غولن: بإمكان الإسلام والديمقراطية أن يتعايشا سلميا

غولن: بإمكان الإسلام والديمقراطية أن يتعايشا سلميا

الداعية التركي أكد لـ {الشرق الأوسط} أن هناك ما يكفي من المساجد.. وليس من المدارس
الثلاثاء - 23 جمادى الأولى 1435 هـ - 25 مارس 2014 مـ
السيد فتح الله غولن

في الجزء الأول من الحوار الذي أجرته «الشرق الأوسط» مع السيد فتح الله غولن، العالم الإسلامي التركي، يتطرق غولن إلى حركة «حزمت» والحظر الذي فرضته الحكومة التركية على المدارس التحضيرية الخاصة والمذهب الحنفي والعلاقة بين الإسلام والسياسة والنظام الديمقراطي.

على مدى السنوات العشر الماضية، إلى أن اندلعت احتجاجات متنزه غيزي في إسطنبول خلال مايو (أيار) الماضي، أشاد كثيرون بنظام تركيا الديمقراطي، والعلماني بمجمله، كنموذج يحتذى به في دول الشرق الأوسط ذات الغالبية المسلمة.

نسب الكثير من الفضل إلى رجب طيب إردوغان، زعيم حزب العدالة والتنمية ومؤسسه، الذي منذ تسلمه منصب رئيس الوزراء عام 2003، وجدت تركيا الاستقرار اللازم لترويض التضخم الاقتصادي المزمن وإعادة تشكيل نفسها كقوة اقتصادية في المنطقة. كذلك غاب تهديد شبح تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية للبلاد تحت راية الدفاع عن دولة أتاتورك العلمانية، وتحقق تقدم ملموس في عملية السلام مع الأكراد. وفي سعيها إلى الانضمام إلى أسرة الاتحاد الأوروبي تمكنت تركيا تحت إشراف مجموعة من الوزراء النشطين الذين توالوا على تولي حقيبة الخارجية من إجراء إصلاحات مهمة، بينما فتحت خيارات دبلوماسية أخرى في وجه تشكيك الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

غير أن «شهر العسل» التركي بلغ نهايته، وبات إردوغان نفسه اليوم في قلب العاصفة، إذ يتهمه معارضوه بالخضوع لغطرسة السلطة وبتطبيق أجندة تهدف إلى «أسلمة» تركيا. وما زاد في تفاقم الموقف هو تعامل إردوغان العنيف مع المتظاهرين وسلسلة تحقيقات الفساد الأخيرة التي طالت وزراء من حزب العدالة والتنمية، وحتى إردوغان نفسه والمقربين من عائلته.

بالنسبة لقيادات حزب العدالة والتنمية والكثير من المراقبين في تركيا فإنهم يزعمون أن أنصار السيد فتح الله غولن، العالم الإسلامي التركي الشهير الذي يعيش في منفاه الاختياري في ولاية بنسلفانيا الأميركية، هم وراء الادعاءات والتسريبات المجهولة للتسجيلات الصوتية التي تهدف إلى تجريم رئيس الوزراء. كما يتهم إردوغان غريمه غولن بتأسيس «دولة موازية» وباختراق جهازي الشرطة والقضاء، الأمر الذي أنكره غولن علنا. وأخيرا أقدمت الحكومة التركية على نقل مئات من رجال الشرطة، ودفعت بقوانين جديدة لمراقبة شبكة الإنترنت وضبط سير القضاء. وخلال الشهر الفائت أقر مشروع إغلاق المدارس التحضيرية الخاصة المعروفة باسم «ديرشانس»، التي تعود إدارة الكثير منها إلى حركة «حزمت» التي يقودها غولن على الرغم من المعارضة الواسعة التي واجهها القرار في العام الماضي.

يعتقد منتقدو غولن أن حركة «حزمت» التي تدير أكثر من 2000 مؤسسة تعليمية خاصة في 160 دولة حول العالم تطبق جدول أعمال سريا هدفه «أسلمة» تركيا، إلا أن كثيرين يعتقدون أن ليس للحركة أي تنظيم أو عضوية رسمية، وأن غولن كان لفترة طويلة، وما زال لتاريخه، من المدافعين عن قيم السلام والتسامح والأنسنة والعلوم، بالإضافة إلى كونه معلما معتدلا للمذهب السني الحنفي وليس للإسلام السياسي.

«الشرق الأوسط» التقت غولن عشية الانتخابات البلدية في تركيا التي تعد مؤشرا مهما للانتخابات الرئاسية المقبلة المقرر إجراؤها خلال الصيف المقبل والانتخابات النيابية المزمع عقدها العام القادم. وفي ما يلي نص اللقاء:


* هل تنظرون إلى ملايين الأتباع ومئات المدارس التي أنشأوها في جميع أنحاء العالم كحركة واحدة؟

- شخصيا، لا أرى من المناسب تسمية هؤلاء بـ«الأتباع»، سواء لي أو لأي شخص آخر. لذلك، فقد أكدت مرارا أنه يؤلمني كثيرا نسبة الناس إلى شخصي الضعيف وإلحاقهم بي تحت عناوين مختلفة كـ«الفلانيين» و«العلانيين». كما أريد أن أؤكد أن هؤلاء الناس قد التقوا–بشكل طوعي–حول مشاريع وجدوها معقولة ومنطقية ومفيدة لكل الناس. ومع أن الحركة تستهدي بقيم الإسلام، فإن مشاريعها التي يعكف عليها المتطوعون العاملون في إطارها متماشية مع القيم الإنسانية الهادفة إلى تعزيز الحريات الفردية وحقوق الإنسان والتعايش السلمي بين جميع الفئات. ومن ثم وجدت ترحيبا في 160 دولة حول العالم، ولقيت قبولا صريحا أو ضمنيا مباشرا أو غير مباشر من جنسيات ودول وأديان مختلفة. لذلك من الصعب القول إن المتطوعين في الحركة يشكلون بنية متجانسة، بل هي بنية متنوعة. ولا تقتصر حالة التنوع هذه لدى الناشطين في الحركة على القيم فحسب، وإنما تمتد لتشمل تعاطفهم أو مشاركتهم في مشاريعها، فبينما يعمل البعض معلمين في مدارس بالخارج، يقوم آخرون بالتكفل بالنفقات أو يخصصون جزءا من أوقاتهم للخدمات التطوعية، وما إلى ذلك.

إذن هم أفراد–من مختلف الجماعات العرقية والدينية والسياسية–التقوا طوعا على قيم إنسانية سامية مشتركة، كالحريات، وحقوق الإنسان، واحترام المعتقدات، وتقبل الآخر، والانفتاح على الحوار، وتنزيه الدين عن الأغراض السياسية الحزبية الضيقة، واحترام القانون، ورفض استغلال إمكانيات الدولة استغلالا سيئا، وضرورة المحافظة على المسار الديمقراطي، ورفض استخدام السلطة لإكراه الأفراد والمجتمعات على معتقدات معينة، والثقة بالمجتمع المدني، وتوظيف التعليم لإحلال ثقافة السلام في المجتمعات، وابتغاء مرضاة الله في كل قول وفعل، ومحبة الخلق من أجل الخالق، وتعزيز منظومة القيم الأخلاقية لدى الأفراد بغض النظر عن قيمهم الدينية أو غير الدينية.

هؤلاء الأفراد أطلقت عليهم عدة أسماء عليهم كـ«الجماعة» و«الخدمة» و«الجامعة»، ومع أن هذه الأسماء لا تعبر عن المعنى الذي يمثلونه بشكل وافٍ فإن مصطلح «جامعة» باللغة التركية، الذي يعني مجتمعا كبيرا من الأفراد، هو الأنسب. كذلك أستطيع القول إن هؤلاء الناس–الذين تجمعهم القيم السابقة مع تنوعهم–يتمتعون بوحدة روحية ووعي جماعي بحيث لا يمكن لأي جهة خارجية التلاعب بهم بهدف خرق القيم الآنفة الذكر.

* ما رأيكم في الخطوة التي اتخذتها الحكومة التركية حول حظر المدارس التحضيرية الخاصة؟

- أولا، يجب القول إن المدارس التحضيرية ظهرت نتيجة للكثير من جوانب القصور في النظام التعليمي التركي. هذه المدارس مؤسسات خاصة يديرها أناس ملتزمون بالقانون، ومؤسسة طبقا لمبادئ الحريات الخاصة التي كفلها الدستور.

