كيف ستتحول أرامكو من شركة نفط وغاز إلى شركة طاقة صناعية؟

خبراء يؤكدون لـ «الشرق الأوسط» أن الرؤية تصل إلى حد تأسيس تكتل صناعي متكامل

أحد خزانات النفط التابعة لشركة أرامكو السعودية في الدمام (رويترز)
أحد خزانات النفط التابعة لشركة أرامكو السعودية في الدمام (رويترز)
TT

كيف ستتحول أرامكو من شركة نفط وغاز إلى شركة طاقة صناعية؟

أحد خزانات النفط التابعة لشركة أرامكو السعودية في الدمام (رويترز)
أحد خزانات النفط التابعة لشركة أرامكو السعودية في الدمام (رويترز)

في الأسبوع الماضي، أوضح ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال إعلانه عن «رؤية المملكة 2030» أن الرؤية تشمل أيضًا تحويل أرامكو السعودية إلى شركة طاقة صناعية، وليست مجرد شركة تقليدية لإنتاج النفط والغاز.
وتساءل كثيرون عن الشكل الذي ستكون عليه الشركة بعد طرحها للاكتتاب، وعن الدور الجديد الذي ستلعبه كشركة طاقة صناعية.. ولا توجد تفاصيل كثيرة حول أرامكو السعودية بعد الاكتتاب، إذ إن خطط إعادة هيكلة الشركة لا تزال تحت الدراسة، وسيتم الإعلان النهائي عنها خلال الأشهر الستة المقبلة، بحسب ما ذكر الأمير محمد بن سلمان والذي يرأس المجلس الأعلى للشركة، إضافة إلى رئاسته مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية.
ويرى بعض المحللين في حديثهم إلى «الشرق الأوسط»، بناءً على تصوراتهم المبدئية، أن أرامكو ستكون تكتلا صناعيا، أو ما يعرف في الإنجليزية باسم (conglomerate) على غرار التكتلات المعروفة في اليابان وكوريا الجنوبية، مثل شركة ميتسوبيشي والتي تصنع كل شيء، من الأجهزة المنزلية إلى السيارات، أو شركة سامسونغ التي تصنع الهواتف النقالة وناقلات النفط العملاقة وتقوم بإعمال الإنشاءات ومن بينها المنشآت النفطية.
وسبق وأن أعلنت أرامكو السعودية قبل أعوام بسيطة خطة أطلقت عليها اسم «خطة التحول المتسارع»، والتي تهدف لتحويل أرامكو من شركة نفط وغاز إلى شركة طاقة متكاملة تنتج كل شيء، بدءًا من النفط والغاز وانتهاء بالمنتجات الكيماوية المتخصصة التي يتم استخراجها من النفط والغاز الطبيعي.
وهذا النوع من شركات الطاقة معروف في الغرب، وغالبية الشركات الكبرى تقوم على هذا النموذج من أمثال إكسون موبيل ورويال داتش شل وبريتيش بتروليم. والسبب وراء هذا التكامل بين الوحدات المختلفة تجاري بحت، إذ إن هذه الشركات تبحث عن ما يعظم هوامشها الربحية من خلال القيمة المضافة للنفط والغاز.
ومن أجل هذا الهدف، قامت أرامكو السعودية بالدخول في مجال الكيماويات، وعقدت شراكات مع شركات عالمية مثل داو كيمكال الأميركية وسوميتومو كيمكال اليابانية. وشرعت أرامكو في إضافة وحدات لإنتاج البتروكيماويات إلى كل مصافيها الجديدة، وتفكر في الوقت ذاته بتطبيق الشيء نفسه على مصافيها القائمة.
إلا أن رؤية الأمير محمد بن سلمان تتجاوز قليلاً جعل أرامكو شركة طاقة متكاملة، حيث يبدو واضحًا من الأحاديث الصحافية أو التصريحات الإعلامية للأمير أنه يريد إدخالها بصورة أكبر في مجال الصناعة والهندسة حتى تصبح تكتلاً صناعيًا، على غرار التكتلات اليابانية أو الكورية.
ويقول الدكتور محمد الرمادي، المحلل الاقتصادي وأستاذ المالية والاقتصاد السابق في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن: «من الواضح جدًا أن هذه هي رؤية الأمير محمد بن سلمان المستقبلية لشركة أرامكو السعودية، لأن المملكة تبحث عن خلق المزيد من فرص العمل وبما أن أرامكو السعودية هي أكبر شركة في المملكة من ناحية الأصول والعمليات وقع الاختيار عليها لهذا الدور».
هيكلة أرامكو السعودية
وسبق وأن أوضح الأمير محمد بن سلمان أن أرامكو السعودية بعد الهيكلة سوف تتحول إلى شركة قابضة تمتلك تحتها مجموعة من الشركات التابعة لها، ولا تقوم بالإدارة اليومية للأعمال لهذه الشركات. وسوف يتم تحويل ملكية هذه الشركة بعد طرح أسهمها للاكتتاب العام إلى صندوق الاستثمارات العامة المملوك للدولة، والذي سيصبح بفضل هذه الخطوة أكبر صندوق سيادي في العالم يدير أصولاً تقارب 3 تريليونات دولار بعد الانتهاء من التقييم الصحيح لأصول أرامكو السعودية والذي لا يزال العمل عليه جاريًا. وأضاف الأمير أن الاكتتاب في الشركة سيكون من خلال طرح أقل من خمسة في المائة من الشركة الأم القابضة في المرحلة الأولى، ثم من خلال طرح الشركات التابعة في موجة ثانية من الاكتتاب.
وفي حوار مع وكالة «بلومبيرغ» مطلع شهر أبريل (نيسان)، قال الأمير محمد: «أرامكو الآن هي أكبر شركة في العالم ولديها القدرة على التحكم في صياغة مستقبل الطاقة، ونحن نريد أن نشرع في هذا من اليوم».
وأضاف: «كما أننا نريد أن نطور سوق البتروكيماويات التي تعتمد على النفط والخدمات التي يتم توفيرها عن طريق بعض مشتقات النفط، وكذلك بعض الصناعات التي يمكن أن نخلقها بالنظر إلى حجم أرامكو». وقال: «إذن كل تلك المشاريع التي نعلن عنها ستكون الطريقة التي سنحول بها أرامكو من شركة للنفط والغاز إلى شركة صناعية وشركة طاقة».
* مشروعات أرامكو الصناعية
تتوقع أرامكو أنها ستوفر نحو 500 ألف فرصة عمل خلال السنوات العشر القادمة من خلال مشاريعها المختلفة. وتشغل صناعة البتروكيماويات والكيماويات المتخصصة جزءًا كبيرًا من التوجه المستقبلي للشركة، إلا أن هناك مشروعات صناعية أخرى في مجال الطاقة تنوي التوسع فيها.
وفيما يلي، استعراض بأبرز المشروعات التي تعمل عليها أرامكو، والتي من المتوقع أن تساهم في تحولها إلى تكتل صناعي عملاق.
* أرامكو للإنشاءات
قال الأمير محمد في حواره السابق مع «بلومبيرغ» إنه على سبيل المثال «يمكننا خلق شركة إنشاءات ضخمة تحت إطار أرامكو سيتم طرحها كذلك إلى الاكتتاب العام وتخدم مشاريع أخرى بخلاف مشاريع أرامكو في السعودية».
* مشاريع الطاقة المتجددة
هناك توجه عام للتركيز على كل أوجه الطاقة المتجددة في المملكة، سواء من الرياح أو الطاقة الشمسية أو الطاقة النووية، كما أوضح الأمير محمد بن سلمان خلال المؤتمر الصحافي المصاحب للإعلان عن رؤية السعودية 2030 يوم 25 أبريل.
وأضاف الأمير حينها أن أرامكو السعودية سوف تقوم ببناء مجمع للطاقة الشمسية سوف يتم الإعلان عن تفاصيله لاحقًا.
