رحلة التعرف على «أسعد شعوب العالم» في الدنمارك

بلاد صغيرة وعدد سكان قليل

رحلة التعرف على «أسعد شعوب العالم» في الدنمارك
TT

رحلة التعرف على «أسعد شعوب العالم» في الدنمارك

رحلة التعرف على «أسعد شعوب العالم» في الدنمارك

هل الدنماركيون أسعد شعوب العالم لأن عددهم قليل (ستة ملايين شخص فقط)؟ أم لأن بلدهم صغير (16000 ميل مربع فقط، مساحة ولاية ميريلاند الأميركية)؟ أم لأن بلدهم يتكون من أربعمائة جزيرة، مما يساعد على الحياة الفردية والاستقلالية؟
لكن السكان أقل في دول كثيرة، مثل: لبنان، جمهورية أفريقيا الوسطي، جمهورية الكونغو. والمساحة أقل في دول كثيرة، مثل: أرمينيا، بوروندي، رواندا. وعدد الجزر أكثر في دول كثيرة، مثل: إندونيسيا (18 ألف جزيرة) والفلبين (7 آلاف جزيرة).
يبدو أن المرشد السياحي الدنماركي «كريستيان» كان يعرف أن مجموعة السياح الأميركيين سيسألونه عن سر الدنمارك في أن تكون أسعد دولة في العالم. ويبدو أنه كان يعرف أنه لن يجب إجابة مباشرة، لعدة أسباب: أولا لأن السياح ضيوف، وهو يريد احترامهم بدلا عن الاستعلاء عليهم. ثانيا لأن الموضوع حساس. ثالثا لأن كلمة «سعادة» ليست محددة.
وبطريقة دبلوماسية، يبدو أنه تعود عليها مع السياح الأجانب، قال «كريستيان»: «نحن لا نسميها (هابينيس - سعادة). نحن نسميها (ساتيسفاكشون - رضا)».
وكأنه كان يعرف أن السياح الأميركيين لن يسألوه فقط، ولكن أيضا سيتحدونه. لهذا أحضر معه معلومات عن الدنمارك، ومعها قوائم من البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الأوروبية، وغيرهما، عن مكانة الدنمارك في قوائم الحرية، والمساواة، والشفافية، والسعادة (الرضا).

* «السعادة»

أوضحت أغلبية القوائم أن الدنمارك، خلال السنوات العشر الأخيرة، كانت الأولى، وأن السعادة (الرضا) تقاس حسب العوامل الآتية: الصحة، التعليم، السكن، العمالة، المساواة، خدمات الحكومة، الدعم الاجتماعي. لكن يبدو أن أهم عامل هو سؤال كل شخص: «ما هو مدى رضائك عن حياتك؟».
تأتي مع الدنمارك في قائمة الدول العشر الأسعد في العالم، وفي كل سنة، جاراتها الدول الاسكندنافية (السويد، النرويج، فنلندا). وأيضا: هولندا، سويسرا، بلجيكا، أستراليا، كندا، النمسا، آيسلندا.
في سنة 2012 جاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية عشرة، وبريطانيا العشرين. لكن في نفس السنة أوضح تقرير أصدرته جامعة لايكستر في بريطانيا عن نفس الموضوع أن ترتيب الولايات المتحدة هو العشرين. وترتيب بريطانيا الأربعين. وفي أسفل هذه القوائم عن السعادة تأتي كثير من الدول الأفريقية، مثل: بوروندي، زمبابوي، الكونغو.
خلال النقاش عن هذا الموضوع، والحافلة الأنيقة تطوف بالسياح الأميركيين شوارع كوبنهاغن، لاحظ واحد أن دولة بهوتان الصغيرة (في جبال الهملايا) تأتي في أعلى قائمة السعادة. رغم أنها فقيرة، ورغم أن حاكمها ملك ديكتاتوري.
هذه المرة، اتفق الدنماركي والأميركيون على أن تفسير كلمة «السعادة» يعتمد على مدى وعي الشعوب. كلما زاد الوعي زاد فهم الشعوب للصورة الكبيرة للأشياء، ومنها السعادة. وكما قال أميركي: «الذي لا يعرف الحرية، لا يعرف السعادة التي تسببها له».

* «المساواة»

لكن اختلف الدنماركي والأميركيون خلال النقاش حول كلمة «المساواة».
في قائمة الإنتاج القومي جاءت الولايات المتحدة في مقدمة الدول: 15 تريليون دولار سنويا. وكانت الدنمارك أقل من تريليون. وفي قائمة متوسط دخل الشخص سنويا تساوت الدولتان تقريبا: 50 - 60 ألف دولار سنويا. لكن في قائمة «المساواة» تفوق الدنماركيون على الأميركيين: 25 في المائة مقابل 50 في المائة.
تعنى «المساواة» هنا الفرق بين الأقل دخلا والأعلى دخلا. وصار واضحا أن الفرق أقل في الدنمارك. لكن لم يعجب هذا بعض السياح الأميركيين. وكعادة كثير من الأميركيين، لم يرضوا أن يتفوق شعب عليهم.
لكن كان «كريستيان» مستعدا، وأشار إلى معلومات عن نسبة دخل الشخص الذي يصرف على الترفيه (أعلى في الدنمارك). ونسبة ساعات العمل إلى ساعات الإجازات (أعلى في الدنمارك). ونسبة الجريمة (أعلى كثيرا في الولايات المتحدة). ونسبة ديون الحكومة إلى الدخل القومي (أعلى كثيرا في الولايات المتحدة). ونسبة زوار العيادات النفسية (أعلى كثيرا في الولايات المتحدة).
وأشار «كريستيان» إلى أن النرويج، جارة الدنمارك، أحسن منها لأنها ليست مديونة أبدا (بسبب ثروة النفط).

* فرص الاستثمار

حسب تقرير آخر للبنك الدولي، الدنمارك هي الأولى في العالم في فرص الاستثمار. ليس لأن فيها نفطا أو مصانع صلب أو سوق أوراق مالية مثل نيويورك، ولكن لثلاثة أسباب رئيسة:
أولا: الأعلى في مؤهلات السكان (الأكثر تعليما في العالم).
ثالثا: الأكثر تسامحا (الأكثر تأدبا، وأمنا، ورضا، واستقرارا نفسيا).
ثالثا: الأقل في البيروقراطية (الأقل في قوانين الاستثمار).
رابعا: الأولى في العالم في قلة الفساد (حسب أرقام منظمة الشفافية الدولية في ألمانيا).
وحسب مجلة «تايم» الأميركية، قبل سنوات قليلة، أعلنت شركة «لوغو» الدنماركية (التي تنتج مكعبات صغيرة يصنع منها الصغار والكبار منازل وسيارات وأناسا) أنها ستنقل جزءا من مصانعها إلى المكسيك، حيث تكاليف العمالة أرخص. في أي بلد آخر، يسبب هذا مظاهرات اتحادات نقابات العمال. لكن قال بول بيدرسون، رئيس نقابة عمال المصنع: «من ألف عامل في المصنع سيبقى ثلاثمائة فقط. هذا أفضل من إغلاق المصنع نهائيا». وأضاف: «نحن لسنا ضد الشركة. ولا نمانع إذا كانت سياستها هي الرخاء لها، والرخاء لنا». وأضاف في مثالية نادرة: «توجد محاسن لنقل مصانع من دول غنية إلى دول فقيرة. سيرتفع مستوى المعيشة في الدول الفقيرة. وستنمو الطبقة الوسطى. وستريد شراء مزيد من (لوغو)، وأشياء أخرى من الدنمارك، مثل الألبان والأجبان».
وحسب نتائج استطلاع نشرته مجلة «تايم»، قالت نسبة ثمانين في المائة من الدنماركيين إن العولمة أفضل للدنمارك وللعالم. وهكذا، مرة أخرى، حقق الدنماركيون قصب السبق على الشعوب الأخرى التي يبدو أنها اتفقت على لعن العولمة، إن لم يكن على اعتبارها شيطانا.

* متنزه «تيفولي»

بعد منتصف النهار، وقفت حافلة السياح الأميركيين أمام متنزه «تيفولي» في قلب العاصمة كوبنهاغن. لم تكن زيارة المتنزه في البرنامج. لكنه غداء في مطعم مجاور، متخصص في ساندويتشات «سمورغسبورد» (قطعة خبز مسطحة وعليها لحوم وخضراوات).
أثناء الغداء دار نقاش آخر بين الدنماركي والأميركيين. هذه المرة يبدو أن الدنماركي تعمد، في دبلوماسية ومرح، إثارة الأميركيين عندما تحدث عن متنزه «تيفولي». قال إنه مثل، وليس مثل، متنزه «ديزني» الأميركي. وسأل: متى بنى متنزه «ديزني»؟ وأجاب أميركي في دقة: «ديزني لاند»، في ولاية كاليفورنيا، سنة 1955. و«ديزني ويرلد»، في ولاية فلوريدا، سنة 1971.
وقال الدنماركي، وهو يشير إلى متنزه «تيفولي»: «نحن بنينا هذا سنة 1843». وأضاف، ويبدو أنه يعرف كثيرا عن تاريخ أميركا: «بنيناه عندما كنتم في خضم حرب أهلية».
ثم دار الحديث، ووصل إلى ساندويتشات «سمورغسبورد» التي كان الأميركيون يأكلونها. وأغلبيتهم لأول مرة. ومرة أخرى سألهم: «متى وصل (سمورغسبورد) إلى أميركا؟»، وترددوا في الإجابة. وقال، في تأكيد، ولا بد أنه كان مرشدا سياحيا لأفواج كبيرة من السياح الأميركيين قبل هذا الفوج: «في سنة 1939، في معرض نيويورك العالمي».
وصحح معلوماتهم، وقال إن هذا الساندويتش أصله من السويد، وإن الكلمة لا تعنى ساندويتش، ولكن تعنى مائدة كاملة عليها مختلف أنواع اللحوم والخضراوات والأجبان الباردة.
وألقى أميركي محاضرة عن كلمة «ساندويتش»، وقال إن أصلها بريطاني، وتعود إلى «دوق أوف ساندويتش» الذي كان، في القرن التاسع عشر، حاكما لمنطقة ساندويتش في مقاطعة كِنت في بريطانيا. وإن الدوق طلب يوما من خادمه طعاما يأكله وهو على عجل ليخرج من المنزل. ووضع الخادم قطعة لحم بين قطعتي خبز. وصار الناس يقولون «طعام ساندويتش».
استمع الدنماركي في انتباه إلى هذا الشرح المفصل. وقال: «إذا أكل البريطانيون الساندويتش في القرن التاسع عشر، فنحن كنا نأكل (سمورغسبورد) منذ القرن التاسع».

* صغيرة لكنها قديمة

لهذا، يبدو أن السؤال الأول عن سر «سعادة» الدنماركيين هو أن لها تاريخا قديما جدا، رغم صغر حجم بلدهم وقلة عدد سكانها، وأن تفوقها في مجال «السعادة» جاء بعد تفوقها في مجالات أخرى، مثل الاستقلال والحرية والعدالة والعمل الشاق والإبداع والترفيه.
لهذا يتفوق الدنماركيون على غيرهم في مجالات كثيرة، خصوصا وسط الدول الغربية، وخصوصا بالنسبة للأميركيين.
مثلا: نالت الولايات المتحدة الاستقلال من بريطانيا (القرن الـ18)، لكن الدنمارك أقدم (القرن الـ10). في ذلك الوقت توحدت إمارات دنماركية صغيرة، وكونت الدنمارك.
وقبل اكتشاف أميركا بخمسمائة سنة، كانت الدنمارك دولة تهزم جاراتها، وتهزمها جاراتها. وقبل اكتشاف أميركا بمائة سنة، وصل الدنماركيون إلى الهند، وأسسوا مستعمرة صغيرة (القرن الـ15). وبعد اكتشاف أميركا بمائتي سنة، وصل الدنماركيون إلى البحر الكاريبي، واستعمروا جزر «فيرجين» (القرن الـ17). وبعد استقلال الولايات المتحدة بمائتي سنة، اشترت الجزر من الدنمارك (القرن الـ20).
ورغم الفروقات الكبيرة بين الولايات المتحدة العملاقة والدنمارك الصغيرة، يستمر نوع من التفوق الدنماركي: سبقوا الأميركيين في منح المرأة حق التصويت. وسبقوهم في الحقوق المدنية (طبعا لم يستعبدوا زنوجا). وسبقوهم في نظافة البيئة (اتفاقية كيوتو). وسبقوهم الاستغناء عن السيارات داخل المدن (أربعين في المائة من سكان كوبنهاغن يستعملون دراجات). وسبقوهم في الاعتراف بحقوق المثليين (منذ أكثر من عشرين سنة). ومؤخرا، أعلنت الكنيسة الدنماركية (كنيسة العائلة المالكة) أنها ستجيز زواج المثليين والمثليات. ولم تصل الكنائس الأميركية الرئيسة إلى هذه المرحلة.

* مطعم «نوما»

وسبقوهم بمطعم «نوما» (اختصار «نورديك ماد»، طعام الشمال) في كوبنهاغن. هذا هو أحسن مطعم في العالم لثلاث سنوات متتالية. في عام 2012 وضعت مجلة «تايم» الأميركية رينيه ريدزيبي، كبير الطباخين فيه، على غلافها، كواحد من أشهر مائة شخص في العالم.
مرت حافلة السياح الأميركيين أمام المطعم، وبدا من الخارج عاديا، بل أقل من عادي، وفي مبنى أقل من عادي. ويقع في منطقة فيها مخازن ومصانع قديمة. لكن كانت فرصة أخرى للمرشد السياحي «كريستيان» ليفتخر بوطنه أمام السياح الأميركيين. وبدأ بأن حذرهم بأن المطعم غالٍ، وأن الوجبة الواحدة تكلف ثلاثمائة دولار، دون مشروبات كحولية، ولا بد أن يحجز الشخص قبل شهور وشهور. ولا يطعم المطعم أكثر من أربعين شخصا كل عشاء، وخمسين كل غداء.
أساس أنواع الطعام هنا هي مائدة «سمورغسبورد» الاسكندينافية، وهي تمرد على طعام «ميديترنيان» (البحر الأبيض المتوسط) الذي صار، خلال العشرين سنة الماضية، الموضة الجديدة في المطاعم الراقية. والذي يعتمد على أشياء مثل: زيت الزيتون، والطماطم الحمراء المجففة، واللحوم والخضراوات المشوية.

* أشهر وجبتين في مطعم «نوما»:

أولا: «دجاج وبيضة» لكنهما في الحقيقة بيضة مقلية وزهور برية وأعشاب البحر وزيت أعشاب البحر وقطعة لحم دجاج.
ثانيا: نمل مثلج مع سلطة وخضراوات مثلجة.

* «الجنة» ليست جنة

بعد نهاية زيارة الدنمارك بفترة، أرسل لي واحد من مجموعة السياح الأميركيين معلومات سلبية عن الدنمارك، وقال إنه جمعها من الإنترنت، وإنه فعل ذلك بسبب «بطولات المرشد السياحي الدنماركي». وتحت عنوان «الجنة ليست جنة»، أرسل المعلومات الآتية:
أولا: نسبة الانتحار في جزيرة غرينلاند، التابعة للدنمارك، هي الأعلى في العالم. بمعدل مائة من كل مائة ألف. وتأتي الدنمارك نفسها في أعلى القائمة.
ثانيا: يمكن الجدل في أن جزيرة غرينلاند ليست «تابعة» للدنمارك، ولكنها «مستعمرة» دنماركية.
ثالثا: رغم أن في الدنمارك مطعم «نوما» أحسن مطعم في العالم، لكنه «مطعم للأغنياء»، بينما مطاعم ساندويتشات «ماكدونالد» في كل العالم، وهي «مطاعم شعبية»، عشرون ألفا في الولايات المتحدة، ومائة في الدنمارك نفسها.
رابعا: رغم «عار تجارة الرقيق، وماضي التفرقة العنصرية في الولايات المتحدة»، في الوقت الحاضر صارت للتنوع العرقي فيها محاسن كثيرة، وصارت نموذجا لدول أخرى، خصوصا بعد أن صار أوباما الأسود رئيسا. في الجانب الآخر، لا تواجه الدنمارك (ودول كثيرة) تحدي التنوع. وحسب إحصائيات نشرت مؤخرا، نسبة التنوع العرقي والإثني هي الأقل في كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية واليابان (أقل من واحد). وهي خمسون في الولايات المتحدة، لكنها نصف ذلك في الدنمارك. ولم يحدث هذا في الدنمارك إلا مؤخرا، بسبب الهجرة من شرق أوروبا، ومن الشرق الأوسط وأفريقيا. ورغم قلة نسبة هؤلاء، بدأت مظاهراتهم واحتجاجاتهم بسبب عدم مساواتهم (وأيضا تشهد السويد والنرويج نفس احتجاجات المهاجرين غير البيض).
خامسا: رغم أنه ينتقد كتاب «العلاقة بين الذكاء والحضارة»، وفيه مقارنة بين نسبة الذكاء ودرجة التطور في أكثر من مائة دولة، قال: «ليس الدنماركيون أذكى شعب في العالم». جاء الأوائل من آسيا: هونغ كونغ، كوريا الجنوبية، اليابان، تايوان، سنغافوة. حتى وسط الدول الأوروبية، جاءت في المقدمة: ألمانيا، النمسا، السويد، هولندا، سويسرا. وجاءت الدنمارك في المرتبة العشرين.



3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.


ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
TT

ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)

ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هادئة تحت شوارعها؟ في ريغيت، الواقعة في مقاطعة ساري جنوب إنجلترا، قد تكون الإجابة بداية رحلة سياحية كاملة، لا مجرد زيارة إلى موقع تاريخي واحد. فهذه البلدة التي تقع على مسافة نحو 19 ميلاً جنوب وسط لندن تجمع في مساحة محدودة بين تاريخ يعود إلى العصور الوسطى، وآثار قلعة قديمة، وحدائق واسعة، وتلال خضراء، ومواقع عسكرية، والأهم من ذلك شبكة من الكهوف والأنفاق تختبئ تحت الأرض ولا يعرف كثيرون بوجودها.

السير في ممرات ضيقة مظلمة تحت الأرض(موقع ريغيت)

تبدو ريغيت، للوهلة الأولى، مدينة إنجليزية هادئة يمكن استكشافها في يوم واحد، لكنها سرعان ما تكشف عن طبقات متعددة من التاريخ والطبيعة تجعلها محطة لافتة للباحثين عن وجه مختلف لساري، بعيداً عن صخب وسط لندن. وتقدم هذه المقاطعة مزيجاً من البلدات التاريخية والمساحات الخضراء والتلال والمناظر الطبيعية، وهي قريبة بما يكفي من لندن لتكون وجهة مناسبة للرحلات القصيرة.

آثار قلعة قديمة في وسط مدينة ريغيت (موقع ريغيت)

لكن أفضل طريقة لاكتشاف ريغيت ربما تبدأ من مكان لا يظهر في أي صورة بانورامية للمدينة؛ لأن أجمل معالمها هي تحت الأرض.

فخلف باب متواضع داخل أحد أنفاق الطرق، تظهر الجدران الصخرية والممرات الداخلية، فيما يستعيد المكان ملامحه تحت ضوء ضعيف لا يلغي تماماً الإحساس بالعزلة.

إنه مشهد يصعب ربطه بما يحدث فوق الأرض؛ ففي الأعلى تمر السيارات ويواصل السكان حياتهم اليومية، بينما في الأسفل يسود صمت مختلف تماماً، داخل كهوف احتفظت بآثار استخدامات متعاقبة على مدى سنوات طويلة.

مدخل أحد الأنفاق وسط المدينة(موقع ريغيت)

ويذكر أن بورغس، العضو في «جمعية كهوف ومناجم ويلدن»، هو واحد من المتطوعين الذين يشاركون في المحافظة على هذه الكهوف وتنظيم الجولات التي تتيح للزوار التعرف على تاريخها.

ويقول إن المكان قد يعطي الزائر إحساساً بأنه ابتعد كثيراً عن البلدة، رغم أن المسافة الفعلية قصيرة للغاية.

ويشرح: «تشعر بأنك قطعت مسافة طويلة، لكنك تستطيع على الأرجح الانتقال من أحد الطرفين إلى الآخر خلال نحو 30 ثانية فقط إذا كنت فوق سطح الأرض».ويرى بورغس أن الكهوف تمثل نوعاً خاصاً من الآثار التي لا تحتاج إلى عمليات تنقيب لاكتشافها.

غاتون بارك تجربة مختلفة لعشاق الحدائق والمناظر الطبيعية.(موقع ريغيت)

ويقول: «إنها آثار يمكنك التجول فيها من دون الحاجة إلى الحفر. إنها موجودة هنا ليراها الجميع».

ورغم أن الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار بصورة متقطعة على مدى سنوات، فإنها لا تزال مجهولة بالنسبة إلى عدد كبير من سكان المنطقة. ويقول بورغس إن بعض الزوار يصلون بعد سنوات طويلة من العيش في ريغيت ليكتشفوا للمرة الأولى أن هذا العالم موجود تحت أقدامهم.

الكهوف تمثل الوجه الخفي لريغيت(موقع ريغيت)

وتضم ريغيت مجموعة من الكهوف، لكل منها تاريخها الخاص؛ ففي أراضي القلعة، توجد أنفاق يُعتقد أنها تمثل آخر هيكل باق من القلعة التاريخية، وارتبطت هذه الأنفاق باستخدامها كقبو لحفظ المشروبات، مستفيدة من برودة البيئة الموجودة تحت الأرض. لكن التاريخ منح المكان وظيفة أكثر أهمية خلال الحرب العالمية الثانية.

خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت الكهوف إلى ملاجئ للمدنيين، وكان تلاميذ المدارس من بين الذين استخدموا هذه المساحات تحت الأرض للحماية من القنابل.

الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار على مدى سنوات(موقع ريغيت)

بعد الخروج من العالم السفلي، يمكن للزائر أن يبدأ رحلة الاستكشاف من القلعة حيث تتقاطع ذاكرة المدينة مع المشهد الحضري الحديث.

من أجمل الأماكن التي يمكن إدراجها في برنامج زيارة ريغيت «برايوري بارك»، وهي مساحة خضراء ذات أهمية تاريخية في قلب المدينة.

تضم الحديقة بحيرات، ومساحات للنزهات، ومقهى، ومرافق رياضية، وملعباً للأطفال، إلى جانب مساحات واسعة مناسبة للمشي والاسترخاء. كما تتمتع بتنوع طبيعي لافت؛ إذ سجلت فيها أنواع عديدة من الطيور والفراشات.

يمكن للزائر أن يبدأ يومه بجولة في وسط المدينة وموقع القلعة، ثم يتوجه إلى برايوري بارك للاستراحة والمشي، قبل الانتقال إلى ريغيت هيل والحصن والمسارات الطبيعية.


شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
TT

شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)

في قلب لندن، يقف شارع أكسفورد (Oxford Street) كواحد من أشهر عناوين التسوق التي تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، ويحظى بشعبية خاصة بين السياح العرب الذين اعتادوا على زيارته خلال رحلاتهم إلى العاصمة البريطانية. فبين متاجره العالمية، وأجوائه الحيوية، وقربه من أبرز معالم وسط لندن، أصبح الشارع محطة شبه ثابتة للمتسوقين والزوار. لكن المشهد الذي اعتاده ملايين الزوار يستعد لتغيير كبير، مع بدء إغلاق جزء كبير منه أمام حركة المركبات اعتباراً من 26 أكتوبر (تشرين الأول)، في أولى خطوات تحويله تدريجياً إلى منطقة مخصصة للمشاة.

وبموجب المرحلة الأولى من المشروع، سيتم تحويل الجزء الممتد من شارع أوركارد (Orchard Street)، المحاذي لمتجر سيلفريدجز، وصولاً إلى شارع غريت بورتلاند (Great Portland Street) بالقرب من ميدان أكسفورد (Oxford Circus) إلى منطقة خالية من حركة المرور. ويمتد هذا الجزء لنحو ميل تقريباً.

وسيُمنع مرور الحافلات وسيارات الأجرة والدراجات وغيرها من المركبات في هذا القسم من الشارع، في خطوة تمثل بداية تنفيذ خطة أوسع لإعادة تصميمه وتحويله تدريجياً إلى مساحة أكثر ملاءمة للمشاة.

سيخصص جزء من شارع أكسفورد للمشاة (حركة النقل في لندن)

وأعلن عمدة لندن، صادق خان، عن الموعد الجديد للمشروع خلال مؤتمر حزب العمال، معتبراً أن الخطة تمثل خطوة مهمة في تطوير واحد من أهم المحاور التجارية والسياحية في لندن، قائلاً إن المشروع يحظى بدعم قوي من سكان لندن وقطاع الأعمال، وإن رؤيته لشارع أكسفورد «تبدأ بالتحول إلى واقع» قبل فترة التسوق المزدحمة بمناسبة عيد الميلاد.

ولا تقتصر الخطة على الجزء الذي سيغلق أمام حركة المرور في أكتوبر. فقد أُنشئت مؤسسة تطوير تابعة للعمدة لتولي قيادة مشروع إعادة تطوير شارع أكسفورد بأكمله، ما يعني أن المشروع قد يمتد مستقبلاً ليشمل الشارع بأكمله.

وعلى مدى سنوات، طُرحت أفكار مختلفة لإعادة تنظيم الشارع بهدف تقليل تأثير حركة المرور وإعطاء مساحة أكبر للمشاة وتحسين البيئة الحضرية في المنطقة. وتستند الخطة الحالية إلى تصور أوسع لإعادة تصميم الشارع، بحيث يصبح أكثر ملاءمة للمشاة والأعمال التجارية، مع التركيز على البيئة وجودة المساحات العامة.

لكن المشروع لم يخلُ من الجدل السياسي والمحلي، فبعد الانتخابات المحلية التي جرت في 7 مايو (أيار)، استعاد حزب المحافظين السيطرة على مجلس مدينة وستمنستر، وكان زعيم المجلس بول سوايدل قد تعهد بالتراجع عن خطة تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة للمشاة.

إلا أن المجلس تراجع في يونيو (حزيران) في تحدٍ قانوني للمشروع، بعدما بيّنت مشورة قانونية إلى أن طلب إجراء مراجعة قضائية للخطة سيكون من غير المرجح أن ينجح.

ومع الإعلان عن موعد بدء التنفيذ، جدّد مجلس وستمنستر مخاوفه بشأن عدد من القضايا العملية المرتبطة بالمشروع.

وقال تيم بارنز، نائب زعيم المجلس والمسؤول عن النمو والتخطيط، إن المجلس والسكان والشركات الموجودة في شارع أكسفورد ما زالت لديهم «قائمة طويلة من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها».

ومن بين القضايا التي يطالب المجلس بتوضيحها الوصول إلى المنطقة، وتلوث الهواء، وتنظيف الشوارع والسلامة العامة.

كما حذّر المجلس من احتمال انتقال جزء من حركة المرور إلى الشوارع الصغيرة المحيطة بشارع أكسفورد، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب المجلس، إلى آثار اقتصادية وبيئية على المناطق المجاورة.

ماذا يعني ذلك للسكان والزوار؟

من المتوقع أن يؤدي إغلاق الجزء الأول من شارع أكسفورد أمام المركبات إلى تغيير طريقة الوصول إلى المنطقة، سواء بالنسبة للمتسوقين أو العاملين أو السكان.

وبالنسبة للمشاة، يهدف المشروع إلى توفير مساحة أكبر للحركة وإعادة تنظيم استخدام الشارع. وفي المقابل، ستحتاج حركة النقل العام وسيارات الأجرة والمركبات التي كانت تستخدم شارع أكسفورد إلى التكيف مع التغييرات المرورية الجديدة.

ومن المرجح أن تكون الشوارع المحيطة جزءاً مهماً من تقييم نتائج المرحلة الأولى، خصوصاً ما يتعلق بحركة المرور ومستويات التلوث وسهولة الوصول إلى المتاجر والمكاتب والمناطق السكنية القريبة.

ويأتي بدء المرحلة الأولى في توقيت مهم بالنسبة للمنطقة، إذ من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ قبل فترة التسوق الرئيسية بمناسبة عيد الميلاد.

ويجعل ذلك الأشهر الأولى من المشروع اختباراً عملياً لمدى قدرة المنطقة على استيعاب حركة المشاة الكبيرة، وفي الوقت نفسه التعامل مع التغييرات في حركة المرور والنقل والوصول إلى وسط لندن.

وبينما ترى إدارة عمدة لندن أن المشروع يمكن أن يساعد في جعل شارع أكسفورد أكثر خضرة وازدهاراً وجاذبية، يركز مجلس وستمنستر على ضرورة معالجة الآثار المحتملة على الشوارع المجاورة والسكان والشركات.

وفي نهاية المطاف، لن تحدد عملية الإغلاق نفسها مستقبل المشروع فحسب، بل ستكون النتائج الفعلية للمرحلة الأولى عاملاً مهماً في النقاش حول ما إذا كان ينبغي توسيع نطاق تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة خالية من حركة المرور.

ومع اقتراب 26 أكتوبر، ينتقل المشروع من مرحلة الخطط والنقاشات السياسية والقانونية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، ليبدأ بذلك تحول تدريجي قد يعيد رسم شكل أحد أشهر شوارع لندن التجارية في السنوات المقبلة.