ثانيا، هذه المدارس لا تتبع «الخدمة» بشكل مباشر، وإنما تدار عن طريق عدد من شركات القطاع الخاص التي يملكها رجال أعمال يؤمنون بأفكار «الخدمة». وتخضع هذه المدارس لرقابة الدولة من حيث مواردها المالية والمقررات الدراسية. وهي تسدد الضرائب المستحقة عليها للدولة، شأنها شأن المؤسسات الأخرى. بالإضافة إلى أن هذه المدارس المحسوبة على «الخدمة» تمثل نسبة صغيرة فقط من عموم المدارس التحضيرية في تركيا. والحاصل أن نظام التعليم يعاني من مشكلات جذرية لم يجرِ اتخاذ أي خطوات جدية حيالها، ومن ثم فلا يمكن اعتبار محاولة إغلاق هذه المدارس جهدا صادرا عن حسن نية. ثم إن هذه المدارس منذ عقود وهي تلبي حاجة ملحة لدى الطلبة في مجالي الرياضيات والعلوم على وجه الخصوص، بناء على طلب أولياء الأمور في إطار القوانين المرعية، وبالتالي فإغلاقها بقوة الدولة يشكل ضربة لقطاع النشاط الحر، وحرمانا للطلاب من الحصول على تعليم أفضل.

ومن جهة أخرى، فالقائمون على التعليم في هذه المدارس يمتثلون للمبادئ الأساسية لفكرة «الخدمة» مثل الإيجابية والاستقامة والصدق والعمل الجاد واحترام الآخر.. الأمر الذي يترك أثرا إيجابيا لدى طلابهم. ومن ثم نستطيع أن نقول إن هذه المدارس قد نجحت–بإذن من الله وعنايته ولطفه–في مكافحة العادات السيئة لدى هؤلاء الطلاب، مثل التدخين، وإدمان الكحول، وحتى تعاطي المخدرات، التي تعد من التحديات الكبيرة التي تواجهها المدارس الحكومية في تركيا.

إن إغلاق هذه المدارس، التي لم تخرق القانون والقيم الأخلاقية يوما ما، ولم تخالف مبادئ الديمقراطية والقيم الكونية، ومن دون طلب من الرأي العام أو حتى مناقشة قرار الإغلاق نقاشا مجتمعيا كافيا، سيؤدي بالضرورة إلى إهدار كل المكتسبات التي تحققت حتى اليوم.

* نفيتم دائما وجود أي طموحات سياسية لديكم، ولكن هل ترون أن وجود مؤيدين لكم داخل أجهزة الدولة التركية يصب في صالحكم؟

- أولا، لا بد من التنويه بأن «الخدمة» منذ نشأتها لم تسعَ إلى تحقيق أي أهداف سياسية، بل سعت إلى خدمة الإنسان من خلال تنميته في المجالات التعليمية والاجتماعية والثقافية، واستثمرت كل وقتها وطاقتها في سبيل تحقيق هذه الغاية. وتصدت لحل المشكلات الاجتماعية انطلاقا من الإنسان عن طريق التربية والتعليم.

لقد ذكرت–أنا الفقير–في خطبي أن لدينا ما يكفي من المساجد–التي كان أغلبها فارغا في ذلك الوقت–ولكن ليس لدينا ما يكفي من المدارس، ولذا حضضت الناس على فتح المدارس لسد هذه الثغرة. ولو كان لدينا أي هدف سياسي لكانت قد ظهرت بوادره خلال السنوات الـ40 أو 50 الماضية كإنشاء حزب سياسي مثلا. ولقد عرض علي وعلى الكثير من إخواني في أوقات مختلفة الكثير من المناصب السياسية، لكننا رفضناها جميعا. ثم بإمكان «الخدمة»–لو كان لديها طموحات سياسية–أن تؤسس حزبا سياسيا كما فعل الآخرون، وتستثمر الظروف المواتية عام 2001م في وقت كانت الأحزاب الأخرى تتهاوى واحدا تلو الآخر.. أو على الأقل لكان لها عدد لا بأس به من المؤيدين داخل الأحزاب السياسية التي حكمت في الماضي أو الحزب الذي يحكم الآن، ولكنها لم تفعل ولم ترغب في ذلك أيضا. فحتى وقت قريب، وكما هو معلوم للعموم، لم يكن هناك سوى اثنين فقط داخل البرلمان كأعضاء من أبناء «الخدمة».

