انتشار ظاهرة القراءة في مجموعات نسائية

سعوديات يجتمعن كل أسبوعين لقراءة كتاب ومناقشته

انتشار ظاهرة القراءة في مجموعات نسائية
TT

انتشار ظاهرة القراءة في مجموعات نسائية

انتشار ظاهرة القراءة في مجموعات نسائية

«(الحمام لا يطير في بريدة)، و(شقة الحرية والحزام)، بهذه المؤلفات السعودية بدأنا ومنها توسعنا عربيا وأجنبيا وباللغة الإنجليزية كذلك».. الحديث أعلاه لعضوة بنادي كتاب سعودي نسائي، التقيناها ضمن مجموعة مثقفات يتجمعن شهريا وأحيانا كل أسبوعين لقراءة كتاب ومن ثم عرضه للنقاش وتبادل الآراء حول مضمونه وأسلوبه ورؤياه، وتلك ظاهرة أكثر انتشارًا بين قطاعات من سيدات العاصمة الرياض.
لقاءات الكتاب تتم في أجواء جد مختلفة عن أجواء الدعوات النسائية حيث الموائد أكثر من عامرة والحرص ظاهر على ارتداء آخر صيحات الموضة والانشغال باد بتبادل أخبار الإجازات والأخريات، فيما تمتاز نوادي الكتاب النسائية بكونها ظاهرة «ثقافية مسائية» مميزة، تتم في لقاءات منزلية بسيطة المظهر عميقة الجوهر.
«إن حب القراءة والاطلاع هواية متأصلة بين الشباب بالسعودية»، هذا ما قالته لنا الدكتورة مي حمد الجاسر، وهي من المؤسسات لـ«نادي الكتاب النسائي العربي» بالعاصمة النمساوية فيينا، تقول الدكتورة مي: «كما أذكر فإن معرض الكتاب بالقاهرة كان يقام إبان عطلة نصف العام للاستفادة من القوة السعودية الشرائية للكتب».
وتضيف: «الجديد هو انتشار ظاهرة القراءة في مجموعات نسائية، تهتم بنقاش وتبادل الآراء ونقد ما تقرأ. ولا شك أنها ظاهرة حميدة ومفيدة ويا ليتها تتوسع أكثر وأكثر».
بدورها تؤكد منى الحميدي التي التقيناها بمدينة الرياض ضمن مجموعة نسائية تهتم بالقراءة والنقاش جماعيا أن «الاشتراك بصورة منظمة ضمن مجموعة يشجع على برنامج ثابت لاختيار كتاب بعينه، ومن ثم تخصيص وقت وتحديد مكان لطرح الكتاب للنقاش والتفكر وتبادل الآراء حول ما جاء فيه. وكثيرا ما تضم تلك النوادي أناسا قد لا يربطهم غير هذا الهدف».
وتشرح الحميدي: «لكن ومن واقع تجربتي، فإن النقاش يكون أعمق وأكثر ثراءً بين مجموعة محددة صغيرة ومتجانسة يتيح مزيدا من الفرص لعرض الآراء بصورة أهدأ وأوسع، كما يساعد على عدم انفراط الجمع وتشعب اللقاء لـ(ونسات) جانبية، ويزيد من الحرص أن يظل الكتاب المختار موضع الاهتمام ومحور الحديث».
وردا على سؤالنا عن أصل الفكرة: قالت إيمان، وهي عضو في مجموعة لا يزيد عددها عن 14 «إنها وشقيقتها اختارتا مجموعة تضم بدورها صديقتين شقيقتين شجعتا أخريات بهدف قراءة كتب لم يطلعوا عليها من قبل. وبالفعل ساعدتني المجموعة على قراءة كتب لم أكن اختارها من قبل ولم تكن تلفت نظري».
من جانبها، ذكرت عضو المجموعة خلود: «انضممت للمجموعة بعدما سمعت عن فوائدها من أخريات أحببن كيفية طرح كتاب للنقاش في جدية والتزام، وسط مجموعة متنوعة، عمرا وثقافة، تختلف آراؤها رغم علاقة الصداقة التي تربط بين أعضائها».
فيما قالت سارة إنها انضمت أساسا «بحثا عمن يشجعها على القراءة ضمن توقيت محدد وفي فترة زمنية وجيزة»، موضحة أن المجموعة تختار عن طريق التصويت كتابا ومن ثم يتم تحديد موعد نقاشه، وهناك إلزام «محبب» وإن كان صارما للاهتمام بالمواعيد والقراءة والمشاركة بالنقاش»، مضيفة أن مجموعتهن تمنح نقاطا للحضور ونقاطا للقراءة ونقاطا للنقاش، وعقب كل فترة يتم اختيار أكثر المشاركات التزاما وتمنح هدية تشجيعية».
وعن كيفية اختيار الكتب خاصة مع تنوع الأذواق، قالت منى الحميدي: «تأتي الاقتراحات من عضوات المجموعة، وأحيانا يكون الكتاب المقترح من تلك التي فازت بجائزة أو كتاب مشهور أو لكاتب معروف، وأحيانا نفضل كتبًا كلاسيكية قديمة وجيدة لم يتسنَ لنا الاطلاع عليها من قبل».
الجديد بين هذه المجموعة أنها وإن بدأت القراءة بكتب عربية، خاصة لمؤلفين سعوديين، إلا أنها توسعت وتنوعت بكتب ومؤلفات باللغة الإنجليزية، بل وتحرص من حين لآخر على مشاهدة الكتب التي يتم تمثيلها كأفلام روائية.
هذا وتواجه المجموعة أحيانا مصاعب في الحصول على الكتب مما يزيد من الجهد الشخصي للعضوات في البحث عما يرغبن في قراءته بمختلف الطرق. ومما يساعدهن على سبيل المثال اللجوء لتطبيقات وبرامج إلكترونية، ومكتبات سعودية أصبحت الأوسع انتشار في توصيل الكتب منزليا، بإضافة مبالغ قليلة لا تذكر عن سعر السوق، مثل «بوكتشينو» التي بدأت بالرياض كفكرة ونجحت في تسهيل الحصول على الكتب منزليا، بجانب فرص شراء الكتب أثناء السفر.
وعن دور معرض الكتاب الذي يقام سنويا، وأصبح فعالية ثقافية ومنذ سنوات بمدينة الرياض، في توفير الكتب؟؟ أجمعت المتحدثات أن المعرض فرصة جيدة لتوفير كميات من الكتب بما في ذلك كتب للأطفال، وكتب متخصصة.
إلى ذلك أشارت القارئات في هذه المجموعة ومجموعتين أخريين، إحداهما تضم 46 سيدة، لأهمية أن تتوسع مجهودات معرض الكتاب بالرياض لعقد وإجراء مزيد من اللقاءات مع مؤلفين مما يوفر فرصًا أوسع للنقاش مع المؤلف.
من جانب آخر، تفضل مجموعات أن تبادر العضوات باقتراح ما يحببن قراءته لعام كامل، وبعد الاتفاق، يتم طلب الكتب كمجموعة متكاملة مما يساعد في خفض سعر الشراء، وبالطبع يمكن أن تتشارك العضوات في تمويل عملية الشراء وتداول الكتب فيما بينهن، وليس بالضرورة أن يكون لكل كتابها الخاص، كما يمكن قراءة بعض الكتب إلكترونيا.
وردًا على اتهامات «رجالية» بان لقاءات «نادي الكتاب» ما هي الا» جمعات» لملأ فراغ خاصة وان مدينة الرياض تفتقر عموما لوسائل الترفيه والثقافة نسائيا، جاءت الإجابة ان معظمهن امهات وموظفات وصاحبات أعمال» مشغولات» ولا أوقات فراغ لديهن، متسائلات بدورهن عن الضرر في أن تملأ حتى من لها فراغ وقتها بنشاط مفيد يشجع بالضرورة زوجها وبقية أسرتها وصديقاتها على القراءة.
وعن السبب وراء اختيار ساعات مسائية وماذا عن الالتزامات الاسرية، أكدن أن الأمر يعود لكثرة المشغوليات صباحا، مضيفات أن «البوك كلب» يبدأ بعد الانتهاء من الالتزامات الأسرية والعناية بالأطفال، مضيفات أن طابع الحياة الاجتماعية والأنشطة الاجتماعية والترفيهية والثقافية بما في ذلك المجالس الرجالية مسائي بالمملكة. وعادة تتم معظم اللقاءات ما بين الساعة الثامنة وحتى العاشرة مساء.
وفي معرض إجابة على سؤال آخر حول دور «الشبكة العنكبوتية» في توسعة فرص القراءة وسهولة الاختيارات، وافق الجميع على أن «النت» ساعد دون شك في توسعة الاختيارات، دون سنسرة أو منع، ولا يزال الإمساك بكتاب وتقليب صفحاته متعة لا تضاهيها متعة.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».