هل الأفلام السياسية العربية أكثر من مجرد تنفيس؟

هل الأفلام السياسية العربية أكثر من مجرد تنفيس؟

الجمعة - 21 رجب 1437 هـ - 29 أبريل 2016 مـ
مشهد من فيلم «نوارة»

* إذ يذهب المخرج محمد خان في فيلمه الجديد «قبل زحمة الصيف» بعيدًا عن القاهرة صوب الإسكندرية وساحلها العريض، يترك المخرج وفيلمه المدينة المكتظة وشواغلها وأوضاعها إلى بيئة محدودة من خمسة ممثلين ومكان واحد وقبضة يد من المشاعر العاطفية غير المتعددة. إنه أحد أفضل أفلام المخرج الذي سبق له وأن تعاطى مع المدينة ومع السياسات الواقفة في ظلها أكثر من مرّة لكنه قرر الآن أن يرتاح منه ويريح نفسه بالنظر إلى تلك الشؤون الصغيرة المحدودة بعدد قليل من الناس.
محمد خان ليس الوحيد الذي يفضل إلغاء المدينة المبنية على الأوضاع السياسية من حسبانه، بل كذلك تفعل أفلام كثيرة مثل «حسن وبقلظ» لوائل إحسان و«أوشن 14» لشادي الرملي و«الهرم الرابع» لبيتر ميمي.
الفارق هو أن «قبل زحمة الصيف» فيلم فني والأخرى أفلام جماهيرية مباشرة تنفي عن نفسها منح أي وجع رأس لمن يرغب في حضورها… لا عجب أنها الأكثر نجاحًا من الأفلام الأخرى.
لكن هذا لا يلغي أن المزيد من الأفلام العربية (مصرية وغير مصرية) باتت تلجأ إلى الموضوعات ذات الطرح السياسي أو البعد المتمثل في هذا الطرح بسبب إيمان أصحابها بأن عليهم تقديم أفلام تنقل «أوجاع المجتمعات» و«هموم المواطنين» أو «القضايا الكبيرة»، وهي بين مزدوجات هنا لأنها الدوافع الأكثر ترددًا.
في العامين الأخيرين تكاثرت هذه الأفلام حاملة صدق الرغبة في إثارة هذه المواضيع وامتدت لتشمل الأنواع جميعًا: التسجيلي والروائي وحتى الرسوم المتحركة. ففي العروض المصرية وبعض العروض العربية الأخرى فيلم هالة خليل «نوّارة» الذي يتحدّث عن متاعب امرأة شابة تعمل خادمة لدى عائلة ثرية. رب العائلة (محمود حميدة) من الذين ستحقق المحكمة، إثر أحداث 2010، في الكيفية التي جمع فيها أمواله.
في الجانب التسجيلي نرى «أبدًا لم نكن أطفالا» لمحمود سليمان الذي يصف حال امرأة اسمها ناديا حسن، مطلقة مرتين وتعيل نفسها وأولادها الثلاث عبر العمل كمجلخ في شوارع القاهرة. حياتها صعبة لكن ليس بسبب عملها وتربية أولادها، بل بسبب ما مرّ عليها من مآسٍ، منذ أن كانت طفلة. الفيلم يسجل ويستطرد في التسجيل. بين كل فترة وأخرى طويلة يُضيف شيئًا لا نعرفه أو يفتح النافذة المطلّة على هذه المرأة وأحوالها أكثر قليلاً. هذا الاستطراد يحسب على الفيلم لأنه يُطيل مدّة عرضه بلا طائل حقيقي. لكن ما يتضمّنه الفيلم من مأساة تمشي على قدمين يكشف، على نحو غير موجه، كيف يتضاعف الهم الاجتماعي بكامله وكيف أن الفرد يخسر موقعه في حياة سعيدة ومن دون أن تُتاح له فرصة النجاح أو الفشل متساوية.. والأمثلة تمتد في معظم الاتجاهات لتشمل أفلاما من المغرب والجزائر والأردن وفلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن.
وكلها بلاد لدى مخرجيها ما يتحدّثون عنه وحوله من شؤون. ليس أنهم يدّعون الاهتمام، بل هم جادون في مسألة ما يقومون به على أساس كل تلك الرغبات في التعبير عن أشكال وأسباب المعاناة التي يمر بها أفراد أو تشهدها مجتمعات. لكن كم من هذه الأفلام استطاعت أن توفر ما يمكن للرسائل والمضامين التي تحملها أن تسافر بعيدًا عن محطاتها المألوفة؟ كم منها ترك أثرًا فاعلاً لما بعد عرضه؟


* صدق النيات


* مثل نشرات الأخبار، بات تكرار مشاهدة «القضايا» السياسية، مثل معاناة الفلسطينيين والعراقيين والسوريين والنازحين واللاجئين، يمر بلا تأثير يذكر. مواصلة تقديم حياة الناس كسلسلة من المآسي، سواء في أفلام تسجيلية أو روائية، يدعم رأيًا داكنًا في بال الكثيرين من المشاهدين مفاده أننا شاهدنا كل هذا منذ عشرات السنين وأن القضايا الماثلة لا حلول لها، فهي باقية ولا تنتمي إلى من لا يستطيع حلها. صحيح أن مخرجي هذه الأفلام يطرحون أسئلة جائزة في معظم الأحيان، لكن المفاتيح لم تعد في يد أحد. لا الأفلام تستطيع ترك تأثير فاعل كما كان الوضع عليه في الستينات والسبعينات عندما كانت الأفلام تستطيع تحريك الساكن في النفوس، شرقًا وغربًا (ثورة الطلاب، الثورات الثقافية في أكثر من مكان، مناهضة الحرب الفيتنامية في أميركا، والبحث عن سينما بديلة في العالم العربي) ولا الجمهور قادر على أن يجد جديدًا يضاف إلى معلوماته ومواقفه.
في وضع كهذا لا يبقى لكثير من الأفلام المنتجة من النوع السياسي أو الحامل لما يمكن أن يعكس وضعًا سياسيًا سوى صدق نياتها التي تبحث في شخوص مشردة «رسائل من اليرموك» أو مُهجّرة «قهوة لكل الأمم» و«روشميا» أو متعبة من بحثها في الماضي من دون أي دافع للمستقبل «جواهر الحزن». هذا وجودتها المهنية في الكثير من الأحيان.
الأكثر مدعاة للإمعان حقيقة أن هذه الأفلام لا تصل إلى الجمهور العريض كما يؤمل لها أن تفعل. هناك مهرجانات عربية تعرضها لجمهورها التي هي ذات نسبة قليلة ومحدودة بمقارنتها بالجمهور الكبير الذي يقبل عادة على ما نطلق عليه اسم «الفيلم التجاري»، مما يجعل انتشار الفيلم السياسي محدودًا حتى من قبل أن يتم إنجازه.
في «بغداد خارج بغداد»، جديد المخرج العراقي قاسم حول، كل ذلك الشجن العابق بذكريات أيام أفضل، لكنه في النهاية عمل لن يراه أحد، خصوصًا وأن محطات التلفزيون مثل صالات السينما تبحث في نهاية المطاف عن الفيلم الذي يُشاهد وليس الفيلم الذي يفكر.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة