الوعي قضية معقدة جدًا.. كل مقاربة لها تطرح مشكلات جديدة

حين لا يتفق الفلاسفة على جواب واحد محدد.. ويقف العلم حائرًا

الوعي قضية معقدة جدًا.. كل مقاربة لها تطرح مشكلات جديدة
TT

الوعي قضية معقدة جدًا.. كل مقاربة لها تطرح مشكلات جديدة

الوعي قضية معقدة جدًا.. كل مقاربة لها تطرح مشكلات جديدة

عندما تحاول أن تتعرف على ما يحيط بك، تجد نفسك محشورا في عالم تتعدد أشياؤه وتتنوع، إلى حد تغرق وسطه، فلا تخرج منه وتعود إلى نفسك إلا بصعوبة بالغة، لتكتشف أن ما يحيط بك مألوف وعادي، إلى حد لا تطرح معه السؤال عنه. فالشمس والقمر والنجوم، نعتقد أننا نمتلكها. وكذلك مآثر مدينتنا، وأبواق سياراتها، وسكانها، هي جزء منا. وحينما تعود إلى دواخل ذاتك، تجد أمامك عالما غنيا متعددا، أشبه ما يكون بمسلسل طويل جدا من الأحداث والتجارب والأحاسيس المتتالية، التي تتعرف عليها بدقة أكبر من أي فيلم تلفزيوني تشاهده أمام عينيك، حيث يتعدى الأحداث، ليضم كذلك، الأصوات والروائح، وتتزاحم المعطيات وتتوالى إلى حد نجد أنفسنا غير قادرين على استيعابها جميعا. آنذاك أنت تعرف بأنك أحمد أو علي. وتعرف أنك كنت حزينا البارحة أو سعيدا. وأنك حصلت السنة الماضية على ترقية. وفي طفولتك كنت فتى مشاكسا، غنيا أو فقيرا. إنها ببساطة، كل المعطيات التي تجعلك تتأكد أنك أنت، وأنك قادر على إدراك ذاتك وكل ما يحيط بك. هذا الوعي هو الذي يجعلنا موجودين، ويجعل هذه الحياة جديرة بأن تعاش. إلا أن عليك أن تعرف أيضا، أنك تطل على واحد من أهم القضايا الفلسفية والعلمية وأكثرها تعقيدا. إنه المجال الذي تتوالى حوله المقاربات من كل المجالات. المجال الذي لا يتفق الفلاسفة فيه على جواب واحد محدد. والمجال الذي يقف العلم أمامه حائرا تائها متخبطا بنرجسية مجروحة. وهو الذي طالما ادعى قدرته على بسط سلطانه على كل شيء.
بدءا بالفلسفة، فإن أقوى محاولة مؤثرة في تحديد الوعي، هي تلك التي قدمها الفيلسوف الفرنسي روني ديكارت. فقد عد ديكارت، أن ماهية الوعي هي العقل، كما أسماها«الفكر»، thinking. نحن واعون ما دمنا نفكر. وعندما نفقد الفكر، فإننا نفقد الوعي كذلك. فمثلا، الآن عقلي يركز انتباهه على كتابة هذا المقال. ولكن على الرغم من التغيرات التي تحدث لي عندما أتوقف عن الكتابة، كالشروع في العشاء مثلا، فإنني سأستمر في حالة وعي ما أو أخرى. والفكر جوهر غير مادي، غير قابل للانقسام إلى أجزاء أصغر فأصغر. كل عقل هو نفس خالدة تسكن الجسد، وترتبط به بطريقة معينة. إلا أن هذا التحديد للوعي، لم يقنع فيلسوف العقل، جلبرت رايل، الذي عاش في القرن العشرين، ووصفه متهكما، بمبدأ«الشبح في الآلة». فالعقل يصبح مع ديكارت، بمثابة شبح يسكن في آلة جسدنا. بالإضافة إلى أنه من الصعب أن نربط، لدى ديكارت، بين عنصرين من طبيعتين متعارضتين، الجسد المادي والفكر اللامادي. فأنا أعرف أنه إذا داس أحد ما على قدمي فسوف أشعر بألم. والشعور بالألم حادثة عقلية تسبب فيها ما هو مادي. وعندما أقرر أن أرفع يدي ملقيا التحية، يحدث القرار في نفسي الواعية. لكن ذراعي ترفع نحو الأعلى. سيقول ديكارت، إن العقل والجسد يلتقيان في الغدة الصنوبرية. إلا أن هذا الحل المضحك، لا يزيد طرح ديكارت إلا تعقيدا، خاصة وأنه قدم ثنائية تنتفي داخلها كل إمكانية للالتقاء.
المحاولة الثانية المهمة في تحديد الوعي، سوف تأتي من الفيلسوف الفرنسي الآخر، هنري برغسون، الذي عد الوعي «استمرارية دفاقة». وهو معطى مباشر غير محتاج إلى وساطة أو برهان للتعبير عن نفسه. وهو معاينة الفكر لذاته، وحدس مباشر ذاتي داخلي لا يمكن وصفه إلا بالتشبيهات والاستعارات. كأن نصف حالة من حالاتنا الداخلية بالقوة أو الضعف؛ لأن طبيعة الوعي الحدسية والمباشرة وغير المادية، مستعصية على الوصف اللغوي والتعبير الكلامي. ويعطي برغسون مثالا على الحالات الانفعالية، فيقول:إنه في لحظة الانفعال، أي عندما أكون في حالة رعب، لا أستطيع أن أدرس بدقة أو بموضوعية هذا الرعب الذي أعيشه، وكذلك في حالات الغضب. وإذا أردت دراسة هذه الانفعالات بعد فترة من الزمن، فإنها ولا شك ستكون دراسة غير موضوعية منحازة إلى الذات والعواطف. فحياتنا الداخلية تظهر على شكل وعي متدفق، تتعاقب فيه الأفكار والذكريات والمشاعر من كل صوب وحدب وتترابط، فيشكّل لوحة متوحّدة، تنصهر فيها كل القوى والملكات تماما، مثلما تنصهر الألوان وتتوحد لحظة مغيب الشمس، بشكل تستحيل معه كل مقاربة فيزيائية أو علمية للمعاينة الموضوعية، والقياس الكمي، كما هو مطبق على الموضوعات الفيزيائية الخارجية.
هذه الاستحالة، التي يعبر عنها برغسون، تبقى في نظر رجال العلم غير مبررة. فالوعي في نظرهم ليس شأنا فلسفيا ويجب أن يخرج من دائرة الدراسة الفلسفية. بمعنى أن الوعي شأن علمي، ولا يجب أن يكون إلا علميا. بل إنه من السخرية، في نظرهم، مقاربة قضية الوعي بطريقة أخرى كالتي يقدمها لنا روني ديكارت أو هنري برغسون. فكل نواحي العقل، بما في ذلك الوعي الذي هو أكثر نواحي العقل إثارة للحيرة، يمكن تفسيرها بطريقة أكثر مادية، على أساس عدها سلوك مجاميع كبيرة من الخلايا العصبية المتفاعل بعضها مع بعض داخل الدماغ. كيف ذلك؟ أغمض عينيك للحظة فقط ثم افتحهما. لفترة قصيرة جدا لا تكاد تشعر بها، استقبلت ملايين الخلايا في دماغك، إشارات مولدة من قبل الضوء الساقط على الشبكية، وإعادة تشكيل الحقل البصري. بعد ذلك أغلق عينيك وفكر في لحظة عاطفية جدا في حياتك، أي في وقت ما كنت فيه سعيدا جدا، أو حزينا جدا، أو متحفزا. ربما لم تكن قد فكرت بهذا الحدث مند سنوات، لكن خلايا دماغك اختزنت الصورة، وكانت قادرة على إعادة بثها من جديد عند الطلب، وهو أمر مغر جدا، أن يتم الربط بين الوعي والدماغ، والعقل والدماغ. ففي غرب ولاية فيرمونت بالولايات المتحدة الأميركية، وفي يوم عمل بالسكة الحديد، سيتعرض أحد العمال لإصابة، حيث سينغرس قضيب متطاير في الناحية اليسرى من وجهه، وعبر دماغه. وبعد فترة إغماء قصيرة، وبعد معاينة الطبيب، عاد إلى العمل. وقد لاحظ أصدقاء العامل تغيرا غريبا في سلوكه. فبعدما كان رجلا متزنا، أصبح سريع الغضب؛ يعاقر الخمر، ويكثر السباب. وقد أبانت الخبرة بعد ذلك، أن إصابته كانت في مقدمة الفص الأمامي، وهي الجهة التي تؤدي الإصابة فيها إلى تصرفات غير مسؤولة، وإلى عدم القدرة على فهم الحاجة للتخطيط على المدى الطويل. لكن رغم جاذبية هذه المقاربة، فما تزال هي الأخرى تتخبط في مشكلات جمة. فعلماء الأعصاب لا يعرفون، حتى الآن، ما يكفي بخصوص كيف يعمل الدماغ، بالقدر الذي يمكِّنهم بشكل دقيق، من معرفة كيف ينبثق الوعي من النشاط الكهربائي والكيميائي للعصبونات. وبذلك، فإن الخطوة الكبيرة الأولى، تكمن في تحديد أفضل المترابطات العصبونيَّة للوعي، بمعنى الفعالية الدماغية التي تتوافق مع الخبرات الواعية النوعية. فعندما تدرك أنك ترى كلبا، فما عصبونات دماغك التي تتأثر بذلك؟ وحينما تشعر بحزن ينتابك فجأة، فماذا يحدث في دماغك؟ بمعنى أنه من الضروري إيجاد الخريطة الدماغية النهائية للنشاط العصبي المحدد لكل العمليات الواعية التي يقوم بها الإنسان. آنذاك يمكن الحديث عن مقاربة علمية متقدمة في موضوع الوعي. لكن ولنفترض بأن هذا الأمر حدث. يؤكد الفيلسوف الأميركي، جون رودجر سيرل، في كتابه«العقل مدخل موجز»، أنه حتى لو حددنا الخريطة الدماغية والتركيبية الكيميائية النهائية لطريقة اشتغال الوعي، فسوف يبقى من الصعب علينا تحديد هذه العمليات بشكل نهائي. فلنراقب ما يحدث مثلا أثناء احتساء القهوة. حسنا، سنحدد الخلايا المسؤولة عن كل عمليات الوعي المصاحبة لهذه العملية وبشكل دقيق. لكن هل نحن سنعيش الأحاسيس نفسها، والتجربة نفسها مع احتساء فنجان قهوة، هل نستمع لأغاني فيروز بالطريقة عينها؟ ما يعني أن هناك تجارب باطنية يظل من الصعب تحديدها أو وصفها، ونختلف فيها نحن جميعا. وهو ما يبرزه كذلك، البروفسور والفيلسوف الأميركي توماس نيغل، بسؤاله المستفز: ما معنى أن تكون وطواطا من منظور الوطواط؟ فيمكن للمرء أن يمتلك، معرفة كاملة عن النيروبيولوجي للوطواط، ومع ذلك، لا بد أن يبقى شيء ناقص من معرفة هذا الكائن: ما نوع الشعور الذي يميز الوطواط بصفته وطواطا؟ وهذا السؤال يسلط الضوء على جوهر الوعي. وأي تفسير موضوعي للوعي يهمل هذه الناحية، لا يستطيع أن يفسر الخاصية الذاتية للوعي. وهي المعلومات الصعبة في الوعي، بتعبير الفيلسوف الأسترالي ديفيد تشالمرز.
هكذا يظل الوعي قضية معقدة جدا. كل مقاربة لها، تطرح مشكلات جديدة، أكثر بكثير من الحلول التي تقدمها؛ مما يجعلنا دائما، متعلقين بالمستقبل، راغبين في الفهم، ومتوجسين من هذا الفهم، خاصة وأن هذا الفهم يتعلق بجوهر الإنسان، وأساس تفرده، حيث نخشى أن نصبح واضحين جدا، بشكل يتنافى معه كل سحر وتميز في الإنسان. فنجد أنفسنا، تبعا لذلك، أمام خيارين، أحلاهما مر:
أولهما، أن نؤمن بالأفكار البالية، ونحن في دفء الوهم الذي يؤكد أن الإنسان روح ونفس تستعصي على المقاربات العلمية الدقيقة.
وثانيهما، أن نوقن أن العلم، سيكشف في المستقبل عن سر الوعي وكنهه، مهما أحرجنا ذلك، مادام أن العلم لا ينتظر أحدا، ولا يأخذ رغباتنا أو أهواءنا بعين الاعتبار.

* أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي



«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف
TT

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

«غيبة مي» تنقلب فجأة إلى رواية «نسوية» بالمعنى المألوف

بعد قراءة صفحات قليلة من رواية الكاتبة اللبنانية نجوى بركات «غيبة مي» (دار الآداب، بيروت 2025) تدرك أنها رواية معنية بالشيخوخة وتداعياتها. خصوصاً الشيخوخة المقترنة بالوحدة، بالعيش المنفرد. نحن هنا في حضرة سيدة لبنانية ثمانينية تُدعى مي، تعيش بمفردها في طابق علوي من بناية سكنية مترفة في بيروت. تصحبنا نجوى بركات في جولة طويلة داخل أيام مي وروتينها المتكرر، ليس ذلك فحسب، إنما تجول بنا أيضاً في تلافيف ذهنها المتراوح بين الصحوة المرهفة وعوارض التآكل تحت وطأة ألزهايمر وما يصاحبه من المظاهر التدريجية للخرف وفقدان الذاكرة. المائة وخمس وعشرون صفحة الأولى من الرواية، أي نحو نصفها، مكرّسة للرصد المجهري لمعنى أن تكون امرأة عجوزاً وحيدة في المرحلة الأخيرة من عمرها، أو بالأحرى في نهاية المرحلة الأخيرة، المرحلة التي يتآكل فيها الجسد ويفقد قدرته على الاستقلال عن الآخرين والاعتماد على الذات، ويصبح محتاجاً للعون في أخص الخصوصيات مثل الاستحمام وتجفيف الجسد بعده وقضاء الحاجة وتمشيط الشعر وإعداد الطعام.. إلخ إلخ. كل ما نؤديه بغير تفكير ولا نتصور أن نشرك فيه أحداً طوال العمر يصبح جهداً فوق العادة ولا تجدي معه المكابرة. لكنه ليس الجسد فقط بل يفاقم من تداعيه التداعي الذهني أيضاً. يصبح العالم كله موضع ريبة. تسيطر علينا الأوهام والخيالات والمخاوف والتوجُّسات. نفقد الثقة حتى بمن نحن في أمسِّ الحاجة لعونهم.

تنفق نجوى بركات 125 صفحة في تصوير هذه المرحلة من الحياة في هذه الحالة الفردية، وتنغمس في أدق التفاصيل، سواء في الوصف الخارجي أو في تسجيل التداعيات الذهنية للشخصية. وما لم يكن القارئ مثابراً، منتبهاً لما تحاول الكاتبة فعله فقد يدركه السأم وينبذ الكتاب. أما أنا الذي عاين ناساً مروا بهذه المعاناة وعاشوا فيها سنوات قبل أن يوافيهم المخلِّص الأكبر، كما شاهدت العديد من الأفلام السينمائية الممتازة التي تناولت هذه الظاهرة المرضية ورصدت تطوراتها في تصوير واقعي تنفطر له القلوب (انظر مثلاً الفيلم الفرنسي Amour (الحب) 2012 للمخرج النمساوي مايكل هانيكه)، فقد كنت واعياً بما تحاول الكاتبة أن فعله، الذي لا يتحقق إلا بالقذف بنا بلا رحمة في أتون التحلل المتسارع لشخصيتها جسدياً وذهنياً، والذي لا يتحقق إدراكه إلا بالمكوث الطويل عند تفاصيل الحياة اليومية التي لا تستحق عادة الذكر أو الوصف إلا لأنها في الشيخوخة المريضة تصبح نضالاً بطولياً من أجل التمسك بأهداب الوعي والوجود الجسدي معاً.

لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لهذا الموضوع بهذه الكفاءة. من هنا كان إعجابي بالنص يزداد كلما أوغل في التفاصيل بإمعان «ناتورالي» أو طبيعي لا يتحرج من شيء ولا يتقزز من شيء كما عهدنا قديماً في أوصاف المدرسة الناتورالية وعَلَمها الأكبر، إميل زولا. في هذا النصف من الرواية لا يبدو أن جنس الشخصية ذو بال. هي امرأة اسمها «مي» لكن كان يمكن أن تكون رجلاً. أعني أن الوهن الجسمي والانحلال العقلي في الشيخوخة المتقدمة ليسا حكراً على جنس دون آخر، وعلى كل ما بين الجنسين من فوارق قد تبرز أو تتوارى في مراحل العمر المختلفة، ففي هذه المرحلة تتلاشى فوارق الذكورة والأنوثة ويتوحد طريق التحلل نحو النهاية. لكن الكاتبة امرأة ولعل المشاهدات الحياتية التي استقت منها الكاتبة خبرتها بالتجربة كانت ذات مصادر أنثوية، فمن الطبيعي أن يكون تجسيد الخبرة عن طريق شخصية مؤنثة.

