رئيس السنغال: قررت تقليص ولايتي الرئاسية من سبع إلى خمس سنوات.. وأعمل على وضع قانون لذلك

ماكي صال يقول في حوار مع «الشرق الأوسط» إن موقف بلاده من قضية الصحراء لم يتغير منذ عهد الرئيس سنغور

رئيس السنغال: قررت تقليص ولايتي الرئاسية من سبع إلى خمس سنوات.. وأعمل على وضع  قانون لذلك
TT

رئيس السنغال: قررت تقليص ولايتي الرئاسية من سبع إلى خمس سنوات.. وأعمل على وضع قانون لذلك

رئيس السنغال: قررت تقليص ولايتي الرئاسية من سبع إلى خمس سنوات.. وأعمل على وضع  قانون لذلك

> أنتم الرئيس الرابع للجمهورية السنغالية منذ استقلالها عام 1960. ما هي الدروس التي استخلصتموها من تجارب سابقيكم في الحكم انطلاقا من الشاعر الرئيس ليوبولد سيدار سنغور وصولا إلى عبد الله واد؟
- التجربة التي يمكنني استخلاصها من حكم كل واحد من الرؤساء الذين سبقوني هي تجربة في غاية الأهمية، لأن كل واحد منهم لديه خصوصيته، ليوبولد سيدار سنغور أسس الدولة بعد الاستقلال، وكان هو أول رئيس للجمهورية، إنه شاعر لكنه استطاع تأسيس إدارة وحاول أن يطور الدبلوماسية، ورغم أن الحرية لم تكن كبيرة في ذلك العهد فإنه استطاع أن يدير الانتقال ما بين المجموعات الدينية والسياسية. أما عبدو ضيوف فقد ورث سنغور بطريقة دستورية بوصفه الوزير الأول (رئيس الوزراء)، وعند وصوله إلى الرئاسة جاء بالتعددية الحزبية الكاملة، وقام بما يمكنه على الصعيد الاقتصادي في ظرفية صعبة، حيث تزامن حكمه مع برنامج تقويم هيكلي للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وخفض قيمة الفرنك الغرب أفريقي، إنها فترة صعبة على المستوى الاقتصادي، لكن النتائج ظهرت عندما وصل عبد الله واد إلى السلطة سنة 2000 مع آمال كبيرة جدا، وطفرة ديمقراطية وأخرى إعلامية، تمثلت في مجيء الإنترنت وإذاعات الـ«إف إم». ولعب الرئيس واد أيضا دورا في تدعيم الديمقراطية، وخلال سنوات حكمه الأولى عمل على تشييد بنية تحتية كدعامة للتنمية، بعد ذلك كانت النتائج مثار نقاش أكثر على المستوى الديمقراطي.
وبالنسبة لي، فقد جئت لأرث من كل هذه الفترات بلدا شابا، بلدا لديه مطالب كبيرة تمتد من تشغيل الشباب حتى الأمن الغذائي، حيث يجب علي أن أحقق المستوى المطلوب، وأن أضع السنغال على سكة التطور، ذلك أن بلدنا لديه الإمكانيات والطاقات لتحقيق ذلك، كما يجب علي السهر على الحكم الرشيد والشفافية لأننا في عصر الرقميات والإنترنت، فالمواطن في سنة 2013 ليس هو مواطن سنة 1960 ولا سنة 1980، ولا حتى سنة 2000. واليوم تبقى مطالب المواطن بخصوص الأخلاقيات والمسؤولية أكبر بكثير. إذن لدي فسحة أقل للمناورة، ولكن في الوقت نفسه هنالك آفاق أكبر في العالم مع تطور الأقطاب الاقتصادية، مثل الوافد الجديد المتمثل في مجموعة البريكس (روسيا والبرازيل والصين والهند وجنوب أفريقيا)، ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وبالتالي على أفريقيا العمل من أجل تنويع تعاونها. ودوري هو منح السنغال كل الحظوظ لتلتحق بالعالم المتقدم.
> السيد الرئيس لديكم مسار سياسي مثالي، لقد كنت وزيرا للمعادن ثم وزيرا للداخلية فوزيرا أول (رئيسا للوزراء)، ورئيسا للجمعية الوطنية (البرلمان)، والمعروف أنك درست الجيولوجيا، فإلى أي حد أفادتك دراستك هاته في معرفة عمق المشهد السياسي في السنغال؟
