ابن قدامة المقدسي وذم التأويل والاجتهاد العقلي

مؤلفاته متنوعة وتشهد على اهتمامات أهل العلم في عصره

ابن قدامة المقدسي وذم التأويل والاجتهاد العقلي
TT

ابن قدامة المقدسي وذم التأويل والاجتهاد العقلي

ابن قدامة المقدسي وذم التأويل والاجتهاد العقلي

أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي الجماعيلي والدمشقي الصالحي الحنبلي (541 - 620 هـ)، المعروف، اختصارًا، بابن قدامة المقدسي، ولد بجماعيل (نابلس - فلسطين). ورحل إلى دمشق في عقده الأول مع أهله وعائلته. وتلقى علومه من كبار مشايخ دمشق وعلمائها. وسافر إلى بغداد أربع سنوات لتلقي العلوم، ليعود إلى دمشق، حيث عاش إلى أن وافته المنية، ودُفن في دمشق بجبل قاسيون، خلف الجامع المظفري.
ترك مؤلفات متنوعة تشهد على اهتمامات أهل العلم في عصره، منها: «العمدة»، و«المقنع»، و«الكافي»، و«المغني»، و«الاستبصار»، و«في الأنساب»، و«الاعتقاد»، و«التوابين»، و«ذم الوسواس»، و«روضة الناضر وجنة المناظر»، و«فضائل الصحابة»، و«القدر»، و«لمعة الاعتقاد»، و«مسألة في تحريم النظر في علم الكلام»، و«مناسك الحج»، و«ذم التأويل» وغيرها. ويعد الأخير (نشر عن: «الدار السلفي» - الكويت، في طبعته الأولى سنة 1406، وهو من تحقيق: بدر بن عبد الله البدر)، واحدًا من كتب التراث التي تؤسس لتحريم التأويل والاجتهاد، سيرًا على هدي شيوخه.
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أبواب: بيّن في الأول مذهب السلف الصالح وسبيلهم. وحث في الثاني، على اتباعهم ولزوم أثرهم. وفي الثالث، أبان صواب ما صار إليه السلف، وأن الحق فيما كانوا عليه. ويهدف في ذلك إلى إبراز قول السلف في أسماء الله وصفاته، وينصح بضرورة اتباعهم ومحبتهم، والرد على الشقاق عن الرسول باعتبار مآلهم نار جهنم.
يشدد المقدسي على ذم التأويل، مستندًا في ذلك على نصوص قرآنية وأحاديث نبوية، وبعض الأخبار المتداولة في التراث الشفوي في مساجد بغداد ودمشق، ليخلص إلى أن:
التأويل من أهل جهنم والزنادقة (ويقصد تحديدًا المعتزلة والجهميين والفلاسفة).
التأويل ليس بواجب بالإجماع، ولو كان كذلك، فالنبي وأصحابه أخلُّوا بهذا الواجب. وهذا محال، وغير جائز قوله.
يتعين تحريم التأويل.
لا يُلزِم أحدًا الكلام في التأويل.
ينبغي أن يُعلم أن الأخبار الصحيحة التي ثبت بها صفات الله تعالى، هي الأخبار الصحيحة الثابتة بنقل العدول الثقات، التي قبلها السلف ونقلوها ولم ينكروها ولا تكلموا فيها. وأما الأحاديث الموضوعة التي وضعها الزنادقة ليلبسوا بها على أهل الإسلام، أو الأحاديث الضعيفة، إما لضعف رواتها أو جهالتهم، أو لعلةٍ فيها لا يجوز أن يقال بها ولا اعتقاد ما فيها، بل وجودها كعدمها، وما وضعته الزنادقة، فهو كقولهم الذي أضافوه إلى أنفسهم.
طريقة السلف رحمة الله عليهم جامعةٌ لكل خير.
يدعو الشيخ السلفي إلى ضرورة الإيمان بصفات الله، سيرًا على نهج السلف الصالح، وهي الصفات التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله وعلى لسان الرسول، من غير زيادةٍ ولا نقصان ولا تجاوز لها ولا تفسير ولا تأويل، بما يخالف ظاهره.
ويعتبر أن السلف لم يقبلوا التأويل، بدليل أنهم نقلوا إلينا القرآن العظيم وأخبار الرسول نقل مصدقٍ لها مؤمنٍ بها، قابلٍ لها، غير مرتاب فيها، ولا شاكّ في صدق قائلها. ويحاج بسيل من الروايات والمحكيات، لبيان صدق وصحة أهل السلف، في عدم الدعوة إلى التأويل، وخصوصًا صفات الله. لذلك يقول: «أخبرنا المبارك بن علي الصيرفي، حيث أنبأنا أبو الحسن محمد بن مرزوق ابن عبد الرازق الزعفراني، أنبأنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الطيب قال: (أما الكلام في الصفات، فإن ما روي منها في السنن الصحاح، مذهب السلف رضي الله عنهم، إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها). والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات. ويُحتذى في ذلك حذوه ومثاله. فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين تعالى، إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. فإذا قلنا لله تعالى يد وسمع وبصر، فإنما هو إثبات صفات أثبتها الله تعالى لنفسه. ولا نقول إن معنى اليد القدرة. ولا إن معنى السمع والبصر العلم. ولا نقول إنها الجوارح. ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح، وأدوات الفعل. ونقول إنما ورد إثباتها، لأن التوقيف ورد بها ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تبارك وتعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، الشورى (11). وقوله تعالى: (ولم يكن له كفوا أحد). الإخلاص (الآية 4)».
ويذهب إلى أن المعتزلة والجهمية أصحاب تحريف وتشبيه. وكل من لم يؤمن بصفات الله، كما هي ظاهرة في النص، فهو كافر: «حرام على العقول أن تمثل الله تعالى، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الظنون أن تقطع، وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الضمائر أن تعمق، وعلى الخواطر أن تحيط، وعلى العقول أن تعقل، إلا ما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان نبيه». وحجته في ذلك، أن العقل قاصر عن إدراك باطن النص القرآني، ولا يجوز له التعقل. ومن زعم غير ما أقره ظاهر النص، فهو معطلٌ جهمي. وأكثر من ذلك، يعتبر السؤال عن النص بدعة: «والسؤال عنه بدعة لأنه سؤال عما لا سبيل إلى علمه، ولا يجوز الكلام فيه، ولم يسبق في ذلك في زمن رسول الله ولا من بعده من أصحابه». والحجة هنا حجة ضعيفة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ارتباط النص بسياقٍ تاريخي واجتماعي وسياسي ما، يحكم مضمونه، كإجابة عن متطلبات تلك الشروط. ولو أن الكلام في النص في زمن الرسول وفي زمان الصحابة من بعده، لم يتم، فهذا لا يعني أن الجواز باطل، لأن سياق ظهور علم الكلام والكلام في الصفات والآيات المتشابهات والمحكمات، مختلف تمامًا عن السياق الذي يتحدث عنه ابن قدامة. ولأنه محال أن تكون الشروط متطابقة عبر أزمنة مختلفة، وإن كان ذلك ممكنًا فما الذي يجعلها كذلك؟
يذهب أيضًا، إلى أن قول الفلاسفة بدعة، لأنه قول في الأعراض والأجسام، مستندًا في ذلك على حكي ورواية تطرح أكثر من سؤال: «وروى نوح الجامع قال قلت لأبي حنيفة رحمه الله ما تقول فيما أحدث الناس من كلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة». فأهل السنة يقتدون ولا يبتدون. ويتبعون ولا يبتدعون. ولا يزعمون بل عليهم بالعتيق وبلزوم السنة والسلف. فقد ثبت وجوب اتباع السلف رحمة الله عليهم، بالكتاب والسنة والإجماع، والعبرة دلت عليه. فإن السلف لا يخلون من أن يكونوا مصيبين أو مخطئين. فإن كانوا مصيبين وجب اتباعهم، لأن اتباع الصواب واجب، وركوب الخطأ في الاعتقاد حرام. ولأنهم إذا كانوا مصيبين، كانوا على الصراط المستقيم، ومخالفهم متبع لسبيل الشيطان الهادي إلى صراط الجحيم. وقد أمر الله تعالى باتباع سبيله وصراطه ونهى عن اتباع ما سواه، فقال: «وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون» (الأنعام: 15).
لم يشر المقدسي إلى أي فيلسوف ولا لأي نص من نصوص الفلاسفة. بل اكتفى بالحديث عن روايات تذم قول الفلاسفة في التشبيه ونفي الصفات، من دون أن يبحث في الحجج التي قدمها الأشاعرة والجهميون في ذلك. بل ويتحاشى حتى قراءة أثرهم واجتهاداتهم بدعوى أنها بدعة.
في القرآن آيات متشابهات وآيات محكمات. ومن اتبع التشابه إنما في قلبه زيغ يبتغي التأويل. في حين أن التأويل لله وحده «هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله» (آل عمران: 7).
ومن يبتغِ تأويل التشابه يقترن بمن يريد الفتنة، وذلك بين من خلال تفسيره للآية أعلاه. فالله ذم مبتغي التأويل. ولو كان معلومًا للراسخين لكان مبتغيه ممدوحًا غير مذموم، والنبي قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فهم الذين عنى الله فاحذروهم»، الناس قسمان: الزائغون المتبعون للمتشابه والراسخون في العلم، ويجب أن يكون كل قسم مخالفًا للآخر فيما وُصف به، فيلزم، حينئذ، أن يكون الراسخون مخالفين للزائغين في ترك اتباع المتشابه، مفوضين إلى الله تعالى، بقولهم: «آمنا به كل من عند ربنا» تاركين لابتغاء تأويله، وعلى قولنا يستقيم هذا المعنى، ومن عطف الراسخين في العلم أخل بهذا المعنى، ولم يجعل الراسخين قسمًا آخر ولا مخالفين للقسم المذموم فيما وصفوا به فلا يصح، لو أراد الله في هذه الآية العطف لقال ويقولون بالواو، لأن التقدير والراسخون في العلم، يعلمون تأويله ويقولون، قولهم آمنا به كل من عند ربنا، كلام يشعر بالتفويض والتسليم لما لم يعلموه لعلمهم بأنه من عند ربهم، كما أن المحكم المعلوم معناه من عنده، إذا رأى الصحابة من يتبع المتشابه، ويسأل عنه، استدلوا على أنه من أهل الزيغ، وأخيرًا لو كان معلومًا للراسخين لوجب أن لا يعلمه غيرهم، لأن الله تعالى نفى علمه عن غيرهم، فلا يجوز حينئذ أن يتناول إلا من ثبت أنه من الراسخين، ويحرم التأويل على العامة كلهم والمتعلمين الذين لم ينتهوا إلى درجة الرسوخ والخصم، في هذا يجوز التأويل لكل أحد، فقد خالف النص على كل تقدير. يخلص المقدسي من خلال تأويله لهذه الآية، إلى أن «تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى، وأن متبعه من أهل الزيغ وأنه محرم على كل أحد».
لا تدرك الصفات - في نظر ابن قدامة - بالعقل، على عكس ما يذهب إليه المعتزلة، لذا يقول: «صفات الله تعالى وأسماؤه لا تُدرك بالعقل، لأن العقل إنما يعلم صفة ما رآه أو رأى نظيره، والله تعالى لا تدركه الأبصار ولا نظير له ولا شبيه، فلا تعلم صفاته وأسماؤه إلا بالتوقيف»، ويحاج على ذلك بالآية 33 من سورة الأعراف: «قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون».
نجد أنفسنا أمام عقلٍ يذم التأويل ويحجر على العقل، بدعوى أن الإحساس البشري لا يمكنه إدراك الخالق. وبذلك نجد أن هذا النص الفقهي - السني لا يقيم اعتبارًا للميز بين الحجج العقلية والحجج المادية، كما فعل أهل النظر والاجتهاد العقلي في التراث العربي الإسلامي. ويتضح مما سبق أن صاحبنا عمل جاهدًا على رفض التأويل، كما عمل غيره من أهل السلف. وإن كانت محاولته لا تنطوي على أي تقدم بخصوص ذم التأويل. إذ إن عمله ما هو إلا جرد واجترار لدلائل السلف. وان كان الأولون عليه من سلفه قد ساجلوا أهل «القول بالصفات» و«التشبيه» و«التجسيم»، فإنه في عمله هذا يكتفي فقط، بإصدار الأحكام في عموميتها، دون أن يخوض في سجال مع من ينتقدهم، فالسجال والمعاندة بالنقاش المبني، خير سبيلٍ لتفضيل هذا عن ذاك، ولمقارعة هذه الفكرة بتلك، وفي غياب التداول يستحيل الحوار.

* أستاذ فلسفة



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.