حمد الجاسر.. تاريخ حافل بالسير والتراجم

الباحثون وتلامذة العلامة ومريدوه ما زالوا يكتشفون مزيدًا من إنتاجه

العلامة حمد الجاسر
العلامة حمد الجاسر
TT

حمد الجاسر.. تاريخ حافل بالسير والتراجم

العلامة حمد الجاسر
العلامة حمد الجاسر

عجيب هو تراث العلّامة حمد الجاسر، فعلى الرغم من مرور خمسة عشر عامًا على وفاته، ومن التصاق الباحثين بتراثه، فإنهم وتلامذته ومريدوه، ما زالوا يكتشفون بين فترة وأخرى مزيدًا من كتاباته ومقالاته وبحوثه، وذلك على الرغم من جهود مركز حمد الجاسر الثقافي ومكتبة الملك فهد الوطنية، في رصد ما كتبه ونشره منذ أن بدأ - وعمره ثلاثة وعشرون عامًا - يمارس الكتابة في الصحف المحلية والعربية والمطبوعات الثقافية المتخصّصة عبر نحو سبعين عامًا من عمره الذي تجاوز التسعين، فأصدرت المكتبة والمركز كشّافين يضمّان فهارس ما أمكن تتبّعه من مقالاته وبحوثه المنشورة.
تضمّنت الدراسة الببليوغرافية التي أصدرتها مكتبة الملك فهد الوطنية في طبعتها الأولى عام 1995 كشافًا بعناوين 1117 من المقالات والبحوث التي نشرها حتى ذلك التاريخ في المجلات فقط، في حين بلغ إجمالي ما تضمّنته الدراسة نفسها في طبعتها الثانية الصادرة عام 2005 كشافًا بعناوين 640 مقالة وبحثًا بعد أن دمجت المقالات والبحوث المتعددة الحلقات تحت عنوان موحّد، ورصد مركز حمد الجاسر الثقافي في كشافه الصادر عام 2007 ما مجموعه ثلاثة آلاف عنوان لمقالاته وبحوثه، ومع هذا، ظل المركز والمكتبة والباحثون يكتشفون بين الحين والآخر أعدادًا جديدة من المقالات، لم تتضمنها الفهارس المذكورة.
المعروف أن حمد الجاسر ولد عام 1910 في بلدة البرود، الواقعة في ناحية السر من إقليم الوشم في عالية نجد غربي الرياض، وتوفي عام 2000 مستشفيًا في أميركا ودفن بالرياض، أما أقدم كتاباته، فقد بدأ بنشرها عام 1932 في جريدتي «أم القرى» و«صوت الحجاز» - البلاد حاليًّا «وفي مجلة «المنهل»، ثم صار ينشر معظم إنتاجه في صحيفة «اليمامة»، التي أصدرها عام 1953 وهي أول مطبوعة صحافية ظهرت في العاصمة (الرياض) ثم استمر ينشر مقالاته في مجلة «اليمامة» وجريدة «الرياض» الصادرتين عن مؤسسة اليمامة الصحافية، وكان هو أول من تولّى الإشراف على تحريرهما، ثم أصبح يخص مجلة «العرب»، الصادرة عام 1966 عن دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر التي أسسها في ذلك العام أيضًا، بمعظم مقالاته البحثية المعمّقة.
ومن بين الصحف والمجلات التي كانت تنشر مقالاته بالإضافة إلى تلك المذكورة؛ مجلة «المنهل» و«الفيصل» و«المجلة العربية» و«الحرس الوطني» و«القافلة» و«الدارة»، و«مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق»، و«مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة»، و«الرسالة المصرية»، و«البيان الكويتية»، و«الجزيرة»، و«المسائية»، و«عكاظ»، و«الشرق الأوسط»، و«القصيم»، و«الوطن»، و«الندوة»، و«الحياة»، و«الاقتصادية»، و«المدينة»، وأخبار الظهران»، وصحف أخرى.
قاربت مؤلّفاته 30 عنوانًا منها 6 اشتملت على أكثر من جزء، وفاقت الكتب التي حقّقها 17 عنوانًا منها 4 تتكوّن من أكثر من جزء، وبلغت المؤلّفات التي أشرف على طباعتها وعلَّق على حواشيها 8 كتب، وذلك بالإضافة إلى الإصدارات التي حملت اسمه وظهرت بعد وفاته.
وباستثناء كتاب بعنوان «من أصداء الذكريات؛ علماء عرفتهم ففقدتهم» الذي نسبه الدكتور عبد الله الجبوري (من العراق) إلى حمد الجاسر بعد وفاته بثماني سنوات وصدر عام 2008 وجمع فيه عددًا من مراثي الجاسر ومن ضمنها التراجم، فإنه لم يسبق لموضوع هذه المحاضرة أن تناوله باحث آخر، وذلك على الرغم من أن المراثي والسير والتراجم قد حظيت بقدر كبير من اهتماماته، إذ نشر في أثناء حياته 6 كتب تقوم محتوياتها على سير شخصيات بأعينهم، وقد تضمّن كتاب د. الجبوري مقدمة موجزة تتحدث عن منهج الجاسر في كتابة المراثي والسير، واستخدم فيه - على طريقة الجاسر - صور بعض المراسلات المتبادلة بين الجاسر أو الجبوري من جهة، وبين الشخصيات المترجمة من جهة أخرى، ومن ضمن الأعلام الأربعين الذين أوردهم د. الجبوري في كتابه ممن رثاهم وترجم لهم الجاسر؛ أبو الأعلى المودودي، وخير الدين الزركلي، والشيخ عبد الرحمن السعدي، وطه حسين، ومصطفى الشهابي (رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق) وعبد القدوس الأنصاري، وعبد الله الخيّال، ومحب الدين الخطيب، ومحمد حسن عوّاد، ومحمد سرور الصبان، ومحمد بن عبد العزيز المانع، ومحمد حسين نصيف، والنجل الأكبر لحمد الجاسر (محمد) الذي توفي في حادث طائرة بلبنان عام 1975.
من مؤلفاته التي خصّصها بالكامل للسير، كتابه (أبو علي الهَجري وأبحاثه في تحديد المواضع، 1968 في 450 صفحة) وهو - كما يقول الجاسر - هارون بن زَكَرِيَّا الهجري الأديب الشاعر والنحوي، صاحب كتاب (التعليقات والنوادر) من أهل هجَر البحرين (الأحساء) عاش في آخر القرن الثالث الهجري وأوائل القرن الرابع، عُرف في القديم بطريق علماء المغرب الأقصى كابن حزم، وعن طريق علماء الشرق في الهند كالميمني.
ومثل كتابه «ابن عربي موطّد الحكم الأموي في نجد» صدر عام 1993 وتناول فيه سيرة إبراهيم بن عربي أطول ولاة بني أمية زمنًا في ولايته (32 عامًا) ويقع الكتاب في 300 صفحة.
ومن أطول السير التي كتبها، وإن لم يفرد لها كتابًا مستقلاً، ترجمة إبراهيم بن إسحاق الحربي من علماء القرن الثالث الهجري في مقدمة كتاب «المناسك»، الذي حقّقه الجاسر عام 1969 وقدّم له بمقدمة ضافية (260 صفحة) عن الحربي، ظنًّا منه أنه المؤلف، حتى عدّها البعض كتابًا قائمًا بذاته، وعندما أعاد الجاسر نشر الكتاب عام 1999 حذف المقدمة المذكورة اقتناعًا بنقاش علمي جرى في حينه مع د.عبد الله الوهيبي.
وقد أصدر الجاسر في أثناء حياته كتبًا تقوم محتوياتها على مجموعة متجانسة من السير والتراجم، منها كتابه (مع الشعراء 1980) الذي ترجم فيه لكل من عبد الله بن همّام السلولي، والصمّة بن عبد الله القشيري، وجحدر العُكِلي، ويزيد بن الطثريّة، والقحيف العقيلي، وعروة بن أذينة، ومحمد بن صالح الحسني، ومحمد بن عبد الملك الأسدي، وابن المقرّب الأحسائي، كما تحدث فيه عن سير بعض مؤلفي كتب الشعر، مثل محمد بن سلّام الجُمحي مؤلف كتاب «طبقات فحول الشعراء» - قراءة محمود شاكر وشرحه وكتاب «شعر الدعوة الإسلامية» لعبد الرحمن رأفت الباشا، ودواوين كل من الشعراء حاتم الطائي، وزهير بن أبي سلمى المُزني، والحادرة الغطفاني، وزيد الخيل الطائي، والمتوكّل الليثي، وأبو دهبل الجُمحي، وعبد الله بن الزبير الأسدي، وجميل بن معْمر العُذري، والطِّرماح بن حكيم الطائي.
ومنها أيضًا كتابه «رحّالة غربيّون في بلادنا» 1997 الذي تقصّى فيه سير بعض الرحالة الغربيين الذين مَرُّوا بشمال الجزيرة العربية وقلبها، مثل: بوركهارت، وسادلر، وتاميزييه، وسنوك هورخرونيه، وشارل هوبير، ولويس بيلي، وألويس موزل، وعبد الله فيلبي، وغيرهم.
ومنها أيضًا كتبه عن الأنساب، وكتابه «باهلة، القبيلة المفترى عليها» هذا بالإضافة إلى الكتب التي أشرف على طبعها ومنها كتاب «معجم المطبوعات العربية في السعودية» للدكتور علي جواد الطاهر، الذي يرتكز في مادة مجلداته الأربعة على سيَر كل المؤلّفين وتراجمهم.
وبعد وفاته عام 2000 عكف مركز حمد الجاسر الثقافي على جمع المقالات المتجانسة موضوعاتُها ومن ثمّ إصدارها في كتب تحمل عناوين يجمعها، ومن تلك الجهود تصنيف المقالات التي كان ينشرها في «المجلة العربية»، بدءًا من عام 1986 ولمدة أحد عشر عامًا تحت عنوان «من سوانح الذكريات»، حيث أصدرها المركز عام 2006 في مجلدين، ثم أصدرها في العام الماضي في طبعة ثانية، وسجلت المقالات ذكرياته منذ طفولته وحتى هجرته إلى لبنان (1961) وتضمّن الكتاب حلقات موسّعة وهوامش مليئة بسير بعض الشخصيات؛ منهم أحمد محمد العربي والوزير عبد الله بن سليمان.
ومن كتب السير التي أصدرها مركز حمد الجاسر الثقافي بعد وفاته، كتاب «مؤرخو نجد من أهلها» 2015، الذي تضمّن حلقات نشرها على فترات في «اليمامة والرياض والعرب» ومحاضرات ألقاها في جامعة الملك سعود ثم نشرتها مجلة الجامعة، وقد سرد فيها بإيجاز سير المؤرّخين النجديين القدامى والمعاصرين، كعثمان بن بشر، وأحمد بن بسام، وأحمد المنقور، وابن يوسف، وابن عضيب، وابن غنام، ومحمد البسام، وابن سلوم، وابن خنين، وابن لعبون، وابن سند، وابن جريس، وابن حميّد، وضاري بن فهيد الرشيد، وإبراهيم بن عيسى، وابن مطلق، وعبد الله بن محمد البسام، وإبراهيم بن محمد القاضي، وإبراهيم بن ضويّان، وسليمان بن صالح الدّخيل، ومقبل الذكير، ومحمد العلي العبيّد، وصالح بن عثمان القاضي، وعبد الرحمن بن مانع، وعبد العزيز بن محمد القاضي، ود. عبد الله العثيمين، ومحمد بن عبد العزيز بن مانع، ومحمد بن عثمان القاضي، ومحمد بن عبد الله بن حُميْد صاحب كتاب (السحب الوابلة».
ويجري العمل في المركز على إعداد كتاب متعدّد الأجزاء يضمّ كل السير والتراجم المنشورة صحافيا ولم تتضمّنها كتبه، ومراجعتها والتعليق عليها، وتحتوي على سير أعلام قدماء وأعلام معاصرين، وتراجم مؤلفين قام الجاسر بعرض كتبهم ونقدها، وتشمل تلك التراجم شخصيّات معاصرة عزيزة على نفسه، ولها منزلة رفيعة في خاطره، ولما توفّوا عبّر عن مشاعره نحوهم بمقالات رثاء، ممزوجة بمعلومات عن سيرهم، وسيشمل الجزء الأول من الكتاب نحو 40 من الأعلام العرب والمسلمين القدامى الذين دوّن العلّامة الجاسر سيرهم، أمثال الخزرجي (المؤرخ) والزبير بن بكّار (أحد أعلام العلم والأدب في جزيرة العرب) وتقي الدين الفاسي (مؤرخ مكة المكرمة في القرن السابع الهجري) والهمْداني (المؤرخ) وإسحاق بن إبراهيم بن أبي حُميضة (من ولاة اليمامة في العهد العباسي) وبنت الخُسّ الإيادية (إحدى حكيمات العرب) وحسن بن عبد الله بن وفاء (أديب من الطائف كان مجهولا) وأبان بن عثمان بن عفان (أول مدوّن للسيرة النبوية) والحسين بن أحمد الأعرابي (المعروف بالأسود الغُندجاني) وعبد العزيز بن زُرارة (المعروف بفتى العرب) والعلاء بن الحضرمي (أول أمير للمنطقة الشرقية - البحرين) وعبد القادر الجزيري الحنبلي (مؤرخ مصري مغمور) والشاعر العرْجي (من عرْج الطائف، قائل: أضاعوني وأي فتى أضاعوا) وعبد الله بن المبارك بن بشيّر (أديب أحسائي مغمور)، والشاعر الأحوص وسلمى البيشية، والصحابي أبو هُريرة، والإمام الشوكاني.
بينما سيشمل الجزء الثاني سيَر نحو 60 من الأعلام المحليّين والعرب والمسلمين المعاصرين، من بينهم الشاعر خالد الفرج (رائد شعر الملاحم بالملك عبد العزيز) وعبد العزيز الميمني (من علماء القارة الهندية) وعبد المحسن المنقور، ومحمد حسين زيدان، وأحمد السباعي، وحسين سرحان، ومحمد أحمد العقيلي (مؤرخ المخلاف السليماني) والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد العزيز بن باز، وإبراهيم فودة، وعبد الله عريف، وعبد العزيز الرفاعي، ومحمد عمر توفيق، وأحمد بن راشد المبارك، ومحمد سعيد كمال، وحسن بن عبد الله آل الشيخ، وعبد الله بن زيد آل محمود، وأحمد بن محمد العربي، وهاشم يوسف الزواوي، وعلي حسن فدعق، ومحسن باروم، والشيخ عبد الله عبد العزيز العنقري.
ومن الكتابات المعمّقة في مجال السير التي خصّصها العلّامة الجاسر لشخصيات بعينها، مقالاته في تاريخ السعودية وسيرة المؤسس الملك عبد العزيز، بمناسبة الذكرى المئوية الميمونة لاستقرار موحّد البلاد في قاعدة حكمه سنة 1902 ويعكف مركز حمد الجاسر الثقافي، على جمع ما خطّه قلمه من مقالات صحافية منشورة على مدار الأعوام في سيرة الملك المؤسس وتاريخ الدولة، لإصداره في كتاب واحد، بإذن الله.
وبينما الحديث اليوم في جامعة الباحة وعن حمد الجاسر فلا يكتمل دون الإشارة إلى كتابه الصادر عام 1970 «في سراة غامد وزهران» وهي منطقة الباحة حاليًّا (600 صفحة) ألّفه في إثر زيارة قام بها في العام السابق لتأليفه، وضمّنه تبيانًا مفصلاً للجانب الجغرافي والتاريخي من المنطقة، مع إشارات واسعة لكثير من السير والتراجم لأعلام قبيلتي غامد وزهران ورموزها.
وهكذا، سار العلامة حمد الجاسر في كتابة السير والتراجم، فلم ينحُ منحى أغلب المترجمين وكتّاب السير، الذين تغلب الطريقة التقليدية السردية على أسلوبهم، بل كان يغوص بقدر معرفته بالشخص الذي يكتب عنه، موجِزًا أحيانا في أسطر، أو مسترسلاً في صفحات، أو في كتاب، في تحليل مفاتيح الشخصية، وبيئة تنشئته وظروف حياته وتعليمه، ثم يعرّج على منهجه التأليفي وإنتاجه، مع الحرص الشديد على التوثيق والعناية الكاملة بالهوامش، حتى صار كثير من مقالاته المعمّقة في السير والتراجم - كما رأينا - بحوثًا متكاملة وافية، بمنزلة كتب قابلة للإصدار بمفردها.
وخلاصة القول، كان الجاسر مولعًا بالسير والتراجم، حيثما كتب، وفي أي موضوع طرق، فهو يدبّج مقالاته ويُذيّل صفحات كتبه بالهوامش التي توضّح سِير من يأتي على ذكرهم، ومن قرأ في سوانح ذكرياته، وجد متعة في السياحة مع أفكاره وتسلسلها، وانجذب مع الغوص في متونها وهوامشها، حتى عُدّت السوانح واحدةً من أنفس الذكريات والسير الذاتية في الأدب السعودي، ومن أفضل ما كُتب في وصف البيئة المحلية في فترة تأسيس السعودية، عن الحياة في عموم مناطق البلاد، وعن بيئة البادية والحاضرة، وأحوال القرية وزراعتها ومعيشتها وملابسها وتعليمها واقتصادها، ونشأة الهُجر والإخوان فيها، وذلك لجمال الأسلوب، وسلامة العبارة، وبلاغة الكلمات من دون تكلّف، وتدفّق الأفكار، ودقة التوثيق، وشفافية التشخيص، وصراحة القول والشهادة والأحكام.
ومع أن العلّامة حمد الجاسر كان ينشر مقالاته وأبحاثه في مطبوعات صحافية داخليّة وخارجية كما ذكر، إلا أن الأغلبيّة منها كانت تنشر في مجلتي «اليمامة» و«العرب» الأثيرتين على نفسه، وكان يحافظ عند تحرير مقالاته وبحوثه على اتّباع رسم معيّن لبعض الكلمات، ويشرف على النشر بنفسه، وقام مركز حمد الجاسر الثقافي مؤخرًا بمسح أعداد مجلة «العرب»، التي بلغت الخمسين من العمر هذا العام، وبتكشيف مقالاتها وتخزينها رقميًّا على أقراص مدمجة، وبإتاحتها للباحثين، جنبًا إلى جنب مع شقيقتها الرائدة «اليمامة»، التي كانت تصدر في الخمسينات، حيث أعاد المركز طباعة أعدادها السابقة ورقيًّا، بعد أن تمّت معالجتها فنّيًا.

* موجز محاضرة في معرض الكتاب بجامعة الباحة 12 أبريل (نيسان) 2016



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.