- لديكم الحق.. الجيولوجيا علم ينظر إلى ما تحت، أي إلى أعماق الأرض، بينما السياسة بالأحرى تعبير فوق أرضي وحتى هوائي. بيد أنني أعتقد أن ما مكنتني الجيولوجيا من الحصول عليه في السياسة هو أولا الصبر وأيضا المرونة والقدرة على الصمود أمام الوضعيات الصعبة، وحب الميدان، فالسياسة هي أيضا ضرورة الوجود في الميدان، والحديث مع الناس، والالتقاء بهم ومعرفة مشاكلهم، والقدرة على الملاحظة، والجيولوجي الجيد هو الجيولوجي الذي يلاحظ، لأنه عن طريق حجر تلتقطه يمكنك أن تعيد قراءة وبناء تاريخ الأرض، وفي السياسة أيضا فإن القدرة على الملاحظة، إلى جانب القدرة على الاستماع، يمكن أن تساعد بشكل كبير، وهذه هي الأمور التي يمكنني القول إنني استخلصتها من مهنتي الأصلية، لكنكم تعرفون أن كل شيء يقود إلى السياسة، والجيولوجيا ليست بالضرورة أفضل طريق للوصول إلى القمة في السياسة، ولكن في النهاية، في بعض الحالات، كان هنالك بعض الجيولوجيين الذين استطاعوا قيادة بلدان وحكومات.
> بلدكم يعتبر مثالا يحتذى للتطور الديمقراطي في منطقة مضطربة، لقد أشرتم إلى سابقيكم من الرؤساء، سنغور وضيوف وواد، وأود أن أسألكم هنا: هل يمكن الجزم بأن مفهومي السلطة الشمولية والرئيس الأبدي قد انتهيا إلى غير رجعة، ولن يجدا في المستقبل مكانا لهما في السنغال؟
- بالتأكيد لقد انتهى عهد الحكم الفردي بشكل تام. اليوم لدينا مؤسسات مفتوحة وشابة. اليوم العالم يسير بسرعة، إنه قرن السرعة بامتياز، لأن كل ما يحدث الآن يبث على الإنترنت في اللحظة ذاتها، ويصبح متاحا في جميع أنحاء العالم. إذن لم يعد بإمكاننا أن نكون ذلك الرئيس الأبدي الذي يعرف كل شيء، والقادر على كل شيء؛ كل هذا انتهى.. والرئيس الآن يجب أن يملك رؤية ويكون مسيرا لبلده مثل المؤسسات الكبيرة، مع ضرورة تحقيق نتائج، وبالطبع لا بد أن تكون له حساسية تجاه المناطق الهشة ومكافحة الفقر فيها، وأن يكون عادلا بخصوص إعادة توزيع الثروات، والاهتمام بأي انعدام للمساواة لأن ذلك قد يؤدي إلى العنف الذي قد يضع على المحك كل ما هو موجود. وبالنسبة لي فإن الرئيس هو من يعرف أن يكون عادلا ويملك طموحات كبيرة لبلده؛ ولكن هذا يدخل في الحيز الزمني الذي يمنحه الدستور، وبعد الرئاسة فإن أي رئيس سابق لديه دور يمكن أن يلعبه؛ ولهذا قررت تقليص ولايتي الرئاسية من سبع إلى خمس سنوات، وأعمل الآن على وضع قانون يحدد الولاية الرئاسية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، مما يعني أن أي شخص لن يكون بإمكانه الاستمرار أكثر من عشر سنوات على رأس السنغال.
> على مستوى العلاقات الدبلوماسية للسنغال، من المؤكد أن لديكم خارطة طريق بالنسبة لدول الجوار والمحيط، ولكن أيضا بالنسبة للعالم العربي والإسلامي.. ما هي معايير هذه الدبلوماسية؟
إنها دبلوماسية الصداقة والتعاون، دبلوماسية مبنية على ما نقتسمه من قيم الإسلام، دين السلام والتسامح، الذي يربط أفريقيا والعالم العربي منذ عدة قرون، أي منذ القرن الثاني عشر. هذه العلاقات تتجلى مرة أخرى اليوم بشكل فعال في تعاوننا مع الدول العربية، دول المغرب العربي والخليج، وهذا يترجم في نوع من العلاقات القوية جدا والتي يدعمها الدين الواحد، وهو محور قوي في سياساتنا.. لدينا محور كلاسيكي وتقليدي مع أوروبا والولايات المتحدة والغرب، لكن لدينا في الوقت نفسه محورا استراتيجيا مع الشرق والبلدان العربية والإسلامية، حيث لدينا تعاون يتطور يوما بعد يوم، وأتمنى خلال رئاستي للسنغال العمل على تقوية التعاون مع الدول العربية.
