مستشار خامنئي العسكري: استراتيجيتنا لـ20 عامًا تمكين «حزب الله» والأسد

مسؤول إيراني: الحرس الثوري سيمنع إقامة علاقات مع واشنطن رغم الاتفاق النووي

صورة أرشيفية للأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله يقبل يد المرشد علي خامنئي في طهران ويبدو رئيس كتلة حزب الله في البرلمان اللبناني النائب محمد رعد.. وفي الاطار مستشار خامنئي للشؤون العسكرية الجنرال رحيم صفوي
صورة أرشيفية للأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله يقبل يد المرشد علي خامنئي في طهران ويبدو رئيس كتلة حزب الله في البرلمان اللبناني النائب محمد رعد.. وفي الاطار مستشار خامنئي للشؤون العسكرية الجنرال رحيم صفوي
TT

مستشار خامنئي العسكري: استراتيجيتنا لـ20 عامًا تمكين «حزب الله» والأسد

صورة أرشيفية للأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله يقبل يد المرشد علي خامنئي في طهران ويبدو رئيس كتلة حزب الله في البرلمان اللبناني النائب محمد رعد.. وفي الاطار مستشار خامنئي للشؤون العسكرية الجنرال رحيم صفوي
صورة أرشيفية للأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله يقبل يد المرشد علي خامنئي في طهران ويبدو رئيس كتلة حزب الله في البرلمان اللبناني النائب محمد رعد.. وفي الاطار مستشار خامنئي للشؤون العسكرية الجنرال رحيم صفوي