ثم أنا شخصيا لا أتبنى قناعة ممارسة السياسة باسم الدين أو توظيف الدين لتحقيق مكاسب سياسة أو ممارسة السياسة بشعارات دينية، مع أن هذا لا يعني أنني أرى أن الانخراط في مجال السياسة أمر غير مشروع. فمع أننا لا نشارك في السياسة ولا ننشئ حزبا سياسيا، لا نرى منع أحد من القيام بذلك، لأنه في الديمقراطيات لا يمكن ممارسة السياسة من دون أحزاب. طبعا «الخدمة» ليس عندها هدف سياسي بمعنى تأسيس حزب، بيد أن القيم والمبادئ التي حاولت توضيحها في صدد ردي على أحد أسئلتك السابقة، والتي تشكل الديناميكية الأساسية لـ«الخدمة»، لا بد أنها تتلامس مع السياسة.

وأفراد «الخدمة» باعتبارهم مواطنين كان وما زال لهم مطالب من المؤسسات السياسية، شأنهم في ذلك شأن نظرائهم من المواطنين العاديين أو التربويين أو كل ناشط مجتمعي. ولقد كانت هذه المطالب دائما تدور في إطار القوانين المرعية وتطلب عبر السبل والطرق المشروعة. ولم يحاولوا البتة اللجوء إلى أي وسيلة غير قانونية أو غير أخلاقية لتحقيق هذه المطالب.

وبطبيعة الحال، يتوقع المواطنون الذين تعلقت قلوبهم بـ«الخدمة» من المسؤولين في السلطة الحاكمة السعي إلى تعزيز سيادة القانون وحقوق الإنسان والحريات والسلام وحرية الفكر وبناء المشاريع ودعم الاستقرار والأمن في البلاد، وكذلك الحؤول دون الانزلاق إلى الفوضى أو حدوث الأزمات، والتأكيد على تقبل الجميع كيفما كانوا. ويحق لهؤلاء الناشطين في «الخدمة» الاحتكام إلى الوسائل المدنية والديمقراطية المتاحة لهم للإفصاح عن آرائهم حول أوجه القصور في هذا الصدد حال وجودها. إن التعبير عن الآراء في هذا الصدد ورفع مستوى الوعي العام واجب وطني، وواحد من أهداف المجتمع المدني أيضا. ولا يلزم بالضرورة تأسيس حزب سياسي من أجل إنجاز هذه المهمة. كما لا يمكن اتهام هؤلاء الذين يقومون بهذه المهام بأنهم يقتحمون السياسة أو يريدون تقاسم السلطة أو يعملون على تدخل غير المنتخبين في عمل المنتخبين ديمقراطيا.. وما ذكرناه آنفا هو ما عليه الحال في أي نظام ديمقراطي حقيقي، وفي أي دولة من دول العالم المتقدم من حيث الديمقراطية.

إن وجود الأحزاب السياسية وإجراء الانتخابات الحرة شروط أساسية للنظام الديمقراطي، ولكنها لا تكفي بمفردها، لأن الأداء الفعال والسلس للمجتمع المدني هو أمر مهم كذلك. ومن الخطأ القول إن الانتخابات هي الطريقة الوحيدة لمساءلة الساسة أمام عامة الناس، ذلك أن المجتمع المدني عليه مراقبة السلطة الحاكمة ليرى ما إذا كانت تفي بوعودها أم لا، وذلك من خلال الإعلام والنشاطات المجتمعية المختلفة وفعاليات كثيرة أخرى في إطار القانون، مثل عرائض الاكتتاب ورسائل شبكات التواصل الاجتماعية. وعلى الرغم من أن نشطاء «الخدمة» التقوا على مبدأ رفض الانخراط في السياسة الحزبية وتجنب السعي نحو السلطة، فهذا لا يعني أن يتخلوا كمجتمع مدني عن مسؤوليتهم وصلاحيتهم في مساءلة السلطة السياسية ورقابتها. وبما أن «الخدمة» ليست تكوينا بنيويا ولا تنظيما مركزيا هرميا، ليس هناك وجهة نظر سياسية واحدة يتبناها جميع المشاركين فيها، كذلك ليس من المعقول القول إن حركة كهذه منحازة إلى حزب بعينه، فضلا عن أن تكون منخرطة فيه. فللمتعاطفين معها اختياراتهم السياسية الخاصة، ولا تفرض الحركة أي وجهة نظر معينة عليهم، ولا تتدخل في هذا الموضوع على الإطلاق.

