الأساس الفلسفي للدولة عند عبد الله العروي

تطور النظام الرأسمالي العالمي أفضى إلى أداة تحكم عالمية

الأساس الفلسفي للدولة عند عبد الله العروي
TT

الأساس الفلسفي للدولة عند عبد الله العروي

الأساس الفلسفي للدولة عند عبد الله العروي

كتب عبد الله العروي حول مفهوم التاريخ والدولة والحريّة، ونحت مفهوم الأُدلُوجة والتاريخانيّة. وكتب في العقد الأخير، عن السيّاسة والدّين والإصلاح والتحديث. وترجم نصوصًا فلسفيّة وتاريخيّة، بالنظر إلى ضرورتها لرفع الوعي العربي إلى مستوى أرقى، يمكّننا من التحاور مع الحضارة البشريّة الأخرى. ويستحضر في تأصيله لهذه المفاهيم، المقاربة الفلسفيّة والتاريخيّة والقانونيّة. وذلك بهدف استقراء التداول العربي القديم والمعاصر، لفهم ميكانيزمات حضورها في فكرنا الراهن.
تمثل لحظة هيغل، نقطة مِفصليّة في تاريخ الفكر الفلسفي في نظر العروي؛ لأنه يمثل أحسن من لخّص أقوال أفلاطون ومكيافيلي في الدولة، وأحسن من فند أقوال أوغسطين وروسو وكانط. فعند هيغل: «تتوحد كل الجداول القديمة، ومنه تتفرع المذاهب العصريّة». أي «نقطة الوصل بين الفلسفة الكلاسيكيّة والفلسفة العصريّة». ولا يمكن الاستغناء عنه أبدا لفهم اللحظة الانتقاليّة.
يشدِّدُ العروي على مكانة مفهوم الحريّة عند هيغل، لجهة أن الدولة هي من يقرر حريّة الفرد بما هي حرية الذات. ولا تقف أمام تلك الحريّة التي تُمنح للفرد: «يمكن أن نعتبر أن الدولة عامة، تزداد كمالاً كلما كان ما يترك لمبادرة الفرد، لكي يعمل فيه حسب رأيه الخاص، أقل أهميّة مما ينجز جماعيًّا» (هيغل). لا تقوم الدولة على التضحيّة، وليست في خدمة الفرد، لأنه لا يمكن تصور أخلاق فوق الدولة أو مجتمع فوق الدولة. وفي الوقت عينه، وإن كانت الدولة غير مبنيّة على المصلحة، فإنها لا تقف في وجه هذه المصلحة. لكنها لا تتعداها بالنظر إلى احتضانها منظمات مكلفة بالسهر عليها.
بدأ سؤال الدولة عند هيغل، في كتابه: «دستور ألمانيا». وفيه قارن بين الدولة الألمانيّة والإنجليزيّة والفرنسيّة، واصفا ألمانيا بأنها مجرد مجموعة إنسانيّة لا تملك تصورًا عقليًّا (الدفاع عن الحدود مثلا)، وبالتالي ليست دولة. وتطور في كتبه اللاحقة، وخاصة، في «مبادئ فلسفة الحق» حيث يعرف الدولة بقوله: «الدولة هي الفكرة الأخلاقيّة الموضوعيّة إذ تتحقق، هي الروح الأخلاقيّة بصفتها إرادة جوهريّة تتجلى واضحة لذاتها، تعرف ذاتها وتفكر بذاتها وتنجز ما تعرف لأنها تعرفه». وهو تعريف مجرد لا يتعلق بدولة ما، بل بمفهوم الدولة كما تطور عبر التاريخ من البداية إلى النهاية. ينتقل من خلاله هيغل من الاجتماعيات والتاريخ والقانون إلى الفلسفة. يختزل هذا التعريف، تصورًا مثاليًا ومطلقًا للدولة. حيث التطابق بيّن بين فكرة الدولة بوصفها تصورا، والتجسيد العقلي للدولة، بما هي دولة في ذاتها. وهذا ما دفع العروي إلى التساؤل: هل هذا التصور الذي يختزل الدولة «في الدولة في ذاتها»، ينظر إلى الدولة بوصفها دولة عقليّة علميّة أم أن الدولة خرافيّة، أسطوريّة؟
يعود العروي إلى أرنست كاسيرر، لإبراز أطروحة أعداء «الدولة في ذاتها». لأن دولة هيغل هي الدولة العقلانيّة التي لا تستسلم للنزوات الفرديّة. تربي الناشئة حسب آرائها. توحد التنظيمات وتجسد الروح القوميّة، أو حقيقة الجنس وليس روح الفرد. كما يعود إلى تأويل إريك فايل، الذي حكم على هيغل حكمًا مغايرًا للذين يصنفونه، في مقابل كانط، ويجعل من هيغل، لا موقفا أسطوريًا، بل نظريّة علميّة حول الدولة، كما هي الآن، وكما ستكون باستمرار، ما دامت ضروريّة للإنسان: «إن نظرية هيغل في الدولة صحيحة، لأنها تحلل بكيفية صحيحة، الدولة القائمة في عصره وفي عصرنا. يمكن تجاوزها ولا يمكن بتاتا تنفيذها» (مفهوم الدولة، 28)، لكن كيف يمكن تجاوز الدولة حسب فايل؟
أولا، يرى فايل أن الدولة يمكن تجاوزها أولاً، داخل الجدل التاريخي ذاته: عن طريق الحرب. فالمجتمع العام بالنسبة للدولة المستقلة، هو الذي سيؤدي إلى ظهور منتظم دولي عالمي، بعد أن تسأم المجتمعات المستقلة من الحروب الطاحنة المتواليّة.
ثانيا، يمكن تجاوز الدولة بسبب جدلها الداخلي ذاته: فالدولة العاقلة في رأي فايل، لا تمثل الدولة المطلقة عند هيغل؛ لأن الروح المطلق لا يتحقق إلا في دولة كاملة الإنسانيّة لا تعرف التناقض.
تحيلنا انتقادات فايل لهيغل إلى مسألتين أساسيتين:
1 – في مفهوم الدولة العالميّة: إن الفكر عامة، ليس فكرًا مجردًا، وتأملات الفلاسفة ليست تأملات من فراغ. بل تظل محكومة بمنطق ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. وعلى الرغم من أن ما ينبغي أن يكون قد يكون مصبوغًا بيوتوبيا، فإنه من الصعوبة التكهن بتحققها. وهي في واقع الأمر، تأملات تستوجب الوعي سابقا بنتائجها. وهذا لا يعني أننا أمام تفكير مستقبلي سابق لأوانه. بل العكس، يعني ذلك عدم تبخيس التأملات التي لا تلزم في نهاية المطاف إلا من يجعلها اعتقادًا إلى جانب صاحبها. والجدل حول الدولة العالميّة، ليس فقط متجاوزًا آنذاك، وإنما يصعب حتى الحديث عن الفكرة بشكل ملموس. وما يقع الآن في العالم من جدل حول نهاية الدولة المحليّة وولادة الدولة القوميّة «الاتحاد الأوروبي مثلا»، ومختلف الاتحادات الجهوية، تسير في طريق توحيد أمة تحت تنظيم واحد، في تراتبية متعددة في مشاربها وانحداراتها الوطنيّة. ولكن ينبغي ألا نغفل هنا، أن المؤسسات يجمعها دوما رابط آيديولوجي، أو بلغة غي روشي، لا وجود لحركة اجتماعيّة كتنظيم ومؤسسة إلا بوجود مبدأي الهويّة وقوة ضغط. فالهويّة تجسد الأرضيّة التي في ضوئها يتعين الهدف ويتحدد الانتماء الاجتماعي وترسم المطالب. وفي القوة تتجسد المقاومة والسعي نحو شرعنة المطالب. والمخاض الأوروبي الحالي، جنين لم يتحدد شكله بعد، ولا أحد يستطيع أن يتنبأ بمصيره. وما يصدق على الدولة القوميّة – الجهويّة، يصدق أيضًا على الدولة العالميّة. فالسؤال اليوم، لم يعد سؤالاً حول دور الدولة المحليّة (الوطنية)، على الرغم من وجود اتفاقات تجاريّة تحاول إماطة اللّثام عن السلطة المحليّة، وتسعى إلى التدخل في الشؤون المحليّة. وهنا يطرح علينا السؤال حول الدولة العالمية: هل لدينا حكومة عالميّة، وتنظيمات ومؤسسات أمميّة تنظم تدخلها كاملاً، ولها مشروعيّة سيّاسيّة حقيقية؟
إن سيرورة تطور النظام الرأسمالي العالمي، أفضى إلى أداة تحكم عالميّة، حيث وجود منظمات دوليّة لها اليد الطولى في كل السيّاسات المحليّة. وعلى الرغم من التشكيك في مكانة الدولة الوطنيّة، فإن مصير الدولة العالميّة مهم للغاية بالنظر إلى اللّبس الذي يكتنف هذا المفهوم. لقد تجاوز هيغل التناقض المحلي إلى المؤسسة العالميّة. كما تجاوز التاريخ إلى التاريخ الكوني أو تاريخ العالم. وهذا ما يقتضيه منطقه التركيبي. فالتناقض بين القضيّة ونقيضها يولد الجديد. ففي «العقل في التاريخ» ينظر منظورًا جديدًا يتجاوز بكثير أطروحة «فلسفة الحق». وإن صح القول، فإن للعروي الحق كاملاً في عدِّه تأويل فايل تأويلاً يطابق بين هيغل وماركس. فكل الانتقادات ما هي إلا الخيوط الأولى التي رسمها هيغل، على الرغم من أن فهم ماركس لمفهوم الدولة، سيصبح متجاوزًا مع الربع الأول من القرن العشرين، بعد صدور كتاب لينين «الدولة والثورة»، الذي رسم فيه أفق الدولة الاشتراكيّة التي ينبغي أن تسير نحو الاضمحلال.
2 – يشير العروي إلى الفكرة الفوضويّة حول الدولة، وهي تحتاج إلى توضيح. لقد ارتبطت الفوضويّة أو التحرريّة، بالفرنسي بيير جوزيف برودون (1809 - 1865). وعلى الرغم من أن ماركس وإنجلز وقفا أمام أطروحات برودون في الاقتصاد السيّاسي وفي الفلسفة، فإن فكرة الفوضويّة تتمثل أساسًا في نكران الدولة، وعدم الحاجة إليها. فإذا كانت الدولة في نظر الفوضويّة سلطة للقمع الطبقي، فإن الحاجة إليها لم تنشأ إلا لأداء وظيفة القمع، وإن نقيض البرجوازيّة لا يستطيع أن يشتغل بجهاز تكمن وظيفته في القمع، فتلك الوظيفة، الحاجة التي جعلت فكرة الدولة تظهر تاريخيًّا، يستغني عنها المجتمع الاشتراكي النّقيض، ولعل النقاش الذي أثارته التجربة السوفياتيّة حول «ديكتاتوريّة البروليتاريا»، أعمق، ويعيد أفكار ماركس إلى المحك. ونقف هنا عند فكرة الفوضويين لبيان الاختلاف القائم بين الاتجاهات المتعددة في الفكر الماركسي. فإن كانت أغلب التيارات الماركسيّة تنهل من «أصلٍ واحد» وهو كتابات ماركس وإنجلز، فإن وجهات النّظر تختلف حتى في أكثر المسائِل وضوحًا لدى المؤسسين. فالدولة ينبغي أن تكون من وجهة نظر الحزب اللّينيني دولة تسير نحو الاضمحلال، لأن الأسُس التي تجعلها قائمة أول الأمر، بعد الثورة المضادة، لم تعد مبررة بعد تسلم الحكم. هكذا تم تبرير وجود الدولة لعامة السوفياتات في عهد لينين. إلا أن التجربة أبانت عن نقاش آخر، سيمتد طويلاً منذ منتصف العشرينات إلى اليوم والذي سُمّي بالنقاش حول «البيروقراطيّة».
إن الغاية كل الغاية حول هاتين المسألتين المهمتين ليست قراءة العروي بما لا يحتمل، ولا تحايلا على القراءة، بل، فقط، لإبراز أهميّة هذا النقاش حول مفهوم يبدو مجردًا، فلسفيًا، لكنه في حقيقة الأمر، يظل حاضرًا وملازمًا للواقع الراهن.
يلخص العروي مجمل قوله في الفصل الأول، ببيان ثلاثة اتجاهات رئيسيّة في نظريّة الدولة:
1 - الاتجاه الديني الميتافيزيقي: أوغسطين
2 - الاتجاه اللّيبرالي. الأخلاقي مع كانط
3 - الاتجاه اللاديني ـ اللأخلاقي مع هيغل
فهيغل عمل على نقد اليوتوبيا، أي نقد الآيديولوجيا السّابقة. ولذلك يمثل في نظر العروي، نقطة الالتقاء والتحول بين القديم والحديث. وهنا أهميته. فنكران هذا الموقف لن يكون إلا عودة إلى الطوبى حيث يقول: «إذا قررنا أن نظريّة هيغل مبنيّة على التمثل بالواقع، مهما كان حكمنا على نتائجه، وجب القول: إن رفضها يعني بالضرورة عودة إلى الطوبى» (نفسه، 32).
تأخذ نظرية الدولة عند هيغل طابعًا تعميميًا، وكأننا نسعى فقط إلى تبرير، لماذا ينبغي الحديث عن الدولة بوصفها واقعا إنسانيا، أو ظاهرة سياسيّة لا يصح مناقشتها من الخارج؟ لأنه لا يمكن تجاوزها. بل هي نابعة من ضرورة كونها متطلبة تاريخيًا، وتجاوزها لا يستقيم وغايتَها في ذاتها، مع عدم إغفال أن الدولة - حسب هيغل - ليست – فقط - فكرة عقليّة أخلاقيّة خارجيّة، بل تتطور من خلال تجارب الإنسانيّة. وما تتبُع هيغل للقانون ولفلسفة القانون في التشريعات الأوروبيّة وخاصة تشريعات الرومان، منذ البندكت - المدونة، مرورًا بروح القوانين لمونتسكيو، إلا تبريرا لعقلانيّة وإطلاقيّة وتعالي فكرة الدولة.



سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.


العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.