إلا أن آخر ما كنت أتوقعه أن تتحول الرواية فجأة «وبقدرة قادر» إلى رواية نسوية، فننسى كل ما سبق لكي تجرّنا الكاتبة على غير إرادتنا في اتجاه آخر تماماً في القسم التالي من الكتاب، المعنون «هي»، الذي يستغرق 65 صفحة من الرواية. وليست «هي» إلا ميّ في شبابها، حين كانت ممثلة وكاتبة مسرحية واعدة. كنا في القسم الأول والأكبر من الرواية نتلقى نتفاً في السرد عن طفولة مي وعلاقتها بأبيها وأمها.. إلخ من ضمن تداعيات الأفكار في مونولوغها الداخلي الممتد والمتأرجح بين الذكرى والنسيان واختلاط الملفات. هذا القسم الثاني ينسى مي ويقطع الصلة بـ125 صفحة السابقة ويحكي لنا عن «هي» الشابة وكأنها شخص غير العجوز التي عاشرناها فيما سبق من الكتاب. وأعترف أني لم أفهم الحكمة من هذه البنية. إلا أن ما يثير الحفيظة النقدية فعلاً هو ما أسلفت من أن الرواية تنقلب فجأة وبدون تمهيد ولا ضرورة إلى رواية «نسوية» بالمعنى الآيديولوجي المألوف فهي قصة حب تعيسة بين مي في شبابها ورجل تجتمع فيه كل موبقات الشخصية الذكورية المجسدة لآفات المجتمع البطريركي المضطهد للنساء عقيدياً وممارساتياً. مي هي المرأة الموهوبة الذكية الجميلة المتفوقة التي لسوء حظها أو بفعل من عمى الحب تقع في براثن رجل مخاتل حسود قليل الموهبة والطموح سكيّر مقامر عنيف مستغل لها سارق لمالها بل ومقامر بجسدها حين ينفد ماله على مائدة القمار، وإن كان هذا لا يكفي فهو مجبر لها على إجهاض حمل كانت متمسكة به، وإذ ترفض أن يصحبها إلى طبيب ليجهضها، فإنه يتكفل بالمطلوب بضربها وركلها بوحشية حتى يسقط الجنين وتتعرض حياتها للخطر.

هذه قصة معروفة ومتكررة بلا حصر في الروايات النسوية وغير النسوية وفي الأفلام الميلودرامية.. إلخ. هل كنا حقاً في حاجة إلى أن تُعاد على مسامعنا على امتداد 65 صفحة وحيث تُصور الشخصية الذكورية تصويراً مسطحاً هي شر خالص بلا أي درجة من الرمادية، على نحو ما تمليه الآيديولوجية المبسطة التي تعتقد أن لا سبيل لتحرير المرأة وتعرية الظلم المجتمعي لها ونشره على الملأ إلا بتصوير الذكور في صورة شيطانية خالصة. لا أدري كيف وقعت نجوى بركات في هذا الفخ الواضح المكشوف؟ أكانت حقاً في حاجة لتلك الكتابة النمطية الساذجة بعد أن أبدعت في النصف الأول من الرواية في موضوع إنساني عام قلَّ من كتب عنه وصوَّره ذلك التصوير الدقيق غير المهادن كما فعلت هي. ومما يزيد الطين بلة أنه لا صلة حيوية بين الجزأين بمعنى أن معاناة «مي» مع ذلك الرجل المتوحش ليست هي ما وصل بها إلى الشيخوخة والوهن الجسدي والخرف العقلي، فتلك نهاية نصل إليها جميعاً على نحو أو آخر، سواء عشنا حياة جميلة أو تعيسة، والحقيقة أن مي كانت تجاوزت تجربة شبابها المؤلمة وتزوجت من رجل طيب يحبها وأنجبت منه توأماً وعادت إلى العمل والنجاح المهني. ومن هنا غياب الصلة العضوية بين الكتابة العفوية الإنسانية الكريمة في النصف الأول من الرواية، والانقلاب المؤدلج الساذج في القسم الثاني. تنتهي الرواية بمشهد يستدعى إلى الذاكرة عن طريق تناصٍّ لا أشك أنه مقصود – يستدعى المشهد الختامي لمسرحية تنيسي ويليامز الشهيرة «عربة اسمها الرغبة» (1947) حيث يسلم حارس العمارة مي إلى الطبيب ومعاونيه الذين جاءوا ليصحبوا مي إلى بيت للمسنين بتعليمات من ابنيها اللذين يعيشان في أميركا. لا تعود مي تعرف الحارس ومثل «بلانش ديبوا» في المسرحية تقبل مساعدته قائلة إنها «لطالما اعتمدت على لطف الغرباء». هكذا تفضي الشيخوخة بنا إلى حال من «الغربة» عن أنفسنا وعن الآخرين والعالم أجمع.

«غيبة مي» رواية أفلتت من يد الكاتبة على نحو مؤسف. كان بإمكانها أن تكون رواية أصيلة متميزة في موضوعها وفاتحة لباب جديد في الكتابة عن الشيخوخة، فإذا بها تنعطف لغير ما سبب في «سكة الندامة» التي انتهت بها رواية نسوية عقيدية ساذجة. من كان يريد أن يحظى من الرواية بأفضل ما فيها فليتوقف عن القراءة عند الصفحة 126، حيث كان يجب على الروائية أن تتوقف عن الكتابة. لا أعرف رواية أخرى في العربية تصدت لموضوع الشيخوخة بهذه الكفاءة حتى الصفحة 126 حيث كان يجب أن تتوقف


حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام
TT

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام

صدر حديثاً عن دار «المحرر»، في القاهرة، كتاب «أيام الغضب والحب»، للروائية المصرية نهى محمود، وهو كتاب سردي لا ينتمي إلى أي من الأنواع الأدبية المعروفة، بل نصوص مفتوحة، تقف على التخوم بين السرد واليوميات والتأمل؛ لذا آثرت المؤلفة أن تضع على الغلاف أسفل العنوان كلمة «نصوص»، تحاشياً لحصر الكتاب في لون أدبي بعينه.

يتكون الكتاب من خمسة عشر فصلاً قصيراً، تحمل عناوين دالة مثل «الكثير من الحزن والإندومي»، و«الرايات الخضراء في قلبي»، و«الحب والغضب مشعلاً الحرائق الرائعة»، و«عن الأشياء المحببة البغيضة»، ينفتح فيها السرد على مشاعر متناقضة، بين الحب والغضب والفقد والأمومة والعزلة، عبر لغة تلامس تخوم الشعرية، دون أن تفقد طاقاتها السردية والحكائية، مع مراوحات بين تأمل الذات وتأمل العالم من حولها، والوقوف على الحدود الفاصلة بين متناقضات شتى، كما تشير في أحد العناوين بشكل مباشر «هناك في البين بين». فهذه البينية تنتظم الكتاب كله، من حيث البناء الجمالي والشكلي للنصوص، وأيضاً من حيث الموضوعات والقضايا المسرود عنها داخل هذه الوحدات السردية.

في فصول الكتاب، تحضر تفاصيل حياتية مثل علاقة الكاتبة بابنتها، أو بأمها، كما أن ثمة حضوراً واضحاً لأفلام سينمائية مصرية وعالمية، كما تبرز أصناف متعددة من الطعام، وربط الكاتبة بين حالاتها وعلاقة ذلك ببعض الأفلام والأطعمة، فتنتقل من الذاتي إلى الموضوعي، وينفتح اليومي والعادي على الوجودي والنفسي، مثلما تقول في أحد المواضع «مررت طوال الشهور السابقة بحالة من التجمد، ليست مثل تلك التي تصل لها الأطعمة المجمدة في الفريزر».

ونهى محمود كاتبة وصحافية مصرية. صدرت لها روايات «راكوشا» و«الحكي فوق مكعبات الرخام» و«هلاوس» و«سيرة توفيق الشهير بـ توتو»، وكتب سردية منها «بنت من ورق» و«كراكيب نهي»، والمجموعتان القصصيتان «الجالسون في الشرفة حتى تجيء زينب» و«السير في طرق ممتدة وبعيدة».

من أجواء الكتاب نقرأ: «تحتاج مشاعر غامضة مثل الحب والغضب إلى وعي جمعي، بشر يكتبون عنها كثيراً، ويتكلمون في حلقات حميمية أو جلسات علنية تذاع عبر وسائل التواصل وغيرها، ليشعر البشر كيف أن غيرهم أيضاً يشعر بما يملأ قلوبهم، وأن الأمر لا يخص واحداً سيئ الحظ، وإنما لعنة جماعية تصيب الجميع.

أحياناً أو طوال الوقت، أضيّع سنوات من عمري... أخبط رأسي في الباب المغلق ذاته، ولا تجيء على خاطري أي فكرة أخرى سوى الاستمرار في الطرق، حتى يمر عابر بالصدفة، ويشير لي إلى مقبض الباب، أنظر نحو المقبض بدهشة، أديره وأخرج».


باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
TT

باحثون سعوديون يبحثون في الطائف العلاقة بين «الثقافة والسياحة»

الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)
الطائف... أشهر وجهات السعودية السياحية والمسجلة ضمن المدن المبدعة بالأدب في «اليونيسكو» (واس)

يلتقي جمعٌ من المثقفين والأكاديميين السعوديين، في ندوة تبحث في العلاقة بين الثقافة والسياحة، تستضيفها محافظة الطائف (غرب السعودية)، أشهر الوجهات السياحية في المملكة، والمسجلة ضمن المدن المبدعة في الأدب في منظمة «اليونيسكو».

وتحمل الندوة عنوان: «الثقافة والسياحة... القيم المشتركة»، وتنظمها مؤسسة «أدب» الثقافية، ومركز عبد الله بن إدريس الثقافي، حيث تأتي في إطار تعزيز التكامل بين القطاعين الثقافي والسياحي، وإبراز الدور الذي تؤديه الثقافة في دعم التنمية السياحية، واستثمار المقومات الحضارية والتراثية التي تزخر بها البلاد، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وتتناول أوراق العمل التي يشارك فيها نخبة من الباحثين السعوديين؛ العلاقة بين الثقافة والسياحة من جوانبها الفكرية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية، بما يسهم في إثراء الحوار الوطني وتبادل الخبرات. ويتضمن برنامج الندوة ثلاث جلسات علمية وحواراً ثقافياً مفتوحاً مع الخبراء المشاركين.

وتحمل الجلسة الأولى، عنوان: «الثقافة والسياحة.. القيم المشتركة بين الثقافة والسياحة (المفاهيم والمرتكزات)»، ويديرها عطاء الله الجعيد، ويشارك فيها الدكتور سعود الصاعدي بورقة عنوانها: «جدلية السياحة والثقافة بين المعالم والمفاهيم نحو نموذج مشترك»، والدكتور عبد الله المطيري، بورقة عنوانها: «هبة الأرض: تأملات أولية في السياحة»، والدكتور محمد اللويش، بورقة عنوانها: «حديث المكان: بناء الهوية الثقافية وتشكيل الوعي السياحي»، والدكتور ماهر الشبل بورقة بعنوان: «من الرحلة إلى الفكرة».

أما الجلسة الثانية فتحمل عنوان: «الثقافة وصناعة التجربة السياحية من الموروث إلى الجاذبية»، وتديرها الدكتورة مستورة العرابي. ويشارك فيها الدكتور إبراهيم البعيز بورقة بعنوان: «دور الإعلام في تجسير العلاقة بين الثقافة والسياحة»، والدكتور صالح زمانان بورقة بعنوان: «المسرح والفنون الأدائية في التنمية السياحية: مقاربة ثقافية في السياق السعودي»، والدكتورة رانية العرضاوي، بورقة بعنوان: «الرحلة السياحية الثقافية: هوية المكان وصناعة الذاكرة الجاذبة».

أما الجلسة الثالثة فتحمل عنوان: «الهوية الثقافية وصورة المكان في الوعي السياحي»، ويدبرها الدكتور أحمد الهلالي، ويشارك فيها: سليمان الناصر، بورقة بعنوان: «من الجغرافيا إلى المعنى: القيم التي تسمو بالسفر»، والدكتورة نورة القحطاني، بورقة بعنوان: «الهوية الثقافية وصناعة صورة المكان: مقاربة من منظور الدراسات الثقافية على التجربة السعودية»، وسلطان البازعي، بورقة بعنوان: «الثقافة... عنصر جذب سياحي»، والدكتور ياسر المطرفي، بورقة بعنوان: «الحج مختبراً ثقافياً: مشروع مقترح في ضوء نموذج الأبعاد الثقافية».