أكثر من 700 رواية عربية في السنة.. طوفان يربك الجميع

«ملتقى الرواية العربية» الأول في بيروت بحضور 33 أديبًا

جانب من المؤتمر
جانب من المؤتمر
TT

أكثر من 700 رواية عربية في السنة.. طوفان يربك الجميع

جانب من المؤتمر
جانب من المؤتمر

أكثر من 700 رواية عربية باتت تصدر في السنة الواحدة. الروائيون الذين بلغ عددهم نحو 33 أديبًا اجتمعوا في بيروت طوال أربعة أيام، وشاركوا في جلسات «ملتقى الرواية العربية» الأول، الذي نظمته «الجمعية اللبنانية للفنون التشكيلية - أشكال ألوان»، ناقشوا خلال ثماني جلسات، عددًا من المحاور، لمواكبة هذه الظاهرة. لم يخفِ الحاضرون أن معرفتهم بالرواية العربية، رغم أنها ميدانهم وساحتهم، تبقى جزئية. قال رشيد الضعيف: «لا أجرؤ على التحدث عن الرواية العربية بعد أن أصبحت قارة، كما قال الروائي حسن داود، وإنما أتحدث عما أعرف، وعن العينة التي استطعت الاطلاع عليها، وهي ليست بالقليلة»، مذكرًا بأن النقد بدوره بلغ كمًا هائلاً تصعب الإحاطة به «فهو ليس فقط البعض اليسير الذي نراه في الصحف اليومية، وإنما عشرات آلاف الدراسات الجامعية التي تصدر بالعربية، وبمختلف لغات العالم».
الرواية إذن، تتجاوز أهلها، والمعنيين بأمرها. الطوفان يغرق الجميع، ويربك المتابعين، ويجعلهم أعجز من أن يحيطوا حتى بالأنواع التي يمكن أن تندرج تحت مصطلح «رواية». كان لافتًا تعليق الأديبة الفلسطينية ليانة بدر التي اعتبرت هذا الانفجار المحموم أشبه بفعل انعتاق حين قالت: «في فلسطين يكتب الرواية من له علاقة بها، ومن ليس له علاقة، إنها تتحول إلى فعل حرية. إنها رغبة في التعبير تتناسب عكسيًا أو تأتي ردة فعل على حياتنا المحافظة والمنغلقة على نفسها». وشرحت بدر أن الحائط الذي يحاصر الناس ويقطع الأوصال، وتكبيل الحركة، كما تصغير المساحات، التي يمكن أن يتحرك فيها المرء في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أعادت الناس إلى ما يشبه الحالة الريفية، بحيث بالكاد يخرج الأهالي من بيوتهم لقضاء حاجاتهم ويعودون سريعًا، خشية أي طارئ يمكن أن يحدث في أي لحظة. عن هذا السجن الفلسطيني وكيف ينعكس على كتابتها الرواية قدمت بدر مداخلة مؤثرة، كانت تستحق أن تُسمع، معتبرة أن هذا السجن الفلسطيني المقطع الأوصال، هو ما تتم محاولة تعميمه على كل المنطقة العربية في الوقت الراهن.
في الجلسة ما قبل الأخيرة، مع ليانة بدر قدمت المصرية ميرال الطحاوي خلاصة دراسة لها مثيرة حول استخدام الجسد في التراث العربي، وصولاً إلى الثورة المصرية، كوسيلة للتعبير وأداة للقمع في الوقت نفسه. واعتبرت أن النساء اللواتي كتبن أدبًا اعتبر إباحيًا في السنوات الأخيرة لم يستخدمن ذلك بمعنى التعبير عن الإثارة والمتعة بقدر استخدامهن الجسد أداة اعتراضية. وعن سبي النساء واستعبادهن واسترقاقهن في الحروب القديمة تحدثت الطحاوي وصولا إلى التحرش الجنسي الذي ظهر مع بداية الثورة المصرية كوسيلة لتطويع المحتجات. في موضوع مشابه كان أيضًا للحائز على البوكر التونسي شكري المبخوت مداخلة حاول فيها التمييز بين البذءاة في الأدب المكشوف، والتعبير الفني الموظف جماليًا وموضوعيًا، مفرقًا بين الاثنين، معتبرًا أن أصعب مشكلة تواجه الكاتب هي التغلب على الموروث».
الإشكاليات التي طرحها الأدباء والناشرون وناقشوها في جلساتهم التي صادف وقوعها خلال عطلة الفصح الشرقي كثيرة، والمداخلات منها ما جاءت شيقة، خصوصًا حينما تتأتى من تجربة المتحدث بعيدًا عن التنظير، وهو ما حاول غالبية المتدخلين فعله. حائز آخر على البوكر وهو أحمد السعداوي، انطلق من تجربته الخاصة، ليتكلم عن صعوبة الكتابة الروائية الأدبية في زمن الميديا ووسائل التواصل التي تغرق الكاتب، وتفرض عليه نوعًا من الصخب دون أن تترك له فرصة للتأمل. ليخلص في النهاية إلى أن «الكتابة الأدبية أو المتفوقة هي نوع من الحرب ضد الفراغ»، الذي تحدثه كل هذه الأجهزة التكنولوجية الضاجة بالنصوص والأخبار والقصص التي «لا نملك رفاهية التعامل معها كجثة باردة» قابلة للتشريح، كما يجدر بالروائي أن يتعامل عادة، مع المادة الأولية.
كما اتفقت الآراء على أن عدد الروايات الهائل، أصبح عائقًا أمام فهم الرواية العربية والتحدث عنها كجنس أدبي، كان ثمة شكوى مبطنة من تردي المستوى، أو تحول بعض الروايات إلى ما يشبه «إعادة إنتاج للواقع»، كما قال الروائي محمود الورداني الذي رأى أن «الرواية تزداد تورطًا بالواقع، وهو ما يجعلها تسجيلاً للحياة اليومية، بدل أن تكون إعادة إنتاج لها». كان ثمة آراء لروائيين تحدثوا عن اتكاء غالبية الروايات على جزء من سيرهم الذاتية، أو خلط بين سيرهم وسير آخرين، مما يبقي عناصر التخييل والفانتازيا قليلة.
الروائية السورية مها حسن، مهتمة كما الروائيين الذين تعاني بلدانهم من حروب واضطرابات وأحداث دموية يصعب تجاوزها، بوقوع الروايات بمحظور تسطير الوقائع، ونقل حوادث لم تتكشف أبعادها بعد. وهي ترى أن غالبية الروايات السورية التي كتبت بعد الثورة مصابة بهذه اللوثة، وأن ما يُكتب الآن لا بد أنه يأتي متسرعًا، لا سيما أنه يُسجل من قلب الحدث».
ولم يغب الناشرون عن الملتقى، حيث أدلت الناشرة المصرية فاطمة البودي بشهادتها شاكية من القرصنة التي بلغت حدًا مذهلاً، حتى باتت جودة المقرصن تجعل تمييزه عن الأصيل شبه مستحيل. ومما ذكرته أن الكتب التي تطبعها هي ودور أخرى، باتت نسخها المزورة تباع تحت مكاتب الدور، وأمام أعين الناشرين الذين لا يملكون سلطة الاعتراض أو الاحتجاج، وليس أمامهم سوى أن يتفرجوا ويتحسروا.
هل صار العرب هم أهل الرواية في مطلع القرن الحادي والعشرين لكثرة ما كتبوا ودبجوا، الجواب جاء بـ«لا». فالكثرة لا تعني الجودة، لكنها تستدعي النقاش والتساؤل، حتى وإن بدت الإجابات عصية وأحيانا محرجة جدًا. فالملتقى الذي نقلت وقائعه مباشرة على شبكة الإنترنت لمن كان يريد أن يتابع، جرى في قاعة صغيرة، بحضور من شاركوا في الجلسات، ولم يكن لقاء كبيرًا، يستجلب الجماهير الغفيرة.



دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ
TT

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش» الذي يعني، حرفياً، الغلظة وقلة تهذيب والخروج عن اللائق، كما يدل أحياناً على المصارع والمقاتل.

وظهر لفظ «الحرافيش» في بداية عصر المماليك، حيث أطلقه المؤرخون على المصريين سكان القاهرة من الطبقات الشعبية التي يملك الواحد فيها صنعة أو حرفة.

هذا ما تلاحظه الباحثة حنان راضي محمود في كتابها «صور التقابل في رواية الحرافيش»، الصادر ضمن سلسلة «كتابات نقدية» عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، مشيرةً إلى أن «ملحمة الحرافيش» تعد واحدة من روائع نجيب محفوظ، تسلط الضوء على تلك الفئة من الشعب ليس باعتبارها طبقة كادحة فحسب بل طبقة ذات طابع إنساني، حيث أكسبتها المعيشة القاسية صفات من الغلظة والخشونة.

ويتناول محفوظ هؤلاء البشر باعتبارهم «المستضعفين من الناس»، فحياتهم الفقيرة لم تحرمهم من الحلم والسعي وراء العدالة والحرية التي ينتظرون أن تأتي مع البطل الملحمي القادر على أن يملأ الأرض عدلاً بعد أن امتلأت ظلماً. هذا ما تجسد بالفعل في أحداث «ملحمة الحرافيش» على يد عاشور الناجي الجد مروراً بـ«الفتوات» الذين ساروا على نهجه، وصولاً إلى عاشور الحفيد الذي اختتم الملحمة.

وتعتقد الكاتبة أن المشهد الأول في الرواية يحظى بأهمية خاصة حيث يوثق بداية ظهور البطل عاشور الناجي من خلال العثور عليه رضيعاً وسط المقابر، وقد عثر عليه الشيخ «عفرة زيدان» وأخذه لزوجته، وقاما على تربيته رغم عدم معرفة أصله، ثم تتطور الأحداث حين ينمو ويكبر عاشور ويصبح شاباً ثم يتزوج وينجب ثلاثة أبناء.

يأتي الحدث الثاني، وهو الحدث الفاصل في بلورة الأحداث التالية في الرواية، وهو حدث «الشوطة»، أو الوباء، الذي حل على الحارة وأخذ الأخضر واليابس، كما اكتسح الموت كل معالم الحياة. وتكتمل وحدة الحدث بإحدى «كرامات عاشور» الناجي برحيله عن الحارة قبل أن تصيبه «الشوطة» عبر حلم تحول به مصيره، فقد نجا من الوباء هو وزوجته «فلة» و«شمس الدين»، نجله، ومنذ ذلك الوقت لُقّب بـ«الناجي»، وأصبح اسمه «عاشور الناجي» وكأن أسرته التي كونها قبل الوباء لم تكن.

وتشير المؤلفة إلى سمة فنية تتجلى في معظم نهايات أحداث الحكايات الأخرى من «الحرافيش» وتشكلت معها جماليات أسلوبية في الحكي عبر النهايات الحزينة ذات الطابع المأساوي، التي يأتي فيها الموت مصيراً محتوماً، وهي نهاية تشير إلى طبيعة الاتجاه الرومانسي الذي تغلب عليه مشاعر الحزن والقلق ومشاهد الضعف الإنساني.

وعلى سبيل المثال، نجد في الحكاية الثالثة «شمس الدين» أن النهاية تعلن عن رحيله، فقد عاش خائفاً من الضعف والمرض أكثر من الموت نفسه، فلُقّب بـ«قاهر الشيخوخة»، كما تحل النهاية المأساوية مجدداً عبر الحكاية السادسة «شهد الملائكة» بمقتل «زهيرة» على يد طليقها في مشهد صادم.


لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».