عزرا باوند.. العبقرية الشعرية والسقوط السياسي

التقدمية والرجعية لا تنطبق على الشعر

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

عزرا باوند.. العبقرية الشعرية والسقوط السياسي

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

يشكل كتاب «عزرا باوند.. البركان الوحيد» مدخلا ممتازا إلى عالم هذا الشاعر، حياته وأعماله الشعرية. ومؤلفه هو البروفسور جون تايتل أستاذ اللغة والآداب الإنجليزية في إحدى جامعات نيويورك.
من المعلوم أن عزرا باوند يعتبر أحد أهم الشعراء الذين أنجبتهم أميركا في تاريخها كله. ورغم السمعة السيئة التي لحقت به بسبب انحيازه إلى موسوليني إبان الحرب العالمية الثانية فإن شاعريته لم تتأثر بذلك كثيرا. والواقع أن مسألة التقدمية والرجعية لا تنطبق على الشعر؛ فكثيرا ما نرى شخصا رجعيا في أفكاره ولكن شعره من أروع ما يكون. وكثيرا ما نجد شخصا تقدميا ولكن شعره تافه لا معنى له. هل كان بدوي الجبل تقدميا يا ترى؟ أو نزار قباني؟ أو شارل بودلير؟ وبالتالي فلنكف عن هذه التصنيفات السطحية.
ورغم كل تقلباته وما حل به فإن عزرا باوند مارس تأثيرا كبيرا على شعراء وكتاب آخرين ليس أقلهم جيمس جويس وت. س. إليوت وإرنست همنغواي وغيرهم.
لكن من هو عزرا باوند؟ على هذا السؤال يجيبنا المؤلف قائلا: «لقد ولد في الولايات المتحدة عام 1885 ومات في البندقية بإيطاليا عام 1972. أي أنه عاش عمرا مديدا يتجاوز السابعة والثمانين عاما. وكان شاعرا وموسيقارا وناقدا أدبيا من الطراز الأول. وقد انضم إلى الحركة الحداثية للشعر الأميركي في العشرينات من القرن الماضي، عندما كان لا يزال في بدايات حياته الأدبية. وغالبا ما صنفه النقاد آنذاك في خانة (الجيل الضائع)، وهي تسمية من أجمل ما يكون. ما معنى شعر من دون تيه أو ضياع؟ وقد التقى به آنذاك الناقد هوف كبينير وخرج بالانطباع التالي: لقد شعرت فجأة بأني في حضرة الحداثة الشعرية والفنية! إنها متجسدة كليا في شخصه تماما كبقية المغامرين الذين يلقون بأنفسهم في متاهات التجريب الخلاق».
بين عامي 1900 - 1905 درس عزرا باوند الأدب المقارن في جامعة بنسلفانيا في نيويورك، ولكنه غادر أميركا إلى أوروبا عام 1908 وعمره لا يتجاوز الثالثة والعشرين؛ لأنه كان عاجزا عن التأقلم مع المجتمع الأميركي.
كان غريب الأطوار؛ أي شخصا لا امتثاليا ولا اجتماعيا. وهنا تكمن إحدى سمات المبدعين الكبار. هل كان بودلير متصالحا مع المجتمع؟ أو رامبو؟ أو هولدرلين؟ لقد جننوه.. وعاش في البندقية أولا، ولكنه لم يبق فيها إلا فترة قصيرة؛ إذ سرعان ما انتقل إلى لندن عاصمة الآداب الإنجليزية ومحجة كل شعراء أميركا وأدبائها في ذلك الزمان. وهناك التقى كبار الكتاب الإنجليز من أمثال: جيمس جويس، فورد مادوكس فورد، ويندهام لويس. وكان لا يزال ينتمي آنذاك إلى الحركة التصويرية، وهي حركة أدبية انخرطت في التجريب الشعري عن طريق استخدام لغة غنائية.
