بلجيكا: الجيش يعتمد على «الدرون» لحماية المراكز الاستراتيجية من الإرهاب

إعادة فتح محطة مترو بروكسل بعد شهر من الهجوم الدامي

وزير الداخلية البلجيكي جان جامبون خلال مشاركته في نقاشات لجنة الحريات في البرلمان الأوروبي ببروكسل أمس (إ.ب.أ)
وزير الداخلية البلجيكي جان جامبون خلال مشاركته في نقاشات لجنة الحريات في البرلمان الأوروبي ببروكسل أمس (إ.ب.أ)
TT

بلجيكا: الجيش يعتمد على «الدرون» لحماية المراكز الاستراتيجية من الإرهاب

وزير الداخلية البلجيكي جان جامبون خلال مشاركته في نقاشات لجنة الحريات في البرلمان الأوروبي ببروكسل أمس (إ.ب.أ)
وزير الداخلية البلجيكي جان جامبون خلال مشاركته في نقاشات لجنة الحريات في البرلمان الأوروبي ببروكسل أمس (إ.ب.أ)

قال وزير الداخلية البلجيكي، جان جامبون، في مداخلة له أمس، أمام لجنة الحريات في البرلمان الأوروبي ببروكسل، إن الداخلية البلجيكية تحركت بشكل فعال في أكثر من اتجاه لمواجهة الفكر المتشدد وتفادي المخاطر الإرهابية. وقال: «ركزنا على بعض البلديات التي وصفت بأنها بؤر للتشدد ومنها مولنبيك وسبع بلديات أخرى في بروكسل، كما اتخذت إجراءات على أرض الواقع من خلال تشديد الحراسة والوجود الأمني في الشوارع». وفي مداخلته خلال النقاش حول ملابسات تفجيرات بروكسل الأخيرة، شدد جامبون على أن الإرهاب يريد تقسيم المجتمع، لكن الأيام التي أعقبت التفجيرات أظهرت التضامن. وأشاد بعمل رجال الشرطة وقال إنهم يعملون في ظروف صعبة، لأن الأمر لا يتعلق بمجرد ملاحقة أشخاص، وإنما الأمر أكبر من ذلك، «فهناك عمليات تبادل للمعلومات الأمنية، وهناك تعامل مع مشكلة المقاتلين العائدين من مناطق الصراعات، وهناك أيضا تعامل مع مشكلة تمويل الإرهاب، وأيضا مواجهة تجارة الأسلحة غير الشرعية، وأمور أخرى مرتبطة بملف الإرهاب والتشدد». وألمح الوزير أمام أعضاء البرلمان الأوروبي بأن بلجيكا تعرضت لانتقادات داخلية وخارجية من الإعلام، «ونحن نعترف بأن هناك بعض الأمور تحتاج إلى تطوير وتحسين، وسنقوم بذلك، كما نبذل الجهود لضمان الشفافية في العمل، لكن لا بد من وجود عمل جماعي على الصعيد الأوروبي، وهناك بعض الإجراءات التي تحتاج إلى تسريع العمل بها، إلى جانب مراقبة الحدود الخارجية وتبادل المعلومات، كما نعمل أيضا على التعاون مع دول أخرى خارج أوروبا لها علاقة بملف المقاتلين الأجانب ومكافحة التشدد».
وقال الوزير، إن تبادل البيانات بالنسبة للمسافرين في أوروبا هو أحد الحلول الجيدة التي سوف تساهم في مواجهة التشدد والإرهاب، وأشار إلى الخطوات التي قامت بها بلجيكا في مجال مراقبة الحدود منذ فبراير (شباط) الماضي. وقال إن هناك تقييما للأمور بين الحين والآخر لدراسة جدوى الاستمرار في هذا الصدد. كما أشار الوزير إلى أن ملف تبادل المعلومات الأمنية بين الدول الأوروبية يظل أحد الملفات الشائكة.
ونوه بما صدر عن المفوضية الأوروبية قبل أيام حول هذا الصدد، وقال إن هناك اجتماعات على مستوى الخبراء ستعقد خلال الأسابيع المقبلة لإيجاد حلول لهذا الملف، من أجل عرض تصور بشأن قرار سياسي ربما يصدر عن اجتماع لوزراء الداخلية في يونيو (حزيران) المقبل. وفي الإطار نفسه قال الوزير إن بلاده تتعاون بشكل فعال في مجال تبادل المعلومات مع مركز «اليوروبول» (الشرطة الأوروبية)، وإن التعاون زاد أكثر عقب تفجيرات باريس التي شكلت درسا للدول الأعضاء في أهمية تبادل المعلومات الأمنية. وانتقل الوزير بعدها للحديث عن أهمية الإنترنت في مجال نشر الفكر المتشدد، وأيضا في مكافحة التطرف والحملات الدعائية للجماعات الإرهابية، وقال إن الإنترنت لعب دورا كبيرا في مراقبة تحركات الجماعات المتشددة واتصالاتها، واختتم يقول: «لا بد من التعاون المشترك لتحقيق النجاح الذي يضمن الأمن والاستقرار للمواطنين».
وشارك أيضا وزير العدل البلجيكي جينس كوين في النقاش، وألقى كلمة تناول فيها أهمية التعاون الأمني في مجال ملاحقة المتشددين والدروس المستفادة من التفجيرات الأخيرة، وألمح إلى أهمية التعاون والتنسيق الأمني بين بلجيكا وفرنسا في عدة قضايا وأيضا التحرك الأوروبي القضائي الجماعي لمواجهة الجماعات المتشددة، سواء على الإنترنت أو على أرض الواقع.
ويأتي ذلك بعد أن قال وزير الدفاع البلجيكي ستيفن فاندنبوت، إن الجيش البلجيكي وفي إطار حماية الأماكن الاستراتيجية في البلاد بدأ استخدام طائرات من دون طيار «الدرون» لحماية ميناء أنتويرب شمال البلاد، وأحد أشهر الموانئ الأوروبية، وطلبت وزارة الدفاع من مركز «إدارة الأزمات وتحليل المخاطر» في بروكسل إعداد قائمة بالمراكز الاستراتيجية المطلوب حمايتها في إطار الدعم والمساندة من عناصر الجيش لقوات الأمن في عمليات التأمين والحراسة. وفي تصريحاته للإعلام البلجيكي قال وزير الدفاع إن الجيش وظف بعضا من الطائرات من دون طيار من نوع «بي هونتر» الخاصة به لتأمين مراقبة ميناء أنتويرب. ويعترف الوزير بأن التزام الجيش في عملية «الحارس اليقظ» الخاصة بالأمن الداخلي، كانت تحديا لجهاز الدفاع.
وأكد وزير الدفاع أن هذا الالتزام المستمر منذ يناير (كانون الثاني) 2015 الذي وصل إلى الحد الأقصى التاريخي بألف و800 شخص، تمت تعبئتهم بعد هجمات 22 مارس (آذار) التي ضربت مطار بروكسل الوطني ومحطة المترو مالبيك: «يتطلب بحق الكثير من جهازنا». وأضاف أنه طلب من هيئة أركان الدفاع دراسة ما إذا كان من الممكن الحفاظ على هذا الالتزام الحالي «بطريقة دائمة»، مع الأخذ في عين الاعتبار التوازن بين عمل الجنود وحياتهم الخاصة. وكمثال على الاستخدام الفعال للموارد، استشهد الوزير باستخدام الطائرات من دون طيار لمراقبة ميناء أنتويرب، الذي يعد منشأة استراتيجية. يقول: «إننا لا نضع فقط 140 شخصا في الشارع، لكننا ننسق ذلك بطريقة ذكية من خلال توظيف طائرات من دون طيار».
وأوضح توني لانغون، المتحدث باسم وزير الدفاع البلجيكي، أن هيئة التنسيق لتحليل التهديد قد طالبت بزيادة المراقبة في بعض الأماكن الاستراتيجية. يقول: «وإذا ما طالبت الشرطة بالدعم، فإن الدفاع يوفره. وفي ميناء أنتويرب، كان استخدام الطائرات من دون طيار فعالا. فهي تستطيع مراقبة منطقة كبيرة وتقديم صور تفصيلية».
من جهة أخرى، وفي ملف مراقبة عمل الأجهزة الأمنية، «يجب على الشرطة وبشكل سريع أن تعمل على وجود سياسة حقيقية لمواجهة العنصرية»، هذه واحدة من التوصيات التي جاءت في تقرير لجنة «بي» في البرلمان البلجيكي المكلفة بمراقبة عمل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التي تولت التحقيق حول وجود عنصرية في داخل جهاز الشرطة في مدينة أنتويرب شمال البلاد، وقال التقرير إن هناك أقلية من عناصر الشرطة تتصرف بشكل عنصري، لكن هؤلاء لم يتلقوا تنبيها أو أوامر من قياداتهم أو زملائهم وعلق عمدة أنتويرب بارت ديويفير على التقرير بالقول إنها ثقافة الصمت ومنها تنطلق سياسة النفس الطويل.
وكانت اللجنة قد بدأت تحقيقات في 2014 بعد عدة حوادث وصفت بالعنصرية تعرض لها رجال الشرطة في أنتويرب، سواء من الأجانب أو البلجيكيين، وكان البعض منهم يلتزم الصمت خوفا من انتقام زملائه، وأشار التقرير إلى أن هذه التصرفات العنصرية ظلت لفترة لا تلقى أي اهتمام داخل جهاز الشرطة، خصوصا في فترة العمدة السابق ورئيس جهاز الشرطة وقتها، رغم تقرير صدر في 2010 وحذر من خطورة الأمر.
وميدانيا، عادت حركة سير القطارات الداخلية إلى محطة مالبيك التي تعرضت لعملية إرهابية في 22 مارس الماضي، وقالت فرنسواز ليدون، المتحدثة باسم شركة النقل «ستايب»، من محطة مالبيك التي أعادت فتح أبوابها صباح أمس، إنه ومنذ صباح أمس، عادت قطارات المترو إلى الحركة من جديد بشكل طبيعي. وجرى استئناف عمل قطارات المترو من دون مشكلات بعد شهر من الهجوم الدامي الذي ضرب العاصمة البلجيكية. واستأنفت جميع محطات مترو بروكسل الـ69 وظيفتها الطبيعية، وتعمل قطارات المترو حسب المواعيد المعتادة التي كانت سارية قبل وقوع الهجمات. وأضافت المتحدثة باسم شركة النقل أنه قد تم بناء جدار للذكرى بمحطة مالبيك، مما يسمح للمسافرين بالتعبير. ويوم السبت الماضي، تمكن ضحايا الهجمات من المصابين وأقاربهم من زيارة المحطة. وتمت كتابة عدد من الشهادات على الحائط التذكاري خلال هذه الزيارة. وكان انتحاري قد فجر نفسه في قطار المترو عند محطة مالبيك يوم 22 مارس الماضي، مخلفا مقتل 16 شخصا، وجاء ذلك بعد وقت قصير من تفجيرين في مطار بروكسل لانتحاريين، وبلغ إجمالي القتلى 32 شخصا و300 مصاب.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...