ثعالب ليستر أعطوا درسًا لأندية النخبة الإنجليزية

ثعالب ليستر أعطوا درسًا لأندية النخبة الإنجليزية

الفريق الذي لا تتعدى ميزانيته 50 مليون إسترليني قلب كل التوقعات
الأربعاء - 26 رجب 1437 هـ - 04 مايو 2016 مـ
رانييري على ملصقات مدينة ليستر (رويترز)

حقق نادي ليستر سيتي ما يشبه المستحيل واقتنص بطولة الدوري الإنجليزي الممتاز لأول مرة في تاريخه، لكن الأندية التي يفترض أنها تمثل صفوة أندية المسابقة، التي - قطعًا - تشعر بالغضب لما ألم بها هذا الموسم، لن تكون على القدر نفسه من التسامح إزاء الفريق المغمور الذي اعتلى العرش.
واحتفالاً بالإنجاز الفريد، ظهرت لافتات وملصقات في منافذ البيع حول استاد ليستر سيتي تحمل عبارات مقتبسة من أغنية قديمة للمطرب بول ويلير بعنوان «افعل شيئا من أجلي». وكانت هذه اللافتات قد ظهرت للمرة الأولى خلال موسم 1987 - 1988 عندما نجح ليستر سيتي في إنهاء دوري الدرجة الثانية القديم في المركز الـ13. وهو إنجاز كان متوقعًا منه آنذاك. واللافت في الوقت الراهن تدفق أعداد غفيرة من الصحافيين الأجانب على مدينة ليستر لتفقدها ودراسة تاريخ النادي عن قرب.
وقد عبر غاري سيلك، أحد مشجعي النادي المخضرمين، في مقال افتتاحي له في مجلة «ذا فوكس» عن مشاعر كثير من مشجعي النادي بقوله: «يستغرق الأمر أكثر من ثمانية أشهر لمحو كل ما علق بذهنك على مدار حياتك السابقة بوصفك مشجعا لليستر سيتي، وكل ما جرى غرسه في ذهنك، وأنت طفل صغير، عن النادي، مثل الحديث عن كونه ناديا رائعا للغاية بدرجة تجعل دوري الدرجة الثانية مكانا غير مناسب له، وفي الوقت ذاته لا يعد جيدًا بما يكفي لأن يشارك في الدوري الممتاز. لقد بدا ليستر سيتي دومًا مهيئًا للعب دور وصيفة العروس، لكن لم يبد أهلاً قط للعب دور العروس ذاتها. ورغم وصوله نهائي بطولة كأس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم أربع مرات، فإنه عجز عن حمل الكأس ولو مرة واحدة، ما يعد بمثابة (إنجاز) فريد من نوعه. وقد اعتاد رئيسي بالعمل في منتصف الثمانينات القول: (ليستر سيخذلك دومًا)».
إلا أن هذا القول لا ينطبق على الوضع الراهن بالتأكيد، وقد تغير المزاج العام على نحو واضح بين جماهير النادي. على سبيل المثال، عمدت بعض المطاعم إلى تغيير لون بعض أطباقها إلى الأزرق، بينما حمل أحد المحال التجارية اسم كلوديو رانيري، بينما عكست ألوانه الألوان المميزة لليستر سيتي. والآن، بدأ الاعتقاد يتنامى أن الأندية التي يطلق عليها «الخمسة الكبار» قد ولى عهدها، وأصبحت في حكم الديناصورات المنقرضة. ويرى البعض أن ما حققه ليستر سيتي هذا الموسم سلط الضوء على أسلوب اللعب الممل الذي تنتهجه هذه الأندية العتيقة، الذي لا يمكن التغلب عليه عبر مجرد تغيير المدربين، لأنه يعكس مشكلات أعمق من ذلك.
إلا أن النبأ السيئ بالنسبة لليستر سيتي - الذي لا ينبغي أن يثير قلقهم إطلاقًا في الوقت الحاضر - يكمن في أن الاحتمال الأكبر أن تلك الأندية النخبوية لن تبدي القدر ذاته من التساهل حياله الموسم المقبل. والمؤكد أنه سيجري إنفاق الملايين لإصلاح الأخطاء التي فضحها الموسم الحالي. كما سيأتي بيب غوارديولا، وربما يعود جوزيه مورينهو. ولا يمكن لأحد أن يجزم بما سيكون عليه مصير ليستر سيتي الموسم المقبل. ومع تعرض النادي لسيل من الإصابات، بجانب مشاركته في عدد من المباريات في أوروبا، ربما يعود النادي إلى النصف الأسفل من قائمة أندية الدوري الممتاز من جديد الموسم القادم.
