13 عامًا بعد الغزو الأميركي.. العراقيون يحصدون خيبات الأمل

بغداد تتراجع في كل شيء.. وأجمل شوارعها يتحول إلى خراب

أول وأجمل شوارع بغداد «الرشيد» تحول اليوم إلى خراب («الشرق الأوسط»)
أول وأجمل شوارع بغداد «الرشيد» تحول اليوم إلى خراب («الشرق الأوسط»)
TT

13 عامًا بعد الغزو الأميركي.. العراقيون يحصدون خيبات الأمل

أول وأجمل شوارع بغداد «الرشيد» تحول اليوم إلى خراب («الشرق الأوسط»)
أول وأجمل شوارع بغداد «الرشيد» تحول اليوم إلى خراب («الشرق الأوسط»)

خيبة الأمل.. لا شيء تقرأه اليوم على وجوه العراقيين وتلمسه من أحاديثهم، سوى خيبة أمل تكاثرت وكبرت وتفرعت لتصبح سلسلة من خيبات الأمل التي تؤثر في نفوسهم وتظهر جلية في تصرفاتهم. بتمعن الوجوه في الشوارع والمقاهي وحتى في المناسبات الثقافية لا ترى سوى شعب استيقظ بعد 13 عامًا بالتمام، وكأنه قد فقد أهم مفردات سعادته أو توازنه ألا وهو الأمل، أو الحلم، الذي بقي العراقيون يتشبثون به طوال سنوات الحرمان وكبت الحريات والحروب والقتل المجاني، ليأتي المخلص وينقذهم من نظام بقي جاثمًا مثل صخرة قوية فوق صدورهم. لكن الحلم الذي انتظروا تحقيقه جاء كابوسًا قاتمًا أجهض آمالهم بحياة حرة وكريمة وسعيدة وبمستقبل زاهر يستحقونه منذ سنوات طويلة.
الحلم المشوه جاء بدبابات أميركية وبقوات احتلال وبسياسيين «جعلوا الناس يترحمون على سنوات حكم صدام حسين بسبب الممارسات الطائفية التي قلبت حياة العراقيين إلى جحيم»، على حد قول إياد علاوي لـ«الشرق الأوسط»، وهو من جاء مع هذا الحلم - الكابوس وترأس أول حكومة بعد نظام صدام حسين.
الشاعر العراقي حميد قاسم، وهو ناشط مدني لم ينقطع عن مظاهرات يوم الجمعة من كل أسبوع وكان قد عاد إلى العراق مستبشرًا بأن «الحلم الذي أدمنا عليه سوف يتحقق.. بأن الحياة ستكون سعيدة بالفعل في بلد أثث تاريخه لسنوات طويلة بالحروب والدماء». في مكان قرب المسرح الوطني حيث الرصيف خرب والأبنية منسية منذ عقود وقد هدمت بعض أجزائها، وتلال الزبالة تنتشر هنا وهناك، وقف قاسم وقال: «أهذا هو الأمل الذي كنا في انتظار تحقيقه؟ بعد 13 عامًا من تغيير النظام لا نحصد سوى خيبات أمل تحيلنا إلى عالم من اليأس، لكننا نقاوم ذلك اليأس بالإبداع وبالإصرار على إيجاد حلول حقيقية للضغط على مصادر القرار في مظاهراتنا في ساحة التحرير التي لم تنقطع منذ ثمانية أشهر». بعد 13 عامًا بالتمام من تغيير نظام كان ديكتاتوريًا وشموليًا ووصف بأنه حكم الحزب الواحد، يعود العراق إلى نظام حكم الحزب الواحد. وفي هذا السياق يقول التدريسي في جامعة بغداد الدكتور صالح الخفاجي: «منذ تغيير نظام حزب البعث وحتى اليوم يحكم العراق حزب الدعوة، باستثناء الأشهر الأولى بعد تغيير النظام عندما ترأس الحكومة إياد علاوي، ولا يزال حزب الدعوة مصرًا على الاستمرار في السيطرة على الحكم»، مشيرًا إلى أن «شعارات مثل حكومة شراكة وطنية والعملية السياسية هي مجرد لافتات لا علاقة لها بمعنى الشراكة، والشراكة تعني توزيع حصص وزارية بين الأطراف التي حققت نتائج في الانتخابات التشريعية، لكن القرارات الأمنية والاقتصادية وملف العلاقات الخارجية تبقى في يد رئيس الوزراء الذي هو في العادة قيادي في حزب الدعوة منذ إبراهيم الجعفري ثم نوري المالكي ووصولاً إلى حيدر العبادي، وهذه الحكومات لم تنجز أي شيء في العراق عمومًا وبغداد خاصة سوى اعتماد أسلوب خلق الأزمات ومحاولة حلها، ومن ثم ندخل في أزمة أخرى حتى جاءت أزمات ذات الوزن الثقيل مثل احتلال تنظيم داعش ثلث العراق، ثم أزمة هبوط أسعار النفط مع انتشار الفساد وسرقة المال العام من قبل المسؤولين».
يوسف راضي، سائق سيارة أجرة في نهاية الستينات من عمره، يمتلك اليوم سيارة إيرانية الصنع (سايبة) يصفها العراقيون بأنها «أسوأ سيارة دخلت إلى العراق حتى اليوم، مع تأكيدات من دوائر شرطة المرور أنها ليست أمينة، لكنها رخيصة نسبة للسيارات الكورية واليابانية وبالكاد استطعت شراءها كي أعمل وأوفر لقمة خبز عائلتي»، حسبما يوضح راضي، مشيرًا إلى أن «أبناءه الثلاثة، وهم شباب تركوا العراق خلال موجة الهجرة الأخيرة إلى الغرب وتوزعوا في ألمانيا والسويد وهولندا بعد أن يئسوا من إيجاد فرصة عمل مع أنهم خريجو جامعات وفي اختصاصات علمية والبلد بحاجة لهم». ويضيف: «ابني الكبير (36 عامًا) مهندس ميكانيكا وخريج الجامعة التكنولوجية عمل مع شركة أهلية لسنوات قبل أن تنهي هذه الشركة أعمالها بسبب التقشف، ولم تجد محاولاته في إيجاد فرصة عمل لدى الحكومة، تصور أن آخر من قابله في وزارة النقل شاب بدرجة مدير حاصل على شهادة الإعدادية من بلد مجاور للعراق ورفض تعيينه، مع أن ابني حاصل على البكالوريوس في الهندسة وبمعدل 94 في المائة ومن جامعة عراقية حكومية، بعدها قرر ابني الهجرة وعدم العودة لبلد لا يحترم أبناءه وكفاءتهم»، مستطردًا: «اليوم صارت الوزارات إمارات، وزير أي وزارة يعين أقاربه وأقارب أقاربه والمرشحين من كتلته أو حزبه وطائفته دون الاعتماد على الكفاءة والاختصاص».
شارع الرشيد من جهة الباب الشرقي هو أقدم شارع في العراق وأول شارع شق في العهد العثماني في العاصمة العراقية، كان يعتبر حتى قبل عقدين من الزمن واحدًا من أجمل شوارعها. يتطلع سائق سيارة الأجرة راضي إلى الأبنية التي كانت مضرب الأمثال بأسلوب عمارتها وأناقتها وجمالها، فتحولت اليوم إلى خرائب متداعية، يقول: «في شبابي كنت أسوق سيارة شيفروليه أميركية طبعًا، وكانت السيارات الراقية فقط يسمح لها بدخول شارع الرشيد، حيث السرعة محددة خشية على أبنية الشارع من الاهتزاز والتلوث، واليوم الشارع الأجمل في كل العراق تحول إلى خراب بسبب هجة المتريفين والتخلف والحقد على بغداد». ويتابع: «هل من المعقول أن الحكومات التي تعاقبت على قيادة العراق منذ 13 عامًا لم تستطع إصلاح الأبنية والشارع.. إصلاح وليس بناء مع أن سعر برميل النفط كان أكثر من 120 دولارًا؟ طوال هذه السنوات لم يبنوا مدرسة أو مستشفى أو جسرًا.. وكل ما هو موجود اليوم ورثناه من حكومات ما قبل 2003 منذ العهد الملكي حتى الاحتلال الأميركي».
خيبات الأمل تتحول في نفوس العراقيين إلى حالات من اليأس، اليأس ليس من الحاضر وحسب، بل من المستقبل الذي يجسده الأطفال، فشوارع بغداد تزدحم بالمئات من الأطفال، من كلا الجنسين، وهم يستجدون الدينار، ويبيعون العلكة وعلب المناديل الورقية وقناني الماء، وحتى ساعات متأخرة من الليل، بدلاً من أن يكونوا على مقاعد الدراسة وفي بيوتهم آمنين. من يتأمل هؤلاء الأطفال سيتأكد أن المستقبل في العراق لا أمل فيه، وأن الكابوس الذي عاشه العراقيون منذ سنوات نظام صدام حسين وحروبه سيصبح أكثر قتامة، وأن النفق الذي أدخلوا فيه بسبب الاحتلال من الصعب أن تعثر في نهايته على بصيص نور بوجود سياسيين كل طموحهم هو التمسك بمناصبهم وليس خدمة الشعب والبلد.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.