وكانت متأثرة بآداب الشرق الأقصى والشعر الياباني على وجه الخصوص. وكانت الجماعة التي تنتمي إلى هذه الحركة تنشر أعمالها في مجلة تدعى «الأناني». لاحظ هذا الاسم الاستفزازي ما أجمله! هل يمكن للمبدع أن يكون إلا أنانيا متقوقعا على ذاته؟ هل يمكن أن يكون إلا نرجسيا؟ وبعد أن التقى عزرا باوند النحات هنري غودييه برزيسكا، تشكلت الحركة «الدوامية» في الشعر الإنجليزي، وهي حركة تجريبية أيضا وقريبة من التيار المستقبلي في الشعر وتشكل آخر صرعة. وعموما فهي تركز على الكثافات الشعرية إلى أقصى حد ممكن.
ثم التقى عزرا باوند أثناء الحرب العالمية الأولى بالشاعر الكبير ويليام بتلر ييتس في آيرلندا، وأصبح سكرتيرا له، مثلما أن صموئيل بيكيت سيصبح سكرتيرا لجيمس جويس لاحقا. وفي عام 1914 تزوج باوند بالفنانة دورثي شكسبير. لاحظوا الاسم! وبعدئذ تعلم اللغة اليابانية وراح يهتم بالشعر الغنائي السائد في الشرق الأقصى. وفي عام 1915 ابتدأ بكتابة رائعته الأدبية «كانتوس»، أي أناشيد. وقد اشتغل عليها طيلة حياته كلها.
وبعدئذ جاءت المرحلة الباريسية من حياة عزرا باوند. وهل يمكن لأي مبدع في العالم ألا يمر بباريس يوما ما؟ ما معنى الشعر بلا بوهيمية أو تسكع في شوارع باريس إلى ما لا نهاية؟ ما معناه من دون مغازلات حرة ومناوشات؟ نعم في عام 1920 وصل عزرا باوند إلى باريس وانضم بسرعة إلى جماعة الأدباء والفنانين الباريسيين التي ولدت الحركة الدادائية أولا، فالسريالية ثانيا. وراح يستقبل في شقته الباريسية المتواضعة أهم الكتاب الفرنسيين من أمثال جان كوكتو، وأندريه بريتون، وبقية المجانين والمبدعين. وكان كريما جدا. ما معنى شاعر بخيل؟ كل الناس يمكن أن يكونوا بخلاء ما عدا الشاعر أو المجنون.
وقد شاءت الصدفة أن يكون همنغواي في باريس أيضا. وقد زاره في شقته التي كانت مفتوحة للجميع. وقد أثر عزرا باوند على إرنست همنغواي من الناحية الأدبية، فتحسن أسلوبه بفضل النصائح التي أسداها له، وهي نصائح لم يكن يلتزم بها هو دائما!
ويرى المؤلف أنه بفضل عزرا باوند اكتشف همنغواي أعمال الكتاب الجدد من أمثال ت. س. إليوت وجيمس جويس، هذا بالإضافة إلى الكلاسيكيين الكبار من أمثال فلوبير، وستندال، وهنري جيمس، إلخ. ومقابل هذه الخدمات الأدبية راح همنغواي يعطي عزرا باوند دروسا في المصارعة لتقوية عضلاته! وكان عزرا باوند يقول: الكتاب الجيدون هم أولئك الذين يستخدمون لغة فعالة، أي واضحة ودقيقة.
وكان يعتقد أن الأموال الضخمة التي جمعتها الكنائس المسيحية ينبغي أن توزع على الفنانين والشعراء والفلاسفة والعلماء الذين يكتشفون قوانين العالم ويقدمون خدمات جلى للبشرية. فهم أحق بها من المطارنة والكرادلة والباباوات والباشاوات العاطلين عن العمل.. ويمكن القول بأن عزرا باوند كان من أتباع الفيلسوف الصيني كونفوشيوس الذي علمنا مبادئ الدين المدني الذي حدد جيدا الواجبات الاجتماعية لكل شخص، بدءا من الإمبراطور وانتهاء بأصغر فلاح أو كناس في البلاد.
ولكن عزرا باوند ارتكب أكبر خطيئة في حياته عندما اعتقد أن الدولة الفاشية التي أسسها موسوليني في إيطاليا هي تجسيد لهذه الدولة المدنية التي حلم بها كونفوشيوس. ودفع ثمن هذه الخطيئة باهظا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. فقد حاكموه عام 1945 واعتبروه مريضا من الناحية العقلية. فسجنوه في مستشفى المجانين لمدة عشر سنوات أو أكثر. ورغم هذه السقطة الأخلاقية الكبرى فإن بعض النقاد يجدون فيه واحدا من أهم شعراء الغرب في القرن العشرين إن لم يكن أهمهم. فالكثيرون يضعونه من حيث المرتبة الشعرية فوق ت. س. إليوت. وقليلون هم شعراء الحداثة الذين كانوا يمتلكون طاقته الشعرية الخلاقة. فمن شعره تفوح رائحة الحرية كأقوى ما يكون.
هل نعلم أن عزرا باوند ترجم كل أنواع الشعر من الشرق الأقصى إلى أوروبا؟ وكان يبحث من خلال ذلك عن لغة شعرية كونية. ولذلك تعلم عدة لغات، وكان يعتقد أن شعر اليابان والصين والهند أقرب إلى البراءة والطبيعة ويعبر عنهما بشكل أفضل، ولذلك اهتم به كل الاهتمام. كان يبحث عما هو بدائي، عفوي، صادق في شعر هذه الأمم التي لم تفسدها الحداثة الصناعية بعد كما حصل لمجتمعات أوروبا وأميركا. كان يبحث عن البراءات المطلقة في الشعر. وما نفع الشعر إن لم يكن بحثا مضنيا عن البراءات الأولى؟ ما معناه إن لم يكن حفرا أركيولوجيا عن أعماق الذات، أي عن البراءات الضائعة، البراءات المطمورة في أعماق لا قرار لها؟ انظروا كتاب «الشعر والعمق» للناقد الفرنسي جان بيير ريشار حيث يستكشف «دهاليز» بودلير والطبقات السفلية التي نزل إليها، وهي مناطق مرعبة لم تطأها قدم قط.
والفكرة الأساسية لدى عزرا باوند هي أن العلاقات الكائنة بين الأشياء أهم من هذه الأشياء بالذات. ولكن ليس كل الناس يرونها. وحده الشاعر الكبير يراها.
وأخيرا يقول المؤلف بأن عزرا باوند هو شخص ولد في أعماق أميركا عام 1885، ولكنه طرد من الجامعات الأميركية بسبب رفضه للنزعة الامتثالية وميله إلى التفرد والتمرد كما ذكرنا. فذهب إلى إنجلترا حيث احتل مكانة مرموقة في عالم لندن الأدبي. وهناك راح يلبس القناع لكي يكتب أولى قصائده الشعرية ويخترع ما يدعى بالمدرسة التصويرية. وهي مذهب شعري حديث يدعو إلى التخلص من الأوزان والقوافي والتعبير عن الأفكار والانفعالات بواسطة الصور الواضحة الخالية من الغموض والرمزية. ومعلوم أنه كتب في شبابه الأول يقول: «سوف أكتب أعظم القصائد التي أتيح لمخلوق على وجه الأرض أن يكتبها». وهذا يذكرنا بكلام المعري:
«وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل»
وهذا ما حصل في الواقع. فقد كان من أوائل من استخدموا الشعر الحر وخرجوا على الأوزان والقوافي. وقد لعب دورا عظيما في اندلاع الثورة الشعرية الحديثة التي أثرت على الأدب الإنجليزي كله في القرن العشرين. وتمرده الشعري كان متوازيا مع تمرده النفسي والشخصي. فقد اشتهر باحتقاره للعادات والتقاليد السائدة في المجتمع وميله إلى الاستفزاز والخروج على المألوف. وهذا ما حبب السرياليين فيه. كان عاشقا للوثنية وكارها لأميركا التي تعبد الكتاب المقدس والدولار في آن معا!
وأخيرا، كان باوند، كما يقول، «مخطئا، مخطئا بنسبة تسعين في المائة، فقدت صوابي في الإعصار» (اعتذار متأخر عن تجربته الفاشية مع موسوليني).
لكنه لخص تجربة حياته بعبارة اعتزازية ولا أروع: «فشل يساوي كل نجاحات العصر»!
جون تايتل: «عزرا باوند.. البركان الوحيد»
ترجمه إلى الفرنسية فيليب ميكرياموس



كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟
TT

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبياً في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت. في فرنسا فرض ديكارت نفسه. ربما لهذا السبب لم يصل الكتاب إلى الشعبية التي بلغها في بلدان أخرى».

إجابة ماركيز تبدو صادمة جداً، وغريبة في الوقت نفسه. فما علاقة ديكارت الفيلسوف الفرنسي الشهير برواية تُترجم إلى الفرنسية، وكيف أخضع ديكارت فرنسا وسيطر عليها كلياً حتى لا تتمكن من تقبل رواية من طراز «مائة عام من العزلة»؟

من جانب آخر، أستطيع أن أضع ثقافتنا الآن في مواجهة سؤال يشبه ما قاله ماركيز عن كبرياء الفرنسي العقلاني الذي رفض تذوق رواية من أميركا اللاتينية لأنها صدمت أركان العالم العقلي الذي بناه ديكارت للفرنسيين لـ«حمايتهم من الوهم والتأكيد على عالم التجربة المحدود الذي نعيش فيه».

بالنسبة لنا كقراء في ثقافة أخرى مختلفة عن الثقافة الفرنسية في كل شيء، أُعجبنا بأعمال ماركيز جميعها. لقد اعتبرنا كتاب أميركا اللاتينية صانعي رواية بامتياز. وانتشرت كتب ماركيز وبورخيس وكورتاثار وفوينتس وساباتو وغيرهم من الكتاب بيننا وما زلنا نقرأها. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل أضافت روايات ماركيز على أقل تقدير إيقاعاً جديداً على أعمال روائية تكتب وتنشر عندنا؟ أو بعبارة أكثر دقة: هل استفدنا من الواقعية السحرية في تغيير وجهة نظر الروائي العربي تجاه الواقع الذي يعيش فيه، ويكتب عنه؟ وإذا كان ماركيز فسر عدم انتشار روايته شعبياً في فرنسا بسبب التفكير العقلاني الذي يتمتع به الفرنسي فكيف نفسر انتشار رواية الواقعية السحرية بين القراء، ومن ضمنهم كتاب روائيون، دون أن نستطيع تحديد ملامح هذا التأثر الفني بهذا الاتجاه الفني الرائد، أعني هل لدينا نماذج روايات استلهمت الواقعية السحرية وقربت لنا الواقع بطريقة مختلفة بحيث جعلتنا نراه من زاوية أخرى؟ من خلال متابعتنا لما يكتب هنا وهناك، وجدنا أن هناك فجوة كبيرة بين الإعجاب بماركيز واستلهام تراث الواقعية السحرية. كما أن هناك اهتماماً قليلاً بمنهج الواقعية السحرية كفن يحاول أن يعلمنا تحطيم الحدود الشكلية للأشياء، والأهم من هذا يسعى الروائي الذي يستلهم الواقعية السحرية إلى التقليل من سيطرة العقل على العالم. وهذا أحد أهداف الواقعية السحرية المهمة.

ولو كان ماركيز متابعاً للأعمال الروائية الصادرة عندنا ربما لتعجب من عدد القراء المعجبين بأدبه مع قلة التأثر بهذا النوع من الأدب. لا أعرف كيف سيفسر ماركيز هذه الظاهرة الغريبة التي تندرج ضمن الإعجاب بأدبه دون أي تأثر بما كتب. فما زلنا نفكر بالعالم وكأنه كتلة تخضع لتفسير واحد وعلينا تصديق هذا التفسير... هذا ما يجعلني أقول إن ماركيز منفي عندنا كما نفته فرنسا قبلنا حين وضعته في سجن عقلها الديكارتي.

لكن كيف فهمنا الواقعية السحرية في نهاية المطاف. هل هناك رواية عربية تعاملت مع الواقع من خلال وجهة نظر خاصة تقودنا إلى الشعور بالعالم وهو يسير بسرعة فائقة أمامه؟ أليست هذه هي رسالة ماركيز أولاً، ورسالة واقعيته السحرية قبل كل شيء؟

بهذا الوعي تنفتح الواقعية السحرية على عالم الأشياء، وهنا في إطار هذا الإحساس الشفاف بالعالم تخضع التقنية لوجهة نظر الروائي فتندمج بها وتذوب بشكل كامل. التقنية مرآة تكشف لنا حقيقة العالم وإظهاره بصورة جديدة مختلفة. لذا سيكون تساؤلي بعد كل ما قلت: هل لدينا عائق ما من حدوث التغير الجمالي الذي يجعلنا نفكر بأسلوب جديد وبعاطفة أكثر تسامحاً؟ هل مرت عاصفة روايات ماركيز دون أن تحدث التغير المطلوب في طريقتنا المتعلقة برؤية العالم من حولنا؟

ليست الواقعية السحرية تكتيكاً سردياً يستخدمه الروائي للتأثير في القراء، كما أنها ليست نقلاً مباشراً للواقع كما نراه. تقترب الواقعية السحرية من الوجودية إلى درجة يختفي الحد الفاصل بينهما. وهنا يتشابه الروائي ذو الخيال الأكثر نقاء مع الوجودي الذي يكره سيطرة الاحتمال الواحد على الواقع. نحن إذن أمام تمرد كبير يحاول تخليصنا من الإحساس المتكرر بالعالم من حولنا وكأننا نقوم بالدور نفسه كل يوم متناسين أفعالنا الإنسانية وقلقنا الوجودي الذي لا يهدأ.

بعد هذه المقدمة لا بد من التوقف عند وجهة نظر محددة طرحها الناقد فاضل ثامر في كتاب «المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي». الحقيقة أحسست بأن الواقعية السحرية التي تحدث عنها ثامر في كتابه تختلف جذرياً عن الواقعية السحرية التي أشار ماركيز إليها في بعض أحاديثه ومقالاته وأعماله الروائية.

فعلى مستوى المفهوم استخدم فاضل ثامر ثلاث مفردات هي الغرائبي والفانتازي والواقعي السحري ظناً منه أنها كلمات مترادفة. والحقيقة أن هناك فرقاً بينها لا بد من إيضاحه، فما يستخدم في مجال النقد هو «Magico»؛ أي الواقعية السحرية، وهذا المصطلح هو الأكثر شهرة والأكثر استخداماً في إسبانيا وفي أميركا اللاتينية، والأدق في التعبير عن هذه المدرسة الفنية.

أما الغرائبي فهي مفردة تشير إلى ما هو غريب عن الواقع، وهي ليست أفضل من كلمة «الفانتازي»؛ هذه الكلمة المعربة التي تعني الوهم، ولا علاقة لهاتين الكلمتين بالواقعية السحرية. ولو عدنا إلى ماركيز فقد حاول تببين وجهة نظره التي ترتبط بالخيال كمفهوم نقدي قبل كل شيء.

إذن استخدام هذه الكلمات الثلاث مترادفاتٍ خطأ نقدي لا بد من الانتباه له. ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاعتقاد أن الواقعية السحرية هي مجرد أسلوب أدبي يمكن تعلمه بل هي وجهة نظر فكرية تنتقد أي تفكير يحاول السيطرة على الواقع ويفرض عليه طابعاً واحداً. إن قوة الرواية تأتي من هذا الإيمان بأن الحياة تنوع مذهل يصدم الإنسان ويدفعه للتساؤل والحيرة إزاء ما يراه.

لكن إذا عدنا لوجهة نظر فاضل ثامر فسنرى أن الواقعية السحرية شيء آخر يختلف كثيراً عما قدمه ماركيز، وما تحدث عنه. وفاضل ثامر يضرب مثلاً للواقعية السحرية بماركيز نفسه.

أظن أن الخطأ النقدي الثاني الذي وقع فيه فاضل ثامر هو محاولته تفسير ظهور الواقعية السحرية وكأن هذا النمط من السرد خضع لمنطق السبب والنتيجة، إذ لعبت الظروف في دفع الروائي إلى اللجوء لسرد غير تقليدي تماشياً مع تغييرات العصر. يقول فاضل ثامر «إن القاص العربي لم يعد قادراً على تصوير معاناة الإنسان في عالم شديد التعقيد بالأدوات الواقعية أو التقليدية التي كان معتاداً عليها، خاصة بعد أن راح هذا الإنسان يتعرض لسلسلة من الضغوط والإحباطات والعذابات التي لا يمكن قهرها أو مواجهتها» (ص 2).

هذا أحد أسباب تفضيل الروائي العربي للواقعية السحرية. لنتابع كي نتعرف على أسباب أخرى يعرضها الناقد لنا، يقول أيضاً: «كما يسهم هذا المنحى في تحرير السرد العربي من الرتابة والتقليدية والفوتغرافية والآلية ويكسبه المزيد من الشفافية والرهافة والفنية» (ص 3).

إذن هناك سبب فني أيضاً دفع الروائي لاختيار أسلوب الواقعية السحرية، ثم نصل إلى النقطة الأخيرة التي يقول فيها فاضل ثامر: «إضافة إلى ما تقدم فإن هذا المنحى الغرائبي والسحري والفنطازي يعيد سرد ما انقطع بين السرد العربي الحديث والموروث السردي والحكائي العربي القديم» (4).

الواقعية السحرية هي منحى أدبي لجأ إليه الروائي ليتمكن من وصف واقعه بأسلوب لا تستطيع الأدوات التقليدية فعله. وكانت هناك أسباب خارجية دفعت الروائي لممارسة هذا اللون من السرد، أهمها إمكانية تصوير الواقع بشكل أفضل كما بينا. لكن هل هذه الأسباب كل ما جعلت ماركيز هو ماركيز؟ هل هذه هي كل أسرار الواقعية السحرية التي عرضها لنا فاضل ثامر بأمانة كبيرة؟

أين الوعي النقدي بالواقعية السحرية كما تكشف عنها أحاديث ماركيز؟ أين فاعلية الخيال التي ترفض الاحتمال الواحد وتقدم الحياة على أنها أكثر رحابة وأكثر جمالاً؟ أين الصدمة التي تعرض لها ماركيز وهو يلمس في لحظة قصيرة فناء ماكوندو مدينته الأثيرة عنده؟

أسئلة أخرى لن نجد أجوبتها في الصورة التي رسمها فاضل ثامر لهذا المنهج السردي الرائع الذي أجد فيه صرخة ضد عقلانية الاحتمال الواحد.