وبالمثل، فإن أبناء مهنتي من الصحافيين لا بد أنهم يدركون جيدًا الآن أن الحكمة تقتضي منهم النأي بأنفسهم عن أمواج التكهنات والتخمينات المتقلبة. جدير بالذكر أنه مع حصوله رسميًا على درع بطولة الدوري الممتاز، سيتلقى ليستر سيتي مكافأة بقيمة مائة مليون جنيه إسترليني. علاوة على ذلك، فقد أقر مالكوه بالفعل ثامن أغلى برنامج استقدام لاعبين جدد على مدار الموسمين الأخيرين من الدوري الممتاز. كما أن اتفاق البث التلفزيوني الجديد يمثل سببا آخر للاعتقاد أن البطل المنتظر للدوري الممتاز لن يكون تحت وطأة ضغوط تجبره على التخلي عن أفضل لاعبيه.
بجانب ذلك، لدى النادي خطط لتوسيع الاستاد بحيث يتسع إلى 42.000 مشجع، ما يبدو بعيدًا للغاية عن تلك الأيام التي وصف خلالها ديف باسيت ساخرًا متوسط حجم جماهير ليستر سيتي بوصفها «ثلاثة أشخاص وخمسة من ثمار الكرنب»، وذلك في واحد من المواسم التي هبط خلالها النادي.
ويروي باسيت قصة أخرى من موسم 2001 - 2002. عندما أنهى ليستر سيتي الموسم في القاع، حيث أشار إلى أن الشرطة أوقفت سيارته على إحدى الطرق وسألته عن اسمه. وقال: «عندما أجبت: (ديف باسيت)، قال الشرطي: (ماذا، مدرب ليستر سيتي؟) وأجبته: (نعم)، فانفجر ضاحكًا».
ومع ذلك، نجد الآن بعد عدد ليس بكثير من السنوات، يقف ليستر سيتي على مشارف كتابة السطر الأخير في واحدة من أكثر قصص النجاح الرياضي التي يُستعصى على المرء تصديقها. والمؤكد أن كثيرا من الأندية التي تتمتع بسمعة أفضل تشعر بالغضب والخزي حيال تقهقرها أمام نادٍ كان يناضل للفوز بنقاط أمام غالبية أندية دوري الدرجة الثانية حتى وقت قريب.
على سبيل المثال، كيف يمكن للمرء تخيل شعور مانشستر يونايتد، الذي تراجعت مكانته على نحو وضعه في مكانة متأخرة للغاية مقارنة بمنافسهم، الأحد، في الوقت الذي تبلغ قيمة فاتورة رواتب النادي 203 ملايين جنيه إسترليني، مقارنة بـ57 مليون جنيه إسترليني في ليستر سيتي. ويضم استاد أولد ترافورد مدرجا تقل مساحته قليلاً عن إجمالي مساحة استاد كينغ باور. كما تكشف الأرقام عن أن إجمالي ما أنفقه مانشستر يونايتد على الانتقالات خلال الموسمين الماضيين بلغ 132 مليون جنيه إسترليني، مقابل 49 مليون جنيه إسترليني من جانب ليستر سيتي. وفي مؤشر على أن مانشستر يونايتد أصبح ناديا يملك من المال أكثر مما يمكن للعقل استيعابه، أنفق بين أكتوبر (تشرين الأول) وفبراير (شباط) أجورا للوكلاء بلغت أكثر من 10 ملايين جنيه إسترليني. ورغم كل هذا، يبقى مانشستر يونايتد بقيادة المدرب لويس فان غال متقهقرًا بفارق 17 نقطة عن ليستر سيتي، الذي استقدم كبار هدافيه من أندية مغمورة مثل فليتوود تاون وبرايتون وهوف ألبيون.
واللافت أن حامل اللقب، تشيلسي، في مركز أسوأ، حيث تفصله عن ليستر سيتي 29 نقطة كاملة، بعد أن بدا لاعبوه هذا الموسم كأنهم يسيرون أثناء النوم. والمؤكد أن تشيلسي سيأمل في أنه لو كان باستطاعته محو هذا الموسم كلية من تاريخه. أما مانويل بيليغريني، فهو قطعًا في وضع لا يحسد عليه بعدما صرح مؤخرًا بأن مانشستر سيتي تحسن عامًا بعد آخر تحت قيادته مدربا.