وسبق وأن وقعت أرامكو السعودية عقودا مبدئية مع الشركة السعودية للكهرباء لبناء محطة للطاقة الشمسية في جزيرة فرسان لتوفير الديزل الذي يتم حرقه هناك لتوليد الكهرباء، كما أن سبق وأعلن رئيس مجلس إدارة الشركة خالد الفالح أن هناك مشروعا مشتركا مع الشركة السعودية للكهرباء لبناء محطات صغيرة قدرتها 300 ميغاواط في مختلف أنحاء المملكة لإنتاج الكهرباء في المناطق المعزولة والبعيدة.
وكانت أرامكو سبق وأن دخلت في شراكة مع شركة شوا شل في اليابان من أجل إنتاج الألواح الضوئية والخلايا الشمسية. ومن المتوقع أن يزداد دور أرامكو في الطاقة الشمسية، وتصبح مزودًا للألواح الشمسية تمامًا مثلما فعلت شركات مثل بريتيش بتروليم.
* مجمع للصناعات البحرية
تقوم أرامكو السعودية حاليًا بتنفيذ مشروع مجمع الصناعات والخدمات البحرية، في رأس الخير شرقي المملكة على الخليج العربي، والذي تتوقع الشركة أن يكون مركزًا على مستوى عالمي لهذه الصناعة يتم فيه بناء وإصلاح السفن.
وسبق وأن وقعت أرامكو مذكرة تفاهم مع هيونداي الكورية من أجل بحث فرص دخولها في المشروع. وعقدت اللجنة الإشرافية للمشروع أول اجتماع لها في فبراير (شباط) الماضي في مقر أرامكو السعودية بالظهران.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» فإن المجمع قد يوفر نحو 80 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وقد يساهم في الناتج المحلي سنويًا بما قيمته 17 مليار دولار.
* مدينة الطاقة في الأحساء
سبق وأن أعلن وزير البترول علي النعيمي أن أرامكو السعودية، تعمل حاليًا على إنشاء مدينة الطاقة، على طريق الأحساء الدمام، التي ستكون مركزا إقليميا عالميا لقطاع الطاقة، مثل الصناعات التحويلية والخدمات الصناعية المساندة، التي ترتبط بالنفط والغاز، والطاقة الكهربائية. وأضاف أن هذا المشروع، سوف يلعب دورًا رئيسيًا، في تحقيق برنامج أرامكو السعودية للتوظيف.
وأوضح النعيمي حينها أنه الدراسات الإنشائية للمشروع جارية بالتعاون مع الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية «مدن»، ومن المتوقع، عند اكتمالها، أن تضيف ما يزيد على تسعة مليارات دولار، للدخل الوطني، وتوفر آلاف الفرص الوظيفية المباشرة، وغير المباشرة، وسوف يكون لشباب الأحساء والمجتمعات المحيطة بها، نصيب كبير منها».
* شركة لخدمات الحفر
أعلنت أرامكو الأسبوع الماضي موافقة مجلس إدارة الشركة بإنشاء شركة جديدة لخدمات الحفر للحقول البرية والبحرية. ورغم عدم توفر معلومات كثيرة عن هذه الشركة حتى الآن فإنها خطوة مهمة كما يقول الدكتور محمد الرمادي لأنها سوف تساعد أرامكو على القيام بكثير من الأعمال بنفسها بدلاً من الاعتماد على الشركات الأجنبية المختلفة العاملة في هذا المجال من أمثال بيكر هيوز وهاليبرتون وشلمبرغير.
أضاف الرمادي أن هذا النوع من المشروعات هو الذي يوفر فرص العمل للسعوديين ويجعل الشركة صناعية أكثر.



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.