توبمان تظهر على ورقة الـ20 دولارًا.. وهاميلتون يبقى على الـ10 دولارات

العملة الأميركية تقر بدور المرأة والأقليات

عملة أميركية فئة 20 دولار تظهر عليها هاريت توبمان المناهضة للعبودية (أ. ف ب)
عملة أميركية فئة 20 دولار تظهر عليها هاريت توبمان المناهضة للعبودية (أ. ف ب)
TT

توبمان تظهر على ورقة الـ20 دولارًا.. وهاميلتون يبقى على الـ10 دولارات

عملة أميركية فئة 20 دولار تظهر عليها هاريت توبمان المناهضة للعبودية (أ. ف ب)
عملة أميركية فئة 20 دولار تظهر عليها هاريت توبمان المناهضة للعبودية (أ. ف ب)

من المقرر أن تظهر صورة هاريت توبمان، أحد الداعين لإلغاء الرق والعبودية على الورقة النقدية فئة الـ20 دولارا، لتحل بذلك محل صورة الرئيس السابق أندرو جاكسون، الذي كان مؤيدًا لمنظومة الرق، والتي ستنتقل بدورها إلى الجانب الخلفي من الورقة، أما ألكسندر هاميلتون، أحد الآباء المؤسسين، فستبقى صورته على الورقة النقدية فئة الـ10 دولارات.
جاء الإعلان عن هذه التغييرات المرتقبة، الأربعاء، من جانب وزير الخزانة جاك لو، في إطار حركة إصلاح تاريخية للعملة الأميركية ترمي لتناول تاريخ العبودية وغياب المساواة بين النوعين داخل الولايات المتحدة.
وتأتي التغييرات في أعقاب انطلاق حملة عبر الشبكة العنكبوتية تدعو لوضع صورة امرأة على العملة الأميركية، أعقبتها حملة للإبقاء على صورة هاميلتون قادها مؤرخون.
من جانبه، وصف لو قصة توبمان بأنها «القصة الأساسية للديمقراطية الأميركية»، وتكشف قدرة فرد واحد على إحداث تغيير في العالم من حوله، مضيفًا أن «الكثير من التغييرات التي طرأت على هذه البلاد نحو الأفضل منعكسة بالفعل على ما ناضلت من أجله».
الملاحظ أن جدالا كبيرا احتدم حول كيف يمكن للعملة الأميركية الإقرار بدور المرأة والأقليات، منذ إعلان وزارة الخزانة، الصيف الماضي، عزمها وضع صورة امرأة على الورقة النقدية فئة 10 دولارات، والتي من المقرر كذلك إعادة تصميمها وتزويدها بسمات إضافية لحمايتها ضد التزوير ومعاونة فاقدي البصر على استخدامها بسهولة أكبر.
ودار الجدال حول الشخصية التي تستحق أن تمثل إنجازات النساء والأقليات عبر التاريخ الأميركي، وأي من الشخصيات التاريخية ينبغي إزاحتها من على الأوراق النقدية لإتاحة مساحة للشخصية الجديدة.
من جانبه، كشف لو كذلك عن إدخال تغييرات أخرى على الورقتين فئة 5 و10 دولارات.
على الجانب الآخر، ساور القلق مريدي هاميلتون من أن يؤدي الإعلان الصادر عن وزارة الخزانة العام الماضي عن عزمها وضع صورة لامرأة على الورقة النقدية فئة 10 دولارات، لإزالة صورة أبو الاقتصاد الأميركي الحديث، إلا أنه تقرر الآن أن تبدي ورقة الـ10 دولارات الجديدة تقديرها لدور المرأة من خلال وضع صورة على الجانب الخلفي لها لمسيرة انطلقت عام 1913 مطالبة بإعطاء المرأة حق التصويت انتهت عند مبنى وزارة الخزانة.
ومن المقرر كذلك أن تكرم قيادات حملة المطالبة بحق التصويت للمرأة، مثل سوزان بي. أنتوني وإليزابيث كيدي سانتون وسوجورنر تروث.
أما الجانب الخلفي من الورقة النقدية فئة 5 دولارات، والتي تظهر صورة أبراهام لينكولن على الجانب الأمامي لها، فمن المقرر أن تكرم حركة الحقوق المدنية بعرض صورة لمارتن لوثر كينغ وإليانور روزفلت ومغنية الأوبرا ذات البشرة السمراء ماريان أندرسون، والتي غنت في حفلة شهيرة على أعتاب النصب التذكاري للينكولن عام 1939. وتأمل وزارة الخزانة في إصدار تصميم الأوراق النقدية الجديد بحلول عام 2020. ما يتزامن مع الذكرى الـ100 لحصول المرأة على حق التصويت، بيد أن الأمر قد يستغرق سنوات قبل أن تدخل الأوراق الجديدة حيز التداول الفعلي.
من جهتها، أعربت كاري وينتر، البروفسورة التي تعكف على دراسة حقبة العبودية بجامعة بفالو، عن اعتقادها بأنه «من الرائع وضع صورة هاريت توبمان محل أندرو جاكسون لأن الأخير مثل الجانب الأسوأ من التاريخ الأميركي، بينما مثلت توبمان القيم الأرقى للديمقراطية الأميركية، إنها بالفعل تمثل أرقى قيم المجتمع الأميركي والعمل من أجل الصالح العام والاهتمام بشؤون الآخرين وتقديمهم على الذات والمجازفة بكل شيء من أجل إقرار العدالة».
جدير بالذكر أن توبمان ولدت تحت نير العبودية في ماريلاند قرابة عام 1820، وستكون أول أميركية من أصول أفريقية وأول سيدة ذات بشرة داكنة تظهر صورتها على العملة الأميركية.
خلال حياتها، عاونت توبمان في تحرير عشرات العبيد من خلال شبكة من مؤيدي إلغاء العبودية والمنازل الآمنة التي عرفت باسم «السكك الحديدية أسفل الأرض»، وقد فرت في العشرينات من عمرها من العبودية، لكنها عادت مجددًا لتساعد بصورة سرية أفراد أسرتها والعشرات من العبيد الآخرين على الهروب إلى الحرية.
وقد عانت توبمان من نوبات تشنجات جراء المحنة التي مرت بها خلال سنوات العبودية، تبعًا لما ذكرته كاثرين كلينتون في كتابها الذي يوثق السيرة الذاتية لتوبمان بعنوان «هاريت توبمان: الطريق إلى الحرية».
وخلال فترة لاحقة من حياتها، عملت جاسوسة لحساب جيش الاتحاد أثناء الحرب الأهلية، حيث ساعدت الشمال عبر تجنيد عبيد كجنود. وقبل وفاتها في أواخر الثمانينات من عمرها أو مطلع التسعينات، كانت من النشطاء المفوهين المدافعين عن حق المرأة في التصويت.
يذكر أن آخر امرأة ظهرت صورتها على الأوراق النقدية الأميركية كانت مارثا واشنطن، على شهادة الفضة التي تكافئ 1 دولار، بينما ظهرت الكثير من النساء الأخريات على العملات المعدنية.
من ناحيتها، ورغم أنها كانت تدرس هذا التغيير منذ سنوات، جاء التحرك الأخير من قبل وزارة الخزانة مدفوعًا في جزء منه بحملة قوية انطلقت مطلع عام 2015 لوضع صورة امرأة على ورقة الـ20 دولارا في عام 2020 ـ احتفالاً بذكرى حصول المرأة على حق التصويت، وحصلت الحملة التي حملت اسم «نساء على الـ20 دولار» على ما يفوق 600.000 توقيع يؤيد الاختيار بين 15 سيدة أميركية، بينهم روزا باركس وإليانور روزفلت، إلا أن توبمان حصدت العدد الأكبر من الأصوات.
من ناحية أخرى، لاقى قرار لو بطبع صورة امرأة على العملة ترحيبًا واسع النطاق، لكن ظل هناك بعض الغضب في صفوف عدد من الخبراء الاقتصاديين والمؤرخين حيال نقل صورة هاميلتون من الوجه الأمامي لورقة الـ10 دولارات، وأشار هؤلاء إلى أن هاميلتون يبقى العقل المدبر وراء بناء المنظومة المالية الأميركية الحديثة.
جدير بالذكر أن بين بيرنانكي، الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كتب في يونيو (حزيران) أنه يشعر بصدمة بالغة حيال فكرة نقل صورة هاميلتون من مكانها الحالي على ورقة الـ10 دولارات، مشيرًا إلى أن تكريم امرأة عبر ورقة نقدية «فكرة جيدة، لكن لا ينبغي تنفيذها على حساب هاميلتون».
* خدمة «واشنطن بوست»



«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
TT

«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)

يتجه مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» نحو عقد اجتماع تاريخي يوم الأربعاء المقبل، في لحظة توصف بأنها «منعطف السيادة والرحيل»؛ إذ يُفترض أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول قبل انتهاء ولايته في منتصف مايو (أيار) المقبل.