وربما نسي بيليغريني أنه في أعقاب هزيمة مانشستر سيتي في ديربي مانشستر، الشهر الماضي، جرى توجيه سؤال له خلال المؤتمر الصحافي، الذي أعقب المباراة، حول تقييمه للنقاط الـ51 التي حصدها الفريق على مدار 30 مباراة مقارنة بـ61 و67 و62 و70، كان قد حصدها خلال الفترة ذاتها من المواسم الأربعة السابقة. وقد رفض بيليغريني الرد على السؤال وبدا عصبي المزاج خلال المؤتمر. ورغم أنه كان ما يزال أمامه شهران بالبطولة، فإنه لم يفلح أغلى فريق في الدوري الممتاز في تشكيل أدنى تهديد لليستر سيتي.
صحيح أن فريق بيليغريني نجح في الوصول إلى نصف نهائي دوري الأبطال، لكن إذا لم يتمكن من الإطاحة بريال مدريد، فثمة شيء في موسمه الأخير يذكرني بما قاله ريك باري بعد تغلب ليفربول على تشيلسي ليصل إلى النهائي في 2007. كان بيري الرئيس التنفيذي لليفربول في ذلك الوقت، وكان حريصا بوضوح، على التعاطف مع الفريق الخاسر. قال: «أخمن أنه عندما تستثمر 500 ملايين جنيه، فمن الرائع أن تفوز بكأس رابطة الدوري».
لا يمكن لليفربول أن يكون راضيا تماما عن نفسه، بعدما حطم رقم مانشستر يونايتد الشهير بعدم الفوز بلقب للدوري لمدة 26 عاما (أو 9494 يوما، إذا شئنا الدقة). ثمة فكرة رئيسية هنا عن أندية النخبة التي يصيبها الركود. يعد آرسنال مثالا آخر، بالنظر إلى الانهيار الذي بات عاديا الآن - وإلى أي مدى تبدو صور السيلفي التي التقطها لاعبوه في غرفة خلع الملابس عقب الفوز على ليستر في فبراير سخيفة الآن - في حين أن وجود إيفرتون في النصف الأسفل من جدول الدوري أصبح مزمنا لدرجة أن أحدا لا ينبغي أن يفاجأ كثيرا إذا تسبب هذا في وضع نهاية لولاية روبرتو مارتينيز مدربا للفريق.
تفصل إيفرتون عن ليستر 32 نقطة، وإذا كان مارتينيز متهما بأنه ملتزم بطريقة تفكير واحدة، ومتخاذل جدا فيما يتعلق بالبناء الدفاعي للفريق، وعنيد لدرجة لا تسمح له بعمل أي شيء لعلاج هذا الدفاع، فلا شك أن النادي لن يسعد بقصة سمعتها خلال الأيام القليلة الماضية، وهي تتعلق بفترة تدريبه لويغان أتلتيتك.
ربما تتذكرون الهزيمة التي تلقاها ويغان 1 - 9 من توتنهام في وايت هارت لين في نوفمبر (تشرين الثاني) 2009. وهي هزيمة قياسية بالنسبة إلى ويغان، وجاءت بعد بضعة أشهر على تولي مارتينيز تدريب الفريق. ما هو غير معروف على نطاق واسع أنه في غرفة خلع الملابس عقب المباراة، قال مارتينيز للاعبيه - الذين كانوا في حالة من الذهول على أقل تقدير - إن عليهم أن يواصلوا اللعب بالطريقة نفسها التي لعبوا بها. ومن ثم تلقت شباك ويغان، 79 و61 و62 و73 هدفا خلال المواسم الأربعة التي قاده فيها، بينما إيفرتون أكثر هشاشة. لا شك بأن مارتينيز يتمتع بقدرات جيدة، لكن ما يدينه بالقدر نفسه هو أن مباريات ليستر الـ7 من أصل 9 مباريات في الدوري، التي لم تهتز خلالها شباكه، يساوي عدد المباريات التي نجح خلالها إيفرتون في الحفاظ على نظافة شباكه منذ سبتمبر (أيلول).
إن الحديث يدور عن مارتينيز تحديدا، بسبب الاعتقاد الواسع النطاق أن هذا هو أفضل فريق يتوفر لإيفرتون منذ سنوات كثيرة، لكن للأمانة، هم أبعد ما يكون عن النادي الوحيد الذي استطاع أن يتعلم شيئا أو شيئين من الطريقة التي أعد بها رانييري فريقه.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة