رئيس التحرير السابق لـ«نيويورك تايمز»: مسؤوليتي عن 1100 صحافي لم تقلل من مستوى الدقة والنزاهة

بيل كيلار أكد لـ {الشرق الأوسط} أن أوباما كان قادرا على مساعدة الثورة في سوريا

مقر الصحيفة في نيويورك («الشرق الأوسط»)
مقر الصحيفة في نيويورك («الشرق الأوسط»)
TT

رئيس التحرير السابق لـ«نيويورك تايمز»: مسؤوليتي عن 1100 صحافي لم تقلل من مستوى الدقة والنزاهة

مقر الصحيفة في نيويورك («الشرق الأوسط»)
مقر الصحيفة في نيويورك («الشرق الأوسط»)

كان بيل كيلار (65 سنة)، رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة «نيويورك تايمز». ثم صار كاتب عمود رئيسي فيها. وقريبا، سيكون رئيس تحرير صحيفة غير ربحية متخصصة في مجال العدالة الجنائية في الولايات المتحدة.
خلال ثلاثة عقود مع «نيويورك تايمز»، فاز بجائزة «بوليتزر» (جائزة أميركية سنوية لأحسن الصحافيين والكتاب). ووثق انهيار الاتحاد السوفياتي عندما كان مراسلا في موسكو. ووثق انهيار نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا عندما كان مراسلا في جوهانسبورغ. وشغل منصب رئيس التحرير التنفيذي خلال السنوات: 2003 - 2011. قال عنه أرثر سولزبيرغر، ناشر «نيويورك تايمز»: «قدم بيل إسهامات
كثيرة في (تايمز) خلال أكثر من 30 عاما له هنا. وصعب تحديد هذه الإسهامات بسبب كثرتها. كان يتحدى زملاءه في غرفة الأخبار للابتكار. وفي نفس الوقت، كان وفيا لأعلى المعايير الصحافية. وبسبب هذا، صرنا كلنا أحسن حالا».
في العام الماضي، أسس «مارشال بروجكت» (مشروع مارشال الصحافي)، الذي سينضم إليه كيلار، نيل بارسكي، الذي كان، هو الآخر، صحافيا. عمل مع صحيفة «وول ستريت جورنال». وكان يغطي أخبار المستثمرين وتجار المال في «وول ستريت» (شارع المال في نيويورك). ثم ترك الصحافة، وانتقل إلى الاستثمارات، وصار مليونيرا مضاعفا. لم يشتهر كيلار كرئيس تحرير تنفيذي فقط، ولكن، أيضا، ككاتب عمود. وصار من أهم، وأشهر، كتاب الرأي في الولايات المتحدة. كتب آراء بارزة، ومؤثرة، وبعضها عن السياسات الخارجية للولايات المتحدة، بما في ذلك السياسات نحو الدول العربية والإسلامية.
وهذه مقابلة معه، نصفها عن الصحافة الأميركية، ونصفها عن السياسة الأميركية:
* ما تعليقكم فيما كتبته: «ستكون وظيفتي الجديدة فرصة لأن أبدأ مؤسسة من الصفر. هذا شيء لم أفعله في الماضي. وستكون فرصة لأتعلم آخر التكنولوجيا الرقمية التي لا بد أن تفيدني، وتفيد الصحافيين الآخرين». وما هي الاختلافات بين وظائفك الثلاث: رئيس تحرير صحيفة مطبوعة، وكاتب عمود، والآن رئيس تحرير صحيفة إلكترونية؟
- كرئيس تحرير تنفيذي، كنت المسؤول الأول عما يكتب أكثر من 1100 صحافي، يغطون كل شيء، من الشؤون الخارجية، إلى السياسة الداخلية، إلى التطورات الاقتصادية، إلى الاختراعات العلمية، إلى المنافسات الرياضية، إلى المهرجانات الفنية، إلى عروض الأزياء.
طبعا، كنت أفوض كثيرا من مسؤولياتي في هذه المجالات إلى أشخاص آخرين. لا تنس أن غرفة الأخبار في صحيفة «نيويورك تايمز» عملاقة، وتحتاج إلى تعاون كبير. لهذا، كان هذا التفويض لا بد منه.
ولهذا، كنت أركز أكثر على اختيار صحافيين جدد، وعلى تنقلات الصحافيين، وعلى حل المشاكل. وأهم من هذا كله، على المحافظة على مستوى عال من الدقة والنزاهة فيما تنشر الصحيفة.
ولأني صرت مدير التحرير التنفيذي في وقت كان فيه العمل الصحافي يتغير، ويتحول من الصحف المطبوعة إلى الصحف الرقمية، أشرفت على هذا التغيير والتحول. هذا عن وظيفتي السابقة. أما وظيفتي الحالية لا تزال في صحيفة «نيويورك تايمز». لكن، بدلا من المسؤوليات السابقة التي ذكرتها، تحولت إلى كاتب عمود. كل أسبوع، أكتب رأيا طويلا لصفحة الرأي.
أما وظيفتي في المستقبل القريب، فستكون العمل في «مشروع مارشال» للإشراف على تأسيس مشروع صحافي يركز على الأنظمة الإجرامية والقضائية في الولايات المتحدة.
* كيف تقيم هذه المراحل الصحافية التي مررت، وستمر بها؟
- ظللت صحافيا لمدة 44 عاما. وعملت في مجالات كثيرة. وظل عملي في «نيويورك تايمز» يتميز بأنه في مؤسسة قوية وعملاقة. أو على الأقل، كانت تبدو مؤسسة قوية وعملاقة. الآن، ربما لا تبدو كذلك. نعم، تظل قوية. لكن، من وقت لآخر، أسمع عن صحف أغلقت، أو دمجت، أو تغيرت. وأقدم لك مثالين: أولا: في بداية حياتي الصحافية، عملت في صحيفة «دالاس تايمز هيرالد» (دالاس، ولاية تكساس). ومؤخرا، سمعت أن صحيفة منافسة لها اشترتها. ثانيا: مؤخرا، سمعت أن صحيفة «أوريغونيان» (تصدر في بورتلاند، ولاية أوريغون) خفضت عدد الصحافيين العاملين فيها تخفيضا كبيرا جدا.
لهذا، لا بد أن أقول لك بأن «نيويورك تايمز»، مثل غيرها من الصحف الأميركية الرئيسية، تواجه مشاكل مالية.
في الجانب الآخر، المؤسسة التي سأعمل بها، وهي «مشروع مارشال الصحافي»، هي عن المستقبل. وكما قلت لك، أنا متفائل بأن تطور التكنولوجيا سيطور العمل الصحافي. سواء جمع الأخبار في حياد، أو نشر الآراء في حرية.
