بارقة أمل في مد «التهدئة» إلى حلب مرهون بطلبات موسكو

المبعوث الدولي في العاصمة الروسية اليوم للتحادث مع لافروف حول عودة محادثات جنيف

بارقة أمل في مد «التهدئة» إلى حلب مرهون بطلبات موسكو
TT

بارقة أمل في مد «التهدئة» إلى حلب مرهون بطلبات موسكو

بارقة أمل في مد «التهدئة» إلى حلب مرهون بطلبات موسكو

في حين كثف وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، اتصالاته من جنيف مع نظراء عرب ومع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وكذلك مع المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، في مساع منه لترميم الهدنة المنتهكة على نطاق واسع في حلب ومنطقتها، قالت مصادر دبلوماسية متابعة لتطورات الوضع السوري في جنيف إن «ما حصل في الأيام الماضية من تصعيد ميداني يمكن أن يتكرر في أي لحظة، وأن يهدد مجددا المحادثات غير المباشرة بين النظام والمعارضة ما لم يتحقق تقدم ما» على طاولة المحادثات. وتعد المصادر أن قبول الوزير لافروف الاستجابة لمطلب كيري والأسرة الدولية بمد الهدنة إلى حلب «لن يكون مجانا».
وأضافت هذه المصادر، التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، أمس، أن «الكرة اليوم كما في الأمس في الملعب الروسي وانفلات الوضع الأمني في حلب وغيرها يعني أحد أمرين: إما أن موسكو لا تمسك حقيقة بكل خيوط اللعبة من جانب النظام، وإما أنها تستخدم لغة مزدوجة مع الطرف الأميركي، وهي بالتالي تغض الطرف عما يقوم به النظام، لأنه يخدم سياستها ومصالحها».
وخلصت هذه المصادر إلى القول إنه «من الواضح» أن الضغوط الغربية والأميركية على وجه الخصوص على موسكو: «ليست كافية»، لجعلها تحترم موقعها راعية لاتفاقية وقف الأعمال العدائية، ولكونها «مسؤولة عن سلوك النظام».
من جانب آخر، أشارت مصادر أخرى في باريس إلى أن «مروحة الضغوطات» التي يمكن أن تمارس على موسكو كثيرة، وهي سياسية ودبلوماسية وعسكرية، لكن اللجوء إليها «يفترض إرادة سياسية لا تتوافر اليوم للإدارة الأميركية» التي يبدو من تصريحات الوزير كيري، أنها «تركت التحكم بالملف السوري للطرف الروسي». وترى عواصم غربية أبرزها باريس أن سياسة واشنطن تجاه موسكو تتميز بـ«الميوعة». وعبر الوزير جان مارك أيرولت صراحة عن ذلك أمس من باماكو (مالي) التي كان يزورها بمعية نظيره الألماني وولتر فرانك شتاينماير، وأعلن أيرولت ما نصه: «قلنا لشركائنا الأميركيين إننا نتمنى ممارسة ضغوط أقوى على الروس، ليتدخلوا لدى نظام الأسد من أجل أن (تتوقف الضربات ضد حلب). لكن حتى الآن، هذا الأمر لم يتم».
وتعد المصادر المشار إليها أن قبول الوزير لافروف الاستجابة لمطلب كيري والأسرة الدولية بمد الهدنة إلى حلب «لن يكون مجانا».
وتريد موسكو أمرين: الأول، تعديل وفد المعارضة التفاوضي، بحيث تنزع صفة «المعارضة الرسمية» عن وفد الهيئة العليا للمفاوضات المنبثق عن مؤتمر الرياض عن طريق ضم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي إليه وجبهة سوريا الديمقراطية، أو عن طريق توحيد «المعارضات» التي كانت موجودة في جنيف في وفد واحد، مثل مجموعة موسكو - القاهرة ومجموعة حميميم وغيرهما. أما الأمر الثاني فإنه مطلب روسي قديم - جديد، ويقضي بحمل «فصائل المعارضة المعتدلة» على الابتعاد عن مواقع النصرة في حلب وريفها وفي الجبهات الأخرى، علما بأن النظام وروسيا كانا يتذرعان بالتداخل بين هذه الفصائل للاستمرار في عمليات القصف، بحجة «محاربة الإرهاب» الذي يجيزه القرار الدولي رقم «2254» و«اتفاق ميونيخ». وبالفعل، فقد أعلن الوزير كيري أنه سيطلب من المعارضة المعتدلة الابتعاد عن موقع النصرة في حلب، رغم أن طلبا كهذا سيكون صعب التحقيق ميدانيا بالنظر إلى تداخل المواقع بين حي وآخر. وثمة مطلب روسي ثالث يتمثل في ضم تنظيمي «جيش الإسلام» و«أحرار الشام» إلى لائحة المنظمات الإرهابية التي تعتمدها الأمم المتحدة. والحال، أن كلا التنظيمين ممثلان في وفد الهيئة العليا، لا بل إن المفاوض الرئيسي للوفد ليس سوى محمد علوش، ممثل جيش الإسلام داخله. وبالطبع، فإن إصرار موسكو على طلب كهذا سيزيد الأمور تعقيدا في جنيف.
وكان الوزير كيري قد كثف اتصالاته أمس من جنيف، فعقد اجتماعات متلاحقة مع وزيري خارجية الأردن والمملكة السعودية ناصر جودة وعادل الجبير، واجتماعا آخر مع المبعوث الدولي. كما أجرى اتصالا هاتفيا مع الوزير لافروف الذي يبدو أكثر فأكثر أنه «لولب الاتصالات». وسعى كيري في مستهل اجتماعه مع نظيره السعودي عادل الجبير لضخ نفحة من التفاؤل بقوله: «إننا نقترب من نقطة تفاهم.. لكن لا يزال أمامنا بعض العمل.. وهذا سبب وجودنا هنا». وبرأي كيري، فإن الاتصالات الخاصة بمد الهدنة إلى حلب شارفت على النجاح، معربا عن أمله «اتضاح» الموقف في الساعات المقبلة. ومن التدابير العملية التي تم التفاهم عليها في جنيف أمس توفير عدد أكبر من الأفراد في مقر الأمم المتحدة لمتابعة العمل بالهدنة يوميا.
وجاءت نفحة الأمل التي ضخها الوزير الأميركي بعد أن كان قد أعلن صراحة أن النزاع في سوريا «أصبح في نواح عدة خارجا عن السيطرة»، وأنه ليس «متأكدا» من نجاح مساعيه في لجم التدهور وإعادة فرض الهدنة في حلب. وخص كيري بانتقاداته الشديدة عمليات الهجوم المتكررة على المؤسسات الطبية في حلب، مطالبا بأن «تتوقف لأنها خرجت عن حدود المعقول». لكن كيري حمل، بالمقابل، النظام والمعارضة معا مسؤولية تدهور الأوضاع في حلب.
بيد أن جهود كيري، رغم أهميتها، ولكون واشنطن وموسكو راعيتي الهدنة، لا تبدو كافية في أنظار أكثر من جهة بل هي تطالب بجهد جماعي، وأن تكون طرفا في الاتصالات. وقد دعت باريس، بلسان الناطق باسمها رومان نادال، إلى «تنظيم اجتماع وزاري في أقرب الآجال للمجموعة الدولية لدعم سوريا لاستعادة تثبيت الهدنة وللتشديد على حماية المدنيين، وتوفير الفرصة (لاستئناف) المفاوضات بهدف التوصل إلى حل سياسي». وتضم المجموعة 17 دولة بينها روسيا وإيران إلى جانب الدول الغربية والخليجية وتركيا. وقال مصدر دبلوماسي فرنسي، لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إن «جهودا تبذل من أجل مبادرة دولية، لأن لا أمل بالعودة للمحادثات في جنيف من غير دفعة سياسية دولية ومن غير وقف للعنف». وتضيف هذه المصادر أن المشاورات التي تقوم بها الدبلوماسية الفرنسية تدور حول تحديد «أفق» «أي موعد» للاجتماع الموعود لكن العقدة تبقى موسكو.
وكانت باريس أول من دعا إلى اجتماع كهذا أرادته قبل نهاية أبريل (نيسان)، لكن روسيا، أحد رئيسي المجموعة «مع واشنطن» قالت إنها «لا ترى فائدة» من عقده رغم إلحاح دي ميستورا وأطراف أخرى.
ويزور المبعوث الدولي موسكو اليوم للتحادث مع لافروف، وسيكون موضوع الاجتماع الدولي مطروحا، لأن الأمم المتحدة، ممثلة في شخص أمينها العام بان كي مون وبشخص دي ميستورا، طالبت مجموعة الدعم بالتحرك. وبحسب المبعوث الدولي، فإن الهدنة التي يود «إعادة إحيائها» لن تكون ممكنة إذا عجزت واشنطن وموسكو عن إعادة الروح إليها. كذلك سيطرح موضوع استئناف المحادثات التي سبق لروسيا أن أعلنت معاودتها في العاشر من الشهر الجاري، وهو ما لم يؤكده المبعوث الدولي في انتظار إعادة ترميم الهدنة والتفاهم مع الأطراف السورية والدولية والإقليمية، والنظر في كيفية الاستجابة لمطالب وفد الهيئة العليا.
وترى باريس في استبعاد اجتماع مجموعة الدعم «حتى الآن» «دليلا» آخر على «رغبة موسكو في معالجة الأمور ثنائيا مع واشنطن»، بحيث إنها تعد التفاهم معها «أكثر سهولة». ولعل ما يذهب في هذا الاتجاه أن الجانب الأميركي قبل الأسبوع الماضي ألا تشمل «التهدئة» حلب ومنطقتها نزولا عند رغبة موسكو التي رفضت طلبا أميركيا بهذا المعنى. إلا أن واشنطن ألحت بعد زيادة الضغوط عليها بسبب اشتداد الانتهاكات وسقوط مئات الضحايا واستهداف المستشفيات. وكانت النتيجة أن موسكو قبلت البحث فيه رغم إعلان نائب وزير الخارجية غاتيلوف السبت الماضي أن بلاده «لن تضغط» على النظام السوري لوقف القصف باعتبار ذلك «حربا على الإرهاب». وقد طالب الناطق باسم الخارجية الفرنسية «داعمي النظام إلى تحمل مسؤولياتهم واستخدام نفوذهم لدى دمشق لإسكات الأسلحة».
وفي جنيف، اعتبر عادل الجبير أن ما يحصل في حلب بمثابة «عار» وانتهاك للقانون الإنساني، كما أنه يشكل «جريمة حرب». واتهم الجبير روسيا والأسد بانتهاك «جميع الاتفاقيات»، معتبرا أن الرئيس السوري سيرحل إن عبر عملية سياسية وهو ما يأمله أو أنه سيطاح به بالقوة.
من جهته، أعرب المبعوث الخاص للأمم المتحدة لسوريا، ستيفان دي ميستورا، عن قلقه العميق إزاء تدهور الأوضاع واستمرار العنف، خاصة في حلب، والتي تؤثر على المدنيين الأبرياء. وحذر من «أن الوضع الحالي يعرض وقف الأعمال العدائية لخطر كبير». كما أكد دعوته إلى كل من الولايات المتحدة والاتحاد الروسي لتجديد جهودهما لحماية واستعادة وقف الأعمال العدائية على الصعيد الوطني. وأضاف دي ميستورا في بيان للإعلام: «لا يمكن أن يتحقق أي تقدم في العملية السياسية، ما لم نر نتائج عاجلة وملموسة على أرض الواقع للشعب السوري».
وفي اجتماع منفصل، التقى السيد دي ميستورا مع وزير خارجية المملكة العربية السعودية، عادل الجبير، وأكد على أهمية الفريق الدولي لدعم سوريا للمساعدة في إعادة تنفيذ وقف الأعمال العدائية.



اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
TT

اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)

جدّدت الحكومة اليمنية تحذيرها من خطورة التصعيد الحوثي في مختلف جبهات القتال، مؤكدة امتلاكها أدلة على وجود تنسيق وتخادم بين الجماعة وتنظيمات إرهابية، في الوقت الذي كثّفت فيه تحركاتها الدبلوماسية لحشد دعم دولي أوسع لتعزيز قدرات جهاز مكافحة الإرهاب، ومواجهة التهديدات المتزايدة التي تطول الأمنين الإقليمي والدولي.

ووفق مصادر رسمية، ترى الحكومة أن استمرار هذا التصعيد يُقوّض فرص السلام، ويعزز بيئة الفوضى التي تستغلها التنظيمات المتطرفة، مشددة على أن أي تسوية سياسية لن تكون قابلة للاستدامة دون إنهاء الانقلاب الحوثي، وتجفيف منابع الإرهاب بكل أشكاله.

وخلال لقاء جمع رئيس جهاز مكافحة الإرهاب في اليمن اللواء شلال شايع مع سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن عبدة شريف، ناقش الجانبان التهديدات الأمنية الراهنة، وفي مقدمتها ما وصفه المسؤول اليمني بـ«التخادم الميداني» بين الحوثيين وتنظيمات مثل «القاعدة» و«داعش» وحركة «الشباب» الصومالية.

اليمن يتطلع إلى مزيد من الدعم الدولي لجهاز مكافحة الإرهاب (إعلام حكومي)

وأوضح شايع أن هذا التنسيق لا يقتصر على تبادل المصالح، بل يمتد إلى تنسيق عملياتيّ يهدف إلى زعزعة الاستقرار، وخلق بؤر توتر تستنزف قدرات الدولة، وتهدد أمن الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية.

وأشار إلى أن التصعيد الحوثي الأخير في عدد من الجبهات يأتي ضمن استراتيجية أوسع لخلط الأوراق، وإرباك المشهد الأمني، بما يمنح التنظيمات الإرهابية مساحة أكبر لإعادة تنظيم صفوفها، وتنفيذ عمليات نوعية.

جهود أمنية

في موازاة التحذيرات، استعرض رئيس جهاز مكافحة الإرهاب اليمني سلسلة من العمليات الأمنية التي نفّذتها القوات المختصة، وأسفرت عن تفكيك خلايا إرهابية، وإحباط مخططات استهدفت منشآت حيوية، إلى جانب ضبط شبكات تهريب أسلحة ومخدرات.

وأكد أن هذه النجاحات تحققت بفضل التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، مُشيداً بالدعم الذي يقدمه «تحالف دعم الشرعية» في دعم الاقتصاد اليمني، بما يسهم في تقليص بيئة الفقر التي تستغلها الجماعات المتطرفة.

تنسيق يمني بريطاني لمواجهة الأنشطة الإرهابية (إعلام حكومي)

كما أشار شائع إلى أهمية تطوير قدرات الجهاز في مجالات التدريب والتأهيل، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يمكّنه من مواكبة التحديات الأمنية المتغيرة، خاصة في ظل تشابك التهديدات بين الإرهاب والجريمة المنظمة.

من جانبها، أكدت السفيرة البريطانية حرص بلادها على دعم اليمن في هذا المجال، مشددة على أهمية بناء قدرات المؤسسات الأمنية، وتعزيز التنسيق الدولي لمواجهة التهديدات المشتركة، وضمان استقرار المناطق المحرَّرة.

في سياق متصل، بحث المسؤول اليمني مع السفير الأميركي لدى اليمن، سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية في مكافحة الإرهاب، حيث جرى التركيز على تطوير التعاون في مجالات التدريب، وبناء القدرات، وتبادل الخبرات الفنية.

وخلال اللقاء، شدد شائع على ضرورة تكاتف الجهود الدولية لمواجهة ما وصفه بـ«التحالف غير المعلَن» بين الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، محذراً من تداعيات هذا التنسيق على الأمن الإقليمي، وسلامة الملاحة الدولية.

كما دعا إلى تنفيذ صارم للعقوبات الدولية المفروضة على الحوثيين، خاصة ما يتعلق بحظر تهريب الأسلحة، وتجفيف مصادر التمويل، مؤكداً أن استمرار تدفق الأسلحة يسهم في إطالة أمد الصراع، ويعزز قدرات الجماعة على تهديد الأمن البحري.

وأشاد بالدور الأميركي في دعم جهود مكافحة الإرهاب، وعدَّ أن هذا الدعم يشكل عنصراً حاسماً في تعزيز قدرة الأجهزة الأمنية اليمنية على مواجهة التحديات الراهنة.

تحركات رئاسية

على الصعيد السياسي، كان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي قد ناقش مع السفيرة البريطانية سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وأولويات الدعم الدولي لليمن، خاصة في مجالات التعافي الاقتصادي، وبناء المؤسسات، وتعزيز الأمن والاستقرار. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأكد العليمي أن استقرار اليمن يرتبط بشكل وثيق بإنهاء الانقلاب الحوثي، واستعادة مؤسسات الدولة، وبسط سيطرة الحكومة على كامل الأراضي، مشيراً إلى أن التطورات الإقليمية الأخيرة تعزز قناعة المجتمع الدولي بخطورة الدور الذي تلعبه إيران في زعزعة استقرار المنطقة.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل السفيرة البريطانية (إعلام حكومي)

كما شدد على أهمية تشديد العقوبات على الحوثيين، وردع انتهاكاتهم لحقوق الإنسان، بما في ذلك الهجمات التي تستهدف المدنيين والنازحين، والتي تمثل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي.

وتطرّق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة التحديات الراهنة، بما في ذلك إقرار الموازنة العامة، وتنفيذ برنامج إصلاحات اقتصادية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وتحسين مستوى الخدمات، وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.


تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
TT

تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)

يتصاعد القلق الدولي من تداخل المسارين العسكري والإنساني في اليمن، في ظل مؤشرات متزايدة على احتمال انخراط الجماعة الحوثية في الحرب الدائرة إلى جانب إيران، بالتوازي مع تحذيرات أممية من تدهور غير مسبوق في مستويات الأمن الغذائي، خلال الأشهر المقبلة.

وتُجمِع التقديرات على أن أي تصعيد عسكري جديد لن يقتصر أثره على الجبهات، بل سيمتدّ إلى حياة ملايين اليمنيين الذين يواجهون، بالفعل، واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

يأتي ذلك في وقتٍ تشير فيه تقارير حديثة إلى أن توقيت انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية لا يزال مرتبطاً بحسابات استراتيجية أوسع تقودها طهران، وسط مخاوف من أن يتحول اليمن إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على سلاسل الإمداد الغذائي والاقتصاد الهش.

في السياقين السياسي والعسكري، تعززت المؤشرات على أن قرار انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية لا يزال مؤجَّلاً بانتظار توقيت مناسب تُحدده القيادة الإيرانية، وتحديداً دوائر صنع القرار المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

مخاوف من أن يؤدي تصعيد الحوثيين عسكرياً إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

وتؤكد تصريحات قيادات في الجماعة أن الجاهزية العسكرية قائمة، لكن تفاصيل التحرك تبقى رهناً بما وصفوه بـ«عنصر المفاجأة»، وهو ما يعكس طبيعة الدور الوظيفي الذي قد تؤديه الجماعة، ضِمن شبكة النفوذ الإقليمي لإيران.

وتذهب تحليلات دولية إلى أن هذا التأجيل لا يعكس حياداً بقدر ما يمثل جزءاً من استراتيجية إدارة التصعيد، حيث يجري الاحتفاظ بالحوثيين كورقة ضغط يمكن تفعيلها في مراحل لاحقة من الصراع. ويُنظَر إلى هذا التكتيك على أنه يهدف إلى رفع كلفة المواجهة على الخصوم، دون استنزاف مبكر للأدوات الإقليمية.

أزمة تتجه نحو الأسوأ

بالتوازي مع هذه التطورات، حذّرت شبكة الإنذار المبكر من المجاعة من أن أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن مرشحة للتفاقم، خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، وهي فترة الذروة السنوية لاحتياجات المساعدات.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 16 مليون يمني قد يحتاجون إلى مساعدات غذائية خلال هذه الفترة، في ظل استمرار تدهور سُبل العيش وارتفاع معدلات الفقر، إلى جانب التراجع الحاد لفرص العمل والدخل.

كما أن معظم مناطق اليمن، وفق هذه البيانات، ستظل ضمن المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي أو أسوأ، ما يعني أن شريحة واسعة من السكان تُواجه أزمة حقيقية في تأمين احتياجاتها الأساسية.

ثلاث محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

ويُعزى هذا التدهور إلى مجموعة من العوامل المتراكمة، وفي مقدمتها استمرار النزاع، والانهيار الاقتصادي، وتقلبات المناخ، فضلاً عن القيود المفروضة على حركة التجارة والإمدادات. كما أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل مستمر يزيد من صعوبة حصول الأُسر على الغذاء، خصوصاً في ظل تآكل القدرة الشرائية.

وتُظهر البيانات أن حدة الأزمة تختلف من منطقة لأخرى، إلا أن ثلاث محافظات خاضعة لسيطرة الحوثيين هي الحديدة، وحجة، وتعز ( الأخيرة خاضعة جزئياً)، مرشحة للوصول إلى مستوى الطوارئ في انعدام الأمن الغذائي، وهو من أخطر المراحل التي تسبق المجاعة.

