عزرا باوند.. العبقرية الشعرية والسقوط السياسي

التقدمية والرجعية لا تنطبق على الشعر

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

عزرا باوند.. العبقرية الشعرية والسقوط السياسي

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

يشكل كتاب «عزرا باوند.. البركان الوحيد» مدخلا ممتازا إلى عالم هذا الشاعر، حياته وأعماله الشعرية. ومؤلفه هو البروفسور جون تايتل أستاذ اللغة والآداب الإنجليزية في إحدى جامعات نيويورك.
من المعلوم أن عزرا باوند يعتبر أحد أهم الشعراء الذين أنجبتهم أميركا في تاريخها كله. ورغم السمعة السيئة التي لحقت به بسبب انحيازه إلى موسوليني إبان الحرب العالمية الثانية فإن شاعريته لم تتأثر بذلك كثيرا. والواقع أن مسألة التقدمية والرجعية لا تنطبق على الشعر؛ فكثيرا ما نرى شخصا رجعيا في أفكاره ولكن شعره من أروع ما يكون. وكثيرا ما نجد شخصا تقدميا ولكن شعره تافه لا معنى له. هل كان بدوي الجبل تقدميا يا ترى؟ أو نزار قباني؟ أو شارل بودلير؟ وبالتالي فلنكف عن هذه التصنيفات السطحية.
ورغم كل تقلباته وما حل به فإن عزرا باوند مارس تأثيرا كبيرا على شعراء وكتاب آخرين ليس أقلهم جيمس جويس وت. س. إليوت وإرنست همنغواي وغيرهم.
لكن من هو عزرا باوند؟ على هذا السؤال يجيبنا المؤلف قائلا: «لقد ولد في الولايات المتحدة عام 1885 ومات في البندقية بإيطاليا عام 1972. أي أنه عاش عمرا مديدا يتجاوز السابعة والثمانين عاما. وكان شاعرا وموسيقارا وناقدا أدبيا من الطراز الأول. وقد انضم إلى الحركة الحداثية للشعر الأميركي في العشرينات من القرن الماضي، عندما كان لا يزال في بدايات حياته الأدبية. وغالبا ما صنفه النقاد آنذاك في خانة (الجيل الضائع)، وهي تسمية من أجمل ما يكون. ما معنى شعر من دون تيه أو ضياع؟ وقد التقى به آنذاك الناقد هوف كبينير وخرج بالانطباع التالي: لقد شعرت فجأة بأني في حضرة الحداثة الشعرية والفنية! إنها متجسدة كليا في شخصه تماما كبقية المغامرين الذين يلقون بأنفسهم في متاهات التجريب الخلاق».
بين عامي 1900 - 1905 درس عزرا باوند الأدب المقارن في جامعة بنسلفانيا في نيويورك، ولكنه غادر أميركا إلى أوروبا عام 1908 وعمره لا يتجاوز الثالثة والعشرين؛ لأنه كان عاجزا عن التأقلم مع المجتمع الأميركي.
كان غريب الأطوار؛ أي شخصا لا امتثاليا ولا اجتماعيا. وهنا تكمن إحدى سمات المبدعين الكبار. هل كان بودلير متصالحا مع المجتمع؟ أو رامبو؟ أو هولدرلين؟ لقد جننوه.. وعاش في البندقية أولا، ولكنه لم يبق فيها إلا فترة قصيرة؛ إذ سرعان ما انتقل إلى لندن عاصمة الآداب الإنجليزية ومحجة كل شعراء أميركا وأدبائها في ذلك الزمان. وهناك التقى كبار الكتاب الإنجليز من أمثال: جيمس جويس، فورد مادوكس فورد، ويندهام لويس. وكان لا يزال ينتمي آنذاك إلى الحركة التصويرية، وهي حركة أدبية انخرطت في التجريب الشعري عن طريق استخدام لغة غنائية.
وكانت متأثرة بآداب الشرق الأقصى والشعر الياباني على وجه الخصوص. وكانت الجماعة التي تنتمي إلى هذه الحركة تنشر أعمالها في مجلة تدعى «الأناني». لاحظ هذا الاسم الاستفزازي ما أجمله! هل يمكن للمبدع أن يكون إلا أنانيا متقوقعا على ذاته؟ هل يمكن أن يكون إلا نرجسيا؟ وبعد أن التقى عزرا باوند النحات هنري غودييه برزيسكا، تشكلت الحركة «الدوامية» في الشعر الإنجليزي، وهي حركة تجريبية أيضا وقريبة من التيار المستقبلي في الشعر وتشكل آخر صرعة. وعموما فهي تركز على الكثافات الشعرية إلى أقصى حد ممكن.
ثم التقى عزرا باوند أثناء الحرب العالمية الأولى بالشاعر الكبير ويليام بتلر ييتس في آيرلندا، وأصبح سكرتيرا له، مثلما أن صموئيل بيكيت سيصبح سكرتيرا لجيمس جويس لاحقا. وفي عام 1914 تزوج باوند بالفنانة دورثي شكسبير. لاحظوا الاسم! وبعدئذ تعلم اللغة اليابانية وراح يهتم بالشعر الغنائي السائد في الشرق الأقصى. وفي عام 1915 ابتدأ بكتابة رائعته الأدبية «كانتوس»، أي أناشيد. وقد اشتغل عليها طيلة حياته كلها.
وبعدئذ جاءت المرحلة الباريسية من حياة عزرا باوند. وهل يمكن لأي مبدع في العالم ألا يمر بباريس يوما ما؟ ما معنى الشعر بلا بوهيمية أو تسكع في شوارع باريس إلى ما لا نهاية؟ ما معناه من دون مغازلات حرة ومناوشات؟ نعم في عام 1920 وصل عزرا باوند إلى باريس وانضم بسرعة إلى جماعة الأدباء والفنانين الباريسيين التي ولدت الحركة الدادائية أولا، فالسريالية ثانيا. وراح يستقبل في شقته الباريسية المتواضعة أهم الكتاب الفرنسيين من أمثال جان كوكتو، وأندريه بريتون، وبقية المجانين والمبدعين. وكان كريما جدا. ما معنى شاعر بخيل؟ كل الناس يمكن أن يكونوا بخلاء ما عدا الشاعر أو المجنون.
وقد شاءت الصدفة أن يكون همنغواي في باريس أيضا. وقد زاره في شقته التي كانت مفتوحة للجميع. وقد أثر عزرا باوند على إرنست همنغواي من الناحية الأدبية، فتحسن أسلوبه بفضل النصائح التي أسداها له، وهي نصائح لم يكن يلتزم بها هو دائما!
ويرى المؤلف أنه بفضل عزرا باوند اكتشف همنغواي أعمال الكتاب الجدد من أمثال ت. س. إليوت وجيمس جويس، هذا بالإضافة إلى الكلاسيكيين الكبار من أمثال فلوبير، وستندال، وهنري جيمس، إلخ. ومقابل هذه الخدمات الأدبية راح همنغواي يعطي عزرا باوند دروسا في المصارعة لتقوية عضلاته! وكان عزرا باوند يقول: الكتاب الجيدون هم أولئك الذين يستخدمون لغة فعالة، أي واضحة ودقيقة.
وكان يعتقد أن الأموال الضخمة التي جمعتها الكنائس المسيحية ينبغي أن توزع على الفنانين والشعراء والفلاسفة والعلماء الذين يكتشفون قوانين العالم ويقدمون خدمات جلى للبشرية. فهم أحق بها من المطارنة والكرادلة والباباوات والباشاوات العاطلين عن العمل.. ويمكن القول بأن عزرا باوند كان من أتباع الفيلسوف الصيني كونفوشيوس الذي علمنا مبادئ الدين المدني الذي حدد جيدا الواجبات الاجتماعية لكل شخص، بدءا من الإمبراطور وانتهاء بأصغر فلاح أو كناس في البلاد.
ولكن عزرا باوند ارتكب أكبر خطيئة في حياته عندما اعتقد أن الدولة الفاشية التي أسسها موسوليني في إيطاليا هي تجسيد لهذه الدولة المدنية التي حلم بها كونفوشيوس. ودفع ثمن هذه الخطيئة باهظا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. فقد حاكموه عام 1945 واعتبروه مريضا من الناحية العقلية. فسجنوه في مستشفى المجانين لمدة عشر سنوات أو أكثر. ورغم هذه السقطة الأخلاقية الكبرى فإن بعض النقاد يجدون فيه واحدا من أهم شعراء الغرب في القرن العشرين إن لم يكن أهمهم. فالكثيرون يضعونه من حيث المرتبة الشعرية فوق ت. س. إليوت. وقليلون هم شعراء الحداثة الذين كانوا يمتلكون طاقته الشعرية الخلاقة. فمن شعره تفوح رائحة الحرية كأقوى ما يكون.
هل نعلم أن عزرا باوند ترجم كل أنواع الشعر من الشرق الأقصى إلى أوروبا؟ وكان يبحث من خلال ذلك عن لغة شعرية كونية. ولذلك تعلم عدة لغات، وكان يعتقد أن شعر اليابان والصين والهند أقرب إلى البراءة والطبيعة ويعبر عنهما بشكل أفضل، ولذلك اهتم به كل الاهتمام. كان يبحث عما هو بدائي، عفوي، صادق في شعر هذه الأمم التي لم تفسدها الحداثة الصناعية بعد كما حصل لمجتمعات أوروبا وأميركا. كان يبحث عن البراءات المطلقة في الشعر. وما نفع الشعر إن لم يكن بحثا مضنيا عن البراءات الأولى؟ ما معناه إن لم يكن حفرا أركيولوجيا عن أعماق الذات، أي عن البراءات الضائعة، البراءات المطمورة في أعماق لا قرار لها؟ انظروا كتاب «الشعر والعمق» للناقد الفرنسي جان بيير ريشار حيث يستكشف «دهاليز» بودلير والطبقات السفلية التي نزل إليها، وهي مناطق مرعبة لم تطأها قدم قط.
والفكرة الأساسية لدى عزرا باوند هي أن العلاقات الكائنة بين الأشياء أهم من هذه الأشياء بالذات. ولكن ليس كل الناس يرونها. وحده الشاعر الكبير يراها.
وأخيرا يقول المؤلف بأن عزرا باوند هو شخص ولد في أعماق أميركا عام 1885، ولكنه طرد من الجامعات الأميركية بسبب رفضه للنزعة الامتثالية وميله إلى التفرد والتمرد كما ذكرنا. فذهب إلى إنجلترا حيث احتل مكانة مرموقة في عالم لندن الأدبي. وهناك راح يلبس القناع لكي يكتب أولى قصائده الشعرية ويخترع ما يدعى بالمدرسة التصويرية. وهي مذهب شعري حديث يدعو إلى التخلص من الأوزان والقوافي والتعبير عن الأفكار والانفعالات بواسطة الصور الواضحة الخالية من الغموض والرمزية. ومعلوم أنه كتب في شبابه الأول يقول: «سوف أكتب أعظم القصائد التي أتيح لمخلوق على وجه الأرض أن يكتبها». وهذا يذكرنا بكلام المعري:
«وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل»
وهذا ما حصل في الواقع. فقد كان من أوائل من استخدموا الشعر الحر وخرجوا على الأوزان والقوافي. وقد لعب دورا عظيما في اندلاع الثورة الشعرية الحديثة التي أثرت على الأدب الإنجليزي كله في القرن العشرين. وتمرده الشعري كان متوازيا مع تمرده النفسي والشخصي. فقد اشتهر باحتقاره للعادات والتقاليد السائدة في المجتمع وميله إلى الاستفزاز والخروج على المألوف. وهذا ما حبب السرياليين فيه. كان عاشقا للوثنية وكارها لأميركا التي تعبد الكتاب المقدس والدولار في آن معا!
وأخيرا، كان باوند، كما يقول، «مخطئا، مخطئا بنسبة تسعين في المائة، فقدت صوابي في الإعصار» (اعتذار متأخر عن تجربته الفاشية مع موسوليني).
لكنه لخص تجربة حياته بعبارة اعتزازية ولا أروع: «فشل يساوي كل نجاحات العصر»!
جون تايتل: «عزرا باوند.. البركان الوحيد»
ترجمه إلى الفرنسية فيليب ميكرياموس



«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات
TT

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

من دواعي السرور عندي أن أقرأ رواية صادرة عن قلم ينتمي لإحدى الأقليات الكثيرة التي يحفل بها العالم العربي، ولكنها في أغلب الأحيان تغيب عن التمثيل السياسي والثقافي وعن الوعي العام للأغلبية الدينية أو العرقية أو اللونية المحيطة بها. لذلك أبتهج حين يبرز كاتب أو كاتبة من داخل إحدى الأقليات فيثري الوجدان العام بمقاربة الوضع الإنساني من داخل النسيج الحياتي اليومي لتلك الأقلية المغيّبة عادة من الشأن العام. هناك كتّاب من الأقليات ينضوون اختياراً في الثقافة الحياتية للأغلبية المجتمعية حين يجلسون للكتابة، فلا ترى فيما يكتبون انعكاساً للنسيج اليومي لحياتهم في اختلافه عن النسيج العام. أذكر أني مرة سألت الكاتب المسرحي الألمع الفريد فرج: لماذا لا نجد في مسرحه شخصيات قبطية أو انعكاساً من أي لون لكونه مصرياً مسيحياً؟ فلم يحر جواباً فيما عدا أنه قال إنه ثقافياً ينتمي إلى الحضارة العربية الإسلامية.

لا غبار على هذا عندي؛ فالحضارة العربية الإسلامية شيء أوسع من الدين الإسلامي ومن الممكن الانتماء إليها من دون أن يكون المرء مسلماً، إلا أن هذا لا يمنع من الخصوصية المسيحية داخل الانتماء الحضاري الأوسع. إلا أني أعتقد أن الثقافات المهيمنة، دينية كانت أو عرقية، في بلادنا العربية لا تفسح المجال التعبيري أمام الثقافات الأخرى، تماماً كما أنها لا تفسح المجال أمامها سياسياً. هناك دائماً رفض سافر أو مُقنَّع للاختلاف. هناك رغبة لم أفهمها أبداً في احتواء الآخر. هناك عجز عن إدراك أن الاختلاف ثروة وأن التماثل والتشابه والاصطفاف هو أجدر بالآلات والروبوتات، لا بالوجود البشري الخلّاق، المتغير، المولِّد للأفكار على مدى تاريخه من آلاف السنين. لذلك أفرح بالروايات التي تؤكد في نسيجها خصوصيةً ما، عرقية أو دينية أو لغوية أو غيره، في الوقت ذاته الذي تؤكد التماثل الأكبر: التماثل البشري العابر للخصوصيات المتمايزة. هذه هي الأخلاقية الكبرى في الفن والأدب: التأكيد على التماثل رغم الاختلاف. أما أكبر الشرور اجتماعياً فهو الرغبة في احتواء الآخر في الذات وقصره على التماثل معها، ومحو خصوصيته ليتطابق مع ذات الغالبية. لذلك أفرح إذا ما قرأت رواية تكشف لي عن الخصوصية الكردية أو الخصوصية الطوارقية أو اليزيدية أو الشيعية أو المسيحية أو البهائية أو النوبية. أو كما في رواية حنين الصايغ «ميثاق النساء» (دار الآداب، 2023)، الخصوصية الدرزية.

من يريد أن يعرف شيئاً عن تاريخ الدروز ومذهبهم العقيدي منذ نشأته في القرن الحادي عشر حتى اليوم فلن تنقصه المصادر والمراجع. لكن الدروز ليسوا مادة تاريخية وإنما هم أفراد وأسر وجماعات لا يزيد عددهم حول العالم على المليون إلا بقليل ويعيش أغلبهم في سوريا ولبنان. تصف الموسوعات الدروز بأنهم جماعة مغلقة، باطنية، سرية، إلخ. فمن كان لا يكفيه ما يُستقى من كتب التاريخ والمذاهب، من كان يريد أن يتعرف على إنسانية الدروز كبشر يعيشون في الشارع المجاور أو في القرية المجاورة في الوطن نفسه يتكلمون اللغة نفسها ولكن لهم معتقدات مخالفة للشائع الغالب وفي نسيج حياتهم اليومية وعاداتهم خيوط من لون مختلف وإن كانوا فيما عدا ذلك يشبهوننا في كل شيء – من كان يريد ذلك فليس عليه إلا أن يقرأ رواية مثل «ميثاق النساء» لحنين الصايغ؛ فهي حقيقةٌ أن تكون خير دليل لنا في رحلة الاختلاف المفضي إلى التماثل تلك، فهي درزية، تعرف تلك الحياة «السرية» معرفة المعايشة اللصيقة من لحظة الميلاد. وهي كفيلة بفتح المغلق وكشف السري لنكتشف أن لا سرية هناك وإنما بشر عاديون مثلنا تماماً. هذا الاكتشاف لن تتيحه لك كتب التاريخ والعقائد، وإنما المُؤهَّل لكشفه لنا هو فن الرواية، ذلك الفن المنسوج من تفاصيل الحياة اليومية بعاداتها وطقوسها، بأكلها وشربها، بعلاقاتها الأسرية، وبمعتقداتها الدينية وكيف تؤثر تلك في حيوات أفرادها ومصائرهم.

هل تصدَّت حنين الصايغ إذن لكتابة رواية تصور لنا حياة الدروز وعقائدهم الإيمانية في «ميثاق النساء»؟ كلا بالتأكيد. إنما كانت الكاتبة، مثلها مثل أي روائي من أي مذهب أو خلفية، مشغولةً بقضايا وأفكار عن الفرد والمجتمع والحياة والموت وما بعد الموت إلى آخر ما يشغلنا نحن البشر ونحن الكتّاب الذين نضطلع بالتعبير عما يؤرق البشر من أفكار وأوضاع. كانت مشغولة بهذا كله واختارت أن تعبر عنه من داخل السياق الاجتماعي الذي تعرفه خير معرفة وهو سياق حياة الدروز في المجتمع اللبناني. ولعلي كنتُ غير دقيق حين كتبتُ «اختارت» فلا خيار عند الكاتب إلا يكتب لنا من داخل السياق الذي يعرفه معرفة حميمية، وإلا جاءت كتابته مصطنعة، خالية من نبض الحياة.

أما الهاجس الرئيسي لدى الكاتبة، فيوحي به على الفور عنوان الرواية، «ميثاق النساء».

يمكن أن نحزر من قبل القراءة أننا أمام رواية عن قضية المرأة في مجتمع عربي تقليدي، حريتها، علاقتها بالرجل في مجتمع ذكوري، علاقتها بالأب في مجتمع بطركي، ثقل التقاليد، العوائق أمام حرية الدراسة والعمل والكسب والاستقلال الاقتصادي، بل وإن شئنا أيضاً موقف قسم من رجال الدين منها والفهم المجتمعي له، وكيف أنهم يستخدمون الدين من حرية المرأة وتكريس السيطرة الذكورية عليها. كل هذا يمكن أن نتوقعه مع فرصة غير ضئيلة أن يصدق توقعنا من رواية بهذا العنوان، وخاصة أن كاتبتها امرأة. لكن من لم يكن درزياً أو غير مطلع على خصائص العقيدة الدرزية، فلن يدرك المغزى الكامل لكلمة «ميثاق» في العنوان إلا بعد أن يقطع شوطاً في القراءة. فميثاق النساء الذي يمكن أن نفهمه فهماً عاماً باعتباره ميثاق السلوكيات الذي يفرضه مجتمع بطركي على المرأة هو في الواقع أشد من ذلك؛ لأنه في الحقيقة نص عقيدي يحدد ضمن النصوص العقيدية للديانة الدرزية وضعية المرأة في المجتمع الدرزي.

نص كتبه رجل بطبيعة الحال وقام على تكريسه أجيال من الذكور ومن النساء اللاتي تشربن بالقيم الذكورية المفروضة عليهن عبر القرون. والمجتمع الدرزي كما نعرف من الرواية ومن خارج الرواية هو مجتمع «مغلق»؛ لأنه يحرّم على الدروز الزواج من غير الدروز كما أن الدعوة الدرزية انغلقت على نفسها وكفّت عن التبشير في خلال فترة لا تتجاوز العقود الثلاثة من نشأتها في القرن الحادي عشر. كل هذا ساعد على تماسك المجتمع وتقارب أفراده القليلين نسبياً وزاد في حرصهم على عاداتهم وتقاليدهم. بل يزيد من هذا كله أن الدروز يؤمنون بتناسخ الأرواح وأن الروح الدرزية لا تعود إلا في جسد وليد درزي، وكأن المجتمع يعيد تدوير ذاته لا يتجدد فيه شيء إلى الأبد.

هذه هي الخلفية التاريخية والعقيدية والمجتمعية لحياة بطلة روايتنا، أمل بونمر التي نعاصرها على امتداد ما يقرب من أربعمائة صفحة من الطفولة إلى المراهقة والزواج المبكر والجسد المنتهك والأمومة المتعثرة والطموح المكبوت للمعرفة والدراسة. هي تواجه قدراً مرسوماً لها من المهد إلى اللحد وما وراء اللحد ثم العودة من جديد. لكنه قدر لا تستسلم له، بل تصارعه هي الضعيفة المقهورة المعتمدة اقتصادياً المُراقَبة أسرياً واجتماعياً. قدر يكاد أن يقهرها، لكنها تفلت منه بعد نضال مرير وخسائر وتضحيات ليس هنا مجال بسطها.

هذه رواية نسوية إذن، بمعنى أنها قصة تحرر امرأة، ولأنها تتعامل مع المعطيات الحتمية التي نجدها في مثل هذه الروايات لأنها موجودة في المجتمعات القائمة وراءها.

ولكنها فيما عدا ذلك قصة تحرر وحسب. قصة تحرر إنساني. قصة مساءلة للمعتقدات والمقدسات والتقاليد الموروثة. قصة صراع الفرد للنهوض من تحت الثقل الباهظ للتاريخ والغيب والجماعة والأسرة، ذلك الثقل الذي ينسحق تحته الأغلبية في انصياع غير مُدرِك. وفوق كل هذا فالرواية بسياقها الدرزي غير المألوف لغير الدروز تمنحنا هبة أخرى ضمن توسيع مداركنا الإنسانية الذي نتوقعه من كل عمل أدبي يستحق الاسم. هي تعلمنا التماثل البشري الجوهري وراء كل اختلاف عرضي. فقصة أمل بونمر هي قصة الغالبية العظمى من النساء العربيات على اختلاف أديانهن وأوطانهن في الرقعة العريضة للعالم العربي. ليس هذا فقط وإنما واقع الأمر أن المجتمع الدرزي الصغير المتشبث بموروثاته بأي ثمن، والذي نتعرف عليه عن قرب في هذا الحكي الشائق ليس إلا نموذجاً مصغراً مع اختلاف التفاصيل لحال المجتمعات العربية التي ما زالت من الخليج إلى المحيط تعاني فصام الدين والعقل، والموروث والمستحدث على كل صعيد معاشي.


جان جاك روسو والمؤامرة الجهنمية

جان جاك روسو والمؤامرة الجهنمية
TT

جان جاك روسو والمؤامرة الجهنمية

جان جاك روسو والمؤامرة الجهنمية

يا لها من معركة حامية الوطيس تلك التي جرت في قلب القرن الثامن عشر: عصر التنوير الكبير. كل المثقفين الفرنسيين انقسموا إلى قسمين: قسم مع حزب الفلاسفة وقسم مع حزب الأصوليين. وهناك قسم ثالث بين بين. ولكن ينبغي الاعتراف بأن أغلبية الشعب الساحقة كانت مع الأصوليين لا مع الفلاسفة. وهذا شيء طبيعي لأن أفكار الأصوليين كانت مسيطرة على الجميع منذ مئات السنين وكانت راسخة في العقليات رسوخ الجبال. أما أفكار الفلاسفة وتصوراتهم عن الدين المسيحي فكانت جديدة كلياً، وبالتالي فلا قاعدة شعبية لها. ولن تتشكل لها قاعدة إلا بعد مرور وقت طويل. ولذلك قال أحدهم: كانت فرنسا أصولية ظلامية في بداية القرن الثامن عشر ثم أصبحت فولتيرية تنويرية في نهايته. لكن ليس عن فولتير سوف أتحدث الآن وإنما عن القطب الآخر جان جاك روسو. فالواقع أن تأويله الجديد والمنعش جداً للدين المسيحي كان أخطر من تأويل فولتير، وتجديده أكبر بكثير، على عكس ما نظن.

بعد أن أصدر روسّو كتابه الشهير عن التربية والدين عام 1762 هاجت عليه الهوائج. ونزل مطران باريس كريستوف دو بومون شخصياً إلى ساحة المعمعة. قال عنه ما فحواه: «إننا نُدين الكتاب الصادر عن هذا الشخص المسمى جان جاك روسّو الذي يدَّعي العلم والفلسفة وهما منه بَرَاء. إننا نُدينه إدانةً قاطعةً مانعةً لأنه يحتوي على جملة من الأخطاء الفاحشة عن ديننا وتراثنا. إن كتابه مليء بالكفر والهرطقة والزندقة. ينبغي أن يعلم الجميع أن أفكاره الهدامة تزعزع أركان الدين المسيحي».

في الواقع أن أفكار روسّو لا تشكل أي خطر على الدين، وإنما فقط على الأصولية الدينية. وشتّان ما بينهما. ولكن ما كان أحد يستطيع التفريق بينهما في ذلك الزمان. ونضيف؛ ولا حتى في هذا الزمان.

من يستطيع التفريق بينهما في العالم العربي حالياً؟ ولذلك ردَّ عليه روسّو قائلاً: «يا مولانا صدِّق أنني مؤمن عن جدٍّ، ولكن طبقاً لعقيدة الإنجيل فقط. يا مولانا صدِّق أنني مؤمن عن جدٍّ، ولكن ليس كتلميذ للكهنة والأصوليين وإنما فقط كتلميذ ليسوع المسيح. إنني مؤمن عن جدٍّ، ولكن طبقاً لقوانين العقل والمنطق لا طبقاً للخرافات والشعوذات، والتعصبات والتكفيرات... إلخ».

يقال إن فولتير عندما قرأ نص روسّو عن الدين صرخ قائلاً: «رائع، رائع، ليتني أنا الذي كتبته». ويقال إنه أحسَّ بالغيرة تلسع قلبه لسعاً، وكذلك الحسد. ومعلوم أن المثقفين الفرنسيين يغار بعضهم من بعض تماماً كالمثقفين العرب. هل رأيتم امرأة حلوة تعترف بجمال امرأة أخرى؟ من رابع المستحيلات. تكاد تذبحها. وكذلك لن تجدوا مثقفاً واحداً يُثني على مثقف آخر الا ما ندر. أين تكمن المشكلة بالضبط؟ إنها تكمن في الشيء البسيط التالي: الأصوليون الظلاميون يشكّلون صورة معينة عن الدين، والفلاسفة التنويريون يشكّلون صورة أخرى مضادة تماماً. الأصوليون يشكّلون صورة تكفيرية متجهمة، والفلاسفة يشكّلون صورة تسامحية متنورة. ينبغي العلم أن جان جاك روسّو كان يأخذ من الدين جوهره لا قشوره. ولهذا السبب اندلع الصراع بينه وبين الأصوليين. وجوهر الدين في رأيه يتلخص في عبارة واحدة: الإيمان بالله والعمل الصالح ومكارم الأخلاق. جوهر الدين هو الشفقة على الفقير والمسكين واليتيم وابن السبيل. وهذا ما نص عليه القرآن الكريم حرفياً كما نعلم. وبالتالي فالعبرة ليست في الشعائر والطقوس والعبادات وإنما في الأفعال والمعاملات. ولذلك قال أحد فلاسفة الأنوار الكبار: الدين المعاملة. نقطة على السطر. مَن كانت معاملته حسنة مع الآخرين، مَن كان نزيهاً صادقاً، فهو أكبر متدين حتى ولو لم يؤدِّ الطقوس والشعائر.

وأما من كان غشاشاً في التعامل فهو ليس من الدين في شيء حتى لو صلّى يومياً مائة ركعة. يضاف إلى ذلك أن الفلاسفة كانوا يقولون ما معناه: المسألة ليست هل أنت مع الدين أو ضد الدين. كلنا مع الدين. المسألة هل أنت مع الأصولية الطائفية التكفيرية التي تؤدي مباشرةً إلى المجازر والمذابح أم لا؟ هذا هو السؤال الأساسي، والباقي تفاصيل.

لكن لِنَعُدْ إلى جان جاك روسو. بعد أن أصدر كتابه الشهير الذي أشعل الحرائق في كل مكان احمرَّت عليه الأعين وأصبح في عين العاصفة. ولذلك قال له صديقه الكبير وراعيه، الماريشال دو لوكسمبورغ، بعد الثانية ليلاً: «البس ثيابك فوراً وارحل على وجه السرعة. إنهم آتون للقبض عليك». ومعلوم أن الماريشال كان ينتمي إلى إحدى كبرى العائلات الأرستقراطية الفرنسية. وهكذا ودَّعه روسّو باكياً وهو يعرف أنه لن يراه بعد ذلك اليوم، لأن الماريشال كان متقدما في السن.

وبالفعل فقد لمح روسّو رجال الشرطة الآتين للقبض عليه في منتصف الطريق. هم آتون وهو راحل. لقد نجا منهم بأعجوبة في آخر لحظة. وعندما وصل إلى سويسرا نزل من عربة الخيول وانبطح فوراً على التراب السويسري قائلاً: «أقبِّل أرض الحرية». كان يعتقد أنه قد نجا بنفسه بعد أن عاد إلى أرض آبائه وأجداده. ومعلوم أن سويسرا الأقلّوية البروتستانتية كانت أكثر تسامحاً واستنارةً من فرنسا الظلامية الكاثوليكية. ولكنَّ هذا لا يعني أن رجال الدين فيها كانوا قادرين على هضم أفكاره عن الدين. فقد كانت سابقة لأوانها بكثير. والدليل على ذلك هو أن كتبه أُحرقت أيضاً في جنيف. فاضطر إلى الهرب إلى إنجلترا؛ أكثر بلدان أوروبا تسامحاً واستنارةً في ذلك الزمان.

عندئذٍ عاش جان جاك روسّو فترة عصيبة استمرت حتى مات. يقول عن ذلك في كتاب «الاعترافات» الشهير: «هنا في هذه الفترة بالتحديد ابتدأت المؤامرة الكبرى التي لا تزال تلاحقني وتُطْبق عليَّ حتى اللحظة. منذ ثماني سنوات وأنا غارق في ظلمات رهيبة لا أعرف ما الذي يحصل حولي. أشعر بالضربات الموجعة ولكن لا أعرف بالضبط مَن هي اليد التي تلسعني من خلف الستار. كل ما أعرفه هو أني مطوَّق من كل الجهات: لا مخرج ولا منفذ ولا خلاص».

كان هناك أمير فرنسي من العائلة المالكة يحميه سراً من الاعتداءات الجسدية أو حتى الاغتيال. وكان أميراً ليبرالياً معجباً بالأفكار التنويرية الجديدة التي ابتدأت شمسها تشرق على البلاد. وفي إحدى المرَّات قال له: «انتبه جيداً حالتك أصبحت حرجة جداً، وأنا ما عدت قادراً على حمايتك. أفكارك عن الدين تعد راديكالية وانقلابية أكثر من اللزوم. وهي مرفوضة من كل الأصوليين المزمجرين الذين يكادون يشربون دمك شرباً. وقد يفتكون بك في أي لحظة. فانزل تحت الأرض».

وهكذا اختفى جان جاك روسّو عن الأنظار. بل غيَّر اسمه وملابسه وهيئته وشكله لكيلا يعرفوه وهو يمر في الشارع.

وحلف بأغلظ الأيمان بأنه لن يكتب حرفاً واحداً بعد اليوم؛ لا عن الدين ولا عن السياسة ولا عن أي شيء. وهذا أكبر دليل على مدى ضراوة الصراع الذي كان دائراً آنذاك بين الأفكار الجديدة والأفكار القديمة. كما أنه أكبر دليل على أن المفهوم الأنواري الجديد للدين المسيحي، أي المفهوم العقلاني واللاطائفي واللاتكفيري، لم يتحقق الا بعد مخاض عسير. هنا تكمن معجزة الأنوار الكبرى.

وبعد موته عام 1778 عن خمسة وستين عاماً قبروه في إحدى ضواحي باريس المحاطة بغابات السرو والصفصاف. وهل هناك أجمل من ضواحي باريس؟ وراح البشر يتوافدون على قبره زرافاتٍ ووحداناً. ولن تصدقوا إذا ما قلنا لكم إن ماري أنطوانيت وزوجها لويس السادس عشر قاما بالزيارة أيضاً ضمن إطار «الحج الفلسفي». وعندما رآهما الشعب صفَّق لهما طويلاً. كان ذلك في 14 يونيو (حزيران) 1780.

وأما نابليون بونابرت الذي كان يعرف جيداً من هو جان جاك روسّو؛ لأنه كان تلميذه المعجب جداً بكتاباته، فقد زار القبر يوم 28 أغسطس (آب) 1800. وبعد أن خشع أمامه طويلاً قال لأحد مرافقيه هذه العبارة التي لا تكاد تُصدَّق: «كان من الأفضل من أجل راحة فرنسا لو أن هذا الرجل لم يوجد قط». فاستغرب مرافقه وسأله باندهاش: «ولماذا يا جلالة الإمبراطور؟»، فأجابه نابليون: «لأنه هو الذي مهَّد للثورة الفرنسية وأشعلها».

فقال له المرافق: «والله شيء عجيب، كنت أعتقد أنه يحق لجميع الناس أن يتذمروا من الثورة الفرنسية ما عداك أنت؟ لولاها لما كنت على رأس فرنسا الآن».

فأجابه نابليون: «المستقبل وحده سيقول ما إذا لم يكن من الأفضل لراحة البشرية كلها أنه لم يوجد شخصان اثنان على وجه الأرض: أنا وجان جاك روسو...».


الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

إبراهيم الكوني
إبراهيم الكوني
TT

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

إبراهيم الكوني
إبراهيم الكوني

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها، ويبدأ العالم قبل أن يُحكى. هناك يكتشف الإنسان أن الصمت ليس حدّ اللغة، إنما ذروتها القصوى، وليس فراغاً، بل كثافةً بدئيّة للوجود، وليس غياباً للكلام، هو حضوره الأقصى قبل التسمية.

من هذا الأفق المترع بالصمت يأتي كتاب «في صحراء إبراهيم الكوني - 2025» نص مغرق في شاعريته يتجاوز منطق الحوار الصحافي التقليدي بين روائي وقارئ ليستحيل «مكاشفة» وجودية بين طرفين اعتصم أحدهما بصمت الحكمة، والآخر بجدوى السؤال. إن هذا العمل، الذي صاغ محاوره العشرة الصحافي والكاتب السعودي علي مكي، يمثل نموذجاً تطبيقياً في فضاء الأدب العربي المعاصر لـ«جماليات التلقي» عند هانس روبرت ياوس؛ حيث لا يعود القارئ (المحاور هنا) مجرد مستهلك سلبي لنصوص الروائي الليبي الأهم، إبراهيم الكوني، بل شريكاً مكتمل الشراكة في إنتاج الدلالة، يسعى لردم فجوات النص الإبداعي المترع بالرمز والميثولوجيا.

غلاف الكتاب

يظهر مكي في هذا الكتاب بوصفه «مستنطقاً» لا مجرّد سائل؛ ابن جازان الذي تشرَّب من تهامة موسيقاها البلاغية، ومن الصحراء صبرها، ويحمل في حقيبته المهنية تاريخاً طويلاً من المشاكسة الفكرية والعمق الأدبي الذي صُقل عبر عقود في الصحافة الثقافية السعودية والعربية. لم يكن غريباً عن عوالم الكوني؛ فهو من اعتاد مطاردة الخرافة الكامنة في ثنايا الواقع، ومساءلة العارفين عمّا يعجز الغارقون في يومياتهم الباهتة عن رؤيته.

في هذا الكتاب يخلع مكي رداء الصحافي ليكتسي عباءة المحاور المتشكّك؛ لا ليتحدّى الكوني، بل ليقترب منه، مستخدماً أدواته النقدية ليطوّق «سلطان الصحراء» بأسئلة تمسّ لبّ الوجود ذاته. هكذا يتحوّل الحوار إلى تجربة استبصارية عميقة، أشبه برحلة سالكٍ يصعد مدارج العرفان، حيث السؤال بحث عن معنى، والجواب ليس حقيقةً نهائية، وإنما عتبةً لكشفٍ أوسع.

تنطلق رؤية الكوني في مجموع أعماله من اعتبار الصحراء «مسقط رأس التكوين»، ومختبراً أزلياً لقيم الحرية. وفي هذا الحوار، نجد تقاطعاً عميقاً مع مفهوم «شعرية الفضاء/ المكان» لغاستون باشلار؛ فالصحراء عند الروائي الليبي ليست محض حيز جغرافي، إنها «فردوس الروح» و«محراب الصمت». هي الفضاء الذي يلقن الإنسان دروس الزهد الوجودي، محولاً تجربة «التيه» من قدر مفروض بحكم البيئة إلى «خيار وجودي» يكتمل به جوهر الإنسان.

إن التلقي عنده هنا يتجاوز إدراك المكان إلى تذوقه، حيث يستحث على كشف المفارقة: كيف يمكن لمكان يتسم بـ«العدم» الظاهري أن يكون مانحاً لـ«الوجود» الحقيقي؟ ويثبت الحوار أن الصحراء - مكانياً وميثولوجياً معاً - ليست رمالاً، بل هي (لوغوس) كوني، ولغة قائمة بذاتها لا يفهمها إلا من تجرد من أوهام العمران.

تتجلى في إجابات الكوني وحدةٌ عضوية عميقة تربط الكائنات بعضها ببعض؛ إذ ينتقل بالعلاقة من أفق «وحدة الكائنات» التقليدية إلى مرتبة «وحدة الوجود»، مستعيداً حكمةً بدئية تسبق نشوء الحضارات وخطابها العقلاني. ويقدّم الإنسان بوصفه شريكاً للحيوان والطبيعة في «غنيمة الوجود» لا سيداً عليها، مانحاً نصوصه صبغةً أحيائية تعيد النبض إلى كل مظاهر العالم الطبيعي.

وفي استنطاقه لهذه المنطقة، يتفعل في النص ما يمكن تسميته بـ«النقد البيئي»، إذ يتحول السرد إلى صرخة أخلاقية ضد توحّش الحداثة التي قطعت صلة الإنسان برحم الكون، ويقودنا بيدٍ حازمة إلى طفولة العالم الأولى، حيث يتكلم الجبل، ويحمل الودان «الغزال الصحراوي» أسرار السماء، ويغدو الشجر تجسيداً لصلاةٍ لا تنقطع.