* ما هو إحساسك وأنت على أبواب هذه التجربة الجديدة؟
- أعتقد أنها ستكون مثيرة جدا. لكنها ستكون مخيفة قليلا. وذلك لأنها يمكن أن تفشل. وطبعا، آمل ألا تفشل. لن تكون مثل «نيويورك تايمز»، أو أي صحيفة أخرى عامة تغطي مختلف أنواع الأخبار والآراء. ستركز على موضوع واحد. ستكون كبيرة جدا، وهامة جدا، لكنها ستكون متخصصة.
* كتبت صحيفتك: «نيويورك تايمز» عن «مشروع مارشال الصحافي» الآتي: «إنه آخر نوع من أنواع العمل الصحافي الذي يتطور مع تطور التكنولوجيا. عمل خيري، وليس تجاريا. صحافة جديدة، وليست تقليدية...». هل معنى هذا أن الصحافة الخيرية يمكن أن تكون أكثر حيادا من الصحافة التجارية، خاصة في التحقيقات الصحافية، وفي كشف فساد السياسيين ورجال الأعمال وغيرهم؟
- أعتقد أن الحياد الصحافي يتكون من مرحلتين: طموح، ثم نظام. نتطلع له، ثم نلزم به أنفسنا.
هذا هو تفسيري للحياد الصحافي، في صورة رسالة إلى كل قارئ: «لا أريد أن أطلب منك أن تؤمن بشيء معين. لكن، أريد أن أقدم لك المعلومات والآراء الكافية لتقدر أنت على الوصول إلى رأي ذكي لتؤمن به».
طبعا، يقدر كل صحافي على أن يقول رأيه في كثير من الأشياء. لكن، مثلما يجب على القاضي أن يضع رأيه الخاص جانبا عند الحكم في قضية، ويلتزم بتطبيق القانون، يجب على الصحافي أن يضع جانبا آراءه الشخصية، ويركز على تقديم الحقائق. هل لا بد، من وقت لآخر، بصورة أو أخرى، أن يؤثر رأي الصحافي الشخصي على هذه الحقائق؟ بالتأكيد. نحن بشر، لا ملائكة. لكن، توجد في كثير من المؤسسات الصحافية الناجحة ثقافة الحياد والنزاهة. ويوجد فيها رؤساء تحرير يحرصون، ليس فقط على المحافظة على هذه الثقافة، ولكن، أيضا، على تقويتها.
لا أعتقد أن ثقافة الحياد والنزاهة تتأثر إذا تملك الصحيفة شركة ربحية، أو مؤسسة خيرية. أو إذا تعتمد الصحيفة على الإعلانات، أو على الاشتراكات. ما دامت هذه الثقافة قوية وثابتة. وما دامت تحرص على الفصل بين العمل الصحافي وبين هذه العوامل.
وأقدم لك مثالين:
أولا: تعتمد «نيويورك تايمز» على مصادر مالية هي خليط من إعلانات واشتراكات.
ثانيا: تعتمد إذاعة «إن بي أر» (إذاعة عامة) على متبرعين ومؤسسات خيرية.
وفي هذين المثالين، أعتقد أن الحياد والنزاهة يتوفران كثيرا.
«صحافة غرينوولد»
* كتبت الآتي: «يركز كثير من النقاش عن مستقبل الصحف على توفير دخل مالي كاف لها لدفع رواتب الذين يجمعون الأخبار وينشرونها. لكن، في عصر الإنترنت، صار النقاش عن القيم، لا عن الميزانية».. كيف ترى صحافة الإنترنت بعد عشر سنوات؟
- لا أومن بالتنبؤ بالمستقبل. لكن، أتوقع أنه، بعد عشر سنوات، ستكون صحافة الإنترنت متطورة جدا. ومتنوعة جدا. ستكون هذه الصحافة قوية، ونشطة، وهادفة. وستكون فيها آراء ممتازة. ستظل فيها صحف كبيرة مثل «نيويورك تايمز». لكن، في صور تواكب تطور الإنترنت. وستظل تحرص على تقديم أخبار واضحة، وشاملة، وصادقة. أتوقع أن تكون صحافة المستقبل، خاصة في الإنترنت، صحافة آراء قوية، وحرة، ومن كل مكان في العالم.
مثل آراء الصحافي الأميركي غلين غرينوولد التي أقرأها باهتمام كبير. (يكتب غرينوولد في صحيفة «صالون» الأميركية، وصحيفة «غارديان» البريطانية. وهو محام أيضا. ويعيش في البرازيل. وساهم في نشر وثائق إدوارد سنودن، فني التكنولوجيا السابق في وكالة الأمن الوطني، وكاشف أسرارها).
* كتبت الآتي: «سرب الجندي برادلي ماننغ عشرات الآلاف من وثائق الحكومة الأميركية إلى موقع (ويكيليكس)، ونحن نشرنا عنها نقلا عن الموقع. ماذا إذا كان ماننغ جاء إلينا، وأعطانا هذه الوثائق؟ ماذا كان سيحدث لنا؟ ماذا كان سيحدث له؟ وهل معنى هذا أن ماننغ (صحافي حقيقي) بسبب شجاعته؟ وهل ينطبق هذا الوصف على جوليان أسانج (مؤسس موقع «ويكيليكس»)؟ وعلى إدوارد سنودن (الذي سرب وثائق وكالة الأمن الوطني)؟».
- أبدا، لم يقل أي من ماننغ أو سنودن بأنه صحافي. يمكنك أن تسمي كل واحد منهما «مسربا» أو «متمردا». وفي كل الأحوال، كل واحد منهما كان موظفا في مؤسسة غير صحافية، ثم تحدى رؤساءه. لكنه لم يكن صحافيا. حسب تعريفي، الصحافي «آوتسايدر» (يعمل خارج هذه المؤسسات، ويكتب عنها). حسب هذا التعريف، أرى أن غرينوولد، الذي قلت لك قبل قليل إنني أقرأ آراءه باهتمام، صحافي، وصحافي حقيقي. حسب هذا التعريف، أرى أن أسانج، مؤسس «ويكيليكس»، لم يقدر على أن يحدد إذا هو صحافي، أو لا. كتبت أنا مرات كثيرة عنه. ومما قلت، بأنه «آوتسايدر» (خارجي)، ينشر معلومات عن مؤسسات حكومية وغير حكومية. ولهذا، يجب أن يتمتع بنفس الحقوق الدستورية التي يتمتع بها كل صحافي في «نيويورك تايمز».
وردا على نقطة «الشجاعة» التي أثرتها في سؤالك، أقول: إنها هامة بالنسبة للصحافي. وأنا احترم الصحافي الشجاع. لكن، لا أعتقد أن غرينوولد وأسانج أكثر شجاعة من صحافيين كثيرين. ولهذا، لا أعتقد أنهما «صحافيان حقيقيان» أكثر من غيرهما.