ثم إن جدول أعمال «الخدمة» لا يتحدد وفق التغيرات الانتخابية والسياسية، بل حسب المشاريع التي تدور في فلك القواسم الإنسانية المشتركة. كذلك، لا تتدخل الحركة في الشؤون الداخلية أو التطورات السياسية في أي بلد نهائيا، فحيثما تتجه تركز جهدها على تنفيذ مشاريع مدنية تطوعية في مجالات تعليمية وثقافية وإنسانية. ولكونها تتمسك بهذا المبدأ ولا تفرط فيه، تراها اليوم تحظى بقبول لأنشطتها في أكثر من 160 بلدا حول العالم.

والمتعاطفون مع أفكار «الخدمة» اليوم لا شك أنهم موجودون داخل السلك البيروقراطي في الدولة، شأنهم شأن بقية شرائح المجتمع الحاملة لأفكار أخرى. ومن ثم فليست انتماءاتهم مدونة على جباههم، وبالتالي فإن محاولة تصنيفهم في تقارير أمنية حسب تعاطفهم أمر غير قانوني وغير أخلاقي على حد سواء. وأيضا فهؤلاء الموجودون داخل السلك البيروقراطي ممن يقال إنهم متعاطفون مع الحركة يخضعون خضوعا صارما للقوانين واللوائح المنظمة لشؤون العمل داخل المؤسسات التي يعملون بها، ويمتثلون لأوامر رؤسائهم في مجال أعمالهم، أي أن واجباتهم محددة حسب القوانين. وإذا كان الأمر كذلك فلا أدري كيف يمكن أن يحقق هذا امتيازا أو مصلحة لشخص أو فئة ما.

وهنا أريد أن أكرر التأكيد على نقطة هامة: هي أن في أجهزة الدولة قد يكون هناك من هم متعاطفون معي أو مع أي شخص آخر أو مع حركة فكرية أو آيديولوجية ما، وهذا أمر طبيعي تماما. فليس لأحد التدخل في قناعات الآخرين الشخصية أو معتقداتهم أو نظرتهم إلى العالم، والمتوقع ممن يتخرجون من مدارس «الخدمة» أو ممن يتعاطفون مع المثل العليا التي تدعمها الحركة أن يتصرفوا بصدق واحترام تجاه سيادة القانون وحقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية، أيا كانت المناصب التي يشغلونها في الدولة. ومن ثم إن كان هناك أشخاص داخل مؤسسات الدولة، بدلا من الانصياع لأوامر رؤسائهم أو لوائح القوانين، يتلقون الأوامر من جماعتهم التي ينتسبون إليها أو يميلون نحوها فكريا، فلا بد من أن يكشف أمرهم وينالوا العقاب اللازم بهم حتى وإن ادعوا أنهم يعملون لصالحي. وإن كان هناك من يرتكب الجرائم من العاملين في الشأن العام ممن يدعون التعاطف مع حركة «الخدمة»، فينبغي أن تبدأ التحقيقات معهم بسرعة وأن يحالوا للعدالة.

إن موقف الحركة من الشفافية والمساءلة واضح، وسيظل كذلك. ومع هذا فإن الأنظمة السياسية المبنية على مبدأ الشفافية التامة هي وحدها التي تستطيع أن تطالب المجتمع المدني بأن يتحلى بمثل هذه الشفافية أيضا. أما مطالبة الآخرين بأن يكونوا في منتهى الشفافية في حين أنهم لا يتخذون إجراءات تتعلق بالشفافية في السلطة والسياسة، فهذا أمر لا يمت إلى المصداقية بصلة. وإن موجات التقارير الأمنية وعمليات التنصت على المكالمات الهاتفية وإجراءات التصفية في المؤسسات البيروقراطية خير شاهد على ما أقول، فلقد جرى نقل آلاف المسؤولين من مواقعهم من دون أي تحقيقات عقب فضيحة الفساد في السابع عشر من ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، ولا يزال حتى الآن مجهولا لدى الناس كل المعايير التي تستند إليها الحكومة في إجراءات الطرد والتشريد والإبعاد لهؤلاء الموظفين من أماكنهم وتعيين آخرين بدلا منهم، لذا فإن العملية برمتها تعطي انطباعا عن كونها تعسفية.