> على مستوى العلاقات مع دول الخليج، ما هي رهاناتكم عليها.. ذلك أنكم زرتم المملكة العربية السعودية، وستقومون قريبا بزيارة لدول خليجية أخرى؟
- بالفعل أنتظر الكثير من هذه العلاقات. في البداية أود أن أشير إلى أنني زرت المملكة العربية السعودية مرتين، إحداهما في الإطار الثنائي والأخرى في إطار قمة مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي، وكنت حينها الرئيس الدوري للقمة قبل أن يخلفني الرئيس المصري محمد مرسي، لكنني أيضا زرت الكويت وقطر كما سأزور المغرب قبل نهاية هذا الشهر، وسأواصل هذه الاتصالات مع الدول الأخرى التي دعتني لزيارتها. لقد شرفنا العاهل المغربي الملك محمد السادس أخيرا بزيارة السنغال، كما سيزورنا أيضا أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح قبل نهاية العام الحالي. وأتمنى من هذه اللقاءات العالية المستوى أن تمكن من خلق تعاون قوي، إضافة للتعاون الثنائي من خلال المؤسسات المالية السيادية لهذه الدول أو أي مؤسسات مالية أخرى. إنني أنتظر أيضا تعاونا وتطويرا لمشاريع استثمار مع القطاع الخاص العربي، فأفريقيا اليوم تعتبر قارة بحاجة إلى الاستثمارات، وهذه الاستثمارات مربحة، والأدلة قائمة على أن الاستثمار في أفريقيا أسرع مردودية من الاستثمار في آسيا أو أي منطقة أخرى من العالم.
إن الجميع يحاول تطوير التعاون مع أفريقيا، لقد شاهدتهم «أفريك تيكاد» مع اليابان (مؤتمر طوكيو الدولي حول التنمية في أفريقيا)، و«أفريك فرانس» مع فرنسا، و«أفريك شين» مع الصين، وبالتالي يجب أن يكون هناك «أفريك غولف» مع دول الخليج والدول العربية. من جهة أخرى، لدينا معرض أفريقي - عربي سينظم في الكويت هذا العام، لكنني أتمنى على القطاع الخاص العربي والشركات العربية التي تستثمر في البنية التحتية والسكة الحديدية والزراعة والإنتاج الغذائي والطاقة أن تأتي للدخول في شراكات ذات طابع خصوصي أو عمومي مع حكوماتنا من أجل تطوير الاستثمار. لقد وضعنا إطارا ملائما، والاستثمارات محمية.. السنغال في جميع الأحوال بلد قانون يحترم بشكل تام مصالح المستثمرين الخصوصيين، وبالتالي فإن الاستثمارات محمية عندنا. وقد تم اختياري لأكون رئيس الشراكة الجديدة من أجل تنمية أفريقيا (نيباد)، لذا فإنني مكلف بتوجيه البرنامج الاقتصادي الأفريقي، وفي هذا الإطار فإنني مكلف أيضا بترقية الاستثمارات في أفريقيا خاصة في مجال البنية التحتية والزراعية.
> لقد زرتم المملكة العربية السعودية، والتقيتم خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز مرتين، كما التقيتم ولي عهده الأمير سلمان بن عبد العزيز.. ما هو الانطباع الذي خرجتم به عن شخصية خادم الحرمين الشريفين وولي عهده؟
- في البداية أريد أن أهنئ خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، بمناسبة مرور عشر سنوات على تربعه على عرش المملكة العربية السعودية، إنه ملك مخضرم يعمل على تطوير بلاده بطريقة مدهشة؛ وأظن أن ما قام به سيظل ماثلا لعدة أجيال قادمة من دون أن ننسى ما يتعلق بالتحول النوعي في مكة المكرمة والمدينة المنورة، والحرمين الشريفين. هذا إضافة إلى أنه في المملكة العربية السعودية التي يجب ألا تعتمد في اقتصادها على النفط وحده، نجد أنه تم وضع آليات لتظل مملكة دائمة التطور وقوية.
إن الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك كريم جدا، فقد التقيت به مرتين، وأكن له الكثير من الاحترام والتقدير لشخصه أولا ثم لأريحيته الكبيرة وإنسانيته، حيث تفاعل معنا بإيجابية العام الماضي عندما دعمنا بمساعدة إنسانية عاجلة (في إشارة إلى دعم المملكة للسنغال خلال كارثة فيضانات دكار). كما أنني التقيت بالأمير سلمان بن عبد العزيز خلال زيارتي الأولى للسعودية، وما زلنا نحن السنغاليين نذكر له زيارته لبلادنا في عقد التسعينات من القرن الماضي، واهتمامه وحرصه على العلاقات بين بلدينا، كما لمست فيه إحساسه بالمسؤولية الاستثنائية لبلاده حيث يوجد الحرمان الشريفان، وما يتطلبه ذلك من علاقات مع أفريقيا ومع العالم الإسلامي ككل، وقد وجدت منه آذانا مصغية. لذا نأمل تطوير العلاقات مع القيادة السعودية بشكل أكبر.
> السنغال بلد مستقر، لكنه يعيش في منطقة مضطربة وغير مستقرة، تجسدها الأزمة في مالي.. كيف ترون نهاية هذه الأزمة، وهل لديكم مقاربة خاصة لذلك؟
- الوضع في الساحل صعب من الناحية الأمنية، لكننا نحن الأفارقة والمجموعة الدولية نعمل جاهدين لمساعدة مالي على استعادة الاستقرار، وإيجاد حلول مستدامة هي حلول تعتمد على مكافحة الفقر، فلا بد من منح آفاق جديدة لشعوبنا، فما دامت بلداننا هشة في ما يتعلق بالأمن الغذائي والتشغيل والزراعة فمن البديهي أن تكون الحلقة الأضعف والأكثر عرضة لعدم الاستقرار؛ لكنني أعتقد أنه في ما هو أبعد من الجانب المتعلق بتأمين الأراضي، بدأنا في إطار المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا والاتحاد الأفريقي وكل المجموعة الدولية في التفكير من أجل تقديم حلول مستدامة للوضع في الساحل على شكل تنمية مستدامة ومكافحة الجفاف والتصحر، وفتح آفاق للإنتاج الغذائي وتشغيل الشباب، ولهذا فإنني أوجه دعوة لشركائنا، خاصة من العرب، للمضي معنا ودعمنا في هذه السياسة الجديدة لضمان الأمن الغذائي.
> السيد الرئيس، أعلنتم مؤخرا عن قلقكم من احتمال تسلل متطرفين إلى السنغال بسبب الأزمة في مالي، ما هي خطتكم لمنع هؤلاء الأشخاص من التحول إلى قنابل موقوتة؟
- تعرفون أن كل بلد يجب عليه أن يدافع عن أراضيه ضد أي مخاطر أو تهديدات يمكن أن تكون عامل عدم استقرار.. التهديدات متنوعة، وبلدنا على غرار بقية البلدان اتخذ الإجراءات اللازمة لتأمين أراضيه ولضمان أمن مواطنيه، والتوجه والتركيز الآن على المشاكل الحقيقية للتنمية؛ وهذا نقوم به أولا كحكومة، لكننا نقوم به أيضا بالتعاون مع بلدان المنطقة وفي المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وبالتالي فإن السنغال تتخذ كل الإجراءات الأمنية لأن الحاجة إلى الأمن مهمة، فالمخدرات حاضرة، وتدفق الأسلحة الخفيفة في المنطقة وتهريب السجائر حاضران كذلك، هذا إلى جانب وجود كل أنواع العصابات التي يمكنها على المدى البعيد أن تهدد استقرار أي بلد، ولذا فمن واجبنا بالطبع أن نؤمن مواطنينا وأن نؤمن بلدنا.
> السيد الرئيس، نعرف أن دكار ساندت دائما الحق المغربي في الصحراء، ودعت دائما إلى عودة المغرب إلى حظيرة الاتحاد الأفريقي، ونعرف حتى الآن أن عدم عودة الرباط إلى الاتحاد راجع إلى قبول عضوية ما يسمى «الجمهورية الصحراوية» في الاتحاد. بالنسبة لكم كقائد شاب يحمل رؤية جديدة لحل الأزمات السياسية في المنطقة، كيف ترون نهاية هذه الأزمة؟
- يجب أن أقول لكم وأنتم تعرفون ذلك من دون شك أن موقف السنغال منذ بداية هذه الأزمة (قضية الصحراء)، ومنذ عهد الرئيس سنغور وحتى الآن، لم يتغير أبدا، وهذا ليس راجعا إلى شخص الرئيس، وإنما ذلك راجع إلى قوة ومتانة العلاقات بين المغرب والسنغال. إذن، أنا لدي الموقف نفسه بخصوص الصحراء الغربية، ونحن نتفق مع المملكة المغربية.
وفي ما يخص الاتحاد الأفريقي فإننا كنا دائما ندافع عن الموقف المغربي، واليوم فإن أفضل استراتيجية، حسب وجهة نظرنا، هي جلب المغرب للجلوس إلى جانب أصدقائه في الاتحاد الأفريقي، للعمل على الرفع من مستوى النضال وزيادة فعاليته، وهذا سيجعل مهمة أصدقاء المغرب أكثر سهولة، لأننا عادة عندما تكون لدينا محادثات فإنهم يكونون غير موجودين (المغاربة) والأصدقاء هم من سيصعدون إلى المحافل، وسيكون إبداء وجهة النظر أكثر فعالية عندما يكون المغرب موجودا، وهذا سيعطي إمكانيات أكثر لهذه البلدان للمجيء والمشاركة في الموقف نفسه.
بالطبع، نحن نحترم الموقف السيادي للمغرب، لكني أعتقد أنه من غير المستبعد أن يتطور هذا الموقف بخصوص مسألة الاتحاد الأفريقي، ولكن بالطبع فإن مغربية الصحراء يجب أن تبقى كاملة، ويجب أن تبقى كما في المساعي المغربية (الحكم الذاتي)، ونحن ندعمها في هذا الموقف.
> العالم يعرف أزمة اقتصادية، هل أثرت هذه الأزمة على بلدكم؟
- حتما.. كانت هنالك تأثيرات على الجميع. صحيح أن أفريقيا لم تكن من المناطق التي ضربتها الأزمة بقوة، لكنها تعرضت لانعكاسات بعيدة لهذه الأزمة. فأوروبا ضربتها الأزمة بقوة، ونحن مرتبطون بها من خلال السعر الثابت لليورو مقابل الفرنك الغرب أفريقي.. إذن وضعية اليورو تؤثر مباشرة على اقتصادنا، كما أن ندرة المصادر في أوروبا تؤثر مباشرة على حجم المساعدة العمومية للعملية التنموية. فنحن نعاني بشكل غير مباشر، لكننا لم نعان من تأثيرات مباشرة لأننا في أفريقيا ليست لدينا إمكانية الوصول إلى هذه الأسواق، ونظام العملة لدينا، والمصارف لدينا لا تخاطر كثيرا، لذا لم تعان من الخسائر نفسها التي شهدتها نظيرتها في أوروبا والولايات المتحدة خلال الأزمة؛ لكننا اليوم بحاجة إلى تطوير الائتمان في أفريقيا، خاصة في ما يتعلق بأسعار فائدة منخفضة.
القارة الأفريقية لم تعد غير مستقرة كما كان الوضع عليه في العقود السابقة، اليوم أفريقيا هي قارة يمكن بكل تأكيد القيام بأعمال فيها. إذ أن نظم التقويم في بلداننا يجب مراجعتها على ضوء الجهود التي نقوم بها الآن في ما يتعلق بالشفافية والفرص والحد من المخاطر، ويجب علينا بالأحرى تحسين نوعية امتياز البلدان الأفريقية من أجل أن يكون الائتمان بأقل سعر ممكن مما يجذب الاستثمارات بسهولة أكبر.
> في السنغال والمنطقة بشكل عام هناك حديث عما آل إليه التحقيق في ما يعرف بقضية «كريم واد» نجل الرئيس عبد الله واد، ودخوله السجن.. بماذا تردون على من يتهمكم بتصفية الحساب مع من كان خصما سياسيا لكم؟
- أولا، أريد أن أقول لكم إنني لست ممن يحقد أو يصفي الحسابات مع الغير، ولدي تقدير للرئيس عبد الله واد لسنه، ولكونه شخصية فذة سجلت صفحات مضيئة في تاريخ السنغال. صحيح أنني اختلفت معه من بعد في تسيير البلد، لكن ذلك لا يفسد للود قضية. علاقاتي مع ابنه كانت هي الأخرى مبنية على الاحترام حتى لو اختلفنا سياسيا. واليوم الأمر يتعلق بملف لدى القضاء، وبتحقيقات خاصة بالعدالة. وبالتالي عندما تنصفه المحكمة سأكون أول من يرحب بذلك.
> السيد الرئيس لقد ولدتم سنة 1961، بعد الاستقلال بسنة، خلال طفولتك ومراهقتك هل فكرت يوما أن تصبح رئيسا للجمهورية؟
- لا على الإطلاق، لم يسبق أن فكرت في هذا؛ ولكن عندما كنت طالبا كنت في بعض الأحيان ألهو في الحي الجامعي مع زملائي الطلاب، وألعب لهم دور الزعيم السياسي، فقد كنت أنشط في الحركات الطلابية وكنت قائدا، لكني لم أفكر حينها أن أكون رئيسا للجمهورية. وأعتقد أن هذا الطموح أو بالأحرى النداء الخفي تشكل عندي عندما كنت رئيسا للجمعية الوطنية (البرلمان)، أما شغلي لمنصب الوزير الأول فلم يكن بالضرورة طموحا، لكن عندما كنت في الجمعية الوطنية، ودخلت في معركة أعتبرها غير عادلة، قلت لنفسي الآن يجب الذهاب بعيدا. وكمؤمن بالله لدي القناعة الراسخة بأن الله وحده هو القادر على منح السلطة في النهاية، ولذا قلت إنه يجب الدخول في هذه المعركة.. ودخلتها. وذهبت بشكل ديمقراطي إلى لقاء مواطني بلدي، وعملت بجد خلال ثلاث سنوات، وبإرادة الله اختارني الشعب السنغالي.
> ما الذي كنت تحلم به في الماضي؟
- كنت أحلم بأن أكون مهندسا جيدا في شركة كبيرة للمعادن أو الجيولوجيا، وكدت أهاجر إلى ألاسكا في أميركا، لأنني عندما تخرجت حلمت في لحظة معينة بالهجرة للبحث عن العمل كمهندس جيولوجي. وبما أنني كنت ناشطا سياسيا فإن السياسة كانت أكثر قوة. ففي ذلك العهد كانت هناك معركة من أجل التغيير في السنغال، فبقيت في البلاد، وعملت في الشركة الوطنية للبترول حتى فوز الرئيس عبد الله واد سنة 2000، لأصبح مديرا عاما للشركة ثم وزيرا للطاقة، وواصلت مسيرتي السياسية بعد ذلك.
> لقد كان الرئيس سنغور شاعرا.. هل تحب الشعر؟
- أنا لست شاعرا، حتى أكون صادقا. الشعر موهبة وأنا أحب الشعر كثيرا لكنني لست شاعرا وإنما فني ومهندس. أحب النثر أيضا خاصة عندما تكون فيه الجمل مكررة وبسيطة، وأنتم تعرفون أن الشعر ليس جملا بسيطة.
> وماذا عن الموسيقى هل أنت مولع بها؟
- أحب الاستماع للموسيقى، لكنني لست محبا لها لدرجة الرقص. أحب الاستماع للموسيقى سواء كانت سنغالية أو موسيقى عالمية، كما أستمع للموسيقى العربية التي أجد أنها في غاية الحساسية والدقة، ونتذكر دائما أغاني أم كلثوم مع أننا لا نفهم معاني الكلمات، لكنها أغان في غاية الروعة. فالأغنية العربية، من وجهة نظري، لديها جمالها تماما كما تستمعون للأغاني الهندية مع أنكم لا تفهمون شيئا من الكلمات. بالتأكيد هناك موسيقى أخرى أكثر شهرة وعالمية مثل «الجاز»، وأنواع أخرى استمعت لها كثيرا عندما كنت طالبا، لكن الآن ليس لديّ الكثير من الوقت للاستماع للموسيقى، باستثناء بعض الليالي حين تقدم لي زوجتي بعض الأشرطة للاستماع لها من أجل الاسترخاء.



التحالف يُدمِّر منصتين لإطلاق الصواريخ الباليستية في صعدة

اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن (الشرق الأوسط)
اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن (الشرق الأوسط)
TT

التحالف يُدمِّر منصتين لإطلاق الصواريخ الباليستية في صعدة

اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن (الشرق الأوسط)
اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن (الشرق الأوسط)

أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن تدمير منصتين لإطلاق الصواريخ الباليستية بمحافظة صعدة، فجر السبت.
كان اللواء الركن تركي المالكي، المتحدث باسم «التحالف» كشف، مساء الجمعة، عن إحباط عمليات تهريب أسلحة للميليشيات الحوثية عبر البحر إلى محافظة الحديدة.
ونشر اللواء المالكي فيديو لاستهداف عمليات تهريب الأسلحة للحوثيين، عبر حسابه على منصة «إكس»، وقال: «نَضْرِبُهُم على الأرض... نُغْرِقُهُمْ فِي البحر».

وأدان مجلس الأمن الدولي بأشدّ العبارات الهجمات الحوثية المتواصلة والمتصاعدة التي تستهدف السعودية، بما فيها التي طالت الطيران المدني والبنية التحتية للطاقة، وأسفرت عن مقتل مدنيين، وإصابة آخرين.
وأعرب أعضاء مجلس الأمن، في بيان، الخميس، عن تضامنهم مع السعودية في مواجهة الهجمات التي تطول المدنيين والأعيان المدنية على أراضيها، مؤكدين حقّها الأصيل في الدفاع عن النفس وفقاً للقانون الدولي.
وطالَب البيان الحوثيين بالوقف الفوري لتصعيدهم العسكري وهجماتهم التي تطول المدنيين والأعيان المدنية، مجدداً دعم مجلس الأمن للحكومة اليمنية والتزام أعضائه القوي بوحدة اليمن وسيادته واستقلاله وسلامته الإقليمية.


كوريا الشمالية تختبر طوربيداً مزوّداً بتقنيات الذكاء الاصطناعي

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يتفقد دبابة قتال جديدة في موقع غير مُعلن عنه في كوريا الشمالية  (أرشيفية - ا.ف.ب)
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يتفقد دبابة قتال جديدة في موقع غير مُعلن عنه في كوريا الشمالية (أرشيفية - ا.ف.ب)
TT

كوريا الشمالية تختبر طوربيداً مزوّداً بتقنيات الذكاء الاصطناعي

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يتفقد دبابة قتال جديدة في موقع غير مُعلن عنه في كوريا الشمالية  (أرشيفية - ا.ف.ب)
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يتفقد دبابة قتال جديدة في موقع غير مُعلن عنه في كوريا الشمالية (أرشيفية - ا.ف.ب)

ذكرت وكالة ​الأنباء المركزية الكورية الشمالية، اليوم (السبت)، أن كوريا الشمالية أجرت الخميس ‌تجربة ‌تحت ​الماء ‌لنظام ⁠سلاح ​طوربيد جديد ⁠للتحقق من تحسينات تقنية، واصفة التجربة بأنها ناجحة وخطوة مهمة ⁠في تطوير القوة ‌البحرية للبلاد.

وأضافت ‌الوكالة ​أن ‌الاختبار أثبت ‌فاعلية تكنولوجيا الدفع التي تم تطويرها من خلال ‌أكثر من 180 اختبارا على مدى ⁠السنوات ⁠الخمس الماضية، وأنه تم استخدام الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأهداف وتوجيهها في هذا الطوربيد الجديد العالي ​السرعة ​والموجه بدقة.


«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.