* ماذا عن الصحافيين الذين يغطون المظاهرات والإضرابات في القاهرة، وفي كييف؟ وماذا عن الذين يغطون الحروب؟ وماذا عن الذين لا يعرضون أنفسهم لأخطار جسدية، ولكنهم يبحثون ويكشفون معلومات تريد حكومات ومؤسسات ألا تكشف للناس؟
- خلال السنوات التي قضيتها رئيس التحرير التنفيذي في «نيويورك تايمز»، شاهدت زملاء اختطفوا، وزملاء اعتقلوا، وزملاء جرحوا، وزملاء قتلوا. وكانوا كلهم يبحثون عن الحقيقة، ويريدون جمع معلومات جديدة وهامة، لنشرها للناس. أنا أعد هؤلاء «صحافيين حقيقيين».
* كتبت الآتي: «لا أفهم لماذا خفضت المؤسسات الصحافية الرئيسية مكاتبها في الدول الأجنبية في نفس الوقت الذي يزيد فيه، كثيرا، اهتمام الشعوب الأخرى بنا، وبحضارتنا، وبثقافتنا؟ هل سبب هذا التخفيض هو عدم اهتمام الأميركيين بالشعوب الأخرى، إن لم يكن الاستعلاء عليهم؟».
- يوجد جانبان للإجابة على هذا السؤال:
في جانب، يرى كثير من المؤسسات الصحافية أن تأسيس مكاتب صحافية، أو الصرف على صحافيين يتجولون في الخارج، يكلف كثيرا. وأن الأميركيين لا يهتمون بالدول الأخرى والشعوب الأخرى. في الجانب الآخر، ربما ليست التكاليف كثيرة بالمقارنة مع تكاليف أخرى. وثبت فعلا أن الأميركيين يهتمون بالدول الأخرى والشعوب الأخرى. نعم، توجد أسباب تجعل هذا الاهتمام يبدو قليلا، أو معدوما. ومن هذه الأسباب:
أولا: أحيانا، نبدو نحن الأميركيين، وخاصة السياسيين، متعجرفين واستعلائيين.
ثانيا: عبر تاريخنا، عندنا ميول انعزالية. ونميل نحو عدم الاهتمام الكثير بالعالم الخارجي.
لهذا، لا أعرف من هم الأسوأ وسطنا؟ الذين يريدون أن نتدخل عسكريا في الدول الأخرى؟ أو الذين يريدون أن ننعزل عن الدول الأخرى؟
ولهذا، ليس سهلا وصفنا بأوصاف معينة، مثل «أغلي أميركان» (الأميركي القبيح). وليس سهلا القول بأننا استعلائيون ومتعجرفون.
يجب أن ينظر الناس إلى الصورة الكبرى. توجد أعداد كبيرة جدا جدا منا الذين يزورون الدول الأخرى، وهناك يتاجرون، ويستثمرون، ويسيحون، ويتطوعون، ويدرسون، ويدرسون. هؤلاء يقدرون كثيرا علاقاتنا مع الدول الأخرى والشعوب الأخرى.
* كتبت الآتي: «قال لي سلمان رشدي (الروائي البريطاني الهندي) بأن سبب غضب المسلمين على أميركا ليس الدين. لكن، إحساسهم بعقدة النقص، والخجل، والعار. وبأن العالم يتآمر ضدهم. وأنا قلت له بأن السبب هو انتقادات الأميركيين اليمينيين، والخوف من «إسلاموفوبيا». ألا يوجد سبب آخر أهم لغضب المسلمين على أميركا، وهو غزوات أميركا لدول إسلامية، واحتلالها، وضربها، وقتل مسلمين، واعتقالهم، وتعذيبهم، وتفتيشهم، والإساءة لهم؟
- طبعا، هذا رأي صحيح. نحن فعلنا أشياء كثيرة جعلت العالم الإسلامي يغضب علينا، ولا يثق فينا. لا أعتقد أننا، معشر الأميركيين، نفهم جيدا الإهانة التي يحس بها شعب آخر عندما تحتل دولة أجنبية وطنه. ويعود هذا إلى أننا لم نتعرض لاحتلال أجنبي.
لكن، يجب ألا تنسى الآتي:
أولا: أحيانا، تدخلنا للدفاع عن المسلمين، مثلما فعلنا في البوسنة وألبانيا. وأحيانا تدخلنا لتحرير المسلمين، مثلما فعلنا في ليبيا.
ثانيا: كلفنا احتلالنا لدول إسلامية آلافا من أرواح مواطنينا.
ثالثا: يقل كثيرا عدد المسلمين الذين قتلناهم، أو عذبناهم، عن عدد المسلمين الذين قتلهم، أو عذبهم، مسلمون.
* كتبت الآتي عن الرئيس بوش الابن، تحت عنوان: «الله وبوش»: «كلما أسافر إلى الخارج، يسألونني عن إذا الرئيس بوش متطرف ديني..». هل هذا السؤال معقول بسبب إعلان بوش «الحرب ضد الإرهاب»، والتي يرى كثير من المسلمين أنه وجهها ضدهم؟
- نعم. رغم أن الرئيس السابق بوش الابن حاول أن يجعل ما تسمى «الحرب ضد الإرهاب» ليست ضد المسلمين، مثل إشاراته إلى كوريا الشمالية، تظل هذه الحرب تركز كثيرا جدا على المسلمين.
لكن، فكرا تفكيرا عميقا في هذه النقطة. هل لأن بوش كان يريد إعلان «حرب صليبية» ضد المسلمين؟ أو هل لأننا، ومصالحنا، تعرضت لهجمات من مجموعات مقاتلة في الدول الإسلامية؟
* كتبت الآتي: «في السنة الماضية، زرت الحدود السورية التركية. وقابلت مقاتلين سوريين. وقالوا: إنهم سعداء لأن الرئيس أوباما غير رأيه، وقرر إرسال أسلحة خفيفة لهم.. لكن في وقت لاحق، غير أوباما رأيه مرة ثانية، وأوقف إرسال هذه الأسلحة. ثم غير رأيه مرة ثالثة، ولم يعد يطالب برحيل الرئيس السوري بشار الأسد. والآن، يتحدث عن سياسة جديدة». ألا يتحمل أوباما مسؤولية كبيرة في تراجع الثورة السورية؟
- أعتقد أن الرئيس أوباما أضاع فرصة هامة لمساعدة الثورة في سوريا. وأعتقد أنه كان يقدر على أن يفعل ذلك بمخاطر قليلة، وبحجج معقولة.
لكن، وبأغلبية كبيرة جدا، كان الرأي العام الأميركي ضد التدخل في سوريا. ويعود ذلك إلى سببين:
أولا: تعب الأميركيين من حرب العراق وحرب أفغانستان.
ثانيا: ركز أوباما في حملته الانتخابية على تقليص التدخلات العسكرية في الخارج.

* كتبت الآتي: «يظل الرئيس أوباما يتحاشى الحديث المباشر عن التفرقة العنصرية في الولايات المتحدة. وهذه محمدة له...».
لكن، ينتقد كثير من القادة السود أوباما، ويقولون: إنه يجامل البيض، ولا يعرف إبعاد «القوة البيضاء» التي تسيطر على كل شيء، سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وعرقيا.
- لا يوجد شك في أن العنصرية من الأسباب التي تجعل بعض البيض يعارضون أوباما. أحيانا، تكون هذه العنصرية علنية، وأحيانا تكون مخفية. وفي كل الأحوال، هي حقيقة.
لكن، لا تنس أن عدد البيض وسط سكان الولايات المتحدة ينخفض تدريجيا. انخفض من 80 في المائة في عام 1980 إلى 63 في المائة في العام الماضي. ويتوقع أن يكون البيض أقلية بعد 30 عاما.
لهذا، أي حديث عن «القوة البيضاء» يجب أن يضع في الاعتبار أنها تقل سريعا.
وعلى أي حال، في انتخابات عام 2008، وفي انتخابات عام 2012. صوتت أغلبية البيض ضد أوباما، لكنه فاز في المرتين.
* كتبت الآتي: «خلال جولة سياحية عائلية في أوروبا، انتقدتني بنتي الشابة بأنني أقودهم لزيارة كنائس وكاتدرائيات، رغم أني لست متدينا. وأجبتها بأن هذه جزء من التاريخ. وجزء من تاريخي، رغم أني فقدت الإيمان بما تعني..».
لماذا فقدت إيمانك؟ ما هو الفرق بين التاريخ والدين؟ ألا يجب أن يكون الإيمان هو أساس هوية الشخص؟ هل أنت، مع كل الاحترام، مثال للغربيين الذين ابتعدوا عن الدين؟
- أومن بأن المشكلة ليست غياب الدين، أو انخفاض الإيمان به، أو الانتماء إليه، ولكن المبالغة فيه. انظر إلى حرص كثير من الطوائف الدينية على فرض أديانها على غيرها. وانظر إلى تاريخ الحروب، منذ الحروب الصليبية إلى هجمات 11 سبتمبر (أيلول). لقد ارتكبت كثير من الكوارث باسم الدين.



وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
TT

وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)

وليد عبود، صاحب خبراتٍ متراكمة في عالم الإعلام اللبناني، ويمثّل نموذجاً للمهني المتمرّس. ولقد تنقّل بين صروحٍ عديدة، منذ كان طالباً في كليات الإعلام والأدب والحقوق، حيث كان شغفه الأول الثقافة، إلا أن عالم السياسة سرعان ما جذبه، ليصبح أحد أبرز المحاورين التلفزيونيين في لبنان. وعبود راهناً يشغل منصب رئيس تحرير نشرات الأخبار في قناة «إم تي في» المحلية، ويقدّم 3 برامج حوارية هي: «أبيض وأسود» على منصة «هلا أرابيا»، و«الحكي يوصل» على منصة «صوت كل لبنان»، و«مع وليد عبود» على شاشة «تلفزيون لبنان».

بالنسبة لمسيرته، فإنه استقى خبراته الأولى من عمله في «دار الصياد» عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، ويومذاك تولّى مهام التحرير في نشرة دورية كانت تُرسل إلى أصحاب القرار في لبنان والعالم العربي. بعدها تنقّل بين عدد من الصحف اللبنانية والعربية، من بينها «المسيرة» و«الحياة» و«نداء الوطن» و«النهار»، حيث كتب مقالات ثقافية.

وفي «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (إل بي سي آي)، شارك في إعداد برامج ثقافية مثل «كبارنا». أما تجاربه السياسية الأولى فانطلقت عبر برنامج «ع صوت عالي» على شاشة «تلفزيون لبنان» خلال مرحلة إدارتها من قِبل فؤاد نعيم.

ومع الراحل جبران تويني، خاض تجربة تلفزيونية جديدة من خلال إعداد برنامج «فخامة الرئيس» على شاشة «إل بي سي آي»، ليتولى بعدها برنامج «رئاسيات». ويعلقّ وليد عبود على تلك الحقبة بالقول: «تعاوني مع الراحل جبران تويني ترك أثره الإيجابي في مشواري المهني. كان قامة سياسية وإعلامية لا يمكن أن تمر مرور الكرام».

في انتقاله إلى «إم تي في» عام 1989، بدأ إعداد برنامج «سجّل موقف». وبقي فيها حتى عام 2001، حين استدعته «إل بي سي آي» للعمل في إدارة تحرير نشرات الأخبار، وهي مرحلة أكسبته خبرة واسعة. ثم عاد مجدداً إلى «إم تي في» لتولّي رئاسة تحرير نشرات الأخبار حتى اليوم، إلى جانب تقديمه برنامج «بموضوعية» حتى عام 2018. ويؤكد أن مجمل هذه المحطات صقل تجربته المهنية، التي تجاوزت اليوم 46 عاماً من العمل الإعلامي.

«تلفزيون لبنان» وعوْدٌ على بدء

على الرغم من التجارب الكثيرة واللامعة التي خاضها عبود في صروح إعلامية عدّة، فإنه لفت متابعيه أخيراً بانضمامه إلى عائلة «تلفزيون لبنان». كانت عودة إلى واحدة من أقدم تجاربه الإعلامية في عام 1994، حيث يقدّم عبره مساء كل أربعاء برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال عن هذه الخطوة: «لا شك أن هذه المحطة تسمها العراقة والتاريخ المضيء، وقد تربّينا على شاشتها. ومجرّد أن يُوضع اسمي إلى جانب الرعيل الأول من الإعلاميين أمثال عادل مالك وكميل منسّى وجان خوري، فهذا يشكل حافزاً وفخراً كبيرين لي». وأضاف مستعيداً لحظة دخوله إلى مبنى التلفزيون: «ممرّ طويل يقود إلى الاستوديوهات، وعلى جدرانه صور هؤلاء الإعلاميين، إلى جانب صورة الرئيس الراحل كميل شمعون وهو يضع حجر الأساس لتلفزيون لبنان. هناك اجتاحتني مشاعر الحنين إلى زمن الإعلام اللبناني الذهبي والرائد، حين كان لبنان بين أوائل الدول العربية التي تخطو هذه الخطوة الكبرى في المنطقة. وكذلك استعدت ذكرياتي مع هذه الشاشة المرتبطة بوجداني».

من ناحية ثانية، خيار العودة إلى «تلفزيون لبنان» لم يكن مجرد محطة عابرة في مسيرة عبود، بل جاء نتيجة مجموعة اعتبارات مهنية وواقعية. وهو يوضح أن تعذّر تقديم برنامج تلفزيوني على محطة محلية منافسة دفعه إلى اختيار هذه العودة، بوصفه الخيار الأنسب والأكثر انسجاماً مع المرحلة.

ومن خلال هذا المنبر، قدّم برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود»، الذي يُعرض مساء كل أربعاء، ويستضيف شخصيات سياسية بارزة. وقد استهلها مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. وأشار إلى أنها كانت أولى إطلالاتهما الإعلامية فشكّلت نقطة تحوّل في مسار البرنامج، إذ أسهمت المقابلتان في تثبيت حضوره وتعزيز انتشاره. وهو يرى أن «تلفزيون لبنان»، في ظل إدارته الجديدة، بدأ يخطو باتجاه رؤية مستقبلية أكثر تنظيماً ووضوحاً، ما انعكس إيجاباً على موقع البرنامج داخل المشهد الإعلامي.

إعلامي متميز... وخبرات متراكمة (إم تي في)

الذاكرة الإعلامية

قال عبود إن تجربة العودة إلى تلفزيون لبنان «أعادت إليَّ شيئاً من الذاكرة الإعلامية الأولى، لكنها في الوقت نفسه أتاحت لي مساحة عمل مختلفة، تجمع بين الخبرة المتراكمة والفرصة المتجددة لإعادة تقديم نفسي ضمن سياق وطني جامع».

وفي سياق كلامه عن تجربته الطويلة مع قناة «إم تي في»، استعاد عبود محطات من إدارة نشرات الأخبار، معتبراً أن العلاقة بين الإعلامي والمحطة تقوم أساساً على الانسجام في الرؤية والخط التحريري. وأردف: «نحن مَن نشبه المحطة وليس العكس»، موضحاً أن نجاح التجربة الإعلامية «يرتبط بمدى التقاطع بين قناعة الإعلامي ونهج المؤسسة، وإلا فإن الخلافات تصبح نتيجة طبيعية».

وعلى الصعيد الشخصي، قال إن «الحروب الإعلامية» ليست من طبعه، فهو يميل إلى تجنّب المواجهات المباشرة. ويفضّل التركيز على العمل والمضمون. ويرى أن بيئة التفاهم داخل أي مؤسسة إعلامية تُسهّل تجاوز التحديات، وتُقلّل من حدّة الإشكالات، في حين أن غياب التفاهم هو ما يخلق الأزمات، ويؤدي إلى المغادرة أو الاختلاف.

النقد ضرورة من أجل التطور

أما في ما يتعلق بالنقد، فيشدّد وليد عبود على أنه «عنصر أساسي في المهنة وليس تهديداً لها، بل لعله أداة تطوير حقيقية». ويضيف أن «كل إعلامي، سواء كان في موقع التحرير أو التقديم، يتعرّض للنقد بشكل دائم، سواء من سياسيين أو جمهور أو زملاء في المهنة، والمهم هو كيفية التعامل معه». وبالنسبة له، النقد لا يُقابل بالانزعاج، بل بالاستفادة؛ لأنه يكشف نقاط الضعف التي قد لا تكون واضحة خلال عمل يومي يستمر 18 ساعة متتالية. ويؤكد أنه بعد كل حلقة من برنامجه يطلب آراء المشاهدين بصدق؛ لأن المديح لا يهمّه بقدر ما يهمّه النقد البنّاء الذي يساعده على التطوير.

ويشرح من ثم أن مسيرته الإعلامية الطويلة علّمته أن كل يوم يحمل تجربة جديدة، وأن العمل المتواصل لساعات قد يرافقه بعض الهفوات، لكن التحدي الحقيقي هو في تقليل الأخطاء وتحاشي تكرارها. ومن ثم، يرى أن المعيار ليس في غياب الخطأ، بل في القدرة على ضبط نسبته مقارنة بمحطات أخرى.

الإعلامي يبقى في الذاكرة

واختتم عبود اللقاء معه بالتأكيد على أن «الإعلام مهنة متعبة»، ولا يعرف كيف انخرط فيها بهذا الشغف الكبير، ثم إنه كان يخطط لمسار أكاديمي في الأدب والفلسفة، لكن الإعلام جذبه بشكل غير متوقع. وتابع أنه يؤمن بأن «الإعلامي الحقيقي يبقى حاضراً في ذاكرة الناس إذا استطاع أن يترك بصمة واضحة، وأن هذه المهنة، رغم صعوبتها، تبقى وفية لصاحبها بقدر وفائه لها». ويعود ليصف الإعلام بأنه «عالم ساحر وجميل، لكن الأهم ألا ينقلب السحر على ساحره في اللحظات المفصلية».


هل يعرقل الذكاء الاصطناعي التواصل بين الصحافيين ومصادر المعلومات؟

الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
TT

هل يعرقل الذكاء الاصطناعي التواصل بين الصحافيين ومصادر المعلومات؟

الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)

أثار تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على استنساخ وانتحال صفة الصحافي، مخاوف من عرقلة التواصل بين الإعلاميين ومصادر المعلومات؛ بسبب «التشكك في وجودهم وإنسانيتهم»، وفي حين رأى خبراء أنَّ الذكاء الاصطناعي يُسهم في تسهيل العمل الإعلامي، فإنَّهم شدَّدوا على «ضرورة التواصل الإنساني المباشر لتقليل التأثيرات السلبية للتكنولوجيا».

تقرير نشره معهد «نيمان لاب» المتخصِّص في دراسات الصحافة، نهاية الشهر الماضي، أفاد بإحجام المصادر عن الرد على رسائل الصحافيين عبر البريد الإلكتروني؛ اعتقاداً منهم أنَّها مرسلة من روبوتات الذكاء الاصطناعي.

واستند التقرير إلى تجربة الصحافي الأميركي، غابي بولارد، الذي ذكر أنَّ بعض مصادر المعلومات باتت تتخوَّف من ورود رسائل احتيال عبر البريد الإلكتروني، ما يدفعهم لتجاهل الردِّ على استفسارات الصحافيين.

أيضاً لفت التقرير إلى أن «المخاوف المتعلقة بتراجع الثقة في الإعلام، وانتشار المعلومات المضللة، أضيفت إليها مخاوف جديدة تتعلق بإمكانية أن تعرقل التكنولوجيا عنصراً أساسياً من العمل الصحافي، وهو التواصل مع المصادر لجمع المعلومات، بحجة التشكك في وجود الصحافي من الأساس». وأشار إلى ما تُسمى «نظرية الإنترنت الميت» التي تفترض أنَّ معظم الموجودين على الإنترنت ليسوا حقيقيين.

الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل، قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط»: «إن الذكاء الاصطناعي يؤثر في عمل الصحافي سلباً وإيجاباً... ومع تطور النماذج اللغوية الضخمة بات من الصعب التفريق بين ما تنتجه وما ينتجه الإنسان، لا سيما مع قدرة التكنولوجيا على استنساخ وانتحال صفات أشخاص حقيقيين».

وأضافت حمود أن «ما يحدث قد يعرقل قدرة الصحافي على التواصل مع مصادر المعلومات». ولذا فهي تقترح أن «يحرص الصحافي على التواصل الإنساني في محاولة لإثبات وجوده، والحد من مخاوف المصادر، جنباً إلى جنب مع العمل على الترويج الذاتي، ورسم صورة ذهنية لحضوره على منصات التواصل المختلفة».

وتؤكد على «ضرورة إعادة النظر في كيفية التعاطي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، وطريقة العمل والتواصل الصحافي في ضوئها، مع وضع سياسات شاملة لذلك».

في الواقع، تطرَّق تقرير «نيمان لاب» إلى حلول عدة للحدِّ من تأثير الذكاء الاصطناعي على التواصل مع مصادر المعلومات، من بينها «التواصل من بريد إلكتروني مرتبط بالمؤسسة الإعلامية، والحرص على إيجاد فرص للتواصل الإنساني المباشر للحدِّ من تشكك المصادر في وجود الصحافي». بيد أنَّه في الوقت ذاته لفت إلى ما يكتنف ذلك من تحديات ترتبط ببطء عملية التواصل في عصر رقمي لا يمنح رفاهية الوقت.

هنا يرد الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، بالقول: «إن الذكاء الاصطناعي لا يعرقل عمل الصحافي بشكل مباشر، لكنه يفرض تحديات جديدة تُغيِّر طريقة الوصول إلى المعلومات».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «المعلومات أصبحت متاحة جداً وبوفرة؛ لكن يتعذَّر التحقق منها بسهولة، ما أدّى إلى تضخم هائل في المحتوى؛ ما يجعل التحقُّق من دقته أكثر صعوبة، خصوصاً مع انتشار تقنيات التزييف العميق، التي تتيح إنتاج مواد مزيفة يصعب تمييزها».

من ناحية ثانية، يشير فتحي إلى أن «الذكاء الاصطناعي يوفِّر في المقابل أدوات قوية تساعد الصحافي على البحث السريع، وتحليل البيانات، والوصول إلى معلومات من مصادر متعددة خلال وقت قياسي.

وبالتالي، فإنَّ التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى المعلومات؛ بل في التحقُّق منها وفهم سياقها الحقيقي... وبالتالي، بات من الضروري تعزيز المهارات المهنية، وعلى رأسها التحقُّق من الأخبار باستخدام أدوات متعددة، وبناء شبكة مصادر موثوقة جداً، وتقديم محتوى إخباري تحليلي وإنساني لا تستطيع الآلة إنتاجه بالعمق البشري نفسه».

ويضيف فتحي: «إن تطوير المهارات الرقمية، والتعامل الذكي مع أدوات الذكاء الاصطناعي، يمنحان الصحافي ميزةً تنافسيةً عن أقرانه؛ لكنهما لا يلغيان وظيفته أو عمله، بل سيظلُّ الصحافي القادر على الجمع بين الدقة والمصداقية والرؤية الإنسانية، هو الأكثر قدرةً على البقاء في المنافسة».


«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
TT

«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)

في الصين، لا تبدو المعركة في سوق البث التدفّقي مجرد سباق على الاشتراكات أو ساعات المشاهدة، بل هي صراع على شكل الصناعة الثقافية نفسها.

وفي قلب هذا الصراع تقف منصة «آي كيوي آي» (iQIYI)، التي توصف غالباً بـ«نتفليكس الصين»، كونها واحدةً من أكبر منصات الترفيه الرقمي في البلاد، بقاعدة مستخدمين نشطة تجاوزت خمسمائة مليون شخص شهرياً، ونحو مائة مليون مشترك مدفوع. غير أن المنصة باتت الآن في مواجهة مفتوحة مع مشاهديها، إثر إعلانها عن مشروع لبناء قاعدة بيانات فنية مدارة بالذكاء الاصطناعي، ما فجّر جدلاً واسعاً لم تهدأ أصداؤه بعد.

سوق ضخمة ومنصة تبحث عن البقاء

لفهم ما يجري، لا بد من وضع الأرقام في سياقها؛ إذ إن «آي كيوي آي»، التي يرعاها عملاق التكنولوجيا «بايدو»، سجّلت خلال عام 2025 إيرادات سنوية بلغت نحو 27.29 مليار يوان (ما يعادل نحو أربعة مليارات دولار)، وسط تراجع نسبته سبعة في المائة مقارنةً بالعام السابق، وخسائر صافية ناهزت 206 ملايين يوان، وهذا بعدما كانت قد حقّقت ربحاً صافياً بلغ 764 مليون يوان في عام 2024.

للعلم، تعتمد المنصة نموذجاً مختلطاً يجمع بين الاشتراكات المدفوعة والإعلانات وتوزيع المحتوى، ما يجعلها هشّةً في مواجهة أي تراجع في الإنفاق الإعلاني. وفي هذا السياق، يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أكثر من مجرّد أداة تقنية، أي يغدو محاولة لتقليص الكلفة وتسريع الإنتاج. ولقد أقرّ الرئيس التنفيذي غونغ يو، صراحةً، بقلقه من استدامة النموذج التقليدي العالي الكلفة، مشيداً بإمكانات الذكاء الاصطناعي في فتح آفاق إبداعية جديدة.

قاعدة المواهب الفنية

يوم 20 أبريل (نيسان) 2026، وبمناسبة مؤتمر «آي كيوي آي» المنعقد في العاصمة الصينية بكين، كشف الرئيس التنفيذي غونغ يو النقاب عن مشروع سماه «قاعدة المواهب الفنية بالذكاء الاصطناعي». وذكر أن 117 فناناً صينياً وقّعوا اتفاقيات تُجيز للمنصة استخدام ملامحهم وأصواتهم وبياناتهم الحيوية لبناء شخصيات رقمية، يمكن توظيفها في أعمال درامية وسينمائية مولّدة بالذكاء الاصطناعي، دون أن يطأ الممثل الأصلي أرض التصوير. وكذلك أعلن عن أول فيلم روائي طويل مُولَّد بالكامل بالذكاء الاصطناعي تعتزم المنصة إطلاقه قريباً. وفي تصريح، سرعان ما أثار موجة غضب عارمة، ذهب غونغ يو إلى أن التصوير قد يصبح عن قريب تراثاً ثقافياً ينتمي إلى الماضي.

"آي كيوي آي"... ترفع مستوى المنافسة (آي كيو آي)

اشتعال الجدل

لحظات بعد هذا الإعلان، اشتعلت منصة «ويبو» الصينية بهاشتاغ «آي كيوي آي جنّت» حتى أصبحت القضية في قائمة المواضيع الأكثر تداولاً. وتساءل مستخدمون باستنكار: «لماذا سأدفع اشتراكاً لمشاهدة أشخاص مزيّفين؟»... وكتب آخرون: «إذا تحوّل الممثلون كلهم إلى ذكاء اصطناعي، فما هي القيمة التي ستحملها هذه الأعمال؟».

ومن جهة ثانية، سارعت شخصيات وردت أسماؤها في المشروع، كالممثل الكبير تشانغ روييون، إلى نفي أي صلة لهم بالمشروع. وفي الساعات التالية للعاصفة، سارعت «آي كيوي آي» إلى إصدار توضيحات متتالية. وفي تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قال نائب الرئيس التنفيذي الأول ليو وِنفِنغ إن المنصة لا تُرخّص صور الممثلين ومظاهرهم، بل تعمل على تمكين صنّاع الأفلام والممثلين من إنشاء تواصل أسرع عبر منصة «ناداو برو». وأردف أن كل لقطة تحتاج إلى تأكيد من الفنانين أنفسهم، وأن «ثمة سوء فهم تاماً» وراء ما حصل. وفي بيانين متتاليين، أكدت المنصة أن الانضمام إلى القاعدة لا يعني سوى إعلان الفنان استعداده للنقاش في مشاريع محتملة، وليس ترخيصاً مُسبقاً لأي عمل بعينه.

إشكاليات قانونية وتقنية جديدة

وبالتوازي، حذّر لي تشِنوو، المحامي في مكتب «شانغهاي ستار لو فيرم»، من أنه بمجرد استخدام بيانات لصورة فنان في تدريب نماذج المنصة، تنشأ مخاطر تقنية جسيمة، من بينها تسريب البيانات والتدريب الثانوي غير المصرّح به، وهي مخاطر يصعب التخلص منها. وتكمن هشاشة الوضع القانوني في أن التشريعات الصينية لم تُحسم بعد فيما يخص ملكية الصورة الرقمية واستنساخها عبر الذكاء الاصطناعي، ما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية قد تمتد لسنوات.

بكين تشدّد قبضتها على الذكاء الاصطناعي

في الحقيقة، لا يمكن قراءة هذا الجدل معزولاً عن السياق التنظيمي المتسارع في الصين. فيوم 3 أبريل 2026، نشرت «الإدارة الصينية للفضاء الإلكتروني» مسوّدة قواعد تشمل اشتراطات صارمة للموافقة المسبقة عند استخدام السمات الحيوية، وحظر التحايل على أنظمة المصادقة البيومترية. وأطلقت السلطات حملتها السنوية لمكافحة إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، التي استهدفت الانتحال الرقمي للأشخاص واستحضار المتوفين رقمياً من دون موافقة ذويهم. ومن ثم، قد دخل معيار وضع علامات إلزامية على المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي حيّز التنفيذ يوم 1 سبتمبر (أيلول) 2025.

لماذا يهزّ الجدل الصناعة الترفيهية كلها؟

جدير بالذكر أن «آي كيوي آي» ليست منصةً بعيدة عن السياق؛ فهي جزء من البنية الكبرى التي تشكّل الذائقة الرقمية في الصين، جنباً إلى جنب مع «تنسنت فيديو» و«يوكو» و«بيليبيلي» و«مانغو تي في».

وفي مثل هذه السوق، لا يقتصر أثر قرار واحد على مسار منصة بعينها، بل يمتد إلى المعايير نفسها: هل النجاح يكمن في تقليص الكلفة، أم في الحفاظ على العلاقة الإنسانية بين العمل الفني وجمهوره؟ والمفارقة تبرز هنا بجلاء؛ إذ كلّما ازدادت المنصة اعتماداً على الذكاء الاصطناعي، ازدادت قدرتها على السيطرة على الإنتاج والتخصيص، لكنها في المقابل تخاطر بتقليص المساحة التي يمرّ فيها الفن عبر التجربة البشرية الفعلية.

آفاق المستقبل

ما جرى في بكين ليس شأناً صينياً بحتاً، إذ إن البنية التحتية التي تسعى «آي كيوي آي» إلى بنائها انعكاس لمنطق يجتاح صناعة الترفيه العالمية.

ففي الولايات المتحدة، مثلاً، تتسارع استثمارات كبريات المنصات في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. إذ تعتزم «نتفليكس» إنفاق نحو 20 مليار دولار على المحتوى في 2026 مستعينة بالذكاء الاصطناعي في الإنتاج والإعلانات، في حين تعمل «أمازون» على توظيفه في الرسوم المتحركة والدبلجة.

ومع ذلك، تسير المنصات الغربية بخطى أكثر حذراً، إذ يمثّل استنساخ الممثلين بالكامل «خطاً أحمر» في ظل عقود نقابة «ساغ-آفترا» المهنية.

وفي المقابل، يبدو النموذج الصيني أكثر جرأةً وأقل تقييداً، ما يجعل «آي كيوي آي» في موقع الرائد الاضطراري لمسار قد تسلكه منصّات عالمية أخرى في غضون سنوات قليلة.