ويأتي هذا الوداع المرتقب يومي 28 و29 أبريل (نيسان) وسط أجواء مشحونة تضع المؤسسة النقدية الأقوى في العالم في عين عاصفة مزدوجة؛ حيث تتقاطع نيران الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط مع صراعات النفوذ السياسي داخل واشنطن، مما يجعل قرار تثبيت أسعار الفائدة المتوقع في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة مجرد قشرة خارجية لتعقيدات أعمق بكثير.

لقد بات المشهد الاقتصادي الذي يغادر فيه باول منصبه محكوماً بجغرافيا سياسية متفجرة، بعدما تسببت المواجهات العسكرية في مضيق هرمز في إرباك سلاسل الإمداد العالمية ورفع تكاليف الطاقة إلى مستويات حرجة. هذا الواقع الجيوسياسي الجديد أعاد إحياء شبح التضخم الذي قفز في مارس (آذار) الماضي إلى 3.3 في المائة، مما أجبر «الاحتياطي الفيدرالي» على التخلي عن خطط التيسير النقدي والتمسك بسياسة «الانتظار والترقب». وبدلاً من أن ينهي باول حقبته بانتصار ناجز على الغلاء، يجد نفسه مضطراً لترك الدفة وسط «صدمة طاقية» تعصف بميزانيات المستهلكين والشركات على حد سواء، مما يجعل أي حديث عن خفض قريب للفائدة أمراً سابقاً لأوانه.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

أما على الصعيد القانوني والسياسي في واشنطن، فلم تكن رحلة الخروج لباول أقل تعقيداً، إذ عاشت أروقة «الفيدرالي» حالة من «الحصار السياسي» نتيجة الضغوط المستمرة من البيت الأبيض، والتي بلغت ذروتها في التحقيقات التي طالت تكاليف تجديد المقر الرئيسي للبنك. ورغم أن الأيام القليلة الماضية شهدت انفراجة مشوبة بالحذر بقرار وزارة العدل الأميركية إسقاط التحقيق الجنائي وإحالته إلى المفتش الداخلي، إلا أن هذه «المناورة» تركت أثراً عميقاً في علاقة البنك بالسلطة التنفيذية، خصوصاً بعدما وصفها باول سابقاً بأنها وسيلة ضغط سياسي واضحة.

إن هذا التحول في الموقف القانوني قد يمهد الطريق لانتقال أكثر سلاسة للسلطة النقدية، ويزيل حجر العثرة أمام تأكيد خليفته المرتقب كيفين وارش في مجلس الشيوخ، خاصة بعدما رهن مشرعون بارزون موافقتهم بإنهاء هذا الملف القضائي المثير للجدل. وتترقب الأسواق الآن المؤتمر الصحافي لباول، ليس فقط لسماع قراءته للأرقام، بل لاستنباط موقفه النهائي وحسم التكهنات حول ما إذا كان سيغادر مجلس المحافظين بالكامل، أم سيبقى عضواً حتى عام 2028 لضمان انتقال آمن وصون استقلالية القرار النقدي في وجه الهجوم العنيف الذي تتعرض له المؤسسة.

وارش يؤدي اليمين الدستورية خلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ب)

في المقابل، يبرز اسم كيفين وارش كخليفة يتأهب لقيادة «ثورة تصحيحية» داخل «الفيدرالي»، واعداً بتغيير جذري في طريقة تواصل البنك مع الأسواق وتقليص ميزانيته العمومية المتضخمة. هذا الانتقال من «عهد باول» إلى «عهد وارش» يمثل نقطة تحول جوهرية في الفكر النقدي الأميركي؛ حيث يسعى وارش إلى تقليل الاعتماد على «التوجيهات المستقبلية» المفصلة والعودة إلى نهج أكثر حزماً تجاه التضخم.

وبينما يطوي باول أوراقه في هذا الاجتماع الأخير، يظل السؤال المعلق في فضاء الاقتصاد العالمي: هل سيتمكن «الفيدرالي» من الحفاظ على بوصلته المستقلة وسط هذه الرياح العاتية، أم أن «نظاماً جديداً» قد بدأ يتشكل بالفعل تحت ضغط الأزمات الدولية والتقلبات السياسية؟


«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
TT

«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)

لم تكتفِ السعودية بما حققته على مدى عقود من مكانة راسخة بوصفها المورِّد الأكثر موثوقية للطاقة في العالم، بل آثرت أن تُعيد النظر في علاقتها بثرواتها، وأن تسأل سؤالاً مختلفاً: كيف نجعل ما لدينا يعمل بأقصى طاقته؟ في عالم يتغيّر بسرعة.

كان ذلك جوهر ما جاءت به «رؤية 2030»، حين رأت في تنويع مصادر الطاقة وتعظيم قيمة النفط والغاز فرصاً ثمينة لتحقيق مزيد من الازدهار، مواكبةً للمتغيرات البيئية التي يشهدها العالم. وكانت أولى العلامات الدالة على هذا التحول إعادةُ تسمية وزارة البترول والثروة المعدنية لتصبح وزارة الطاقة، في إشارة واضحة إلى توسيع الأفق من النفط والغاز وحدهما إلى منظومة طاقة شاملة تضم المتجددة في صميمها.

أرض مؤهلة بطبيعتها

لم يكن الاختيار بلا دراسة. فالمملكة تمتلك من الممكِّنات الجغرافية ما يجعلها في مكانة تنافسية استثنائية؛ مناخ يُساعد على نجاح مشروعات الطاقة الشمسية، ومساحات شاسعة ملائمة لمشروعات طاقة الرياح، وتنوع جغرافي يُسهم في تنمية طاقة الهيدروجين، كل ذلك مدعوماً بقدرات استثمارية وخبرات بحثية متراكمة.

على هذه الأرض الخصبة، انطلقت سلسلة من المبادرات والمشروعات؛ إذ أُطلق البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، ومبادرة خادم الحرمين الشريفين للطاقة المتجددة، وأُسس المركز الوطني لبيانات الطاقة المتجددة، لتتبعها مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بهدف تعزيز كفاءة توليد الكهرباء.

والنتيجة أرقام تتحدث بوضوح: ارتفعت الطاقة الإنتاجية لتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة من 3 غيغاواط عام 2020 إلى 46 غيغاواط عام 2025. وبلغ إجمالي المشروعات المرتبطة بهذا القطاع 64 مشروعاً تتوزع بين 40 مشروعاً للطاقة الشمسية، و9 مشروعات لطاقة الرياح، و15 مشروعاً لتخزين الطاقة.

الهيدروجين: الرهان الكبير

في قلب مدينة نيوم، يُولد مشروعٌ لا مثيل له على وجه الأرض؛ إنه مشروع الهيدروجين الأخضر، الأكبر والأول من نوعه عالمياً، بطاقة إنتاجية تبلغ 600 طن من الهيدروجين الأخضر يومياً.

ولدعم هذا التوجُّه، انطلقت المرحلة الأولى من مركز ينبع للهيدروجين الأخضر، مزوَّداً بمنشآت لتوليد الكهرباء من مصادر متجددة، ومحطات لتحلية المياه، ووحدات للتحليل الكهربائي، ومنشآت لتحويل الهيدروجين إلى أمونيا خضراء، فضلاً عن محطة تصدير مخصصة.

مدينة «أوكساجون» في السعودية (نيوم)

سباق البطاريات... والمملكة تقترب من الصدارة

الأرقام في قطاع تخزين الطاقة لا تقل إثارة؛ إذ تقترب المملكة من الصين في سباق تكلفة مشروعات تخزين البطاريات على المستوى العالمي، بتكلفة تبلغ 409 دولارات للكيلوواط للمشاريع ذات السعة التخزينية لأربع ساعات، مقارنة مع 404 دولارات للصين.

وقد بلغت إجمالي سعات مشروعات تخزين الطاقة المطروحة 30 غيغاواط/الساعة، بينما وصل ما ربط منها بالشبكة الكهربائية إلى 8 غيغاواط/الساعة.

وفي إنجاز لافت، نجحت «أرامكو» في تشغيل أول نظام تخزين طاقة متجددة من نوعه عالمياً لدعم عمليات إنتاج آبار الغاز، بقدرة 1 ميغاواط/ساعة، يدعم تشغيل 5 آبار لمدة 25 عاماً. ويعتمد هذا النظام على براءة اختراع سعودية، ويُمثل بديلاً موثوقاً لحلول الطاقة الشمسية التقليدية، بكفاءة عالية في الظروف المناخية القاسية واستجابة ذكية لاحتياجات الطاقة المتغيرة.

«سبارك»... حين تُصبح الصناعة هي القيمة

أدركت «رؤية 2030» أن الإنتاج وحده لم يعد كافياً، وأن القيمة الحقيقية تكمن في بناء صناعات وتوطين سلاسل الإمداد وتعزيز المحتوى المحلي. من هنا وُلدت فكرة مدينة الملك سلمان للطاقة «سبارك»، باستثمارات تفوق 12 مليار ريال 3.2 مليار دولار، وأكثر من 60 مستثمراً محلياً وعالمياً.

تقع «سبارك» في موقع استراتيجي قريب من مصادر الطاقة وشبكات الشحن والتصدير، وتضم ميناءً جافاً يتيح وصولاً أسرع. وقد افتُتح حتى الآن 7 مصانع، بينما يجري حالياً إنشاء 14 مصنعاً آخر.

توازن لا تفريط

في حين يتجه العالم نحو التحول لبدائل النفط والغاز، تتبنى المملكة رؤية مغايرة ترى أن التحول المتسرع قد يُضر بأمن العالم ونموه، في ظل عدم قدرة الطاقة المتجددة وحدها على تلبية الاحتياجات التنموية بشكل كامل.

لذا تواصل المملكة الاستثمار في استكشاف الحقول النفطية وتطويرها، ومن أبرز ذلك تطوير حقل الجافورة غير التقليدي، الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، الذي سيُسهم في تعظيم سلاسل قيمة الغاز والصناعات البتروكيميائية.

وهكذا تسير المملكة على خط دقيق يجمع بين صون إمدادات الطاقة للعالم، والدفع بالاستثمار في التقنيات التي تُزيل الانبعاثات الكربونية؛ لتكون اليوم مركزاً شاملاً للطاقة، ونموذجاً في الإدارة الرشيدة.


محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع
TT

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

نجحت السعودية خلال السنوات الأخيرة في إعادة تشكيل قاعدتها الاقتصادية، منتقلةً من نموذج يعتمد بشكل رئيسي على النفط، إلى اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة، مدفوعاً ببرامج «رؤية 2030» التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي.

وتواصل السعودية مسارها التحولي ضمن «رؤية 2030»، مع دخولها مرحلة جديدة تركز على استدامة النمو وتعزيز المكتسبات، بعد سنوات من الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي أعادت تشكيل الاقتصاد الوطني.

ويُظهر التقرير السنوي لعام 2025 أنَّ المملكة نجحت في ترسيخ نموذج اقتصادي أكثر تنوعاً ومرونة، مدعوماً بارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية، وتوسع قاعدة الإنتاج والاستثمار.

وأسهمت هذه الرؤية التي تضمَّنت تنفيذ أكثر من 1000 إصلاح تشريعي، في تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز جاذبية السعودية، وبناء قطاعات اقتصادية فاعلة ومتنامية؛ ما وضع المملكة ضمن أسرع الاقتصادات نمواً على مستوى العالم، معزِّزةً قدرتها على مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية.

كما نجحت «رؤية 2030» في رسم أهداف استراتيجية واضحة لتفعيل مكامن القوة الاقتصادية في السعودية، عبر تطوير قطاعات رئيسية تشمل الطيران، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والصناعة والتعدين، وغيرها، مدعومة باستثمارات ضخمة ومشروعات كبرى أعادت تشكيل هيكل الاقتصاد

وعملت الأنشطة غير النفطية في تدعيم الاقتصاد السعودي بوصفها «المحرك الرئيسي للنمو»، وهو ما أسهم في تعزيز تنافسيته ووضعه في صدارة الاقتصادات النشطة إقليمياً وعالمياً.

ويستند هذا الزخم إلى توسُّع قطاعات واعدة، متنوعة تشمل السياحة والترفيه، إلى الصناعة والنقل والخدمات اللوجستية وغيرها؛ بما عزَّز مساهمتها في الناتج، بعد أن سجَّلت الأنشطة غير النفطية في 2024 مستوى تاريخياً عند 2.6 تريليون ريال (693 مليار دولار) بنمو 6 في المائة.

تحول الهيكل الاقتصادي

ويؤكد رئيس قسم التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «ساكسو بنك»، حمزة دويك، أن نتائج «رؤية 2030» أظهرت بوضوح «تحول الهيكل الاقتصادي للمملكة بعيداً عن الاعتماد الكلي على النفط»، مشيراً إلى التوسع الملحوظ في القطاعات غير النفطية وارتفاع الإيرادات الحكومية غير النفطية، وهو ما أسهم في تقليص حساسية الاقتصاد لتقلبات أسعار النفط.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ الإصلاحات المؤسسية والتنظيمية، بما في ذلك تطوير بيئة الأعمال والأسواق المالية وتعزيز مشاركة القوى العاملة وجذب الاستثمار الأجنبي، أسهمت في زيادة تدفق رؤوس الأموال المحلية والدولية، وهو ما يٌعدُّ عنصراً أساسياً في تحقيق التنويع الاقتصادي. وأضاف أن هذه التحولات غيَّرت النظرة الاستثمارية إلى السعودية، حيث باتت تُرى بوصفها اقتصاداً متعدد القطاعات، مدعوماً بعمق الأسواق المالية وازدياد الطروحات العامة الأولية.

ولفت دويك إلى أنَّ عملية التنويع لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن النفط سيظل عاملاً مهماً في تمويل التنمية، متوقعاً أن تركز المرحلة المقبلة على تعزيز الإنتاجية والكفاءة، وضمان استدامة القطاعات الناشئة دون الاعتماد على الدعم الحكومي، مؤكداً أن جودة هذا التنويع ستكون المقياس الحقيقي للنجاح مستقبلاً.

نمو متسارع للقطاعات غير النفطية

من جهته، يقول المدير الإقليمي لشركة «مايلستون سيستمز» في السعودية، فراس البيروتي، إن ملامح الاقتصاد الجديد تتجلى في «النمو المتسارع للقطاعات غير النفطية، وازدياد الاستثمارات، والتطوير المستمر للبنية التحتية الحديثة»، مشيراً إلى أنَّ هذه العوامل تعكس «تخطيطاً استراتيجياً يهدف إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً ومرونة».

وأضاف أن «رؤية 2030» فتحت آفاقاً واسعة أمام قطاعات حيوية مثل السياحة والتقنية والخدمات اللوجستية والترفيه، إلى جانب تعزيز بيئة الاستثمار والابتكار، مع تنامي دور القطاع الخاص بوصفه محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي على المدى الطويل.

وأكد البيروتي لـ«الشرق الأوسط» أن التقنيات الذكية المدعومة بالبيانات ستلعب دوراً محورياً في المرحلة المقبلة، سواء في دعم البنية التحتية أو تعزيز الأمن والكفاءة التشغيلية، لافتاً إلى أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً أساسياً في بناء مدن ومؤسسات أكثر كفاءة وأماناً.

المشروعات الكبرى

بدوره، يرى المدير الإقليمي لشركة «يورو سيستمز» في السعودية، أسرار خازي، أنَّ التحول الاقتصادي يتجسَّد أيضاً في «إعادة صياغة شاملة للبيئة العمرانية»، مشيراً إلى أنَّ المشروعات الكبرى في المملكة تجاوزت الأطر التقليدية لتدفع بحدود التصميم والهندسة والاستدامة إلى مستويات غير مسبوقة.

وأوضح أنَّ هذه المشروعات تمثِّل منظومات اقتصادية متكاملة تسهم في جذب الاستثمارات وتحفيز قطاعات جديدة، ما يعزِّز النمو المستدام، إلى جانب تشكيل هوية معمارية حديثة تمزج بين التقنيات المتقدمة والبعد الثقافي، مستشهداً بمشروعات مثل الدرعية.

وأشار خازي إلى أنَّ هذا التوجه يعزِّز الطلب على الحلول الهندسية المتقدمة، ويسهم في تطوير القدرات المحلية وسلاسل التوريد، ما يخلق قيمةً اقتصاديةً طويلة الأمد، ويعزِّز دور القطاع العمراني بوصفه أحد روافد التنويع الاقتصادي.