* هل تعتقدون أنه يجب إعطاء مساحة أكبر للإسلام في المجال العام والحياة السياسية؟

- الإسلام–كدين–هو مجموعة من المبادئ والممارسات التي تستند إلى الوحي الإلهي، وترشد البشر إلى الخير المطلق من خلال إرادتهم الحرة، وتبين لهم كيف يسعون جاهدين ليجعلوا من أنفسهم «أشخاصا أقرب إلى الكمال». يمكن للناس أن يمارسوا دينهم بالطريقة التي يشاءون في بلد ديمقراطي يتيح لهم التمتع بمعتقداتهم الدينية بحرية. في بلد كهذا، تجرى الانتخابات الحرة بما يتوافق والمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان العالمية والحريات، وبمقدور الناس التعبير عن اختياراتهم عبر الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات، وتقديم مطالبهم لممثليهم بحرية تامة واستخدام الحقوق الديمقراطية الأخرى المتاحة لهم. يتاح لهم ذلك بشكل فردي أو جماعي من خلال المشاركة في أنشطة منظمات المجتمع المدني.

إنني أرفض دائما فكرة التعامل مع الدين باعتباره آيديولوجيا سياسية (politic). كما أرى أن على المسلم أن يتصرف وفقا للأخلاق الإسلامية سواء في البعد المدني والمجتمعي، أو في الشأن العام والمجال الإداري، أي عليه الالتزام بقيم الإسلام الأخلاقية في كل مكان يوجد فيه، فالسرقة والرشوة والنهب والكسب غير المشروع والكذب والنميمة والغيبة والزنا والانحطاط الأخلاقي هي ذنوب وأمور غير شرعية في كل السياقات. ولا يمكن ارتكاب هذه المعاصي لأي غرض كان، سياسيا أو غيره، ولا يصح لأحد الإفتاء بارتكابها. ثم إن هذه المعاصي تعتبر جنايات حتى في إطار المعايير المتعارف عليها عالميا. وإذا ما فقد الفرد نزاهته الأخلاقية في هذا الجانب يغدو دوره في الشأن العام أو في أي حزب سياسي عديم الجدوى.. وكأي إنسان عادي، يسعدني أن أرى هذه المبادئ الأخلاقية وقد تحولت إلى سلوك لدى جميع من يشغلون مناصب في الشأن العام أو في المجال السياسي. في الواقع إن المشكلات المذكورة أعلاه هي المصدر الرئيس للشكاوى في المؤسسات الإدارية والسياسية في كل مكان حول العالم.

وفي هذا السياق اسمح لي أن أقول بكل وضوح: إذا كان المسلمون في بلد ما يمارسون شعائرهم الدينية بحرية، ويتمكنون من إنشاء مؤسساتهم الدينية بلا عوائق، ويستطيعون أن يلقنوا قيمهم الدينية لأبنائهم ولمن يرغب في تعلمها، ولديهم الحرية الكاملة في التعبير عنها في النقاشات العامة، ويعلنون عن مطالبهم الدينية في إطار القانون والديمقراطية، فإن حاجتهم إلى إقامة دولة دينية أو «إسلامية» لا تعود ضرورية. والتاريخ يشهد على أن حركات التمرد والثورات والانقلابات وأحداث العنف دائما ما تجر البلاد إلى الفوضى والمآسي، وتفقدها في نهاية المطاف كل مكتسباتها في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتكبد الشعوب أضرارا وخسائر لا يمكن تلافيها. والحقيقة أنه إذا وقعت السيطرة على سلطة بلد ما قسرا وأجبر الناس على التدين فإن هذا الوضع سيجعل منهم منافقين، يراءون السلطة داخل بلدهم ويتظاهرون بالتدين لتحقيق منافع شخصية، ولكن ما إن يسافروا إلى الخارج حتى ينغمسوا في حياة مناقضة للدين ومفتوحة على ألوان شتى من الذنوب والآثام. في مثل هذا البلد يضعف احترام القانون وينتشر النفاق والرياء. وإن نظرة فاحصة لتجارب متنوعة في بلدان مختلفة ستدلك على أن كلماتي المجردة هذه لها في الواقع ما يؤازرها.