ولا تبدو المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً بمنأى عن الأزمة، حيث يُتوقع أن تواجه بعض الأُسر في محافظات مثل لحج والضالع وأبين وشبوة مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتفاقمت الأزمة، بشكل أكبر، بسبب تعليق المساعدات الغذائية في مناطق سيطرة الحوثيين منذ سبتمبر الماضي، ما أثّر على أكثر من تسعة ملايين شخص كانوا يعتمدون عليها بشكل أساسي.

في المقابل، يخطط برنامج الغذاء العالمي للوصول إلى نحو 1.6 مليون مستفيد في مناطق الحكومة الشرعية، خلال العام الحالي، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة، مقارنة بحجم الاحتياجات.

مؤشرات مُقلقة

تؤكد بيانات الأمم المتحدة أن الوضع الغذائي في اليمن لا يزال عند مستويات مُقلقة، حيث لم تتمكن 64 في المائة من الأسر من تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية مع نهاية عام 2025، في حين يعاني 37 في المائة من السكان الحرمان الغذائي الحاد.

كما تضطر الأسر إلى إنفاق نحو 72 في المائة من دخلها على الغذاء، ما يترك هامشاً ضيقاً للغاية لتغطية بقية الاحتياجات مثل الصحة والتعليم. ولجأت نحو 59 في المائة من الأسر إلى استراتيجيات تكيُّف قاسية، من بينها تقليص الوجبات أو التسول، مع تسجيل نسب أعلى في مناطق سيطرة الحوثيين.

غلاء الأسعار يشكل قيوداً كبيرة على حصول الأُسر اليمنية على الغذاء (الأمم المتحدة)

وتبرز مشكلة سوء التغذية كأحد أخطر أوجه الأزمة، إذ يعاني نحو 2.5 مليون طفل دون سن الخامسة سوء التغذية الحاد، بينهم نصف مليون في حالة حرجة، إضافة إلى تأثر 1.3 مليون امرأة حامل ومرضع. وترتبط هذه الأرقام بانتشار الأمراض، وتدهور الخدمات الصحية، وفقدان مصادر الدخل.

كما سجلت تقارير الرصد ارتفاعاً في مؤشرات الإنذار المرتبطة بواردات الغذاء والوقود، حيث تجاوزت الأسعار المستويات العالمية بشكل كبير، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد من تعقيد الأزمة ويحدّ من قدرة السكان على التكيف.


مشاورات لـ«حماس» في القاهرة لإحياء «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

مشاورات لـ«حماس» في القاهرة لإحياء «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تنخرط إسرائيل في معارك حرب إيران، مبتعدة عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة والتزاماته، فيما تواصل «حماس» حراكاً آخر في القاهرة، بحثاً عن مخرج للتعثر الذي يتواصل منذ إعلان المرحلة الثانية من الاتفاق منتصف يناير (كانون الثاني) دون تقدم.

تلك المشاورات تعول «حماس» أن تحقق اختراقاً في مشهد التعثر الحالي للاتفاق لأسباب بينها استمرار حرب إيران، وفق تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لافتين إلى أن ما يحدث مجرد محاولات لبلورة مسار جديد يعيد اتفاق غزة لطريقه ووقف الخروقات وبحث حلول للأزمات اليومية في القطاع جراء الحصار الإسرائيلي.

مشيِّعون يشاركون في جنازة فلسطينيين قُتلوا خلال ضربة إسرائيلية استهدفت منزلاً بالنصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)

وأجرت «حماس» سلسلة لقاءات مع مسؤولين في جهاز المخابرات العامة المصرية، إضافة إلى اجتماع مع المبعوث الأممي نيكولاي ملادينوف، جرى خلالها استعراض مجمل التطورات السياسية والميدانية المرتبطة بملف غزة، وفق تقارير نقلتها وسائل إعلام بالبلدين الوسيطين مصر وقطر.

وقف الخروقات ودمج عناصر «حماس»

وقال مصدران مقربان من «حماس»، لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، إن وفداً للحركة برئاسة نزار عوض الله، وضم أيضاً القيادي غازي حمد، التقى مسؤولين أمنيين بمصر وكذلك مبعوثين لمجلس السلام، وناقشوا ملفات عديدة بينها خروقات إسرائيل لاتفاق غزة، ودمج موظفي «حماس» بالشرطة، وتشغيل معبر رفح، وعمل لجنة إدارة غزة التي يفترض أن تتسلم مهامها من الحركة بالقطاع.

وتحدث أحد المصدرين عن أن موضوع نزع سلاح «حماس» كان مطروحاً في أحد المناقشات، ولكن حسمه مؤجل لحين نشر الشرطة الفلسطينية ونشر قوات الاستقرار الدولية، لافتاً إلى أن «حماس» تنتظر دفعاً أميركياً لاتفاق غزة ووقف إسرائيل لخروقاتها.

في سياق متصل، أكد مصدر من لجنة إدارة قطاع غزة، لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، أن اللجنة لم تلتق وفد «حماس»، متحفظاً على تقديم أسباب.

وكانت ثلاثة مصادر تحدثت إلى «رويترز»، الاثنين، وأفادت بأن مبعوثين من «مجلس السلام»، الذي يترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التقوا مطلع الأسبوع ‌بممثلين عن حركة «حماس» في القاهرة في محاولة للحفاظ على وقف إطلاق النار في غزة، متوقعين عقد اجتماعات إضافية هذا الأسبوع، دون تحديد موعدها.

وعقب الاجتماع، أعلنت إسرائيل، في بيان، الأحد، أنها ستعيد قريباً فتح معبر رفح بين غزة ومصر، والمغلق منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران.

ونقلت «رويترز» عن أحد المصادر قوله إنه يعتقد أن ما أعلنته إسرائيل كان نتيجة مباشرة للاجتماع بين «حماس» و«مجلس السلام»، المكلف بالإشراف على قطاع غزة بعد توقف القتال فيه.

وكشفت إذاعة «مونت كارلو» الدولية، الثلاثاء، أن حركة «حماس» تستعد لبدء جولة محادثات جديدة في القاهرة، رغم التوتر الأمني في المنطقة، لبحث سبل تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، التي توقفت منذ اندلاع الحرب مع إيران مطلع الشهر الجاري.

أسرة فلسطينية فوق مبنى مدمر جراء القصف العسكري الإسرائيلي جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية الدكتور أحمد فؤاد أنور، إن زيارة وفد «حماس» تأتي في توقيت مهم وتتواكب مع تصعيد إسرائيلي بالمنطقة، لافتاً إلى أن مباحثات الحركة بالقاهرة التي شهدت أكثر من مستوى، سواء مع مجلس السلام أو الجانب المصري، تعطي تطمينات بأن الاتفاق لا يزال قائماً وتبحث خروقات إسرائيل، وبالوقت ذاته تبحث عن صياغة للمستقبل القريب، خاصة القضايا المرتبطة بعمل لجنة إدارة القطاع وملف نزع السلاح وغيرهما.

إبقاء الملف في دائرة الضوء

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، أن مشاورات «حماس» في القاهرة تقول إن ثمة زخماً جديداً بشأن «اتفاق غزة»، ومحاولة مصرية لإبقاء الملف في دائرة الضوء وعدم توقفه، متوقعاً أن يستمر هذا الزخم لإعادة فك تجميد الاتفاق المتعثر حالياً.

ومنتصف يناير الماضي، أعلنت واشنطن الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب لإنهاء الحرب في القطاع، عبر بنود تشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من غزة، ونزع سلاح «حماس»، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار. وحتى الآن لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر على أكثر من نصف القطاع، في حين ترفض «حماس» إلقاء سلاحها.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

غير أن «هيئة البث الإسرائيلية»، تحدثت السبت، بأن القوة الدولية سيبدأ نشرها في قطاع غزة اعتباراً من مايو (أيار) المقبل.

والاثنين، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي «أهمية الإسراع بتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من الاضطلاع بمهامها من داخل القطاع، باعتبار ذلك خطوة أساسية في إدارة المرحلة الانتقالية وتثبيت التهدئة»، وفق بيان للخارجية المصرية.

ويرى أنور أن ما يحدث مجرد محاولات لبلورة مسار جديد يعيد «اتفاق غزة» لطريقه في ظل الاضطرابات العالمية جراء حرب إيران، متوقعاً استمرار مثل هذه اللقاءات واستمرار الموقف المصري الداعم لوقف إطلاق النار وإعمار القطاع.

ويتوقع الرقب استمرار زخم دفع اتفاق غزة للأمام بحراك مصري على أمل أن يحدث اختراق أو انفراجة في المشهد المتعثر منذ أسابيع.