يؤكد الكوني في مكاشفاته أن «الأسطورة هي المرشد الأعلى للسردية»، معتبراً إياها الترياق الوحيد لداء الفناء. ومن خلال استلهام الرموز التوراتية والقرآنية والميثولوجيا الأمازيغية، يصوغ نصاً يتخطى حدود الزمن الخطي (ماضٍ - حاضر - مستقبل)، ليقيم في الزمن الأسطوري السرمدي المفتوح بلا بداية ولا نهاية.

يلاحق المحاور بطل الكوني في تحوّلاته الوجودية، ويسأله عن «الخطيئة الأولى» التي جعلت من الصحراء عقاباً وجنّة في آن؛ فضاءً للعقوبة وملاذاً للخلاص في اللحظة نفسها. ويكشف الحوار أن الأسطورة عنده ليست حنيناً إلى الماضي، ولا متحفاً للذاكرة، لكنها أداة حيّة لتفسير «الآن»؛ فالإنسان ما زال يطارد السراب ذاته، والشهوة ما زالت هي الخطيئة التي تُخرجنا من فردوس الصمت إلى جحيم الكلام.

أما اللغة عنده فهي «لغة فوق اللغة»، لا تُريد أن تُسمّى الأشياء بقدر ما تريد أن تُصغي إلى ما قبل التسمية. إنها لغة تسعى إلى فكّ شيفرة الوجود عبر الصمت، لأن الصمت - في منظوره - ليس فراغاً، بقدر ما هو أعلى درجات المعرفة وذروة الامتلاء الروحي في مواجهة لغو الحرف وضجيجه.

يخلع مكي رداء الصحافي ليكتسي عباءة المحاور المتشكّك لا ليتحدّى الكوني بل ليقترب منه

بهذا المعنى يتحوّل فعل الرواية إلى معراجٍ أخير للإنسان في مواجهة العدم؛ معراجٍ يصعد فيه الوعي لا الجسد، وترتفع فيه العبارة لا الرؤية، فتغدو الكلمة فرمان تشريف وجودي يهب الإنسان حقّ الانتماء إلى المعنى.

يغوص مكي في هذا البحر اللدني، متسائلاً عن جدوى الكتابة إذا كان الصمت هو الغاية القصوى. وهنا يبدع الكوني في تفكيك مفارقة «الكتابة بالصمت»، فالحرف عنده ليس غاية، بل جسر ضرورة يعبر عليه الإنسان نحو ضفّة الحقيقة. هذه اللغة التي ينحتها الروائي، والتي يستجليها محاوره بذكاء، هي لغة «تطهرية» بالمعنى الأرسطي، تهدف إلى تخليص الروح من أدران المادة.

في هذا الأفق تغدو تجربة المنفى في حياة الكوني رحلة تنوير لا مفرّ منها لبعث الروح من «رماد الحرف». فالمنافي المتعددة - من روسيا إلى سويسرا وإسبانيا - كانت منازل في معراج الهجرة، اكتشف فيها أن «صحراء الباطن أقوى حجة من صحراء الحرف».

بذلك تتجاوز الهوية عنده حدود الانتماء العرقي الضيق، لتصبح هويةً ذات أبعاد مشحونة بقلق وجودي يبحث عن فردوس مفقود بين الذاكرة والضياع.

عند هذه العتبة يلتقي الروائي ومحاوره عند تخوم ما بعد الاستعمار وفلسفة نقد الهوية؛ فالكوني يرفض أن يُحبس داخل هوية جغرافية مغلقة، ويرى في المنفى تحرراً من أسر الطين، لا مجرد اغتراب مكاني. ومكي، بوعيه الصحافي المثقّف، يكشف كيف انتقل الكوني من كاتب «محلي» يروي عالم الطوارق إلى مفكر يتأمل مصير الإنسان بوصفه كائناً كونياً يتجاوز الحدود والأزمنة.

لذلك لا يمكن قراءة كتاب «في صحراء إبراهيم الكوني» كإضافة نوعية فحسب إلى مكتبة الأدب العربي؛ إنه «مانيفستو» جمالي يعيد للحوار الأدبي كرامته بوصفه جنساً إبداعياً مستقلاً لا ملحقاً بالصحافة الثقافية. لقد نجح مكي في أن يكون الخيميائي الذي استخلص من ذهب الكوني خلاصات التجربة الإنسانية بما فيها مرارتها ونبلها في آن واحد.

عندما يعجز الكلام عن الإحاطة بالوجود، ويتراجع أمام اتساع الصمت، يتكشّف أن صحراء الكوني تجربة تُعاش قبل أن تكون مشهداً يُرى، أفقٌ للوعي قبل أن تكون حدوداً للجغرافيا، ومرآةٌ لقلق الإنسان بقدر ما هي مسرح الطبيعة. هنا تتكثّف خيوط الكتاب جميعها - الصمت، التيه، الأسطورة، المنفى، والهوية - في مفارقة واحدة شاهقة: الضياع مسارٌ خفيّ نحو المعنى، والفراغ الظاهر امتلاءٌ من نوعٍ آخر.

هذا العمل يأخذ بالقارئ إلى قلب «المكاشفة»، ويقوده لاكتشاف أن الصحراء التي يتحدث عنها الكوني قريبة منّا؛ كامنة في دواخلنا، في ذلك الصمت الذي نرتجف أمامه، وفي تلك الحرية التي نتردّد أمام ثمنها.

لقد نجح علي مكي في تحويل الكوني إلى مرآةٍ لنا جميعاً، ونجح الكوني في البرهنة على أن الأدب - حين يبلغ ذروته - ممارسةُ خشوعٍ في محراب الوجود؛ لحظةٌ يذوب فيها الاسم، ويخفت فيها الضجيج، ويبقى وجه الحقيقة وحده مشرقاً كشمس الظهيرة وهي تشقّ المدى حتى أقصاه.