كشفت معلومات تناقلتها وسائل إعلام إيرانية عن مسؤولين كبار اتجاه طهران لتعزيز دعمها لما يسمى «حزب الله» اللبناني ضمن استراتيجية جديدة وضعتها للحفاظ على «ثقلها السياسي» تشمل لبنان وسوريا والعراق.
وطالب مستشار خامنئي في الشؤون العسكرية وقائد الحرس الثوري السابق، الجنرال رحيم صفوي تعزيز دعم ما يسمى «حزب الله» في لبنان لبلوغه «الاكتفاء الذاتي» ماليا وعسكريا، ليصبح القوة الكبرى في لبنان، مؤكدا ضرورة تمكينه من الحفاظ على إمكانياته «تحت أي ظرف» في المشهد السياسي اللبناني. وتعمل إيران منذ سنوات على دعم ما يسمى «حزب الله» ضمن استراتيجيتها للتدخل في شؤون الدول العربية. وكانت طهران انتقدت بشدة قرار الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي؛ بسبب اعتبار ما يسمى «حزب الله» منظمة إرهابية. وتدافع إيران عما يسمى «حزب الله» منذ سنوات من خلال دعمه بالأسلحة والمال وتدريب قواته. كما أنها ترى أن الوقوف مع «حزب الله» يعد من مصاديق تصدير الثورة وولاية الفقيه في الدول العربية.
وعد صفوي منع سقوط نظام بشار الأسد ومنع تقسيم سوريا من الخيارات الاستراتيجية لإيران. وجاءت تصريحات صفوي، أمس في أثناء شرحه آفاق الاستراتيجية الإيرانية على مدى عشرين سنة مقبلة في المؤتمر الوطني الجيوسياسي بطهران. وشدد صفوي على ضرورة أخذ الاستراتيجيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الشاملة إلى جانب الاستراتيجية العسكرية في منطقة الشرق الأوسط. كما عد صفوي التحالف الدولي ضد الإرهاب مؤامرة ضد إيران، مطالبا العمل على «مشروع متكامل» والاستعداد لـ«السيناريوهات المختلفة من ضمنها أسوأ السيناريوهات». وأكد صفوي ضرورة «تعزيز الثقل الجيوسياسي»، لافتا إلى أن تحقق ذلك يتطلب «ثمنا واستثمارا» من طهران.
في غضون ذلك، اتهم صفوي أميركا بالوقوف وراء زعزعة الاستقرار السياسي في: «البحرين، والعراق، وسوريا، واليمن، وأفغانستان، ولبنان»؛ بسبب دعمها للدول العربية وإقامة قواعد عسكرية في المنطقة. كما دعا صفوي إلى إعادة النظر في العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية مع تركيا واصفا إياها بـ«زميلة أميركا وإسرائيل والدول العربية». وتشهد العلاقات بين إيران وتركيا توترا؛ بسبب مواقفهما المتباينة من القضايا الإقليمية، مثل الأزمة السورية واليمن، وتفاقمت الخلافات بين طهران وأنقرة قبل أسبوعين بعد إدانة إيران في قمة مجلس التعاون الإسلامي في إسطنبول، كما أن إيران تعد التقارب السعودي التركي خطرا على مصالحها في المنطقة. وتعد طهران مستقبل بشار الأسد وتغيير النظام في دمشق خطا أحمرا لها على خلاف تركيا التي تدعو إلى رحيل الأسد.
وبشأن ما يجري في العراق، ذكر صفوي أن على بلاده توجيه رسالة واضحة لزعماء إقليم كردستان والتصدي لمنع تقسيم العراق. وتعليقا على سياسة إيران في المنطقة، أعرب صفوي عن تأييده نقل «استراتيجية إيران» إلى الدول المنطقة، مشددا على الأهمية «الجيوسياسية» لمنطقة غرب آسيا لبلاده، كما أكد ضرورة الاهتمام بمثلث آذربيجان وأرمينيا وجورجيا. وفي سياق متصل، قال صفوي إن على بلاده الحرص على الحضور الدائم في منظمة شانغهاي للتعاون التي تعتبر تحالفا صاعدا على غرار الناتو، وتضم المنظمة كلا من: الصين، وروسيا، وكازاخستان، وقيرغيزيا، وأوزباكستان، وطاجيكستان، ومنغوليا، وباكستان، وأفغانستان.
من جانب آخر، وجه قائد الحرس الثوري السابق وأمين عام مجلس تشخيص مصلحة النظام، محسن رضايي انتقادات ضمنية إلى حكومة روحاني؛ بسبب ما عد محاولة إقامة العلاقات مع أميركا، مهددا بأن الحرس الثوري لن يسمح بإقامة العلاقات مع أميركا.
وتأتي تصريحات رضايي بعد أسبوع من مفاوضات أجراها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف مع نظيره الأميركي جون كيري حول سبل تنفيذ الاتفاق النووي، وما تواجه إيران من مشكلات في العودة إلى التعاملات المصرفية.
ولفت رضايي إلى أن «أعداء» بلاده بعد «التشاؤم» من الحرب والعقوبات والانتخابات تركز الآن على «استهداف ولاية الفقيه والأجهزة الثورية، مثل الحرس الثوري ومجلس صيانة الدستور». وأعرب رضايي عن مخاوفه من «محاولات الأعداء زعزعة استقرار البلد»، وكانت إشارة رضايي إلى جهات داخلية لم يذكرها بالاسم قال عنها إنها تريد إبعاد القيم الثورية من مجالات الاقتصاد والصناعة والزراعة. وفي إشارة إلى معارضة يواجهها الحرس الثوري في الداخل؛ بسبب نشاطه الاقتصادي، قال: «إن بعض الأطراف تعارض ذلك النشاط»، وربط رضايي تجاوز إيران مرحلة العقوبات بـ«العمل الثوري في جميع المجالات»، مؤكدا أن الحرس الثوري «سيحافظ على إنجازات الثورة وولاية الفقيه».
في الإطار نفسه، رد رضايي ضمنيا على تصريحات الرئيس الإيراني في اليوم الوطني للجيش قبل نحو أكثر من أسبوع عندما أشاد بعدم تدخل الجيش في الشؤون الاقتصادية والسياسية، وعد تلك التصريحات «مغالطة»، ونفى أن يكون الحرس الثوري يدعم تيارا سياسيا على حساب آخر، كما أكد أن «صمت» الحرس الثوري على تصرفات بعض التيارات السياسة ومطالبها المبالغ فيها «وهم كبير» وفق ما نقلت عنه وكالة «تسنيم» التابعة للحرس الثوري.
وفي سياق منفصل، جدد الرئيس الإيراني حسن روحاني هجومه الحكم الصادر من المحكمة الأميركية العليا، أربعاء الأسبوع الماضي، حول تغريم إيران أكثر من ملياري دولار تعويضا لضحايا هجمات إرهابية دعمتها طهران.
ووصف روحاني في المؤتمر الوطني للجان المدن والقرى الإيرانية، أمس في طهران، مصادرة الأموال «غير قانوني»، لكنه في الوقت نفسه دعا إلى محاسبة من استثمر تلك الأموال في واشنطن بين عامي 2007 و2008 «على الرغم من التحذيرات التي صدرت آنذاك». وصرح روحاني بأن «ذخائر البنك المركزي يجب أن تبقى مصونة، وأي محكمة لا يمكنها التصرف في تلك الذخائر».
تعليقا على مصادرة ملياري دولار من الأموال قال روحاني: «إن بعض الدول بواسطة موقعها العسكري والاقتصادي وتأثيرها لا تؤمن بالأخلاق والعدالة»، معتبرا «أميركا على رأس تلك الدول»، وهدد روحاني بمقاضاة أميركا، وقال: «إن بلاده لا تتغاضى عن أي تحرك لتعويض حقوق الشعب الإيراني»، مضيفا أن «الحكومة كلفت مجموعة عمل من أجل متابعة الأموال المصادرة، وأن الحكومة ستعلن النتائج لاحقا للشعب الإيراني».
وفي إشارة إلى تفاقم الخلافات بين الأطراف السياسية في إيران، قال روحاني: إن «الشعب يطالب بحل المشكلات التي يواجهها البلد، وليس الخلافات السياسية والحزبية والفئوية». وذكر روحاني أن على المسؤولين مصارحة الناس بما يجري في البلد.
وأخذ الاحتقان والاتهامات المتبادلة بين المسؤولين الإيرانيين منحى جديدا بعد إصدار حكم المحكمة العليا، وبينما تواجه الحكومة الإيرانية ضغوطا متزايدة حول فشل الاتفاق النووي وتخلي الدول الغربية عن تنفيذ وعودها في الاتهام اتجهت الحكومة ووسائل الإعلام التابعة لها إلى توجيه اتهامات إلى الحكومة السابقة؛ بسبب استثمارها في الأسواق المالية الأميركية.
إلى ذلك، هاجم المستشار الثقافي والإعلامي في الحرس الثوري الإيراني، حميد رضا مقدم فر، الحكومة الإيرانية متهما إياها بالتعاون مع «أركان الفتنة» و«التغلغل» في أعلى المناصب الحكومية. وفي إيران يطلق أنصار المرشد الأعلى، مصطلح «الفتنة» على أحداث الانتخابات الرئاسية في 2009 بعد احتجاج المرشحين مهدي كروبي ومير حسين موسوي على نتائج الانتخابات.
واحتج مقدم فر على ما عده حضور رموز «الفتنة» في مراكز صنع القرار والمناصب الحساسة، عادا ذلك تغلغلا سياسيا في البلاد وفق ما ذكرت وكالة «مهر» الحكومية.
وأصبح مصطلح «التغلغل» الأكثر تداولا في خطابات المسؤولين وقادة الحرس الثوري منذ التوصل للاتفاق النووي في يوليو (تموز) 2015، بعدما أطلق خامنئي تحذيرات من مشاريع غربية لتقويض «المبادئ الثورية» في إيران.
وهاجم مقدم فر، مستشار الرئيس الإيراني في الشؤون الاقتصادية، محمود سريع القلم، ووصفه بالمندس الإيراني، ويعد سريع القلم من المنظرين في السياسة والاقتصاد في حكومة حسن روحاني وأستاذ جامعة بهشتي. كذلك انتقد مقدم فر «الأجواء السياسية» في البلد، وقال: إنها تساعد على «التغلغل».
وعد مقدم فر استقطاب الطلاب والعقول والمفكرين الإيرانيين إلى الجامعات الغربية من «أساليب التغلغل الثقافي»، وذكر أن وزير الخارجية الألماني في زيارته الأخيرة إلى طهران وعد بتقديم 50 ألف منحة دراسية سنويا بهدف «التغلغل الثقافي» في إيران. وبحسب ما نقلت وكالة مهر الإيرانية فإن العلوم الإنسانية في الجامعات الإيرانية تساعد على «التغلغل».
في سياق مواز، انتقد المرجع الإيراني آيت الله صافي غلبيغاني، الصراع السياسي في إيران منتقدا عرقلة الجهود التي تبذلها الحكومة في مرحلة ما بعد تنفيذ الاتفاق النووي، وقال غلبيغاني لدى لقائه وزير العمل والرفاه الإيراني علي ربيعي، إن الحكومة الإيرانية تواجه مشكلات بحجة نقد الاتفاق النووي على الرغم من محاربتها الفساد.



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.