءه الذين كان يعرفهم منذ نعومة أظفاره، وازداد إثر ذلك حنقه وسخطه على المقاتلين الأجانب الذين استقدمهم التنظيم من أوروبا ومنطقة الخليج العربي، والذين يتلقون رواتبهم بأضعاف ما يتلقاه نظراؤهم من السوريين ويحاولون احتكار المناصب القيادية في التنظيم. وفي الجماعة التي تدعي الجدارة واحترام الشريعة، فإن المعاملة التفضيلية «المنافقة» من جانب «داعش» للمقاتلين الأجانب على أهل البلاد الأصليين أصابت عمار بصدمة عميقة وشديدة.

في تقرير رصدته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية المرموقة تظاهر عمار، إثر ذلك، في يناير (كانون الثاني) من هذا العام، بأنه ذاهب للقتال في الخطوط الأمامية في العراق، ولكنه بدلا من ذلك غادر وحدته المقاتلة وفر إلى تركيا. وبفعلته هذه فهو قد انضم إلى عدد متزايد من مقاتلي «داعش» السوريين الذين فقدوا إيمانهم بادعاءات الجماعة الكاذبة التي باتوا يعتبرون تكتيكاتها أبعد ما تكون عن الإسلام ولا تمت للإنسانية بصلة. ورغم أن البيانات المتاحة حول هذا التوجه غير كافية، فإن المئات من مقاتلي «داعش» قد انشقوا بالفعل عن صفوف التنظيم في محافظتي الرقة وحلب خلال شهر مارس (آذار) وحده. ونسبة كبيرة منهم من السوريين، الذين انضم بعضهم إلى جماعات المعارضة المعتدلة، مثل الجيش السوري الحر، وبعضهم الآخر تخلى عن الصراع السوري بالكلية عن طريق عبور الحدود إلى تركيا أو الأردن.

وعلى الرغم من صدق عمار في أن غالبية قادة «داعش» في سوريا هم من المقاتلين الأجانب أو العراقيين، فإن التنظيم المتطرف ورغم ذلك يعتمد وبشكل كبير على عناصر سوريا في مهام الاستخبارات، وبناء العلاقات مع المدنيين، والتوسط في عقد التحالفات مع العشائر، وإدارة المؤسسات الحيوية، بما في ذلك الضرائب، التي تستلزم وجود معرفة عميقة وداخلية بالسكان المحليين وجغرافية المكان.

غير أن تزايد عدد المقاتلين السوريين المنشقين عن التنظيم باتت تشكل تهديدا خطيرا على «حكومة (داعش)» وعلى العمليات العسكرية في سوريا. ولقد أجرينا مقابلات شخصية مع ثمانية من مقاتلي «داعش» السابقين في تركيا حول الدوافع التي حركتهم للانضمام إلى التنظيم في أول الأمر – ثم الدوافع التي أدت بهم إلى الانشقاق. وتعكس قصصهم صورة للتنظيم الذي يكافح وبشدة من أجل المحافظة على أبسط أدوات السيطرة على أفراد التنظيم ومقاتليه.

* نقائص «داعش»

إن إدراك الأسباب الكامنة وراء انشقاق السوريين عن «داعش» يستلزم بالضرورة إدراك أسباب الانضمام إلى التنظيم الإرهابي في المقام الأول. وتكشف المقابلات الشخصية التي أجريت مع مقاتليه السابقين من السوريين الدوافع الأولية وراء الانضمام.

- أولا، التحق بعض السوريين بـ«داعش» لأنهم من المؤمنين الحقيقيين والملتزمين فكريا بهدف إقامة «الخلافة» التي تحكم وفقا لأحكام ونصوص الشريعة. وبعد عقود طويلة من الحكم السلطوي والحرب الأهلية المتطاولة، كانت تلك الفئة من المقاتلين مقتنعة بالانضمام إلى «داعش» إيمانا بوعود التنظيم بتوفير الأمن، والرخاء، والعدالة الإسلامية. وكما أوضح أحد المنشقين - وهو من محافظة دير الزور - «تزعم الولايات المتحدة وغيرها من الحكومات الغربية أنها تحارب الإرهاب، ولكنهم في حقيقة الأمر يستخدمون الإرهاب كذريعة ومبرر لقتل المزيد من المسلمين. و(داعش) هو المدافع والممثل الوحيد عن المسلمين في هذه المعركة القائمة بين الإسلام والغرب».

- ثانيا، انضم بعض السوريين إلى صفوف التنظيم بسبب إما أنهم مجرمون مطلوبون للعدالة أو من مقاتلي الأعداء المقبوض عليهم والذين تلقوا وعودا بالعفو مقابل تعهدهم بالولاء للتنظيم. وبالنسبة لتلك الفئة، كان الانضمام إلى «داعش» السبيل الوحيدة لتجنب مواجهة الموت المحقق والرهيب. وفي بعض المناطق السورية، أطلق «داعش» وعفا بالفعل عن مئات من المجرمين المدانين سابقا من جانب محاكم النظام السوري شريطة انضمامهم إلى صفوف التنظيم كمقاتلين. ولقد انضم اثنان من أفراد «الجيش السوري الحر» إلى «داعش»، وأجريت معهما المقابلة الشخصية لأجل هذا المقال، بعدما أجبرت الألوية التي كانوا يحاربون فيها على الاستسلام للتنظيم الإرهابي، وكان أحدهما بالقرب من مطار دير الزور الحربي، والآخر في محافظة الحسكة. وعندما عرض «داعش» عليهما العفو مقابل خضوعهما لدورات الاستتابة، قبلا الصفقة على الفور.

وقال أحد هذين الرجلين «لم أؤمن قط بدعوى (داعش)، لكنني كنت محاصرا في المدينة، ولم أتمكن من الفرار. وكنت على يقين من أنهم سيقتلونني لو رفضت الانضمام إليهم، ولذلك قررت الانضمام للبقاء على قيد الحياة، ثم بدأت في إعداد الخطط للفرار منهم».

- ثالثا، هناك عدد كبير من السوريين ينضمون لـ«داعش» لأسباب اقتصادية. ففي سوريا، حيث سجل أعلى معدل للبطالة بين كل الدول العربية، يستميل «داعش» المواطنين من خلال توفير فرص العمل ذات الرواتب الجيدة التي تعتبر أفضل من كل البدائل المتاحة. ووفقا لوثائق التنظيم الرسمية، فإن الراتب الأول للمقاتل يبدأ من 50 دولارا في الشهر، مع 50 دولارا أخرى تدفع للزوجة أو الجارية، و50 دولارا لكل أو أي من الوالدين، ثم 35 دولارا لكل طفل من الأطفال. وإذا ما وضعنا هذه المزايا في الحساب، تقدر بعض المصادر أن الرواتب النموذجية في «داعش» تتراوح بين 400 إلى 1200 دولار في الشهر. وبالإضافة إلى الراتب الأساسي، يتلقى المقاتلون في التنظيم مزايا مادية أخرى، بما في ذلك الغذاء، والغاز، والإسكان. ويقول المقاتلون السابقون المنشقون عن التنظيم الإرهابي إن أصحاب المهارات أو الخبرات الخاصة، وهم في العادة من الأجانب، يتلقون رواتب أكثر من غيرهم.

في المقابل، ما يدفعه «الجيش السوري الحر» من رواتب لمقاتليه لا يتجاوز 36 دولارا في الشهر، مع انعدام المزايا الإضافية الأخرى التي يوفرها «داعش» لمقاتليه، وتبدأ رواتب الجيش النظامي السوري من 63 دولارا في الشهر، بينما تدفع «جبهة النصرة» متوسط 100 دولار للمقاتلين في الشهر. وأوضح أحد المنشقين عن «داعش» في دير الزور أنه انضم إلى التنظيم بسبب أنه كان يتحمل مسؤولية إعالة 6 شقيقات ولم يكن قادرا على توفير الغذاء والحماية لهن. وعندما توقف النظام الحاكم في سوريا عن سداد رواتب المواطنين في دير الزور وأجبرت منظمات الإغاثة الإنسانية على الانسحاب من المدينة، انهار الاقتصاد المحلي تماما. وقال المقاتل المنشق عن التنظيم «أمضيت شهرين كاملين أبحث عن عمل وعندما تمكنت من العثور على وظيفة، كنت أعمل 12 ساعة في اليوم مقابل راتب هزيل لم أتمكن به من شراء ما يكفي من الخبز لعائلتي. لم أكن لأترك عائلتي تتضور جوعا، ولذلك لم يكن أمامي من خيار سوى الانضمام إلى (داعش)». وللعلم، من أحد العوامل التي دفعته للانضمام أيضا كان الخوف من إجبار شقيقاته على الزواج من مقاتلي «داعش» رغما عن إرادتهن، إذ أضاف المقاتل السابق يقول: «انضممت للتنظيم لحماية شقيقاتي من رجال التنظيم».

- رابعًا، من فئات المقاتلين التي كانت تنضم إلى «داعش» من يعتبرون نظام بشار الأسد العدو الأول والأخير، وأن «داعش» هو التهديد الأكبر أمام بقاء واستمرار ذلك النظام. وهنا يقول عمار شارحًا «لقد تخلى العالم بأسره عن سوريا في محنتها. وكان «داعش» هو التنظيم الوحيد الذي يقف في وجه نظام بشار». بينما أحد المنشقين عن التنظيم كانت عائلته قد تعرضت للقتل على أيدي رجال الحكومة السورية، لأنه انضم إلى صفوف «داعش» من أجل «الانتقام». وأضاف أن أغلب أفراد التنظيم من أبناء مدينة حمص، التي شهدت أشرس عمليات القمع ضد الاحتجاجات، إنما انضموا لنفس السبب.

- خامسا، وأخيرا، ينضم بعض السوريين إلى «داعش» لسبب بسيط ألا وهو الانتهازية. إذ يقول حسام، الذي انشق عن «داعش» في محافظة إدلب السورية «لمحاولة تحقيق أقصى قدر ممكن من السلطة والمال». وعلى وجه الخصوص، بذل «داعش» الكثير من المجهود لتجنيد المسؤولين العسكريين السابقين الذين يمتلكون خبرات مهمة في العمليات العسكرية وشؤون الاستخبارات. وهذه الفئة لم تشارك أساسًا في الثورة، وهم يعتبرون من المنبوذين في المناطق البعيدة عن سيطرة النظام الحاكم. ويروي حسام محادثة جرت بين أحد زعماء العشائر في الريف السوري في دير الزور وبين أحد المسؤولين الدينيين من «داعش» كان يحاول تجنيده لصالح التنظيم. وكان رد الزعيم القبلي قاطعا وحاسما إذ قال: «كيف يمكنني الانضمام لتنظيم لا يحتضن إلا اللصوص وقطاع الطرق من المجتمع؟ إذا ما أردتم فعليا أن تكونوا خلافة إسلامية، كيف يسعكم قبول هؤلاء الأشخاص بين صفوفكم؟» فأجابه المسؤول الداعشي بقوله إن التنظيم «يحاول إصلاحهم وتصحيح حياة أولئك المنحرفين عن طريق التعليم الديني». ولكن حسام قال إنه على الرغم من هذه الجهود، فإن الكثير من الانتهازيين ممن التحقوا بصفوف التنظيم كانوا من مثيري المشاكل والشغب ولم يتمكن التنظيم من إصلاح سلوكهم. وأضاف يقول: «80 في المائة من أعضاء (داعش) هم من سوء القوم وأشرارهم».

كذلك تشير المقابلات الشخصية التي أجريت مع أعضاء «داعش» السابقين إلى أن دوافع الانشقاق والفرار من التنظيم متعددة ومتنوعة مثل دوافع الانضمام. فبالنسبة لأحدهم، ينشق بعض المقاتلين عن «داعش» وينطلق إلى غيره من الجماعات المسلحة لأن التنظيم بدأ يواجه الهزائم المتكررة ويخسر. وكما أوضح أحد المنشقين قائلا: «إنهم يزدادون ضعفا يوما بعد يوم». ولقد فر إلى تركيا بسبب خوفه من الانتقام الحتمي إن ألقي القبض عليه من جانب النظام الحاكم أو من إحدى الجماعات المسلحة المتصارعة. والحال في سوريا لا يختلف في شيء عن العراق، حيث قطعت رؤوس سجناء «داعش» وتعرض بعضهم للتشويه والتعذيب في عمليات قتل انتقامية مروعة.

* مستبدون.. ومستبدون

وبالإضافة إلى ذلك، انجذب بعض المواطنين السوريين إلى «داعش» في الأساس إيمانا بتعهد التنظيم بتدمير ما وصفوه بالنظام الاستبدادي لبشار الأسد وغيره من الحكومات الديكتاتورية في الشرق الأوسط. ولكن الآن، يتساوى «داعش» من حيث الاستبداد والقمع مع مختلف حكومات المنطقة التي يسعى للقضاء عليها. وعلى غرار النظام الحاكم في سوريا، يمنع «داعش» تأسيس منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الخاصة. حتى إن التنظيم بات يقلد أساليب التعذيب ذاتها المستخدمة داخل سجون النظام السوري. وذكر أحد المنشقين عن التنظيم، وهو من محافظة إدلب، أنه انضم للتنظيم في أول الأمر تصديقا منه بوعود تطبيق العدالة الإسلامية التي أعلن عنها التنظيم، إلا أنه بعد معاينة الواقع المزري للحكم تحت ظلال «داعش»، بما في ذلك إعدام أفراد التنظيم المشكوك في ولائهم، أصيب بخيبة أمل عظيمة، وهكذا «شعرت بحجم الكذب الذي تعرضت له، وأن تفسيرهم لدين الإسلام ليس صحيحا بالمرة. إنهم استبداديون للغاية، تماما مثل النظام الحاكم، لا فرق بينهم».

مجموعة أخرى من حالات الانشقاق عن التنظيم كانت تتعلق بحقيقة مفادها استمالة «داعش» للكثير من المواطنين السوريين، في بادئ الأمر، بحجة القضاء على الفساد – وهي أحد المظالم الرئيسية التي أشعلت الثورة السورية في عام 2011. ومن المواضيع المتكررة في دعاية «داعش» الزعم بأن لكل المواطنين الحق في المساواة في المعاملة. وكما يظهر من إحدى وثائق التنظيم في ولاية الرقة: «الناس سواسية مثل أسنان المشط. لا فرق بين الأغنياء والفقراء والأقوياء والضعفاء». وهناك نص آخر من نصوص التنظيم يشير إلى الحياد المفترض في النظام القانوني لـ«داعش» جاء فيه: ينتخب أعضاء الشرطة المحلية من بين أكثر الناس خشية وتقوى لله والذين لا يظهرون أي محاباة لأحد، مثل الشخص الذي ارتكب جريمة تستلزم حدا من الحدود الشرعية (وهي نوعية الجرائم التي يوجد بشأنها نص محدد في القرآن)، فإنه يتلقى العقوبة المنصوص عليها كاملة بلا تخفيف. ويزعم التنظيم أن هذا المبدأ من المعاملة المنصفة ينطبق ليس فقط على المدنيين، بل على أعضاء التنظيم كذلك. وينص أحد الأدلة الإرشادية الرسمية للتنظيم على تعيين الموظفين الحكوميين المدنيين والعسكريين وفق معايير الجدارة الصارمة. والأفراد المسؤولون عن اتخاذ قرارات التوظيف ممنوعون من تفضيل الأصدقاء والأقارب في تلك القرارات، وممنوعون كذلك من حرمان المرشحين الأكثر تأهيلا بسبب العداء أو سوء الطوية تجاهه.

ولكن، على الرغم من سياسات «داعش» الرسمية ضد المحسوبية والفساد، فإن المقاتلين من ذوي الصلات مع كبار قادة التنظيم يحصلون على الأفضلية في المعاملة ويجري العفو عنهم بصورة روتينية حيال سوء السلوك، مثل التدخين وتعاطي المخدرات. وأكثر المستفيدين من معايير المعاملة المزدوجة هم المقاتلون الأجانب. ولذا أصيب خالد، وهو أحد المقاتلين السابقين لدى «داعش» من أبناء دير الزور، بخيبة أمل كبيرة عندما اكتشف أن أعضاء التنظيم من الخليج العربي، أو أوروبا، أو آسيا الوسطى يتلقون رواتب أكثر بكثير من السوريين أهل البلاد، كما يحصلون على مزايا خاصة أخرى من التنظيم. ويقول خالد «هناك مكتب خاص في الإدارة العسكرية لـ«داعش» يشرف على شؤون المهاجرين (المقاتلين الأجانب). وإذا ما رغب أحد المهاجرين في هاتف ذكي «آيفون»، يمكنه طلب الهاتف من ذلك المكتب ويحصل عليه مجانا، ومن دون توجيه أي أسئلة». وفي حين أن المقاتلين الأجانب يرقون بسرعة إلى مختلف المناصب القيادية داخل التنظيم، فإن المقاتلين السوريين غالبا ما يكلفون بأخطر المهام في الخطوط الأمامية – ولا سيما تلك الفئة من المقاتلين السوريين الذين لا يحظون بالثقة الكاملة من جانب قادتهم إما بسبب الشكوك في تخطيطهم للفرار من التنظيم أو لاعتبارهم غير ملتزمين بما فيه الكفاية لهذه القضية. ومن السهولة بمكان تعرض المقاتلين السوريين لاتهامات بأنهم «قريبون للغاية» من المدنيين. وأولئك المشكوك في ولائهم يجري في أغلب الأحيان تكليفهم بأخطر وأصعب المهام – وهي وسيلة من وسائل الخداع للتخلص منهم. ومن بين المظالم الأخرى التي استشهد بها المنشقون والفارون عن «داعش» كانت انخفاض الرواتب. ويتلقى المقاتلون السوريون في واقع الأمر رواتب أقل بكثير من المقاتلين الأجانب، وخلال الشهور الأخيرة، خفض التنظيم المتطرف رواتب كل المقاتلين بمقدار النصف. وبالنسبة للمقاتلين السوريين الذين انضموا للتنظيم لأسباب اقتصادية بالأساس، فإن مزايا العضوية لم تعد تستحق ما يقابلها من مخاطر. وحسب كلام أحد المقاتلين السابقين من دير الزور فإنه قرر الانشقاق عن التنظيم عندما أصبح غير قادر على تحمل تكاليف إطعام عائلته نتيجة للتخفيضات في الرواتب وارتفاع أسعار المواد الغذائية.

وأخيرا، ينشق بعض السوريين عن «داعش» لتجنب إعادة نشرهم في ساحات القتال البعيدة في العراق أو ليبيا، وتلك التي تعتبر التفافا غير مرغوب فيه عن المعركة الأساسية مع نظام الأسد. وقبل الانضمام إلى «داعش» في عام 2014، قاتل عمار في صفوف «الجيش السوري الحر». وكان عدوه الوحيد آنذاك هو النظام السوري – وليست الحكومة العراقية، أو قوات التحالف الدولي، أو أي قوات «مرتدة» أخرى كان التنظيم قد أعلن الحرب عليها من قبل.

ولقد أصيب عمار بإحباط شديد بسبب التناقضات الداخلية الكبيرة في «داعش» إلى جانب المعاملة القاسية والسيئة بحق المدنيين السوريين. وكانت «القشة التي قصمت ظهر البعير» لديه كان قرار قائده بإعادة نشره مع وحدته إلى الخطوط الأمامية في العراق. إذ فور علمه بخبر انتقاله إلى هناك، هرب عمار إلى تركيا. وبعض من المقاتلين السابقين الذين أجرينا معهم المقابلات في تركيا يقولون إنهم طالبوا بأن يقاتلوا ضد نظام بشار الأسد فقط، ولقد فروا من «داعش» عندما حاولت القيادات العليا إرسالهم للحرب ضد إخوانهم السوريين في الجيش السوري الحر.

* فراغ ويأس

مع ورود التقارير المختلفة عن الاقتتال الداخلي، وعن الصراع على السلطة، وارتفاع عدد الضحايا، يتخذ التنظيم الإرهابي تدابير صارمة جدا لردع الانشقاق عن صفوفه والفرار. وخلال الشهور الأخيرة، نفذ التنظيم أحكام الإعدام بحق المئات من مقاتليه بسبب محاولاتهم الهروب. ووفقا لبعض التقارير الواردة، تعرض المنشقون أو الفارون لعقوبات الموت حرقا أو بالتجمد في ثلاجات حفظ الموتى وهم أحياء.

ولكن من ناحية أخرى، على الرغم من أن الزيادة في الانشقاقات عن «داعش» قد تكون من قبيل الأنباء السارة بالنسبة للتحالف بقيادة الولايات المتحدة، فإن ذلك التوجه يحمل بعض العواقب المثيرة للقلق لدى السوريين. فبالإضافة إلى عمليات الإعدام ذات الإجراءات السريعة للمقاتلين أو المدنيين المشتبه في ولائهم للتنظيم، بدأ «داعش» تجنيد أعداد كبيرة من الأطفال لتغطية الفجوة الهائلة في صفوف المقاتلين. و«أشبال الخلافة» - ما يسميهم «داعش» الآن، - هم من المقاتلين الجدد الأرخص والأكثر طواعية من الناحية الفكرية عن الشباب أو الكبار.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة