الأساس الفلسفي للدولة عند عبد الله العروي

تطور النظام الرأسمالي العالمي أفضى إلى أداة تحكم عالمية

الأساس الفلسفي للدولة عند عبد الله العروي
TT

الأساس الفلسفي للدولة عند عبد الله العروي

الأساس الفلسفي للدولة عند عبد الله العروي

كتب عبد الله العروي حول مفهوم التاريخ والدولة والحريّة، ونحت مفهوم الأُدلُوجة والتاريخانيّة. وكتب في العقد الأخير، عن السيّاسة والدّين والإصلاح والتحديث. وترجم نصوصًا فلسفيّة وتاريخيّة، بالنظر إلى ضرورتها لرفع الوعي العربي إلى مستوى أرقى، يمكّننا من التحاور مع الحضارة البشريّة الأخرى. ويستحضر في تأصيله لهذه المفاهيم، المقاربة الفلسفيّة والتاريخيّة والقانونيّة. وذلك بهدف استقراء التداول العربي القديم والمعاصر، لفهم ميكانيزمات حضورها في فكرنا الراهن.
تمثل لحظة هيغل، نقطة مِفصليّة في تاريخ الفكر الفلسفي في نظر العروي؛ لأنه يمثل أحسن من لخّص أقوال أفلاطون ومكيافيلي في الدولة، وأحسن من فند أقوال أوغسطين وروسو وكانط. فعند هيغل: «تتوحد كل الجداول القديمة، ومنه تتفرع المذاهب العصريّة». أي «نقطة الوصل بين الفلسفة الكلاسيكيّة والفلسفة العصريّة». ولا يمكن الاستغناء عنه أبدا لفهم اللحظة الانتقاليّة.
يشدِّدُ العروي على مكانة مفهوم الحريّة عند هيغل، لجهة أن الدولة هي من يقرر حريّة الفرد بما هي حرية الذات. ولا تقف أمام تلك الحريّة التي تُمنح للفرد: «يمكن أن نعتبر أن الدولة عامة، تزداد كمالاً كلما كان ما يترك لمبادرة الفرد، لكي يعمل فيه حسب رأيه الخاص، أقل أهميّة مما ينجز جماعيًّا» (هيغل). لا تقوم الدولة على التضحيّة، وليست في خدمة الفرد، لأنه لا يمكن تصور أخلاق فوق الدولة أو مجتمع فوق الدولة. وفي الوقت عينه، وإن كانت الدولة غير مبنيّة على المصلحة، فإنها لا تقف في وجه هذه المصلحة. لكنها لا تتعداها بالنظر إلى احتضانها منظمات مكلفة بالسهر عليها.
بدأ سؤال الدولة عند هيغل، في كتابه: «دستور ألمانيا». وفيه قارن بين الدولة الألمانيّة والإنجليزيّة والفرنسيّة، واصفا ألمانيا بأنها مجرد مجموعة إنسانيّة لا تملك تصورًا عقليًّا (الدفاع عن الحدود مثلا)، وبالتالي ليست دولة. وتطور في كتبه اللاحقة، وخاصة، في «مبادئ فلسفة الحق» حيث يعرف الدولة بقوله: «الدولة هي الفكرة الأخلاقيّة الموضوعيّة إذ تتحقق، هي الروح الأخلاقيّة بصفتها إرادة جوهريّة تتجلى واضحة لذاتها، تعرف ذاتها وتفكر بذاتها وتنجز ما تعرف لأنها تعرفه». وهو تعريف مجرد لا يتعلق بدولة ما، بل بمفهوم الدولة كما تطور عبر التاريخ من البداية إلى النهاية. ينتقل من خلاله هيغل من الاجتماعيات والتاريخ والقانون إلى الفلسفة. يختزل هذا التعريف، تصورًا مثاليًا ومطلقًا للدولة. حيث التطابق بيّن بين فكرة الدولة بوصفها تصورا، والتجسيد العقلي للدولة، بما هي دولة في ذاتها. وهذا ما دفع العروي إلى التساؤل: هل هذا التصور الذي يختزل الدولة «في الدولة في ذاتها»، ينظر إلى الدولة بوصفها دولة عقليّة علميّة أم أن الدولة خرافيّة، أسطوريّة؟
يعود العروي إلى أرنست كاسيرر، لإبراز أطروحة أعداء «الدولة في ذاتها». لأن دولة هيغل هي الدولة العقلانيّة التي لا تستسلم للنزوات الفرديّة. تربي الناشئة حسب آرائها. توحد التنظيمات وتجسد الروح القوميّة، أو حقيقة الجنس وليس روح الفرد. كما يعود إلى تأويل إريك فايل، الذي حكم على هيغل حكمًا مغايرًا للذين يصنفونه، في مقابل كانط، ويجعل من هيغل، لا موقفا أسطوريًا، بل نظريّة علميّة حول الدولة، كما هي الآن، وكما ستكون باستمرار، ما دامت ضروريّة للإنسان: «إن نظرية هيغل في الدولة صحيحة، لأنها تحلل بكيفية صحيحة، الدولة القائمة في عصره وفي عصرنا. يمكن تجاوزها ولا يمكن بتاتا تنفيذها» (مفهوم الدولة، 28)، لكن كيف يمكن تجاوز الدولة حسب فايل؟
أولا، يرى فايل أن الدولة يمكن تجاوزها أولاً، داخل الجدل التاريخي ذاته: عن طريق الحرب. فالمجتمع العام بالنسبة للدولة المستقلة، هو الذي سيؤدي إلى ظهور منتظم دولي عالمي، بعد أن تسأم المجتمعات المستقلة من الحروب الطاحنة المتواليّة.
ثانيا، يمكن تجاوز الدولة بسبب جدلها الداخلي ذاته: فالدولة العاقلة في رأي فايل، لا تمثل الدولة المطلقة عند هيغل؛ لأن الروح المطلق لا يتحقق إلا في دولة كاملة الإنسانيّة لا تعرف التناقض.
تحيلنا انتقادات فايل لهيغل إلى مسألتين أساسيتين:
1 – في مفهوم الدولة العالميّة: إن الفكر عامة، ليس فكرًا مجردًا، وتأملات الفلاسفة ليست تأملات من فراغ. بل تظل محكومة بمنطق ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. وعلى الرغم من أن ما ينبغي أن يكون قد يكون مصبوغًا بيوتوبيا، فإنه من الصعوبة التكهن بتحققها. وهي في واقع الأمر، تأملات تستوجب الوعي سابقا بنتائجها. وهذا لا يعني أننا أمام تفكير مستقبلي سابق لأوانه. بل العكس، يعني ذلك عدم تبخيس التأملات التي لا تلزم في نهاية المطاف إلا من يجعلها اعتقادًا إلى جانب صاحبها. والجدل حول الدولة العالميّة، ليس فقط متجاوزًا آنذاك، وإنما يصعب حتى الحديث عن الفكرة بشكل ملموس. وما يقع الآن في العالم من جدل حول نهاية الدولة المحليّة وولادة الدولة القوميّة «الاتحاد الأوروبي مثلا»، ومختلف الاتحادات الجهوية، تسير في طريق توحيد أمة تحت تنظيم واحد، في تراتبية متعددة في مشاربها وانحداراتها الوطنيّة. ولكن ينبغي ألا نغفل هنا، أن المؤسسات يجمعها دوما رابط آيديولوجي، أو بلغة غي روشي، لا وجود لحركة اجتماعيّة كتنظيم ومؤسسة إلا بوجود مبدأي الهويّة وقوة ضغط. فالهويّة تجسد الأرضيّة التي في ضوئها يتعين الهدف ويتحدد الانتماء الاجتماعي وترسم المطالب. وفي القوة تتجسد المقاومة والسعي نحو شرعنة المطالب. والمخاض الأوروبي الحالي، جنين لم يتحدد شكله بعد، ولا أحد يستطيع أن يتنبأ بمصيره. وما يصدق على الدولة القوميّة – الجهويّة، يصدق أيضًا على الدولة العالميّة. فالسؤال اليوم، لم يعد سؤالاً حول دور الدولة المحليّة (الوطنية)، على الرغم من وجود اتفاقات تجاريّة تحاول إماطة اللّثام عن السلطة المحليّة، وتسعى إلى التدخل في الشؤون المحليّة. وهنا يطرح علينا السؤال حول الدولة العالمية: هل لدينا حكومة عالميّة، وتنظيمات ومؤسسات أمميّة تنظم تدخلها كاملاً، ولها مشروعيّة سيّاسيّة حقيقية؟
إن سيرورة تطور النظام الرأسمالي العالمي، أفضى إلى أداة تحكم عالميّة، حيث وجود منظمات دوليّة لها اليد الطولى في كل السيّاسات المحليّة. وعلى الرغم من التشكيك في مكانة الدولة الوطنيّة، فإن مصير الدولة العالميّة مهم للغاية بالنظر إلى اللّبس الذي يكتنف هذا المفهوم. لقد تجاوز هيغل التناقض المحلي إلى المؤسسة العالميّة. كما تجاوز التاريخ إلى التاريخ الكوني أو تاريخ العالم. وهذا ما يقتضيه منطقه التركيبي. فالتناقض بين القضيّة ونقيضها يولد الجديد. ففي «العقل في التاريخ» ينظر منظورًا جديدًا يتجاوز بكثير أطروحة «فلسفة الحق». وإن صح القول، فإن للعروي الحق كاملاً في عدِّه تأويل فايل تأويلاً يطابق بين هيغل وماركس. فكل الانتقادات ما هي إلا الخيوط الأولى التي رسمها هيغل، على الرغم من أن فهم ماركس لمفهوم الدولة، سيصبح متجاوزًا مع الربع الأول من القرن العشرين، بعد صدور كتاب لينين «الدولة والثورة»، الذي رسم فيه أفق الدولة الاشتراكيّة التي ينبغي أن تسير نحو الاضمحلال.
2 – يشير العروي إلى الفكرة الفوضويّة حول الدولة، وهي تحتاج إلى توضيح. لقد ارتبطت الفوضويّة أو التحرريّة، بالفرنسي بيير جوزيف برودون (1809 - 1865). وعلى الرغم من أن ماركس وإنجلز وقفا أمام أطروحات برودون في الاقتصاد السيّاسي وفي الفلسفة، فإن فكرة الفوضويّة تتمثل أساسًا في نكران الدولة، وعدم الحاجة إليها. فإذا كانت الدولة في نظر الفوضويّة سلطة للقمع الطبقي، فإن الحاجة إليها لم تنشأ إلا لأداء وظيفة القمع، وإن نقيض البرجوازيّة لا يستطيع أن يشتغل بجهاز تكمن وظيفته في القمع، فتلك الوظيفة، الحاجة التي جعلت فكرة الدولة تظهر تاريخيًّا، يستغني عنها المجتمع الاشتراكي النّقيض، ولعل النقاش الذي أثارته التجربة السوفياتيّة حول «ديكتاتوريّة البروليتاريا»، أعمق، ويعيد أفكار ماركس إلى المحك. ونقف هنا عند فكرة الفوضويين لبيان الاختلاف القائم بين الاتجاهات المتعددة في الفكر الماركسي. فإن كانت أغلب التيارات الماركسيّة تنهل من «أصلٍ واحد» وهو كتابات ماركس وإنجلز، فإن وجهات النّظر تختلف حتى في أكثر المسائِل وضوحًا لدى المؤسسين. فالدولة ينبغي أن تكون من وجهة نظر الحزب اللّينيني دولة تسير نحو الاضمحلال، لأن الأسُس التي تجعلها قائمة أول الأمر، بعد الثورة المضادة، لم تعد مبررة بعد تسلم الحكم. هكذا تم تبرير وجود الدولة لعامة السوفياتات في عهد لينين. إلا أن التجربة أبانت عن نقاش آخر، سيمتد طويلاً منذ منتصف العشرينات إلى اليوم والذي سُمّي بالنقاش حول «البيروقراطيّة».
إن الغاية كل الغاية حول هاتين المسألتين المهمتين ليست قراءة العروي بما لا يحتمل، ولا تحايلا على القراءة، بل، فقط، لإبراز أهميّة هذا النقاش حول مفهوم يبدو مجردًا، فلسفيًا، لكنه في حقيقة الأمر، يظل حاضرًا وملازمًا للواقع الراهن.
يلخص العروي مجمل قوله في الفصل الأول، ببيان ثلاثة اتجاهات رئيسيّة في نظريّة الدولة:
1 - الاتجاه الديني الميتافيزيقي: أوغسطين
2 - الاتجاه اللّيبرالي. الأخلاقي مع كانط
3 - الاتجاه اللاديني ـ اللأخلاقي مع هيغل
فهيغل عمل على نقد اليوتوبيا، أي نقد الآيديولوجيا السّابقة. ولذلك يمثل في نظر العروي، نقطة الالتقاء والتحول بين القديم والحديث. وهنا أهميته. فنكران هذا الموقف لن يكون إلا عودة إلى الطوبى حيث يقول: «إذا قررنا أن نظريّة هيغل مبنيّة على التمثل بالواقع، مهما كان حكمنا على نتائجه، وجب القول: إن رفضها يعني بالضرورة عودة إلى الطوبى» (نفسه، 32).
تأخذ نظرية الدولة عند هيغل طابعًا تعميميًا، وكأننا نسعى فقط إلى تبرير، لماذا ينبغي الحديث عن الدولة بوصفها واقعا إنسانيا، أو ظاهرة سياسيّة لا يصح مناقشتها من الخارج؟ لأنه لا يمكن تجاوزها. بل هي نابعة من ضرورة كونها متطلبة تاريخيًا، وتجاوزها لا يستقيم وغايتَها في ذاتها، مع عدم إغفال أن الدولة - حسب هيغل - ليست – فقط - فكرة عقليّة أخلاقيّة خارجيّة، بل تتطور من خلال تجارب الإنسانيّة. وما تتبُع هيغل للقانون ولفلسفة القانون في التشريعات الأوروبيّة وخاصة تشريعات الرومان، منذ البندكت - المدونة، مرورًا بروح القوانين لمونتسكيو، إلا تبريرا لعقلانيّة وإطلاقيّة وتعالي فكرة الدولة.



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.