«الشراكة عبر الأطلسي» حائرة بين «عجلة أوباما» و«تروي أوروبا»

«الشراكة عبر الأطلسي» حائرة بين «عجلة أوباما» و«تروي أوروبا»

الغموض يتواصل.. والصعوبات تتزايد
الأربعاء - 19 رجب 1437 هـ - 27 أبريل 2016 مـ
ما تزال اتفاقية الشراكة عبر الأطلسي تواجه المزيد من الغموض والتشكك (رويترز)

بعد انتهاء جولة أوروبية للرئيس الأميركي باراك أوباما شملت بريطانيا وألمانيا، واتصلت في جانب كبير منها بمحاولات الرئيس الأميركي للوصول إلى مواضع قوة في اتفاق شراكة بين جانبي الأطلسي قبل انتهاء فترته الرئاسية، يبدو أن المشروع الذي انطلقت أفكاره ومداولاته منذ نحو 3 سنوات ما يزال يواجه المزيد من العراقيل والشكوك المتزايدة، على الأقل من حيث النجاح في إنجازه قبل نهاية العام الحالي.
وبينما كانت أغلب المعارضة لمشروع «اتفاقية الشراكة الأطلسية للتجارة والاستثمار» تنبع فيما قبل الزيارة من قبل النقابات والاتحادات المستقلة والجمعيات، بينما كانت الاتفاقية تحظى بتأييد قوي من الإدارات السياسية والاقتصادية في معظم البلدان القوية على الجانبين، إلا أن أجواء الزيارة أسفرت عن ظهور أصوات معارضة من داخل تلك الإدارات نفسها.
وفي أحدث فصول تلك المعارضة والتشككات، أعلن وزير الدولة الفرنسي للتجارة الخارجية، ماتياس فيكل، والذي يمثل بلاده في المفاوضات، أمس أن فرص التوصل إلى توافق حول الاتفاقية تتراجع.
وردا على سؤال لإذاعة «آر تي إل» حول احتمال توقيع الاتفاق قبل نهاية السنة، قال فيكل: «لا أعتقد ذلك. وفي مطلق الأحوال، إننا نبتعد عن فرص أو عن مخاطر إبرام أي اتفاق.. والأمر يتعلق بتقييم كل طرف لذلك».
وفيما تبدأ دورة مفاوضات جديدة هذا الأسبوع في نيويورك، عدد فيكل المواضيع التي تترقب فرنسا تحقيق تقدم بشأنها، ومنها البيئة وشفافية المفاوضات وآليات التحكيم، متمنيا الحصول على «اتفاق جيد».
لكنه أكد أنه «لا يوجد تسرع، لا فرنسي ولا أوروبي، للتوقيع بأي ثمن على أي شيء». وهو موقف يبدو منه أن الأمور لن تحسم بسرعة كما يرغب الرئيس أوباما، الذي كان يطمح في إنهاء الملف قبل انتهاء فترة ولايته، خاصة أن أغلب المرشحين للرئاسة الأميركية من بعده لا يمن دون حماسا للاتفاقية، إذا لم يكن بعضهم يهاجمها صراحة.
وتهدف الاتفاقية التجارية الواسعة النطاق، والتي يجري التفاوض بشأنها منذ عام 2013. إلى إزالة الحواجز الجمركية والتنظيمية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. غير أنها تواجه مقاومة شديدة من المجتمع المدني، الذي يندد بالغموض المحيط بالمفاوضات، والعواقب التي قد تتأتى عنها على الزراعة والبيئة.
وقال فيكل: «لا أرى أنه ينبغي على أوروبا أن تتبع الولايات المتحدة»، مضيفا أن «المجموعة الاقتصادية الأولى في العالم هي أوروبا، والمجموعة الأولى التي لها وزن في الاقتصاد الدولي من حيث قيمتها وحجمها هي أوروبا.. وعلى أوروبا أن تسمع صوتها بصفتها هذه». متابعا أنه «ليس هناك أي سبب يدعو إلى إتباع قارة محددة أو بلد محدد، ولو كان شريكا وحليفا».
ويعزز كلام فيكل من تصريحات سابقه للرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند قبل نحو أسبوع، مستبقا الزيارة الأوروبية لنظيره الأميركي، التي أكد فيها أنه يمكن لبلاده أن ترفض الاتفاق في حال لم يستجب لشروطها المتعلقة بالشفافية والوصول إلى المناقصات العامة.
ويختلف المراقبون حول رؤيتهم لطبيعة الموقف الفرنسي، بين من يرى أن فرنسا تنشد مزيد من المكاسب خلال المفاوضات، مستغلة الضغوط على الرئيس الأميركي.. بينما يرى آخرون أن الاتفاق بالأساس ربما لا يجد قبولا واسعا من باريس، كونه يصب أكثر في مصلحة مباشرة لكل من واشنطن وبرلين، بينما تجني باقي دول أوروبا «آثاره الجانبية» بأكثر من المكاسب.
وبخلاف التباينات في الرؤى، والمعارضات الاجتماعية، تأتي ظروف أخرى كعوامل ضاغطة على الاتفاق، ويمكنها أن تعرقل المضي قدما. ويعد احتمال انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي أبرز هذه العوامل.
وقبل نحو شهرين من الاستفتاء المقرر في يونيو (حزيران) المقبل، والذي سيتقرر فيه المستقبل الأوروبي لبريطانيا، ازدادت الضغوط على المفاوضين الذين باشروا أول من أمس جولتهم الثالثة عشر من المحادثات في نيويورك.
ورغم أن الهدف من المفاوضات لم يتغير خلال السنوات الماضية، سعيا لإعطاء دفع للنشاط الاقتصادي. فإن احتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهي التي تعتبر قوة اقتصادية كبيرة جدا، لا يمكن إلا أن يلقي بظله على هذه المحادثات ذات الطابع التقني جدا، والتي تجري بين الممثلية الأميركية للتجارة الخارجية والمفوضية الأوروبية.
ويرى بعض الخبراء أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ستكون له تداعيات كارثية على اتفاق التبادل التجاري الحر الحالي النقاش حوله، لأن معارضي التوصل إلى هذا الاتفاق يعتبرون أنه سيؤدي إلى نوع من الفوضى المعممة، فكيف إذا ترافق أيضا مع الخروج البريطاني.
ويقول المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأميركية غاري هافباور: «في حال قرر البريطانيون الخروج من الاتحاد الأوروبي، ستكون الضربة القاضية للمحادثات حول اتفاق التبادل التجاري الحر»، مضيفا: «لن يكون عندها بالإمكان المضي قدما، لأن الشكوك ستصبح كبيرة جدا»، بحسب ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.
إلا أن الباحث في مجلس العلاقات الخارجية إدوارد الدن، لا يبدو متشائما إلى هذه الدرجة، وإن كان يعتبر أن انتصار «نعم» في الاستفتاء المرتقب حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سيبعد عن الواجهة تماما المفاوضات التجارية بين الكتلتين الكبيرتين.
وقال لوكالة الصحافة الفرنسية: «ستكون هناك في هذه الحالة أمور أكثر إلحاحا بحاجة لتسوية. الجميع سيحاولون فهم العلاقة الجديدة التي ستقوم بين بريطانيا وأوروبا.. وسيعاد النظر بكل شيء».
لكن خطر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يعطي على المدى القصير دفعا لهذه المحادثات التي تثير انطباعا ثابتا بأنها تتعثر، رغم التأكيدات الرسمية بأنها «بناءة».
وقال المساعد السابق لوزير الخارجية الأميركي للشؤون الأوروبية دانيال هاملتون إن الطرفين «سيحتاجان عندها لإشارات ملموسة عن تقدم الأمور، وسيعملان على تسريع المحادثات في محاولة للتأثير على النقاش الحالي حاليا في بريطانيا».
وحسب هذا الخبير في جامعة جون هوبكينز، فإن الأميركيين والأوروبيين سيتفقون قبل الاستفتاء على إصدار بيان مشترك، يشير إلى حصول تقدم، مع أن هذا الأمر «سيبدو غريبا إلى حد ما في خضم مفاوضات تجارية».
ويقول هافباور في الإطار نفسه: «قد يستخدم هذا الأمر لمساعدة معسكر بقاء بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي على تحسين حججه». وسيكون المطلوب عندها إقناع البريطانيين بالبقاء داخل الاتحاد الأوروبي للاستفادة من المكاسب المفترضة من اتفاق التبادل التجاري الحر، وأن أي حل آخر لا بد أن يوصل إلى المأزق.
ويقول الدن: «نحن في مرحلة حاسمة.. وفي حال رفضت الولايات المتحدة اتفاق التبادل التجاري الحر وغادر البريطانيون الاتحاد الأوروبي، فإن ضربة كبيرة ستوجه إلى التجارة العالمية».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة