مدير وكالات الاستخبارات الأميركية يحذر الأوروبيين: «داعش» نشط عندكم

الجمهوري ماكين ينتقد أوباما مرة أخرى

جيمس كلابر، مدير وكالات الاستخبارات الأميركية
جيمس كلابر، مدير وكالات الاستخبارات الأميركية
TT

مدير وكالات الاستخبارات الأميركية يحذر الأوروبيين: «داعش» نشط عندكم

جيمس كلابر، مدير وكالات الاستخبارات الأميركية
جيمس كلابر، مدير وكالات الاستخبارات الأميركية

حذر جيمس كلابر، مدير وكالات الاستخبارات الأميركية، الدول الأوروبية من أن تنظيم داعش «يقوم بنشاطات سرية» في عدد من هذه الدول. وأشار إلى بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وألمانيا. وقال، في مقابلة نشرتها أمس صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور»: «نعم، يقومون (الداعشيون) بنشاطات إرهابية. طبعًا، يسبب هذا قلقًا لنا، ولحلفائنا الأوروبيين». وأضاف: «نستمر في رؤية أدلة كثيرة عن مؤامرات يقوم بها داعش في أوروبا». وقالت وكالة الصحافة الفرنسية: «صار كلابر أكبر مسؤول أميركي يتحدث علنًا عن نشاطات (داعش) المكثفة في أوروبا. لقد تسببت هذه النشاطات في كثير من القلق في كثير من هذه الدول. وليس جديدًا أن التنظيم هدد بعمليات إرهابية في بعض الدول الأوروبية». وأشار كلابر، الذي يرأس 16 وكالة استخبارات مدنية وعسكرية، إلى زيارته إلى أوروبا في بداية هذا العام. وقال إنه، في اجتماعات مع كبار المسؤولين الأمنيين الأوروبيين لبحث هذه التهديدات وبحث معلومات جمعتها وكالات الاستخبارات الأميركية. في نفس الوقت، يواجه الرئيس باراك أوباما انتقادات بأنه يتساهل في مواجهة «داعش». وأمس، قالت وكالة الصحافة الفرنسية: «يقول المنتقدون إن التزايد المتدرج الذي أمر به الرئيس أوباما في الحرب لمكافحة (داعش) بطيء جدًا، ومتأخر جدًا». ونقلت على لسان السيناتور جون ماكين (جمهوري، ولاية أريزونا) قوله: «أعتقد أن نشر 250 عنصرًا إضافيًا من القوات العسكرية الأميركية (الخاصة) في سوريا هو تطور أرحب به. لكنه جاء متأخرًا جدًا، وهو غير كاف، على أي حال». وقال باتريك سكينز، ضابط سابق في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، عن إرسال هذه القوات الخاصة: «لن نرى كتيبة أميركية تخوض معارك هناك. سنرى مستشارين في وسط المعارك هناك». وأضاف أن أقل هدف متوقع، وهو تدريب قوات محلية لقتال «داعش» في سوريا «سوف يفشل، بسبب الفوضى هناك». «لم ننجح عندما كانت لدينا موارد غير محددة، وأموال كثيرة في العراق وأفغانستان. كيف نحاول ذلك وسط حرب مستعرة ليس لدينا فيها حتى حليف واحد»؟
وأعلن البنتاغون، لأول مرة، أول من أمس حربًا إلكترونية شاملة ضد عدو، ضد تنظيم داعش. وأيضا، أعلن، لأول مرة، إرسال 250 من قوات الكوماندوز الخاصة إلى سوريا، لتشترك في الحرب ضد «داعش»، بالإضافة إلى القوات الخاصة الموجودة في العراق، والتي يعتقد أن عددها قرابة ألف جندي.
وقال الرئيس أوباما إن داعش هو «أكبر تهديد للعالم». وأضاف: «لسنا نحن (الغربيين) محصنين مما يجرى في العالم من أعمال إرهابية»، ودعا إلى ضرورة توحيد الجهود لمواجهة الإرهاب، وذلك خلال كلمة ألقاها في ختام زيارته لألمانيا أول من أمس.
وأضاف: «نحتاج إلى مزيد من الدول للمساعدة في الحملة الجوية ضد داعش». وشدد على عدم التراجع عن الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب في سوريا. وأضاف أن «عناء الشعب السوري يجب أن ينتهي وهذا يتطلب عملية انتقالية».
وبرز تنظيم داعش في العراق وسوريا في 2014 وسط فوضى سياسية في المنطقة أججتها حرب في سوريا أودت بحياة أكثر من 270 ألف شخص. ويرفض أوباما الذي لعب وعده بسحب القوات الأميركية من العراق وأفغانستان دورًا بارزًا في انتخابه رئيسًا، توريط الولايات المتحدة في حرب برية أخرى في المنطقة. وفيما يعتبر الوجود العسكري الأميركي في العراق ضئيلاً جدًا مقارنة بعدد القوات في أوج الحرب العراقية عندما نشرت الولايات المتحدة نحو 160 ألف جندي في البلاد، لكنه يعد اختبارًا لوعد أوباما.
في سوريا، تتعلق الخطة الأميركية بتدريب قوات كردية وعربية لمحاربة تنظيم داعش. وفي العراق، يعمل المستشارون مع قوات الأمن العراقية. ومهمة المستشارين الأميركيين ليست على الجبهات الأمامية للقتال. وقالت إدارة أوباما إنها لا ترسل قوات مقاتلة، ولو أن قوات أميركية انخرطت في معارك محدودة، فيما قتل عسكريان أميركيان في العراق أخيرًا.
وقال الضابط السابق في وكالة الاستخبارات الأميركية المركزية (سي آي إيه) باتريك سكينر، الذي يعمل حاليًا لدى مجموعة صوفان الاستشارية: «لن نرى كتيبة أميركية تخوض معارك، بل مستشارين في وسط المعارك». وأشار إلى أن أصغر هدف والقاضي بتدريب قوات محلية لقتال تنظيم داعش في سوريا سوف يفشل، بسبب الفوضى في البلاد. وقال: «لم ينجح هذا الأمر. تقديم التدريب والاستشارة للخروج من حرب أهلية لم ينجح على الإطلاق». وأضاف: «لم ينجح ذلك عندما كانت لدينا موارد غير محدودة وأموال في العراق وأفغانستان. والآن نحاول القيام بذلك وسط حرب مستعرة ليس لدينا فيها حتى حليف». ويعتقد عضو مجلس الشيوخ الجمهوري ماك ثورنبيري أن أوباما يعيق البنتاغون في حربه ضد «داعش».
وقال ثورنبيري للصحافيين في وزارة الدفاع الأسبوع الماضي إن «وصف ذلك بالزحف المتدرج صحيح تمامًا».
وأضاف: «عندما تفعل ذلك يعطي العدو فرصة للتكيف، ولمهمته أن تستمر وتتوسع، ويجعل النجاح بنهاية الأمر أكثر صعوبة، ويثبط عزيمة حلفائك».
وأكد المتحدث باسم البنتاغون بيتر كوك، أن الاستراتيجية تعتمد على النجاح أكثر منها على «عملية زحف».
وقال كوك: «شاهدنا زخمًا في الأسابيع القليلة الماضية، رأينا ما كتب له النجاح، وهذه الخطوات تعكس قرارات مبنية على النجاح على الأرض. نريد البناء على هذا النجاح». وإضافة إلى الجنود، قال كارتر إن الولايات المتحدة عرضت استخدام مروحيات أباتشي لدعم عملية عراقية مستقبلية لاستعادة الموصل في غرب العراق التي سيطر عليها التنظيم المتطرف في 2014. ويركز التحالف بقيادة الولايات المتحدة في حربه ضد تنظيم داعش على ضربات الطائرات والطائرات دون طيار. وشدد كارتر على أهمية العمل مع الأهالي للمساعدة في تحديد الأهداف. ونفذت طائرات التحالف والطائرات دون طيار نحو 12 ألف ضربة جوية وسددت للجهاديين بعض أقوى الضربات، مما ساهم في استعادة مدينة الرمادي العراقية. غير أن المتطرفين لا يزالون يسيطرون على أجزاء واسعة من العراق وسوريا، كما توسعوا في ليبيا.
ويتزايد الضغط على أوباما لوقف إراقة الدماء في الدول التي تشهد نزاعات، من داخل الولايات المتحدة ومن الحلفاء الأوروبيين الذين يريدون وقف التدفق الكبير للاجئين. ودعاه كثيرون إلى إقامة منطقة حظر طيران لوقف الغارات التي ينفذها مثلاً النظام السوري. غير أن أوباما يصر على أن هذا الإجراء غير عملي ومكلف ويتطلب أعدادًا كبيرة من القوات للسيطرة على مساحة من سوريا. يوم الاثنين، قالت صحيفة نيويورك تايمز إن الولايات المتحدة فتحت جبهة إلكترونية في الحرب ضد «داعش»، وبدأت قيادة الحرب الإلكترونية الأميركية شن هجمات ضد شبكات الكومبيوتر التابعة لـ«داعش»، والشبكات التي تؤيدها.
وأضافت الصحيفة: «يعكس هذا التحرك رغبة الرئيس أوباما في إدخال الأسلحة الإلكترونية السرية في الحرب ضد (داعش) الذي أثبت قدرته على استخدام وسائل الاتصال والتشفير الحديثة لتجنيد عناصر إرهابية، ولتنفيذ عمليات إرهابية». وقالت الصحيفة إن وكالة الأمن القومي (إن إس إيه)، المسؤولة عن المراقبة الإلكترونية للاتصالات الهاتفية واتصالات الإنترنت، ظلت لسنوات تتنصت على عناصر «داعش». وظلت تقدم تقارير يومية للبيت الأبيض عن النشاطات الإرهابية. في الجانب الآخر، ظلت القيادة الإلكترونية العسكرية، التابعة للبنتاغون، تركز على روسيا، والصين، وإيران، وكوريا الشمالية. وظلت تتوقع هجمات إلكترونية من هذه الدول ضد الولايات المتحدة. حتى إعلان الأمر الجديد أول من أمس، لم تقم القيادة الإلكترونية بأي عمليات ضد «داعش».



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.