ثم كيف نفسر إصرار الناقد على ربط الواقعية السحرية بأسلوب قديم سردي قديم يجد الناقد فيه بذوراً لواقعية سحرية قديمة. ولو أن الناقد فاضل ثامر عرف لنا الخيال، ولو أنه حلل ما قاله ماركيز عن عمله لوجد أن هناك مسافة كبيرة بين السرد الحكائي الموروث وسرد الواقعية السحرية. أظن أن مشكلة فهمنا للواقعية السحرية ينشأ من افتقار ثقافتنا للاهتمام بعنصر الخيال قبل كل شيء. إننا نجيد معركة الجدل والاستنتاج والبحث عن حقيقة وحيدة ومطلقة. وكل هذا يطبع وعينا ويجعله لا يهضم عملاً لماركيز أو بورخيس.

لست متفقاً مع الناقد في أن هناك بذوراً للواقعية السحرية في أنماط سردية قديمة يعددها الناقد فاضل ثامر مثل «ألف ليلة وليلة»، والسير والمغازي وسيرة عنترة بن شداد والسيرة الهلالية. وهنا أتساءل كيف لم تترك هذه السرديات المتنوعة فناً خاصاً بنا له ملامح واقعية سحرية قرأناها في أعمال أدبية شهيرة. فكل هذه الأنماط من السرد تضم ملامح واقعية ساذجة مطابقة للواقع أو تستخدم الوهم الذي يكرهه ماركيز أو تصف واقعاً معيناً وكأنه واقع ساكن ثابت لا ينتهي. مثل هذه الملامح السردية تحاربها الواقعية السحرية. وعلى النقد أن يقوم أولاً بتحديد المصطلحات ثم دراسة وجهة النظر النقدية الخلاقة التي تعلمنا إياها رواية حقيقية غير تقليدية وتستحق أن نقول بحق إنها رواية تعكس روح الواقعية السحرية.


هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري
TT

هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري

حين فاتحني الصديق الدكتور عارف الساعدي برغبته في أن أشارك في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة (السياب والبياتي وبلند الحيدري) أذهلتني الفكرة من حيث قيمة الوفاء لذاكرة الثقافة، ثم من حيث تحريك ذهني لمعنى الحديث عن ميلاد أي أحد بعد مائة عام من الحدث؛ ذاك الحدث الذي كان من حقه الأفول كما هي حال كل مواليد ذاك العام البعيد عنا زمناّ ومكاناّ ومعنى. وهذه لعبة مخاتلةٌ من ألاعيب الذاكرة التي تبتكر احتيالاتها الخاصة فتختار واحداً منا لكي يتذكر وهذا ليس اختياراّ عشوائياّ بدليل أن الذاكرة اختارت هذا الواحد لأمرٍ توسمته فيه وهو أن يحترم هدية الذاكرة، من حيث هي ذاكرةٌ ثقافيةً تحمل برهانها الخاص وعلامة ذلك هي الدهشة التي تختالنا مع مثل هذه الحالة العجائبية، وكيف اختارني عارف ليطلب مني طلباّ كهذا، وماذا لو اعتذرت منه بحجة ما، مثل أن أبتكر أي كذبةٍ يسمونها عادة بالبيضاء كي أتخلص.

بدر شاكر السياب

ولكني لم أبحث عن عذر، وكل ما قلته له هو «أبشر»، ولم أزد عليها، ولم أتردد عن استخدام كلمةٍ هي من موروثي الخاص فأنا أعيش في بيئة إذا قال أحدنا كلمة «أبشر» فهو يعلن الاحتفال بالوعد وهو وعدٌ محملٌ ببهجة البذل دون منةٍ ولا تسويف. وليس من عادتي أن أطلق «أبشر» بسهولةٍ لأنها كلمةٌ ذات حمولةٍ قيميةٍ عالية المعنى، والتراخي معها يحدث وحشةّ روحية لا تدع لحظاتك تمر دون أن تشعر بخجلٍ يحاصر معانيك وهذا ميثاق وفاء للذاكرة، تلك الذاكرة التي حركت الساعدي ومن ثم حركت الغذامي، وقد لا تكون الذاكرة هنا غريبةّ على الساعدي لأنه عراقي ولأنه شاعرٌ ولأنه معروف بالوفاء لذاكرة الثقافة العراقية ولشعراء العراق.

أما أنا فمحبٌّ للعراق وللذاكرة العراقية وهذا أكيدٌ عندي ولا شك، ولكن أن تتحرك ذاكرة مائة عام فهذه مسألة لها دواعيها الأخرى، وهي دواعٍ لن أحاول تحديدها لأني أرى أن الذاكرة تختارنا ولسنا من يختارها، وإذا هي اختارتنا دفعتنا للقبول دون تفكر، وهل تفكر الذاكرة...؟!، لن أقول نعم لأن الذاكرة تشتغل بشروطها الخاصة وشرطها غير عقلاني، إنه يحدث فقط. وإذا حدث تحقق، وستعتري الدهشة كل واحدٍ يتلقى خبراً عن ميلاد ثلاثةٍ سيكونون شعراء وسيمرون بحياة صاخبة، فيها نورٌ ونارٌ، وفيها بهجةٌ وانتصار بمثل ما فيها من وجعٍ، ولكنها ستصنع خريطةّ ثقافيةّ تلونها بألوانها الخاصة وهي ألوانٌ لا يمكن محوها وكلما غفلنا عنها أو نسيناها عادت لنا عبر سفراء لها مثل الساعدي.

وهنا نفتح صفحات الزمن ونقف نتبصر بحال مواليدَ دخلوا الدنيا غرباء وعاديين كغيرهم من أبناء جغرافيتهم، ولكنهم خرجوا من الدنيا بأصوات مدويةٍ تكتب أثرهم وتروي قصصهم، وتكتب لهم شهادات ميلاد غير تلك التي كانت لهم، وإنما هي شهاداتٌ كتبوها بدمهم وأرقهم وقلقهم وبمعانيهم التي احترقوا بها فأنضجتهم بمقدار ما أوجعتهم، وكل وجعٍ هو قصيدةٌ انتزعتها الروح من سكون النفس المكلومة لكي تتحول لقصيدةٍ ينشغل بها النقاد كما ستكون ميراثاّ إبداعياّ يوقع أجيالاّ بحبائل حيله عليهم لكي يوقعهم بصحبةٍ مع أشقياء الحياة ونسميهم صناع الحياة، أولئك الذين يموتون قبل غيرهم لأنهم كالسيف في غمده يأكل بعضه بعضاّ، كما وصف الفيلسوف الكندي أبا تمام وتوقع له موتاّ مبكراّ.

عبد الوهاب البياتي

وبعض الثلاثة عاش أطول من بعض، والسياب أسرعهم للموت وكأنه كان مستعجلاّ أكثر من رفيقيه، ولكنهم كلهم ماتوا مكفنين بالقصائد ووجع القصائد منذ صرختهم الأولى حتى صرختهم الأخيرة، أو بالأحرى صرخة الثقافة عليهم حين رحلوا وصار الكل يحبهم، وفي حياتهم كان الكل يلعنهم. هؤلاء الجنس البشري العجيب الذي لا يعيش إلا بالشقاء ولا يموت إلا تحت الشقاء، وكلهم تعرضوا للتشرد وكان لا بد لهم أن يتشردوا كي يبرهنوا على استحقاقهم الشعري، واستحقاقهم لمكانٍ أثيرٍ في الذاكرة ولكي نتحرك نحن لنتذكر أنهم ولدوا قبل مائة عام من هذه الوقفة التي نقفها عليهم وعلى صورهم في أذهاننا وأبيات قصيدهم في رؤوس أقلامنا نحن النقاد، وفي أشعار أجيالٍ من شعراء العرب ورثوا الشعر عنهم واستداموا شعلته بعد غيابهم.


رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين
TT

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

تلعب رواية «صيف مختلف... مذكرات سالم» للكاتبة الأردنية روند الكفارنة على وتر التنمية الذاتية لليافعين، وتخاطب فيهم الوجدان والعقل معاً.

اختارت الكاتبة أن تجعل روايتها الصادرة حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن، على صورة يوميات على لسان سالم؛ بطل القصة، إذ يبدأ حديثه باليوم الأخير في المدرسة فيقول: «هذا هو آخر يوم لنا في المدرسة، كنت أراقب السَّاعة على حائط الصفِّ وهي تقترب من آخر اختبار، رنَّ الجرس، قفزتُ من دَرجي، وناولت الأستاذ ورقة الاختبار، وانطلقتُ مُسرعاً تجاه الباب؛ مُعلناً أنَّ العطلة بدأت».

ولمجرد أن العطلة قد بدأت فلا يشغل بال سالم سوى اللعب والحلوى واللهو والنوم، معلناً أنه سيمارس هواية النَّوم حتَّى الظُّهر: «أسهَرُ حتَّى الصَّباح، فلا مدرسة، ولا مزيد من الطَّوابير الصباحيَّة. لا وجود للمدير الذي يصرُّ على انضباط الصفِّ، ورياضة الصَّباح، دون الاهتمام إن كان الطَّقس بارداً وماطراً، أو كانت حرارة شهر آب الذي يشبه خليَّة نحل، أو مُحرِّك درَّاجة ناريَّة، ودون أصوات الطَّلبة العالية، وحتَّى أستاذ الأحياء (فرج الله) بنظَّارته السَّميكة، وإشاراته الحمراء الكثيرة على دفتري، ثُمَّ من أخبره أنَّني أحبُّ مادَّتي الأحياء والجغرافيا؟».

وككثيرين من أبناء هذا الجيل فكل ما يشغل سالم هو اللعب واللهو والركض مع الرفاق، ولكن ليس كل شيء يتمناه الفرد يجده، فحين راودت سالم فكرة الراحة في الإجازة تذكر أن أمه ستدعو عمته وأبناءها لقضاء أسبوع في بيتهم، وبدأ يشكو من أبناء عمته وما يسببونه من إزعاج، كما أنه يشعر أن أمه لن تتركه دون أن تكلفه بمهام كثيرة، فيقول سالم: «عندما تكون الولد الأكبر، وتبدأ العطلة سيكون هنالك مهام كثيرة، ستستغلُّني أمِّي بعمل أشياء كثيرة لاعتقادها بأنَّ هذا يصنَعُ منِّي ولداً صالحاً، وهكذا أخبرتني أنَّه يترتَّبُ عليَّ تنظيف العِليَّة، فالعِليَّةُ تُشكِّل المخزن الرَّسميّ للعائلة، بها كلّ ما لا ترغب أمِّي في رؤيته، كانت جدَّتي ترفضُ رفضاً قاطعاً أن نقترب منها، لم تخبرني أبداً... ما المانع من عدم السَّماح لي أتجوَّل فيها ومُعاينة ما فيها؟».

وعندما بدأ سالم في تنظيف العِلّيّة لفت نظره مظروف مغلق يمكن القول إنه قد تسبب في تغيير أشياء كثيرة في شخصية سالم، وفي أحداث أيامه خلال فترة الإجازة الصيفية.

وعندما شاهد سالم رسائل كثيرة وحكى له أبوه عن الوقت الذي كانت تستغرقه المخاطبات والرسائل بين الناس، وأنهم كانوا ينتظرون أحياناً لشهر أو أكثر حتى تصلهم أخبار الغائبين أو المسافرين أخذ يفكر: «تأكَّدتُ أنَّنا نملك كثيراً من النّعَم بين أيدينا، إذا أحسنَّا ورشَّدنا استخدام التكنولوجيا، بما ينفعنا في حياتنا ومُستقبلنا. حقيقة هي نعمة كبيرة جدّاً يجب أن نشكر الله عليها».

وتختتم الكفارنة روايتها على لسان سالم الذي توصَّل إلى حكمة بعد كل ما رآه وعاشه، تُعدُّ خلاصة تجربته: «أظنُّ أنَّ الكُنوز تتعلّق بكيف تجعلنا سعداء وأنا اليوم سعيد، سعيد جدّاً، ولكنَّني توقَّفتُ عن العبث بمُكوِّنات أيّ عِليَّة في أيِّ مكان، يكفيني كلُّ ذلك، والغريب أنَّ ذلك لم يُعفِني من لعب الكاراتيه أبداً، وعندما عُدنا أخبرتني أمِّي أنَّ الدروس التي سآخذها ستكون مضاعفة لألحق بالطلَّاب الآخرين».

وللمؤلفة مجموعتان قصصيتان: «للأشياء أسماء أخرى»، و«ذاكرة متكسرة»، ورواية بعنوان «فستان أحمر».