هابرماس ومفهوم الحق كما يقرأه ماتيو دوفلام

عارض التفسير الوضعي للقانون وأكد ضرورة النظر إليه من زاوية أخلاقية معيارية

هابرماس ومفهوم الحق كما يقرأه ماتيو دوفلام
TT

هابرماس ومفهوم الحق كما يقرأه ماتيو دوفلام

هابرماس ومفهوم الحق كما يقرأه ماتيو دوفلام

كتب الباحث ماتيو دوفلام، مقالا مكثفا باللغة الفرنسية، تحت عنوان: «مفهوم الحق في نظرية الفعل التواصلي عند يورغن هابرماس»، في مجلة «الانحراف والمجتمع»، العدد 18 سنة 1994.
وحسب دوفلام، يتحدد مفهوم الحق عند يورغن هابرماس، في العلاقة الموجودة بين «النسق» و«العالم المعيش». ففي السنوات الأخيرة التي سيعمل فيها هابرماس على تطوير نظريته في الحق، نجده يربط بشكل وثيق بين سوسيولوجية الحق وسوسيولوجية الأخلاق. على هذا الأساس، سيصير ممكنا مناقشة الانتقادات الرئيسة، ونقاط النقاش المرتبطة بالمقاربة الهابرماسية للحق، من هذا المنظور. وسينصب الاهتمام على النقاط التالية:
حسب الباحث ماتيو دوفلام، افتراضات نظرية الفعل التواصلي، يجب فهمها في ضوء سوسيولوجية الحق عند هابرماس، وكذلك إمكانات وحدود الوضعية المثالية للكلام في العلاقة الموجودة بين الحق والأخلاق. وفي الأخير، يقول دوفلام: «نؤكد في البداية أن هذه المساهمة لا تهدف إلى إعطاء مقدمة مفصلة حول نظرية الفعل التواصلي. ما سأقوم به هنا، هو عرض مختصر للمبادئ الأساسية لنظرية هابرماس، مع إيلاء الاهتمام بشكل خاص، لمكانة الحق في أعماله الأخيرة، وأخص بالذكر الحق والديمقراطية».
يجب التذكير بأن نقطة الانطلاق بالنسبة لدوفلام، في نظرية الفعل التواصلي عند هابرماس، يتأسس على التمييز بين:
أولا، مفهوم عقلانية الفعل. العقلانية المعرفية - الأداتية الموجهة نحو النجاح.
ثانيا: العقلانية التواصلية للنشاط الموجه نحو التفاهم.
العقلانية المعرفية - الأداتية، تقتصر على مناقشة حالة الأشياء في العالم الموضوعي. الفعل العقلاني يحيل إلى استخدام عقلاني لوسائل محددة، من أجل الوصول إلى أهداف محددة. ومع ذلك يعتبر هابرماس أن الواقع يكون هدفا متضمنا، على نحو داخلي، في علاقة بجماعة الفاعلين التواصليين. فالنشاط العقلاني لا يكون مفهوما إلا في علاقته بواقع معطى في مجتمع معين. والإجماع لا يتم تحصيله إلا عن طريق التشارك، أي الأفعال الكلامية. فالعقلانية التشاركية تراهن على النقاش، وتسلم بأن التفاهم المتبادل ممكن بين الفاعلين، من طريق أفعال اللغة، ما يعني أن الأفعال اللغوية يجب أن تكون موضع مناقشة.
إن اللغة حسب هابرماس، مرتبطة بالاستعمال العقلاني المقترن بالوضوح والابتعاد عن الآيديولوجية، حتى لا يكون هناك حكم مسبق يؤثر في تحقيق التفاهم والاتفاق، من خلال النقاش الذي يدور بين الذوات – الجماعات - الفرقاء، في الفضاء العمومي. كما يحدد هابرماس مجموعة من الشروط التي تجعل إخضاع الأفعال الكلامية قابلة للشك ومتفهمة، وهو ما تشترطه الحقيقة الموضوعية. فالصدق المعياري يجب أن يميز الفاعلين التواصليين، عندما تتحقق، حسب هابرماس، ادعاءات الصلاحية في الأفعال الكلامية، يمكن، حينها، للفاعلين التواصليين أن يستدخلوا في الخطاب الحجج القوية.
من الناحية العقلانية، فهابرماس يميز بين نوعين من الخطاب، حسب دوفلام: الخطاب النظري الذي ينظر للحقيقة بوصفها ملفوظات، والخطاب الأخلاقي – العملي، الذي ينظر للحقيقة من حيث صحة الأفعال الكلامية. ما يؤكد عليه هابرماس، هو أن تكون الحجة الأقوى هي محط اهتمام الذوات في الوضعية المثالية للكلام. ومع ذلك يلح هابرماس على أنه لا يمكن الطعن في أفعال الكلام فقط؛ لأنها تغترف تعريفاتها من سياق العالم المعيش Mond Vécu للذوات، الذي يشكل الإطار الذي تتكون فيه خبراتهم وتجاربهم. فمثل هذا الادعاء قد يجعل الذوات ترفض اشتراط الصدق في أفعال الكلام الذي تتلفظ به الذوات الأخرى. وهو ما سيؤثر في العملية التواصلية بين الذوات. لذلك يجب الوعي بالفروقات التي تحيل عليها الأفعال الكلامية وتتأسس عليها الحقيقة في كل من العوالم التالية، (العلوم تأخذ بالمواقف الموضوعية)، (الحق والأخلاق يأخذان بالمواقف المعيارية)، و(الفن يأخذ بالمعايير الجمالية) حسب دوفلام.
إن عقلنة العالم المعيش يمكن أن تقود النسق؛ لأن العالم المعيش في حاجة ماسة إلى إعادة إنتاج وتجريد الموارد المادية، لتنظيم علاقته مع البيئة التي ينهل منها موارده. في هذا الصدد، نجد هابرماس يركز، بشكل أساسي، على نسقي السلطة والاقتصاد. فتاريخيا، تم تفكيك العالم المعيش من طرف هذين النسقين، وهما نسقا السلطة والاقتصاد. والآن يشتغلان في استقلالية تامة. فالنسق السياسي يرتكز على السلطة، بينما النسق الاقتصادي يرتكز على المال، ما يجعلهما يتمايزان عن العالم المعيش. فهابرماس يركز على ضرورة تنسيق الأفعال الداخلية والإجراءات المتخذة من طرف النسق السياسي والاقتصادي، في إطار نوع من التفاهم المتبادل. فالأفعال الداخلية للنسقين السياسي والاقتصادي، اللذين يمتلكان السلطة والمال، يمكنهما التغلغل في العالم المعيش، والتأثير فيه. وهذا ما يرفضه هابرماس؛ لأنه سيؤدي إلى استعمار العالم المعيش. لذلك يجب استبدال الأفعال التي تقود نحو النجاح، بإعطاء أولوية للتفاهم، أي للفعل التفاهمي.
يجب أن نستحضر في هذا السياق، حسب الباحث ماتيو دوفلام، مفهوم القانون عند هابرماس الذي يلعب دورا مهما في تنظيم العلاقة بين العالم المعيش والنسق. فهو يؤكد على قدرة القانون على تنظيم المواقف المعيارية المعقدة للجماعة التواصلية، وتنظيمها بعيدا عن أي تأويل أخلاقي. وهو ما سيجعل هابرماس يركز على سوسيولوجيا القانون عند فيبر، الذي يحتل عنده القانون أساس الحداثة وميسما لها.
ويرجع ذلك بالنسبة لماتيو دوفلام، إلى تميز المؤسسات القانونية، بقدرتها على تقديم بدائل جديدة للشرعية في العالم الحديث. وهي بدائل مختلفة جدا عن الشرعيات التي تقدمها المعتقدات الدينية.