* كيف ترون العلاقة بين الإسلام والديمقراطية في تركيا؟ وما تأثير تلك العلاقة على محاولة تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟

- نظام الحكم القائم في تركيا منذ الخمسينات هو نظام ديمقراطي على الرغم من كل ما يعانيه من تعثرات، فالديمقراطية هي نظام يتجه إليه العالم اليوم.

لقد بدأت البوادر الأولى نحو نقل بلادنا إلى الديمقراطية منذ أواخر الدولة العثمانية عام 1876م من طرف السلاطين العثمانيين، الذين كانوا في الوقت نفسه خلفاء العالم الإسلامي، وشكل النواب من غير المسلمين في أول برلمان منتخب ديمقراطيا نسبة الثلث تقريبا. ولذا فمن الخطأ أن ننظر إلى الإسلام وكأنه متعارض مع الديمقراطية، بل العكس هو الصحيح. ويمكن القول إن الديمقراطية هي النظام الأنسب لمبادئ الحكم في الإسلام لكونها تتيح الفرصة للناخبين أن يحاسبوا الحكام المنتخبين ويسائلوهم، ولكونها نقيضا للاستبداد الذي يعتبره الإسلام شرا وفسادا في الحكم. فليس للإسلام مشكلة مع الانتخابات الديمقراطية والمساءلة وسيادة القانون وغيرها من المبادئ الديمقراطية الأخرى. وعندما صرحت عام 1994م بأنه «لا ينبغي التراجع عن الديمقراطية»، قوبلت هذه التصريحات بالاعتراض من بعض الفئات. والحقيقة أن هناك الكثير من التطبيقات والأنماط للديمقراطية، التي وإن كان لا يمكننا القول إنها بلغت حد الكمال، فهي في طريقها إلى الاكتمال.

إن البلد الذي يجري فيه حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، ولا تقيد فيه حقوق الأفراد وحرياتهم إلا في الحالات الاستثنائية القصوى كالحروب مثلا، وتعامل فيه الأقليات بالتساوي مع باقي المواطنين، ولا يتعرضون لأي تمييز، ويتاح للجميع التعبير عن وجهات نظرهم الشخصية والاجتماعية والسياسية بكل حرية والعمل بها، هو بلد مناسب للإسلام. وإذا كان الناس في بلد كهذا يمكنهم التعبير عن آرائهم ومعتقداتهم بحرية ويؤدون واجباتهم وشعائرهم الدينية، ويتمتعون بحريات مثل الملكية الخاصة، فليسوا مطالبين–مسلمين كانوا أو أتباع ديانات أخرى–بتغيير نظام الحكم في ذاك البلد. أما البلدان التي لا يتمتع فيها الناس بهذه الحريات، فعليهم أن يحاولوا الحصول عليها من خلال وسائل ديمقراطية من دون اللجوء إلى العنف بتاتا.

أعتقد أنه بإمكان الإسلام والديمقراطية أن يتعايشا سلميا، ليس فقط في تركيا، بل أيضا في البلدان المسلمة الأخرى، وفي البلدان ذات الأغلبية والكثافة الإسلامية. وللأسف، يلاحظ أنه في البلدان التي يصار فيها إلى «شيطنة» الديمقراطية تكثر انتهاكات حقوق الإنسان والاضطرابات الأخلاقية والقانونية والنزاعات والصراعات الدينية والعرقية. إن الديمقراطية حاليا تتطور لتصبح–إن جاز التعبير–عرفا وقيمة مشتركة للجنس البشري بأكمله. في البلدان التي تتوافق مع معايير الاتحاد الأوروبي، يحق للمسلمين من خلال مؤسسات المجتمع المدني ممارسة دينهم وتطبيقه وتمثيله، بل ونشره وتعليمه أيضا. ومن ثم فإن وظيفتنا الأساسية ممارسة قيمنا الإسلامية، ونتمثلها حية سواء كنا أفرادا أو مجتمعا مدنيا.

لا يمكن وصف تركيا بأنها دولة ديمقراطية بشكل كامل. المتدينون الذين كانوا يتعرضون للاضطهاد في الماضي، مثل الطالبات اللواتي منعن من ارتداء الحجاب في الجامعات، نالوا أخيرا الكثير من حقوقهن نتيجة لمساعي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ومن ثم فإن عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عادت بالكثير من الفوائد على تركيا من هذه الجهة. وجرى إدخال إصلاحات ديمقراطية جدية للبلاد في إطار هذه المساعي. وإذا ما استمرت هذه الإصلاحات واستطاع النظام الديمقراطي في تركيا تحقيق معايير الاتحاد الأوروبي في ما يتعلق بسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات، باعتقادي لن تقف هوية تركيا المسلمة حجر عثرة أمام عضويتها الكاملة. وحتى لو سعى متعصبون كارهون للإسلام في أوروبا لمنع انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، فإن المكاسب التي حققتها تركيا أثناء محاولتها الحصول على العضوية تبقى انتصارا مهما للديمقراطية فيها، إلا أن تركيا مع الأسف قد بدأت مؤخرا تتراجع عن تحقيق تلك المعايير الديمقراطية للاتحاد الأوروبي.

* ما هو معنى «الإسلام الحنفي» برأيكم؟

- لا يجوز استخدام هذا التعبير ولا يمكن قبوله إطلاقا، لا بحق المذهب الحنفي ولا غيره من مذاهب الفقه الإسلامي الأخرى. فالمذاهب تجتهد–وفق المنهج الذي تتبعه–في جوانب الإسلام القابلة للاجتهاد، دون أصوله وأساساته وثوابته. وقد تتفق أو تتعارض تفاسير أي من هذه المذاهب بعضها مع بعض، لكنها ما لم تتعارض مع روح الإسلام والمبادئ الأساسية للقرآن والسنة، فهي تبقى داخل دائرة الإسلام. ولا يخفى أن اجتهادات أئمة المذاهب تأثرت بالبيئة المحيطة بها وقتها، كما كان للظروف السياسية والثقافية–أيضا–تأثير على هذه الاجتهادات. ويبقى القول إن كلا من الأئمة الأربعة للمذاهب الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية (رضي الله عنهم جميعا) كانوا مخلصين، وكرسوا حياتهم للإسلام وعانوا كثيرا من المشكلات والصعاب في سبيل خدمة هذا الدين. لذلك خرجت هذه الاجتهادات الفقهية بفضل جهودهم وجهود طلابهم، وعليه ينبغي النظر إلى تلك الجهود باعتبارها من عناصر الثراء والغنى في التصور الإسلامي. وأنا الفقير أيضا أحاول أن أسير على نهجهم، هذا النهج الذي يمكن تلخيصه على النحو التالي: تقديم حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال على تقديس الدولة، وامتلاك الإنسان لحرية الاختيار وحرية المبادرة، والاعتراف بدور العقل والمصلحة العامة وحتى التجربة المجتمعية إلى جانب النقل في فهم الوحي الإلهي، وتفعيل مؤسسة الاجتهاد في المجالات الدينية القابلة للتأويل والاجتهاد، دون النصوص الصريحة، ثم السعي إلى ترسيخ حرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسماح للمتدينين بالتعبير عن شعائرهم الدينية بكل حرية وممارستها، ليس على المستوى الفردي فحسب، بل في المجالات والأماكن العامة أيضا، واحترام القانون والنظام والأمن والاستقرار، واعتبار الإرهاب وقتل الأبرياء جريمة ضد الإنسانية، والترويج لروح المنطق والعقل باعتباره وسيلة لإقناع المتحضرين بدلا من الإكراه، والوعي بأن 98 في المائة من الإسلام عبارة عن روح ومعنى وأخلاق وآخرة وعبادة وعبودية وكمالات وتسامح وسلوك وتحبيب وتبشير.

ومن وجهة نظر سوسيولوجية هكذا فهم الإسلام ومورس في الأناضول منذ أكثر من ألف سنة. إن هذا التصور عن الإسلام يتحدى كل أشكال العنف والتطرف ومحاولات تسييس الدين، كما يعزز الحب والتسامح والقبول المتبادل والتواضع ونكران الذات وسعة الصدر واحتضان الجميع. وهو أيضا يعطي الأولوية للحق والعدل والحرية والسلام في المجالين الاجتماعي والعام، وبعبارة أخرى يسعى إلى بناء نسيج اجتماعي مفتوح على كل الاتجاهات.


أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة