السديري لـ {الشرق الأوسط}: المؤسسات الدعوية تواجه محاولات استغلال واختراق حركي لتمرير خطاب معين

وكيل وزارة الشؤون الإسلامية أكد أن الأمر الملكي الأخير كفيل بمعالجة الانحراف المتباين

د. توفيق السديري
د. توفيق السديري
TT

السديري لـ {الشرق الأوسط}: المؤسسات الدعوية تواجه محاولات استغلال واختراق حركي لتمرير خطاب معين

د. توفيق السديري
د. توفيق السديري

أكد الدكتور توفيق السديري، وكيل وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، عدم أحقية أي من المراكز والجمعيات غير المرخصة من قبل الوزارة في إقامة أي نشاطات دعوية، باعتبار ذلك خارج تخصصها، مضيفا «هناك محاولات لاستغلال أصحاب التوجهات الحركية التي غزت السعودية في العقود الأخيرة، بعضَ المؤسسات الدعوية والاجتماعية والثقافية والتعليمية، باختراقها لتمرير خطاب دعوي معين»، مبيّنا أن الأمر «مأخوذ في الحسبان والعمل جار على مراقبته». وأفاد السديري، في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، بأن محاولات إنشاء كيانات إفتاء مستقلة واتحادات وروابط إسلامية لها الصفة الأممية «غير معتبرة ومعروفة الأهداف والتوجهات والتبعية»، وهي تأتي بغرض إعطاء الصبغة الشرعية لبعض التيارات الحركية والتنظيمات الموجودة إقليميا ودوليا ليجري صرف أنظار المسلمين إليها، مؤكدا أن من ينتمون إلى هذه الاتحادات والروابط من الدعاة السعوديين «إنما يكشفون عن انتماءاتهم لهذه التيارات والتنظيمات»، على حد تعبيره.
من جهة أخرى، شدد وكيل وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، على أن حمل شعارات حزبية وتنظيمية من قبل عدد من الدعاة والمشايخ، يعد أمرا مخالفا «تتوجب محاسبة من قام به كائنا من كان»، مضيفا «يجب أن يكون سمت الداعية واحدا، وأن يكون بوجه واحد، ولا يكون مختلف التوجهات ما بين منبر وآخر».
وفيما يلي نص الحوار:

* نود بداية إطلاعنا على مهام وزارة الشؤون الإسلامية الرسمية، وهل هي مسؤولة عن قطاع الدعوة، وما المقصود بالدعوة، وهل تمتد إلى كل القطاعات الدعوية في البلاد وبالأخص فيما يتعلق بالقطاع العسكري والتعليمي والصحي بشكل عام؟ أم أن وظيفة الوزارة هنا تظل غير إلزامية وللاستشارة فقط؟
- السعودية دولة قامت على أساس من الدعوة إلى الله والحكم بشريعته، وفي عصرها الحديث نظمت شأن الدعوة إلى الله باعتبارها ولاية شرعية، وأنشأت لها وزارة تعنى بشؤونها، وأوكلت إليها هذه الولاية الشرعية. والوزارة مسؤولة عن الدعوة من خلال وكالة الوزارة لشؤون المساجد والدعوة والإرشاد، وتشرف على جميع مناطق السعودية. أما ما يتعلق بالدعوة أو التوعية داخل القطاعات الحكومية ولمنسوبيها، فمن الناحية التنفيذية هو من اختصاص تلك القطاعات وفق الأسس والقواعد التي تنظم الشأن الدعوي والمعتمدة من الوزارة بحسب اختصاصها، وبين الوزارة وتلك القطاعات تنسيق جيد وتعاون مثمر.
* تحدثت عن أن الدعوة في القطاعات الحكومية المختلفة غير مرتبطة بوزارة الشؤون الإسلامية، فما آلية الرقابة على الخطاب الديني؟
- هناك تنسيق بين الجهات الحكومية، وكل ما يقدم من برامج عليه رقابة؛ لذلك فالمخالفات الواردة قليلة وتتم المحاسبة عليها. وأما ما يتعلق ببرامج الوزارة فهناك رقابة واضحة، والإذن يجري عبر إجراءات محددة، سواء كانت برامج الوزارة أو غيرها.
* هل التنسيق مع وزارة الشؤون الإسلامية إلزامي أم اختياري؟
- من المفترض أن يكون هناك تنسيق مع الوزارة بخصوص أي برنامج دعوي.
* ألا تخشون وجود تباين في الخطاب الدعوي بالمؤسسات التعليمية؟
- هذا الأمر منضبط بشكل كبير، وكما سمعتم مؤخرا التوجيه والتأكيد الصادر من وزير التربية والتعليم الأمير خالد الفيصل بالتدقيق في المناشط غير الصفية وما يقدم من محاضرات.
* هل هناك مرجعية موحدة للبلاد تشرف على المضمون الدعوي؟
- المرجعية الرسمية للجميع هي هيئة كبار العلماء، أما المرجعية التنظيمية فهي وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، فالمضمون الدعوي مضبوط بضوابط شرعية.
* هل لديكم وثيقة تحدد السياسات العليا للدعوة تترتب عليها معرفة محددات هوية الدعوة في السعودية تطبق على الجهات التي تحت مراقبتكم؟
- نعم، هناك أهداف ومهام للوزارة صادرة من المقام السامي الكريم تحدد السياسات العليا والأهداف المنوط بالوزارة العمل عليها، وهي لا تخرج عن محددات الدعوة إلى الله تعالى كما قررها علماء الإسلام قديما وحديثا. وهناك مجلس للدعوة والإرشاد تم إنشاؤه بأمر سام برئاسة وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد وعضوية الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي ونائب المفتي العام للمملكة ومديري جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ووكلاء وزارات الداخلية والشؤون الإسلامية والعدل وأمين المجلس وأربعة من المهتمين بشأن الدعوة إلى الله. ومهمة هذا المجلس رسم السياسات المتعلقة بالدعوة إلى الله ووضع الخطط العامة والتوجيهات المتعلقة بالمستجدات على الساحة الدعوية.
*تحدثت عن آليات، إلا أننا ما زلنا نلمس بعض التباين في الخطاب؟
- لا أظن أن هناك خروجا من حيث المضمون عن التوجه الرسمي في القطاعات الحكومية، أما الخطاب المختلف الذي لوحظ وتعاظم أثره في السنوات الأخيرة، فهو خطاب غير رسمي وغير شرعي، وما صدر مؤخرا من مقام خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - كفيل بمعالجة هذا الانحراف.
* هناك تجارب لعدد من الدول بصياغة محددات عقائدية ودينية وسياسية ترعاها وزارات الأوقاف، هل تؤيدون تطبيق ذلك في السعودية؟
- الأنظمة في السعودية وتجربتها في مجال الدعوة الإسلامية، تعتبر فريدة على مستوى العالم؛ فهي استطاعت أن تجمع بين العقيدة والشريعة، وبين التمسك بالهوية والانفتاح، وبين التراث والحداثة، دون غلو أو جفاء أو إفراط أو تفريط، وهو ما لم تستطعه كثير من الدول، مع العلم أن الكثير من التجارب تقتبس من تجربة السعودية، وهذا لا يعني عدم الإفادة مما لدى الآخرين من جوانب إيجابية يمكن الإفادة منها؛ ولذا لنا تواصل وتعاون مثمر مع كثير من الدول والمؤسسات الدعوية خارج البلاد لتطوير عمل الدعوة والوسائل الدعوية.
* ألا ترى أن هناك صوتا مغايرا غير متفِق مع الخطاب الديني الرسمي؟
- البرامج التي تقيمها جهات رسمية يفترض أن يكون لها ذات الصوت، وإذا حدث خلاف ذلك فهذا يعني وجود خلل، وأنا شخصيا لم ألحظ وجود اختلاف كبير فيما يقدم من الجهات الرسمية، لكن الاختلاف يأتي من الصوت غير الرسمي وغير الشرعي كما أشرت سابقا، وهو الصوت الحركي المؤدلج.
* بالنسبة للخطاب في الجامعات بات هناك اليوم من الأكاديميين من تبنّوا توظيف الخطاب الديني المسيّس، وبالأخص عبر المشاركات في مراكز وملتقيات محلية وخارجية، فما رأيك بذلك؟
- المؤسسات والمراكز والجمعيات المرخصة من جهات غير وزارة الشؤون الإسلامية، لا يحق لها نظاما إقامة أي منشط دعوي؛ لأن هذا خارج اختصاصها، وقد يكون هذا موجودا مع الأسف، لكنه يعد مخالفة نظامية تجري المحاسبة عليها.
* هناك مراكز تقوم على تقديم الاستشارات التربوية والاجتماعية والنفسية إلا أنها باتت تتخذ الجانب والإطار الشرعي؟
- هذا خطأ، وأنادي باحترام التخصص، فالمؤسسات الدعوية لا بد لها من أن تختص بتقديم البرامج الدعوية فقط دون غيرها.
* فما رأيك إذن في انخراط المختصين بالعلوم الشرعية في جانب الاستشارات النفسية؟
- الجانب النفسي تخصُّص محترم ومن غير المنطق أن يدخل فيه غير المتخصصين.
* بالنسبة لترخيص المراكز النسوية ما دوركم في هذا؟
- المراكز الاجتماعية النسوية لا تتبع الوزارة، ولا تعطي لها أي رخص، فالوزارة تشرف وترخص فقط للمؤسسات والمكاتب الدعوية.
* هل لدينا مكاتب دعوية نسائية؟
- بعض مكاتب الدعوة وتوعية الجاليات فيها أقسام نسائية، وهي مرخص لها من الوزارة.
* يواجه رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما عبر سابقا في أحد لقاءاته، قوى ضغط ترفض الإصلاح والتغيير في الممارسات والنظام.. ماذا بشأنكم؟ هل تواجهون أي مقاومة من خلال الإشراف والتوجيه على الأئمة والخطباء والدعاة؟
- ينبغي أن يخفف الإعلام الكلمات والمصطلحات والتعبيرات التي تؤثر سلبا في شحن المجتمع وتغذي فكرة الصراع الفكري والمنهجي؛ لأن هذا يحمل على استهلاك طاقات المجتمع المختلفة في معارك خاسرة. نعم هناك مقاومة للتغيير والإصلاح، وهذه طبيعة الحياة وطبيعة البشر، لكن ينبغي أن يدار هذا الأمر بطريقة صحيحة يكون فيها الحسم والحزم والحكمة، ويستفاد فيها من الاختلاف لتحقيق الائتلاف، وتكون التعددية في وجهات النظر داعمة لوحدة الصف وتقوية اللحمة الوطنية، وذلك كله دون إخلال بالثوابت الشرعية والوطنية.
* ما الآلية التي تتّبعونها لمراقبة محتويات خطب الجمعة، وما الضمانات لعدم استغلالها لتصفية حسابات أو الإثارة ضد الدولة؟
- خطبة الجمعة شعيرة عظيمة أعطتها الشريعة الإسلامية اهتماما كبيرا وخصتها بأحكام خاصة كثيرة، وما ذلك إلا لعظم أثرها على من يحضرها ويستمع إليها، والوزارة توليها اهتماما وعناية كبيرة؛ ابتداءً باختيار الخطيب وتعيينه، فلا يجري تعيين الخطيب إلا وفق شروط معينة، ومنها: أن يكون مؤهلا علميا وعمليا، وأن يكون مرضي الفكر والمنهج، ويتجاوز الامتحان والمقابلة الشخصية، وهذا يعني أن الخطباء لدينا على قدر من المسؤولية والتأهيل، وفي الواقع نجد منهم التزاما وتعاونا. أما ما يحدث من تجاوزات فهو محدود وموجود في جميع الميادين، ونحن نبادر لعلاجه في حينه، ما نضمن معه عدم خروج المنبر عن رسالته الشرعية، والمراقبة تتم عبر مسارات مختلفة، منها: فريق المراقبة في الوزارة وفروعها، وفريق برنامج العناية بالمساجد، ثم ما يرد للوزارة بشكل مستمر من ملاحظات المواطنين والمقيمين، وما ينشر في وسائل الإعلام المختلفة.
* ما الجديد في نظام ترخيص الداعيات، ومن الجهة المشرفة عليه باعتبار أن قطاع المرأة معزول؟
- بالنسبة للمرأة فهي ليست معزولة عن قطاع الدعوة، بل مشاركة وبتفوق في كثير من البرامج النسوية والبرامج العامة التي تكون فيها مساحة لمشاركتها، والوزارة تجيز شهريا عشرات البرامج والمحاضرات التي تقوم بها عناصر نسائية في جميع المناطق، كما أنها (أي الوزارة) تتوسع في إشراك المرأة في البرامج الدعوية المختلفة، فهي مسؤولة ومكلّفة بذلك مثل الرجل تماما، بل إن عليها مسؤولية قد لا يستطيعها الرجل؛ كالدخول إلى المجتمعات النسوية، ومن ثم لا بد من تكامل الرجل والمرأة في القيام بالمهمة الدعوية. والجهة التي تشرف على عمل المرأة في مجال الدعوة إلى الله تعالى، هي الجهة التي تشرف على عمل الرجل، وهي وكالة الوزارة لشؤون المساجد والدعوة والإرشاد.
* ماذا بشأن الترخيص للداعيات؟
- لدينا العشرات من الداعيات المتعاونات المأذون لهن بالمشاركة في الأوساط النسائية، والعمل يسير بشكل جيد، وهناك توجه لأن تكون لدينا داعيات رسميات، وهو في طور الإجراء.
* نشأت محاولات لإنشاء كيانات فتوى لمنافسة مراكز الفتوى التقليدية، كإنشاء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورأى البعض أنه محاولة لخلق مؤسسات منافسة لمؤسسات الدولة، ما موقفكم من هذه التجمعات؟
- بداية فإن الوزارة ليست الجهة المختصة بالفتوى في السعودية، وإنما المسؤول الرئاسة العامة للإفتاء والبحوث العلمية وما يتفرع عنها من هيئات ولجان مختصة بالفتوى برئاسة المفتي العام للسعودية، كما أن هناك أمرا ملكيا بضبط الفتوى وتقييدها بجهات الفتوى التي ذكرتها أعلاه، خاصة الفتاوى العامة وفتاوى النوازل وما يتعلق بالسياسة الشرعية؛ حماية لوحدة الصف وجمعا للكلمة من التشرذم والاختلاف.
* إلا أننا نلاحظ مزاحمة العمل الدعوي الرسمي بإنشاء اتحادات ورابطات دينية بعيدا عن الجهات الرسمية للفتيا في الدول العربية والخليجية؟
- الاتحادات والروابط التي أنشئت ولها الصفة الأممية غير معتبرة ومعروفة الأهداف والتوجهات والتبعية، وهي تحاول فقط إعطاء الصبغة الشرعية لبعض التيارات الحركية لبعض التنظيمات الموجودة إقليميا ودوليا، بهدف إيجاد مرجعية شرعية مصطنعة يجري من خلالها صرف أنظار المسلمين إليها، وهذا لن يحدث؛ لأنه في كل بلد إسلامي جهة فتوى شرعية معتبرة يرجع إليها الناس، كما أن هناك مجمعين فقهيين معتبرين تشترك فيهما الدول الإسلامية، أحدهما تابع لمنظمة التعاون الإسلامي في جدة، والآخر تابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة.
* لكن نرى عددا من الدعاة السعوديين منضمين إلى هذه الاتحادات والروابط؟
- نعم، وقلت إنها تمثل توجهات وتنظيمات معينة، فهؤلاء يكشفون أنفسهم بأنهم ضمن هذه التيارات والتنظيمات.
* أكدت في حديثك على تحديد الهوية الدينية بالهوية المبنية على الكتاب والسنة والسلف الصالح، إلا أننا نرى اليوم مزايدات من الداخل على هذا الخطاب، فما تعليقك؟
- بصراحة هناك بعض التوجهات الحركية التي غزت السعودية في العقود الأخيرة تحاول الاستفادة أو استغلال المؤسسات الدعوية والاجتماعية والثقافية والتعليمية لتمرير خطاب دعوي معين لا تتمكن من تمريره عبر المراكز الرسمية، وهنا تأتي أهمية التنسيق بين الوزارات والأجهزة الحكومية والجامعات، بحيث تضمن احترام التخصص وضبط المؤسسات، وأن تكون هناك استراتيجية عمل موحدة تنطلق من ثوابت المملكة يلتزم بها الجميع ويحاسب من يخالفها، وما صدر مؤخرا من تنظيمات يساعد على ذلك بدرجة كبيرة.
* صدر أخيرا قرار ملكي بتجريم عدد من الأحزاب السياسية والتنظيمات المتطرفة، ما تعليقكم؟
- لا شك في أن القرار أتى في وقته المناسب، ويعتبر مفصلا في تاريخ المملكة، ويأتي ليشكل نقلة في ضبط العمل الدعوي وعدم استغلاله لتحقيق أغراض سياسية وفكرية منحرفة؛ لأن ضبط هذه المسائل سيعالج كافة الثغرات التي استطاعت من خلالها التيارات الحركية الوصول لعقول الشباب لإثارة المجتمع وتوجيهه وفق أجندات خارجية مخالفة لمنهج الحق والوسطية والعدل والسلام.
* نص القرار على تشكيل لجنة من ست جهات حكومية كانت وزارة الشؤون الإسلامية من بينها، أين تكمن أهمية دوركم؟
- دورنا يكمن في المشاركة بحصر التيارات والأحزاب التي يمكن أن تحظر بالتعاون مع الجهات المشاركة في اللجنة، وكذلك ما تراه اللجنة من توصيات بهذا الشأن.
* شاع في الآونة الأخيرة حمل شعارات حزبية وتنظيمية من قبل عدد من الدعاة والمشايخ، ما تعليقكم على ذلك؟
- أتحدث هنا عن منسوبي وزارة الشؤون الإسلامية والمتعاونين معها، وهم جميعا محل تقدير، كما أنهم بذات الوقت محل متابعة، فلا فرق بين ما يقوله الداعية على منبر المسجد أو في قاعة المحاضرات أو في تويتر، وبالطبع فإن حمل أي شعارات يعد أمرا مخالفا تتوجب محاسبة من قام به كائنا من كان، ويجب أن يكون سمت الداعية واحدا، وأن يكون بوجه واحد، ولا يكون مختلف التوجهات ما بين منبر وآخر؛ لذلك فالخطباء والدعاة محل متابعة إذا بدرت منهم أي مخالفة، كما أننا في الوقت ذاته ندعو باستمرار الدعاة وكافة منسوبي الوزارة إلى المشاركة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بغرض نشر الوسطية والتسامح، ومن يخالف ذلك ويجنح إلى الغلو والتطرف والإقصاء تتم محاسبته.
* بتنا نلحظ خلال السنوات الأخيرة بداية انخراط الداعيات في الشأن السياسي والتنظير حول القضايا الدولية والعربية، ما سبب ذلك؟
- الاختراق الحركي للمجتمع النسوي بدأ منذ فترة بعد اختراق المجتمع الرجولي، وليس فقط على المستوى المحلي، فالتنظيمات تركز على الشرائح النسوية لسهولة الاستفادة منها والوصول إلى مواقع لا يستطيع الرجل الوصول إليها. وبالنسبة للداعيات المتعاونات مع الوزارة إذا وجدت عليهن ملاحظات فإنه يجري اتباع ذات الأسلوب في المحاسبة والتوجيه بلفت النظر أو الاستبعاد، كما أن هناك داعيات لا يسمح لهن بممارسة أي برامج دعوية، وهذا الأمر معمول به منذ سنوات. وذكرت أن هناك محاولات لاختراق المؤسسات الخيرية، سواء التي تشرف عليها الوزارة أو غيرها، من قبل التيارات الحركية، وهذا مأخوذ في الحسبان وتتم مراقبته.
* بعض الشخصيات في الوزارة تنشط في مواقع التواصل الاجتماعي وإبداء الرأي في أمور تخالف توجهات الوزارة، ما الإجراءات المتبعة في ذلك؟
- إن كانت هذه المخالفات شرعية أو نظامية فهناك إجراءات تتبعها الوزارة لمعالجة تلك المخالفات بالطرق المناسبة التي تكفل عدم تكرر المخالفة من خلال التنبيه والاستدعاء والتعهدات وأحيانا تصل إلى طي القيد، ولكل مقام مقال، والموظف الحكومي يفترض فيه الالتزام بمبدأ الحياد الوظيفي وعدم الخروج على ولي الأمر ولو بالكلمة والإشارة، ويتأكد هذا أكثر على من كان في وظيفة شرعية كالدعاة والأئمة والخطباء ومن في حكمهم، فهم أولى الناس بذلك ويمثلون قدوة لغيرهم.
* ما المعايير المحددة لمشاركة الدعاة السعوديين في الخارج؟
- هذا يأتي في سياق الاتفاقيات الثنائية والتعاون بين السعودية وتلك البلدان، دون المساس بسيادة الدول أو التدخل في شؤونها الداخلية، وأن يكون ذلك عبر القنوات الرسمية حسب نظام كل دولة.
* ما موقف الوزارة حيال الجولات الدعوية الشخصية التي يقوم بها الدعاة، وهل تتطلب موافقة مسبقة من قبلكم، وهل هناك أي نظام لضبطها؟
- لا يجوز لأي سعودي القيام بأي نشاط دعوي داخلي أو خارجي إلا وفق القنوات الرسمية وتحت مظلة نظامية كما أشرت سابقا، وأي مناشط دعوية خارجية لا بد من أن تتم عبر القنوات الرسمية وبحسب قوانين تلك الدول، وفي الغالب تكون هناك دعوة من قبل بعض المؤسسات الرسمية أو الخيرية وتمر عبر القنوات الرسمية بين الدولتين، وما لا يجري عبر ذلك يعد مخالفة نظامية، وأي داعية، سواء كان رجلا أو امرأة، شارك في أي نشاط بطريقة غير نظامية، يتحمل هو والجهة المنظمة مسؤولية المشاركة وتبعاتها.
* عبر من تتم المحاسبة؟
- من قبل الجهة التنفيذية في الدولة.
* هل يشترط لممارسة النشاط الدعوي داخليا وخارجيا أن يكون الداعية منتسبا لوزارتكم؟
- نعم، وغير ذلك يعد مخالفا للنظام.
* كيف تقيّم تجربتكم وأداءكم في الوزارة بشأن الإرهاب، أين أخفقتم، وأين أصبتم؟
- الوزارة من أبرز الجهات التي اعتنت بمواجهة التطرف والغلو منذ بداية الأحداث في السعودية، بل قبلها؛ وذلك من خلال البرامج الخاصة لترسيخ الوسطية والاعتدال وتنمية ثقافة الحوار وتحقيق الأمن الفكري لدى الدعاة والخطباء وأئمة المساجد، ليقوموا بدورهم في مواجهة التيارات المنحرفة وبيان فقه الأزمات والجهاد. أما ما يتعلق بالإصابات والإخفاقات فهذه من طبيعة العمل البشري، والعبرة بالغالب، وأظن أن النجاحات كبيرة، أما الإخفاقات فهي مهما كانت محدودة في برامج أعتني بالتخطيط لها ومتابعة تنفيذها، ومع ذلك فلا بد من قصور البشر غير المقصود.
* برأيك، أين يكمن الخلل في مواجهة الفكر المتطرف؟
- نحتاج إلى التقليل من الأطروحات النظرية التي تغلب على مناقشات بعض المشاركين، مقابل مناقشة الواقع بإعداد المدربين في هذا التخصص، فإضافة إلى العلم الشرعي المؤصّل نحتاج إلى أبعاد أخرى نفسية واجتماعية وسياسية واقتصادية ونظامية، وكل ذلك بمنهجية وموضوعية وعلمية متخصصة. أيضا نحتاج إلى مزيد من الاعتناء بالأساليب والوسائل التي تهتم بعلوم الاتصال ومهارات الإقناع واستخدام التقنية والتحليلات الإحصائية والوثائقية من أجل أن تكون برامجنا أكثر تأثيرا وأبعد عن الإنشائية والتقليدية. هذا من الناحية النظرية، أما في الجانب التطبيقي فنحتاج إلى مواجهة الفكر المتطرف بمزيد من الحزم، وأن تكون هناك استراتيجية وطنية موحدة يلتزم بها الجميع ويحاسب من يخل بها.
* رغم التوجيهات برفع الصوت والاقتصار على الأذان الجهري وفتوى ابن عثيمين في إجازة هذا الأمر، فإننا ما زلنا نلمس عدم الاستجابة بخفض الأصوات وتداخلها، أوضح لنا بصراحة سبب عجزكم عن مراقبة هذا الأمر؟
- ليس هناك عجز، لكن هناك فتوى من اللجنة الدائمة للإفتاء تحكم ذلك، وهي بخلاف ما ذكرتِه، ونحن نسير عليها في الوزارة وملزمون بها، إضافة إلى تنظيم وضع المكبرات الخارجية بحيث لا تزيد على أربعة في المئذنة الواحدة بحسب الاتجاهات الأربعة الرئيسة، وأن تكون درجة الصوت متوسطة، ومن يخالف ذلك يحاسب.



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.