يؤكد هابرماس على أن الخطأ الذي وقع فيه فيبر، هو تأكيده على أن القرارات القانونية تناقش ضمن نسق السلطة السياسية، وهو نسق لديه كامل السيادة والسلطة. في حين يقول هابرماس إنه في مجتمع ما بعد الدولة الوطنية والدولة الأمة، لا يمكن للشرعية إلا أن تمر عبر الفضاء العمومي الذي ينهل موارده من العالم المعيش حيث توجد الذوات. ولتكريس هذا التصور وتأصيله فلسفيا، سيعود هابرماس إلى الأخلاق لصياغة نظرية في المناقشة، باعتبارها نظرية ذات أفق سياسي تؤطر العالم المعيش والفضاء العمومي، بأخلاقيات تتيح لجميع الذوات التي تمتلك القدرة على المحاججة والفعل العقلاني، تبرير ادعاءاتها للصلاحية. وبالتالي، فهذا لن يكون إلا عبر وسيط القانون، الذي يلزم السلطة باحترامه والذوات كذلك. ما سيغلق الباب أمام التذرع بأي دعاوى دينية في بناء شرعية سياسية معينة. يتقاطع العالم المعيش والنسق في الواقع، عبر وسيط هو القانون، الذي يعمل كوسيط وكقوة تمنح العالم المعيش الشرعية التي يتأسس عليها النظام السياسي والاقتصادي، من أجل ضمان التقدم بشكل آمن. وبعبارة أخرى، يقول هابرماس، إن شرعية القانون تستمد صلاحيتها من إتاحتها الإمكانية لكي يشتغل العالم المعيش، باستقلالية تامة عن نسق السلطة والاقتصاد الذي يغترف، في نهاية المطاف، شرعيته من هذا العالم الذي لا يمكن، بأي حال من الأحوال، قبول التأثير فيه عن طريق المال أو السلطة.
يبين هابرماس أيضا، في كتابه «الحق والديمقراطية»، أن القانون بصفته وسيطا نسقيا، قادر على التأثير في بنيات التواصل داخل العالم المعيش. هابرماس يلمح هنا إلى تقنين العلاقات الاجتماعية داخل المجتمعات الحديثة التي تكثف من سيطرة القانون. وفي هذا السياق، ميز هابرماس بين أربعة اتجاهات تاريخية في تعاطيها مع وسيط القانون حسب دوفلام:
أ- الدولة البرجوازية التي سعت إلى تنظيم العلاقات والنظم الاجتماعية عن طريق القانون العام.
ب- دولة القانون المدني البرجوازية التي صكت دستورا يحمي المواطنين ضد تعسف السلطة السياسية.
ج- الدولة الديمقراطية التي تضمن الحريات المدنية، والتي اعترفت للأفراد بحق الممارسة الاقتصادية والسياسية بكل استقلالية، كما ضمنت الاعتراف بالآخرين.
د- دولة الرفاه: التي ضمنت الحقوق المدنية خارج الهياكل البيروقراطية للنسق.وانطلاقا من هذه التصورات يشيد هابرماس تصوره للدولة، على أساس مكتسبات دولة الرفاه التي أصبحت فيها القوانين تنظم بشكل صارم العلاقات بين الهياكل البيروقراطية داخل الدولة. وهو ما يمنع استعمال المال للتأثير في الفضاء العمومي والعالم المعيش، إلا بشروط صارمة من التأثير في القرارات أحيانا، ما يجعل منه وسيطا نسقيا لكنه قادر على ضمان الحقوق.
يضيف ماتيو دوفلام: «مباشرة، بعد عمله الشهير نظرية الفعل التواصلي، سيكرس هابرماس كتاباته التي ستلي هذا العمل، لتطوير نظريته حول القانون، بصفته مؤسسة ووسيلة وسيطة، يمكنها معيرة العلاقات بين العالم المعيش والنسق. في كتابه الحق والديمقراطية، والاندماج الجمهوري، وما بعد الدولة الأمة، نجد هابرماس منشغلا بشكل جدي، في التفكير في العلاقة بين النسق والعالم المعيش. وهو ما سيفرض على هابرماس التمييز بين تصورين أساسيين: تصور القانون كنظام، والقانون باعتباره مؤسسة. وما يشكل الرابط بينهما، هو الوظيفة التي يقومان بها، والمتمثلة في ضمان الحقوق. ما سيجعل هابرماس عرضة لانتقادات فرانك مشيلمان حول هذه الفجوة، التي يقيمها بين القانون كنظام والقانون كمؤسسة. فالحقوق غايتها ضمان وشرعنة الأهداف العليا للنظام الديمقراطي. فالقانون من وجهة النظر هذه، يحمي الأفراد ويهيئ لهم البيئة المثلى داخل العالم المعيش، حتى لا تؤثر فيه السلطة والمال.
سيعترف هابرماس، في مرحلة لاحقة، بوظيفة الوساطة التي يقوم بها القانون، وهو ما سيجعله يميز بين نوعين من القانون: القانون بصفته وسيطا بين المؤسسات والأفراد. والقانون بصفته نسقا يعطي الشرعية الأخلاقية في المؤسسات للقيام بعملها. فحين يوظف القانون في استعمار العالم المعيش، ويضفي الشرعية على نسق السياسة والاقتصاد، سيؤدي ذلك إلى العصيان المدني. غير أن العصيان المدني عند هابرماس، يجب أن يكون شرعيا، على الرغم من الإجراءات غير القانونية، فإن العصيان المدني لا يجب أن يؤدي إلى تعطيل النظام القانوني؛ لأن له طابعا رمزيا. لذلك يدعو هابرماس إلى أن تكون القرارات والإجراءات القانونية، تمنح صياغتها من العالم المعيش لكي تكون شرعية ومبررة».
إن هابرماس يعارض بشدة التفسير الوضعي للقانون، الذي ينظر إليه من منطلق الوسيلة. ويؤكد على ضرورة أن ننظر للقانون من زاوية أخلاقية معيارية؛ لأنه الكفيل بتنظيم الحياة الاجتماعية بين النسق والعالم المعيش للفاعلين. وهذه المعاير لا يحبذ هابرماس أن تجد سندها في السلطة القهرية، بل يجب أن يتأسس القانون على معايير أخلاقية. وهو ما سيتعرض بصدده هابرماس لانتقادات شديدة؛ لأنه لا يمكن بأي حال أن ترتبط القوانين بالأخلاق، وتكون في نفس الوقت ملزمة. وهو ما يرفضه هابرماس بدعوى أن المعايير الأخلاقية تسمح للذوات ببناء الإجماع، انطلاقا من عوالمهم المعيشة بناء على العقل والحجج العقلانية في التبرير.
هكذا، نجد أن الشرط الأول الذي يضعه هابرماس لضمان سيرورة عقلانية للخطاب في دولة الحق، هو أن يكون جميع الأفراد في الوضعية المثالية للكلام، مستفيدين من شروط متساوية للتعبير والتشاور حول القضايا المطروحة. ففي الوضع المثالي للكلام، تطرح الحجج الأخلاقية والقانونية والعملية للتشاور بين الذوات المعنية. وعلى أساس التشاور، يتم تعميم ما أجمعوا عليه، ويصبح ملزما أخلاقيا، بما يضمن مصالح الجميع، ويحافظ على العلاقات التذاوتية كمصدر وحيد للشرعنة في المجتمع.
وهكذا تكون مقالة ماتيو دوفلام، التي حاولنا تقريبها من القارئ العربي، قد قبضت على المتن الهابرماسي. وهي مقالة نعتبرها ضرورية وموجهة لأي باحث يرغب في الاطلاع على أعمال هذا الفيلسوف المعاصر، الذي لا يزال حاضرا في النقاش العمومي، ومتدخلا في كل قضاياه وقضايا العالم. ويكفي حدسه بالدور الذي سيلعبه الدين مستقبلا في المجتمعات «المابعد العلمانية».

* أستاذ فلسفة



سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.


العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.