مفاوضات موازية روسية ـ أميركية في جنيف للاتفاق على صفقة لسوريا

تأكيدا لما نشرته «الشرق الأوسط».. ودي ميستورا يقترح ثلاثة نواب رئيس إلى جانب الأسد

عناصر من الدفاع الوطني يبحثون عن أحياء إثر غارة جوية ضد المعارضة في الجزء القديم من حلب أمس (رويترز)
عناصر من الدفاع الوطني يبحثون عن أحياء إثر غارة جوية ضد المعارضة في الجزء القديم من حلب أمس (رويترز)
TT

مفاوضات موازية روسية ـ أميركية في جنيف للاتفاق على صفقة لسوريا

عناصر من الدفاع الوطني يبحثون عن أحياء إثر غارة جوية ضد المعارضة في الجزء القديم من حلب أمس (رويترز)
عناصر من الدفاع الوطني يبحثون عن أحياء إثر غارة جوية ضد المعارضة في الجزء القديم من حلب أمس (رويترز)

تشهد مدينة جنيف السويسرية نوعين من المحادثات، الأول منها علني ويجري في قصر الأمم وأطرافه المبعوث الدولي لسوريا ستيفان دي ميستورا ووفدا النظام السوري و«الهيئة العليا للمفاوضات»، و«مجموعة القاهرة - موسكو»، و«الهيئة النسائية السورية» والمجتمع المدني. وهذه النشاطات يستضيفها «قصر الأمم». كذلك يستضيف قصر الأمم اجتماعات هيئتي الاتصال المنبثقتين عن «مجموعة الدعم لسوريا» الخاصتين بوقف الأعمال العدائية وبإيصال المساعدات الإنسانية.
أما النوع الثاني، البعيد عن الأنظار والأضواء، فهو يحصل في الفنادق الكبرى للمدينة السويسرية ما بين فندق «كونتيننتال» القريب من قصر الأمم وفندق «كمبينسكي» (الهيلتون سابقا) على ضفة بحيرة جنيف اليمنى، وفنادق أخرى من فئة خمسة نجوم. و«أبطال» هذا النوع الثاني من النشاطات بعض مندوبي الدول، خصوصا الغربية، التي تتشكل منها مجموعة الدعم لسوريا الذين يلتقون يوميًا، وأحيانا عدة مرات في اليوم. لكن الأهم منها لقاءات ثنائية أميركية - روسية كشفت عنها «الشرق الأوسط» في عددها يوم أمس. وهذه اللقاءات يغلفها ستار سميك من التكتّم حتى على أعضاء أساسيين من «مجموعة الدعم» مثل الدول الأوروبية الرئيسية أو أطراف إقليمية وخليجية. ووفق أكثر من مصدر، فإن ما يحصل في جنيف بخصوص رسم مستقبل سوريا عن طريق بلورة عناصر «صفقة» ثنائية يجري لاحقًا عرضها أو فرضها على الجميع شبيه بما حصل في العاصمة النمساوية فيينا خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي عندما اتفقت موسكو وواشنطن على هدنة تم لاحقًا التسويق لها، وهي التي أنتجت فيما بعد قراري مجلس الأمن الرقم «2254»، ثم الرقم «2268».
وأمس، أكدت مصادر دبلوماسية غربية وأخرى من المعارضة السورية الخبر الذي نشرته «الشرق الأوسط» عن وجود مباحثات روسية - أميركية بشأن «الصفقة» التي يجري العمل على إعدادها في جنيف من أجل توفير «مظلة» للمحادثات التي يقودها المبعوث الدولي. ومما يجري بحثه ثنائيا بين الطرفين، ليس فقط الإبقاء على رئيس النظام بشار الأسد في المرحلة الانتقالية، وإنما أيضا أن يكون له دور رئيسي فيها، بما في ذلك إعداد الدستور والانتخابات المفترض أن تجرى بعد 18 شهرا من انطلاق المحادثات بين الأطراف السورية التي بدأت في 14 مارس (آذار) الماضي. وفي سياق مواز، علمت «الشرق الأوسط» تفاصيل ما حصل في الاجتماع الذي أجري بين دي ميستورا ووفدي النظام، ثم «الهيئة العليا للمفاوضات»، خصوصًا ما قيل عن اقتراح من المبعوث الدولي بأن يبقى الأسد في السلطة مع تعيين ثلاثة نواب رئيس له مع صلاحيات تنفيذية. وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة على مجريات ما يحصل في جنيف وأخرى من المعارضة السورية، فإن المبعوث الدولي لم يقدم «اقتراحا مباشرا» بهذا المعنى لوفد المعارضة، ولم يعرض المقترح على أنه صادر عنه، بل عرضه على أنه أحد المقترحات المطروحة - التي لم يسم مصدرها - لردم الهوة القائمة بين مواقف المعارضة والنظام من موضوع مصير الأسد، بحيث يتم تعيين ثلاثة نواب للرئيس بصلاحيات تنفيذية، وأن يبقى الأسد في منصبه. ووصف مصدر من المعارضة السورية كلام دي ميستورا بأنه جاء بمثابة «بالون اختبار». إلا أن وفد الهيئة العليا، ممثل المعارضة، رفض المقترح، وأعاد تأكيد التمسك بتشكيل «الهيئة الحاكمة كاملة الصلاحيات للمرحلة الانتقالية»، وهو موقفها المبدئي الذي لم يتغير وإعلان الجهوزية للحل السياسي. كذلك طالب وفد المعارضة المبعوث الدولي ببذل الجهود اللازمة من أجل تعزيز الهدنة التي تكاد تسقط بفعل العمليات العسكرية في حلب ومنطقتها، كما شدد وفد المعارضة على ضرورة إيلاء موضوع إيصال المساعدات الإنسانية الأولوية. لكن المعارضة حرصت في الوقت عينه على ألا يتحول موضوع المساعدات إلى مادة للنقاش، لأنه مسؤولية دولية وأحد بنود القرار «2254». وهو ما يفسر إصرارها على الفصل بينه وبين الملف السياسي، كي لا يكون وسيلة ضغط وابتزاز من طرف النظام. وفي السياق نفسه، فإن وفد «الهيئة العليا» عاد ليؤكد تمسكه بتسلسل زمني واضح للعملية السياسية التي يفترض أن تبدأ بتشكيل هيئة الحكم الانتقالي وتحديد آليات عملها وفق مبدأ التوافق المتبادل. وأشار إلى أن المعارضة تقبل بانضمام وزراء من التكنوقراط إليها. بيد أن مصدرًا دبلوماسيًا غربيًا نصح المعارضة بألا تتوقف كثيرًا عند التسميات، «لأن المهم هو الصلاحيات وليست التسميات».
أما فيما يخص اجتماع دي ميستورا مع وفد النظام، فقد علمت «الشرق الأوسط» أن الرد المكتوب الذي حمله بشار الجعفري على «ورقة» المبعوث الدولي التي جمع فيها «المبادئ» التوافقية بين طرفي النظام والمعارضة، فقد حذف منها تعبير «الحكم الانتقالي»، وحلت مكانه عبارة «حكومة وحدة وطنية» وفق فهم النظام للعملية السياسية. وثمة تعديلات أخرى أقل أهمية طلب الجعفري من دي ميستورا أن يدرسها خلال نهاية الأسبوع، وأن يعرضها على وفد المعارضة، على أن يأتيه بالجواب في الاجتماع المقبل مع المبعوث الدولي ظهر الاثنين.
وكان لافتا في حديث الجعفري المقتضب للصحافة عقب لقائه دي ميستورا أنه لم يأت بتاتًا على عملية الانتقال السياسي ولا على تشكيل الهيئة المفترض أن تقود هذه المرحلة. لكنه، بالمقابل عاد للتشديد على «مبادئ» الحل السياسي، وذهب إلى حد تبني أبوة الورقة التي قدمها دي ميستورا، متناسيًا أن الأخير انتقده أكثر من مرة بشكل واضح بتأكيده أن الكلام على المبادئ مهم، لكن الأهم هو الدخول في صلب العملية السياسية والمرحلة الانتقالية. ودفع هذا الوضع العميد أسعد عوض الزعبي، رئيس وفد «الهيئة العليا»، عقب اللقاء مع دي ميستورا مساء أول من أمس (الجمعة)، إلى اتهام النظام بـ«عدم الجدية» في البحث عن حل سياسي، بينما رأت مصادر غربية أنه «يسعى لكسب الوقت، لا بل إلى نسف هذه الجولة من المحادثات لتلافي الدخول في موضوع تشكيل هيئة الحكم الانتقالية». وكان وفد النظام قد وصل إلى جنيف بعد ستة أيام من التاريخ الذي حدده المبعوث الدولي، بحجة حصول الانتخابات البرلمانية في سوريا. كذلك رأى الزعبي أن استفحال العمليات العسكرية التي تقوم بها قوات النظام غرضه نسف الجهود السياسية والسعي للحلول العسكرية، مما سيعني تدمير البلاد بالكامل. وأمس، كان متوقعا وصول منسق الهيئة العليا للمفاوضات، الدكتور رياض حجاب، إلى جنيف، وأول نشاطاته الاجتماع بسفراء «النواة الصلبة» من أصدقاء المعارضة، ثم بالوفد المفاوض للاطلاع على آخر التطورات.
وعلى صعيد موازٍ، دعت الفصائل السورية المسلحة الممثلة في وفد «الهيئة العليا» في جنيف دول العالم إلى «تحمل مسؤولياتها»، إذا كانت حقيقة تريد محاربة «داعش»، والقضاء على هذا التنظيم المتطرّف. وفندت هذه الفصائل، في لقاء صحافي هو الأول من نوعه في المدينة السويسرية، العلاقات التي وصفتها بـ«العضوية والوظيفية» بين «داعش» والنظام السوري، عارضة تفاصيل كثيرة حول التعاون بين الجهتين، وكذلك بين النظام والميليشيات الكردية المنضوية تحت لواء حزب الاتحاد الكردي وميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية في شمال وشمال شرقي سوريا، مضيفة أنها تتعرض لهجوم مثلث الأضلاع من هذه الأطراف الثلاثة. وفي المؤتمر المذكور، حضر الرائد حسن إبراهيم (أبو أسامة) عن الجيش السوري الحر، وأبو صلاح الشامي، وسامر حبوش، ومحمد علوش، ممثلين لجبهتي الشمال والجنوب وتنظيم جيش الإسلام. وفي عرض مستفيض، شرح إبراهيم تاريخ العلاقة بين النظام في دمشق والتنظيمات الإرهابية منذ احتلال العراق في عام 2003 حتى سقوط تدمر متوقفًا عن العلاقة الاقتصادية بين الطرفين، خصوصا في ملف الغاز والبترول. وذكر الرائد إبراهيم أسماء رجال أعمال سوريين كثيرين منهم جورج حسواني ومحمود الحمودي وجميل قرقتلي، ادعى أنهم ضالعون في تسويق الغاز والنفط وإقامة الصلة بين النظام و«داعش» حول المصالح الاقتصادية. كذلك سرد إبراهيم جملة تفاصيل حول وضع «داعش» يدها على مستودعات أسلحة كانت تابعة للقوات النظامية السورية في خان طومان وحماه (الحمرا)، واتهم صدام الحلقي وهو سائق وائل الحلقي، رئيس حكومة النظام، بأنه يشكل صلة الوصل بين النظام و«داعش». كذلك ذكر إبراهيم أن ما يسمى «حزب الله»، بإيعاز من طهران، درّب أعضاء من «داعش» في جنوب لبنان على تصنيع القنابل، وهي أمور تحتاج إلى خبرات ومهارات.
وإزاء هذا التعاون بين الطرفين، أكد المسؤول العسكري الذي جاء إلى جنيف، لأن الفصائل السورية «تؤمن بالحل السياسي»، أن الجيش السوري الحر والفصائل المعارضة الأخرى تتعرّض لعمليات عسكرية متوازية ومتزامنة من قوات النظام ومن «داعش»، وأيضًا من ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية. وبحسب المسؤول المذكور، فإن الجيش الحر والفصائل المسلحة المعتدلة هي «المستهدفة» من قبل قوات النظام ومن «داعش»، كما في بلدة مارع، ريف محافظة حلب الشمالي، مثلا. هذا وتتجه الأنظار منذ أسابيع إلى الجبهة الشمالية، ومحافظة حلب بالذات. ويؤكد مسؤولو المعارضة العسكريون أن قواتهم بصدد تجميع وحداتها، من أجل استعادة المناطق التي كانت قد خسرتها هناك.
بيد أن هؤلاء يطلقون صفارة الإنذار مما قد يحدث لمليون شخص في مدينة حلب ومحيطها إذا ما نجح النظام في قطع ما يسمى «طريق كاستيلو» الذي يوفر التموين لحلب. فإذا ما حقق النظام هدفه، فإن حلب ستكون قد حوصرت تماما، مما سيعني قطع المساعدات عنها ووقوع أكبر أزمة إنسانية في الحرب السورية. وبالنظر إلى استفحال انتهاكات الهدنة واشتداد القتال على نطاق واسع، وجه الوفد العسكري السوري المعارض دعوة إلى الدول التي رعت الهدنة، وكذلك إلى مجلس الأمن الدولي، من أجل التحرك وحماية الهدنة، لأن نسفها سيعني تهديد المحادثات وربما القضاء عليها. وعلمت «الشرق الأوسط» من أوساط المبعوث الدولي دي ميستورا أنه إذا بقيت الأمور على حالها سيتوجه مجددًا إلى مجلس الأمن الدولي لطلب مساعدته على لجم التدهور والمساعدة على إيصال المساعدات الإنسانية.



الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.