روسيا تهدد باستخدام «الورقة الإيرانية» في أزمتها مع الغرب

الاتحاد الأوروبي يرى خلافات كبيرة في المحادثات النووية مع طهران

روسيا تهدد باستخدام «الورقة الإيرانية» في أزمتها مع الغرب
TT

روسيا تهدد باستخدام «الورقة الإيرانية» في أزمتها مع الغرب

روسيا تهدد باستخدام «الورقة الإيرانية» في أزمتها مع الغرب

نقلت وكالة «إنترفاكس» عن نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف قوله أمس إن موسكو لا تعتزم استخدام الورقة الإيرانية، لكن التعامل الغربي قد يدفع روسيا إلى ذلك. واستبعد العديد من الخبراء والمراقبين ربط الأزمة الأوكرانية وشبه جزيرة القرم بالمفاوضات النووية التي تجريها إيران والغرب بشأن البرنامج النووي الإيراني، غير أن بوادر جديدة تدل على أن روسيا تعتزم استخدام الورقة الإيرانية بشكل من الأشكال خلال أزمتها مع الغرب.
تأتي التصريحات الروسية في الوقت الذي كانت فيه موسكو نفت مرارا أن تكون الأزمة بينها وبين الغرب بسبب أوضاع أوكرانيا لها تأثير على مسار المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة «5+1». وقد وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وموفدون من برلمان القرم يوم الثلاثاء اتفاقية ضم القرم إلى روسيا. وأضاف ريابكوف «روسيا ستقوم بعمليات انتقامية إذا ما لزم الأمر. إن الحدث التاريخي التي تمثل في ضم القرم إلى روسيا أدى إلى تحقيق العدالة التاريخية، وإن هذا الحدث له قيمة كبيرة لا تقارن بسياساتنا إزاء إيران». وتابع «على زملائنا في واشنطن وبروكسل الاختيار واتخاذ القرار بهذا الشأن»، وزاد قائلا «إن اعتماد أساليب انتقامية من قبل روسيا مرهون بنتائج هذه المفاوضات (بين الدول الغربية)».
وتأتي تصريحات ريابكوف التي أدلى بها في فيينا في الوقت الذي شهدت فيه هذه المدينة انطلاق الجولة الجديدة من المفاوضات بين إيران والقوى الكبرى بشأن ملف إيران النووي. ويقال إن الموقف الروسي الأخير يعتبر من أكثر التهديدات جدية بشأن القيام بعمليات انتقامية ضد الولايات المتحدة والدول الأوروبية. جدير بالذكر أن ريابكوف هو مندوب روسيا في المفاوضات النووية بين مجموعة «5+1» وإيران.
وقال مندوب إيران السابق لدى مقر الأمم المتحدة الأوروبي في جنيف، الدكتور علي خرم، أمس (الخميس)، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «لفتات موسكو السياسية وتعاملها الودي لا يؤثران على مسار المفاوضات النووية بين إيران والغرب». وأضاف خرم «ينبغي على إيران أن تلتزم الحياد في أزمة القرم والقضايا الجانبية المرتبطة بها، والانتباه إلى اتفاق جنيف النووي. لا تؤثر التدابير التي تتخذها الولايات المتحدة والغرب حول روسيا على الملف النووي الإيراني. قد تتمكن روسيا من انتهاج موقف أكثر ليونة في الأمم المتحدة إذا أرادت القيام بعملية انتقامية ضد الغرب». وصرح رضا مريدي، النائب عن مقاطعة أونتاريو في البرلمان الكندي ونائب وزارة الطاقة الكندية في الشؤون البرلمانية أمس (الخميس)، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «أستبعد أن تؤثر التطورات الجارية والتهديدات الروسية على مسار المفاوضات بين إيران والغرب. تواجه إيران عقوبات اقتصادية خانقة لا مفر منها إلا إذا حققت تقدما ملحوظا في المفاوضات النووية».
وردا على إمكانية استخدام روسيا الورقة الإيرانية في مواجهتها مع الغرب بشأن أزمة القرم قال مريدي «أعتقد أن روسيا تستخدم كل أوراقها مثل الورقة الإيرانية وحتى السورية في المواجهة مع الغرب، لكنها لن تحقق في النهاية النتائج المطلوبة إذا استخدمت الورقة الإيرانية». وتابع النائب الكندي من الأصول الإيرانية مريدي «لن تؤدي هذه التطورات إلى ظروف جديدة في المفاوضات النووية بين إيران والغرب، لأن الدول الغربية لن تسمح لإيران بصنع القنبلة الذرية، كما أن النظام الإيراني لا يريد أن يتعرض إلى ضربة عسكرية وتدابير أكثر حزما من قبل الغرب. وبالتالي لا تسمح إيران بأن تصبح دمية بيد الروس». وقالت الأستاذة الجامعية ومؤسس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة سيراكيوز في الولايات المتحدة مهرزاد بروجردي، أمس لـ«الشرق الأوسط»: «تتمتع روسيا بالقدرة والدافع لاستخدام الورقة الإيرانية، وهذا يعتبر مساومة سياسية، حيث إن الغرب يدرس وضع عقوبات على موسكو، وروسيا تحذر من أنها ستعرقل المفاوضات النووية بين إيران والقوى الكبرى، وتمنع استقرار السلام في سوريا». وأضافت الخبيرة الإيرانية في الشؤون السياسية أنه «إذا قامت روسيا بالانسحاب من المفاوضات النووية مع إيران، أو أعلنت عن عدم التزامها بالعقوبات الراهنة على إيران، أو استأنفت بيع صواريخ (إس 300) أو صواريخ (إس 400) الأكثر تطورا إلى إيران، فعندها ستثير موسكو قلق الغرب. هذه هي لعبة الروليت الروسية التي توجه تهديدا جادا للغرب. ويدعو الموقف الروسي المسؤولين الغربيين إلى التفكير حول كيفية التعامل مع هذه التهديدات».
وتابعت بروجردي أنه «لا ينبغي على المسؤولين السياسيين في إيران الشعور بالارتياح إزاء الوضع الراهن. لقد أجبر الوضع الاقتصادي المتأزم في الوهلة الأولى إيران على الجلوس على طاولة المفاوضات، الأمر الذي لم يشهد تحسنا جذريا حتى الآن. قد يتمكن المسؤولون الإيرانيون من استغلال الخلاف بين الغرب وروسيا لصالحهم، ولكن تحسين الأوضاع الاقتصادية المتدهورة لن يتم عبر اتخاذ خطوات راديكالية وتغيير لعبة المفاوضات».
من جهة أخرى، قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، يوم الأربعاء، إثر انتهاء الجولة الأخيرة من المفاوضات النووية بين إيران والقوى الكبرى، إن المفاوضات كانت موضوعية، وجادة، ومفيدة، وتناولت المفاوضات مواضيع مثل عملية تخصيب اليورانيوم، ومفاعل أراك، والتعاون النووي السلمي، والعقوبات. وأضاف ظريف «كان الشرخ كبيرا في التفكير لدى الجانبين، غير أن هذا الشرخ بدأ يتلاشى». وقال الوفد الإيراني في المفاوضات النووية إن إيران ستلتزم بالاتفاق النووي.
من جهة أخرى، قالت مسؤولة أوروبية كبيرة، في رسالة بالبريد الإلكتروني اطلعت عليها «رويترز» أمس، إن المواقف بين إيران والقوى الكبرى تختلف بشكل كبير في بعض المجالات لكن المفاوضين الإيرانيين يبدون «ملتزمين جدا» بالتوصل إلى اتفاق بخصوص البرنامج النووي للبلاد.
ومن جانبها، قالت روسيا إن موقفي الجانبين «متباعدان بشدة» بشأن قضية تخصيب اليورانيوم. وروسيا هي إحدى الدول الست التي تسعى إلى إقناع إيران بتقييد أنشطتها النووية لحرمانها من أي قدرة على صنع قنبلة نووية. وتؤكد هذه التصريحات المهمة الشاقة التي تواجه المفاوضين الذين يهدفون إلى إعداد تسوية نهائية للنزاع المستمر منذ عشر سنوات بشأن طبيعة ومدى البرنامج النووي الإيراني في الشهور الأربعة المقبلة.
وكتبت المسؤولة الأوروبية البارزة هيلغا شميد الرسالة الإلكترونية المقتضبة إلى مسؤولين كبار في الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي بعد اجتماع في فيينا يومي 18 و19 مارس (آذار) الحالي بين إيران والقوى الكبرى وهي الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والصين وروسيا وبريطانيا. وتشغل شميد منصب نائبة كاثرين أشتون مفوضة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي التي تنسق المحادثات مع إيران نيابة عن القوى الست. وتهدف المفاوضات إلى التوصل إلى تسوية نهائية لنزاع مستمر منذ عشر سنوات بشأن أنشطة إيران النووية التي تقول طهران إنها سلمية، لكن الغرب يخشى من أنها ربما تهدف إلى امتلاك القدرة على صنع سلاح نووي.
وشهد اجتماع هذا الأسبوع خلافات بين إيران والقوى العالمية بشأن مستقبل مفاعل نووي إيراني مزمع يمكن أن ينتج بلوتونيوم لصنع قنابل وحذرت الولايات المتحدة من أن هناك حاجة «لعمل شاق» للتغلب على الخلافات عندما يعاود الجانبان الاجتماع في السابع من أبريل (نيسان) المقبل. وعبرت شميد في رسالتها بالبريد الإلكتروني عن ذلك أيضا. وجاء في الرسالة «ما زال أمامنا عمل شاق نقوم به لأننا في مرحلة مبكرة من المفاوضات النهائية والشاملة. في بعض المجالات تختلف المواقف بشكل كبير». وأضافت شميد «غير أن الانطباع هو أن المفاوضين الإيرانيين ملتزمون جدا بالتوصل إلى حل شامل خلال فترة الأشهر الستة»، وكانت تشير إلى المهلة التي تنتهي في أواخر يوليو (تموز) للتوصل إلى اتفاق بعيد المدى، والتي نص عليها الاتفاق المؤقت الذي أبرم في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
واجتماع فيينا هو الثاني في سلسلة اجتماعات تأمل الدول الست أن تثمر عن تسوية تضمن أن يقتصر البرنامج النووي الإيراني على الأغراض السلمية وتضع نهاية لمخاطر اندلاع حرب جديدة في الشرق الأوسط. وسعى الجانبان إلى توضيح مواقفهما بشأن القضيتين الشائكتين، وهما مستوى تخصيب اليورانيوم الذي يجري في إيران ومفاعل أراك الذي يعمل بالماء الثقيل والذي يرى الغرب أنه مصدر محتمل للبلوتونيوم الذي يستخدم في صناعة قنابل.
ونقلت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قوله إن محادثات فيينا هذا الأسبوع مع القوى العالمية الست كانت «ناجحة جدا» في ما يتعلق بتوضيح القضايا. ونسبت الوكالة إلى ظريف قوله في ما يتعلق بالفهم والإيضاح «كانت (فيينا 2) من أنجح جولات محادثاتنا.. مفيدة وبناءة للغاية». ويعقد الاجتماع المقبل في الفترة بين السابع والتاسع من أبريل المقبل في العاصمة النمساوية.



بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن... الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية

لقطة مأخوذة من فيديو أُصدر يوم 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلَم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)
لقطة مأخوذة من فيديو أُصدر يوم 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلَم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)
TT

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن... الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية

لقطة مأخوذة من فيديو أُصدر يوم 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلَم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)
لقطة مأخوذة من فيديو أُصدر يوم 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلَم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

حين قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إن «الطريق لا تزال طويلة» أمام محادثات إنهاء الحرب، لم يكن يطلق عبارةً إنشائية بقدر ما كان يضع فرامل سياسية على موجة التكهنات بشأن قرب التسوية. الرسالة المضمرة: موسكو لا ترى أن ضغوط الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على أوروبا وكييف كافية لتغيير جوهر المعادلة، وأن التفاوض - حتى لو استؤنف - سيبقى مساراً ممتداً تُراكِم خلاله شروطها وتُحافظ فيه على هامش المناورة العسكرية.

يأتي ذلك بينما تُدار اتصالات ومحادثات «ثلاثية» برعاية أميركية بعد جولتين في أبوظبي من دون اختراقٍ سياسي كبير في القضايا الصلبة: الأرض، والضمانات، وشكل وقف النار وآليات مراقبته.

وإمعاناً في تثبيت سقفٍ منخفض للتوقعات، أعلن الكرملين أنه لم يحدَّد موعد الجولة التالية بعد، رغم الإشارة إلى أن المفاوضات «ستُستأنف قريباً». هذا الغموض مقصود: لا التزام بجدول زمني، ولا اعتراف بأن واشنطن تفرض إيقاعاً على موسكو.

ضمانات أمنية لروسيا

تحت عبارة «الطريق طويلة» تبرز الفكرة الأشد حساسية: موسكو تحاول قلب عنوان الضمانات من رأسه إلى قدميه؛ فبدلاً من أن تكون ضمانات أمنية لأوكرانيا هي محور أي اتفاق، دفع ألكسندر غروشكو، نائب وزير الخارجية الروسي، باتجاه جعل «ضمانات أمنية لروسيا» عنصراً «أساسياً» لا يمكن الاتفاق من دونه، وفق ما نقلته «رويترز» عن مقابلته مع صحيفة «إزفستيا». وتتضمن قائمة المطالب المعروفة: حظر انضمام أوكرانيا إلى «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، ورفض نشر قوات من دول «الحلف» في أوكرانيا ضمن التسوية، ووقف ما تصفه موسكو بـ«استخدام الأراضي الأوكرانية لتهديدها».

الفريق الأميركي: المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر (رويترز)

هذه الصياغة ليست تفصيلاً تفاوضياً؛ إنها محاولة لإعادة تعريف الحرب بوصفها «أزمة أمن روسي» لا اعتداءً على سيادة أوكرانيا. وإذا قُبلت هذه القاعدة، فسيصبح ما يليها أسهل على موسكو: تثبيت مكاسب الأرض تحت عنوان «تحييد التهديد»، وتقييد خيارات كييف الاستراتيجية حتى بعد وقف النار. لذلك فستواجه كييف وأوروبا معضلة مزدوجة: كيف تمنحان روسيا «ضمانات» من دون أن تتحول تلك الضمانات إلى فيتو دائم على سياسة أوكرانيا الخارجية والدفاعية؟

في المقابل، تُصرّ كييف على أن أي اتفاق دون ضمانات أمنية قابلة للتحقق سيكون مجرد هدنة هشة قابلة للكسر، خصوصاً مع خبرة سابقة من خروق وعمليات «رمادية» (هجمات مسيّرات، وتخريب، وضغط اقتصادي) لا تتطلب إعلان حرب جديداً. وبين الروايتين، يصبح التفاوض فعلياً صراعاً على من يكتب تعريف السلام قبل نصوصه التفصيلية.

جنود أوكرانيون على خط الجبهة في زابوريجيا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ب)

الميدان ورقة ضغط تفاوضية

هنا تتقدم الوقائع الميدانية لتشرح لماذا يبدو لافروف واثقاً بشأن إطالة المسار. صحيفة «نيويورك تايمز» عدّت أن التقدم الروسي خلال العام الأخير كان بطيئاً، وأحياناً أقرب إلى «حرب أمتار»، لكن اقترابه من تثبيت موطئ قدمٍ في مراكز حضرية أو عقد لوجيستية يمنح موسكو ما تريده سياسياً: إثبات أن الوقت يعمل لمصلحتها.

في دونيتسك، تُعدّ بوكروفسك وميرنوهراد من أهم نقاط الضغط: مدينتان تشكلان عقدة طرق، وسكة حديد، وإسناداً لخطوط الدفاع، وأيُّ اختراق حولهما لا يعني سقوط الجبهة فوراً، لكنه يغيّر تكلفة الدفاع، ويضغط على قرار «إلى أي مدى يمكن الصمود دون تغيير في ميزان الدعم والسلاح».

أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير 2026 (رويترز)

أما في الجنوب الشرقي، فإن الاقتراب من هوليايبوليه وما حولها يفتح أمام روسيا مساحة عمل أوسع في زابوريجيا، حيث تقل المناطق الحضرية التي تمنح المدافعين ملاجئ طبيعية، وتزداد حساسية طرق الإمداد المكشوفة.

العامل الحاسم الذي يربط الميدان بالدبلوماسية اليوم هو حرب المسيّرات متوسطة المدى: استهداف خطوط الإمداد والطرق الخلفية ومجموعات تشغيل المسيّرات نفسها، بما يجعل الحركة إلى الجبهة ومنها هي اللحظة الأشد خطراً على الجنود الأوكرانيين. يصف تقرير في صحيفة «وول ستريت جورنال» كيف ركزت روسيا على ضرب «العمق القريب» (ما بين 20 و80 كيلومتراً خلف الجبهة) لقطع الإسناد وإرهاق المدافعين نفسياً، بينما لا يزال جزء من المقاربة الأوكرانية قائماً على تعظيم خسائر المشاة الروس عند دخولهم «منطقة القتل». والجدل داخل أوكرانيا اليوم هو بشأن الحاجة إلى تحويل جزء أكبر من الجهد إلى صيد منصات المسيّرات الروسية ومراكز القيادة الخلفية، لا الاكتفاء باستنزاف المهاجمين على الخط الأمامي.

أضرار في شارع جراء مسيَّرة روسية في أوديسا (أوكرانيا) الاثنين (رويترز)

بهذا المعنى، يصبح التقدم الروسي البطيء «ذا قيمة» تفاوضياً؛ ليس لأنه يفتح اختراقاً سريعاً، بل لأنه يُغذّي سردية موسكو: إما تتنازل كييف الآن ضمن اتفاق، وإما تخسر لاحقاً تحت ضغط استنزاف لا يتوقف.

وعلى الصعيد الميداني، ​قالت شركة «دي تي إي كيه» للكهرباء، ‌الثلاثاء، ⁠إن ​هجوماً ‌روسياً ألحق أضراراً بمنشأة للطاقة في ⁠منطقة ‌أوديسا بجنوب أوكرانيا. وأضافت الشركة على «تلغرام»: «الضرر جسيم. ​ستستغرق الإصلاحات وقتاً طويلاً حتى ⁠تعود المعدات إلى العمل». وأعلن سلاح الجو الأوكراني، في بيان عبر تطبيق «تلغرام»، الثلاثاء، أنه أسقط 110 من أصل 125 طائرة مسيرة، أطلقتها روسيا خلال هجوم جوي على شمال وجنوب وشرق أوكرانيا خلال الليل.

واشنطن تنفي «المهلة»

وسط هذا الضغط، ظهر تباين علني في الرسائل. وبعدما تحدث الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، عن رغبة أميركية في إنهاء الحرب قبل الصيف، نفى المندوب الأميركي لدى الـ«ناتو»، ماثيو ويتاكر، أن تكون واشنطن قد أعلنت مهلة محددة، قائلاً إن الحديث عن «يونيو (حزيران)» جاء من زيلينسكي لا من الولايات المتحدة، مع التأكيد على أن إنهاء الحرب سريعاً يصب في مصلحة واشنطن.

هذا النفي لا يعني غياب ضغط الزمن؛ بل يوحي بأن واشنطن تفضّل ضغطاً مرناً غير مُقيّد بتعهد رسمي. فالتزام موعد يجعل الإدارة الأميركية رهينة النتائج، بينما الإبقاء على الهدف عاماً (بأسرع وقت ممكن) يسمح بالتصعيد أو التهدئة وفق تفاعل الأطراف. وفي الخلفية يظهر عامل الانتخابات النصفية الأميركية بوصفه ظلّاً ثقيلاً على جدول الأولويات. وهنا يظهر التحدي الأوكراني: كيف تتعامل كييف مع استعجال أميركي محتمل من دون أن تدفع ثمنه سيادياً أو أمنياً، خصوصاً إذا كانت موسكو تراهن على كسب الوقت ميدانياً لتقوية يدها على طاولة التفاوض؟

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

ماكرون والبحث عن دور أوروبي

على الضفة الأوروبية، يحاول إيمانويل ماكرون توسيع النقاش من «وقف حرب أوكرانيا» إلى سؤال أكبر: ما شكل الأمن الأوروبي بعد الحرب؟ دعوته إلى التفكير في بنية أمنية أوروبية «بمشاركة روسيا»، تتقاطع مع مقاربته الأقدم بشأن ضرورة امتلاك أوروبا قدرة قرار أكبر، لكنها اليوم تصطدم بواقع أشد تعقيداً: دول الجناح الشرقي في الاتحاد الأوروبي ترى أن أي حديث عن إعادة دمج موسكو قبل ضمانات صارمة لأوكرانيا قد يرسل إشارة خاطئة، فيما يذكّر ماكرون بأن العلاقة عبر الأطلسي قابلة للانتكاس، وأن على أوروبا الاستعداد لخلافات جديدة مع واشنطن بشأن التجارة والتنظيم الرقمي وحتى ملفات جيوسياسية مثل «لحظة غرينلاند».

فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

لذلك؛ تبدو مبادرة ماكرون، سياسياً، محاولة لاستعادة موقعٍ أوروبي على الطاولة. إذا كانت واشنطن تدير مسار التفاوض، فأوروبا تريد أن تضمن ألا تتحول إلى ممولٍ لما بعد الحرب فقط، وأن يكون لها رأي في «هندسة الأمن» التي ستعيش داخلها سنوات. لهذا؛ تبدو التسوية أقرب إلى «معادلة تجميد مشروط»، منها إلى اتفاق سلام نهائي: وقف إطلاق نار يختبره الميدان يومياً، ومفاوضات تتنازعها لغة الضمانات، وحدود النفوذ، وحقائق السيطرة.

قال مسؤول كبير في «بروكسل»، الاثنين، إن اجتماعاً لوزراء دفاع «الاتحاد الأوروبي» هذا الأسبوع من المقرر أن يناقش إقامة منشأتين للتدريب لتحديث القوات المسلحة الأوكرانية. وقال المسؤول إن ممثلة السياسة الخارجية في «الاتحاد»، كايا كالاس، ستطلب الدعم السياسي والتمويل لمنشأتين في غرب أوكرانيا خلال الاجتماع المقرر الأربعاء. وأضاف أن الاجتماع سيناقش أيضاً كيف يمكن لـ«الاتحاد الأوروبي» أن يدعم مراقبة وقف إطلاق النار بعد اتفاق سلام محتمل بين أوكرانيا وروسيا. ويشمل مفهومٌ طرحته الولايات المتحدة مراقبةَ «خط الاتصال» الذي يبلغ طوله 1200 كيلومتر، بشكل أساسي، بالوسائل التقنية، بما في ذلك الطائرات المسيرة والأنظمة الأرضية. وهذا سيقلل الحاجة إلى تمركز قوات برية على طول الخط.


رئيس الوزراء البريطاني يتجنب تحدياً على القيادة ولا يزال متضرراً من تداعيات قضية إبستين

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (رويترز)
TT

رئيس الوزراء البريطاني يتجنب تحدياً على القيادة ولا يزال متضرراً من تداعيات قضية إبستين

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (رويترز)

يواصل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الكفاح من أجل منصبه ليوم آخر، وذلك بعد أن أثارت التداعيات غير المباشرة لملفات جيفري إبستين يوماً درامياً من الأزمة هدد بإطاحته.

ونجا رئيس الوزراء البريطاني بفضل هجوم مضاد شرس وتردد بين منافسيه داخل حزب العمال الحاكم بشأن عواقب انقلاب على القيادة.

ووفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، قال وزير الطاقة إد ميليباند، الثلاثاء، إن نواب حزب العمال «نظروا إلى الهاوية... ولم يعجبهم ما رأوه».

وتابع في حوار مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «واعتقدوا أن الشيء الصحيح هو الاتحاد خلف كير». وكان بإمكانه أن يضيف: «في الوقت الحالي».

وتعرضت سلطة ستارمر على حزبه المنتمي ليسار الوسط لضربة قوية بسبب ردود الأفعال على نشر ملفات متعلقة بإبستين - وهو رجل لم يقابله قط، ولم يتورط في سوء سلوكه الجنسي.

لكن قرار ستارمر بتعيين السياسي المخضرم في حزب العمال بيتر ماندلسون، وهو صديق لإبستين، سفيراً للمملكة المتحدة في واشنطن عام 2024 هو الذي دفع الكثيرين للتشكيك في حكمة الزعيم والمطالبة باستقالته.

وقد اعتذر ستارمر، قائلاً إن ماندلسون كذب بشأن مدى علاقاته مع مرتكب الجرائم الجنسية المدان. وتعهد بالقتال من أجل منصبه.

وقال ستارمر لنواب حزب العمال خلال اجتماع لحشد التأييد، مساء الاثنين: «كل معركة خضتها، انتصرت فيها».

وارتد قرار ستارمر المحفوف بالمخاطر بتعيين ماندلسون - الذي جلب معه اتصالات واسعة وخبرة تجارية، لكن بتاريخ من التقدير الأخلاقي المشكوك فيه - عكسياً عندما تم نشر رسائل بريد إلكتروني في سبتمبر (أيلول) تظهر أن ماندلسون حافظ على صداقته مع إبستين بعد إدانة الممول في عام 2008 بجرائم جنسية تشمل قاصراً.

وأقال ستارمر ماندلسون، لكن مجموعة جديدة من ملفات إبستين كشفت عنها الحكومة الأميركية، الشهر الماضي، تضمنت مزيداً من المعلومات.

ويواجه ماندلسون الآن تحقيقاً من قبل الشرطة بتهمة سوء السلوك المحتمل في أثناء وجوده في منصب عام بسبب وثائق تشير إلى أنه نقل معلومات حكومية حساسة إلى إبستين، وهو غير متهم بأي جرائم جنسية.


هولندا توقيف 15 شخصاً بشبهة الدعاية لتنظيم «داعش»

أفراد من الشرطة الهولندية في أمستردام (أرشيفية - إ.ب.أ)
أفراد من الشرطة الهولندية في أمستردام (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

هولندا توقيف 15 شخصاً بشبهة الدعاية لتنظيم «داعش»

أفراد من الشرطة الهولندية في أمستردام (أرشيفية - إ.ب.أ)
أفراد من الشرطة الهولندية في أمستردام (أرشيفية - إ.ب.أ)

أعلنت الشرطة الهولندية، الثلاثاء، توقيف 15 شخصاً بشبهة الدعاية لتنظيم «داعش» على تطبيق «تيك توك»، واتهمتهم بمحاولة «تحريض الآخرين على ارتكاب جرائم إرهابية».

وشنّت الشرطة حملة مداهمات واسعة النطاق استهدفت المشتبه بهم الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و53 عاماً، بناءً على تحقيق بدأته في أغسطس (آب) 2025.

وذكر مكتب المدعي العام في بيان أن الدعاية لتنظيم «داعش»، المصحوبة بترجمة هولندية، «تضمنت دعوات للانضمام إلى القتال وتمجيد الاستشهاد».

وأضافت السلطات أن بعض المنشورات على «تيك توك» حظيت بأكثر من 100 ألف مشاهدة.

ويُشتبه في أن المعتقلين «يُحرّضون على ارتكاب جريمة إرهابية، وينشرون دعاية تنظيم (داعش)، و/أو يشاركون في تنظيم إرهابي»، حسبما ذكره مكتب المدعي العام.

وكانت السلطات قد أوقفت في يناير (كانون الثاني) شخصاً وُصف بأنه «المشتبه به الرئيسي في التحقيق» ليصبح عدد المتهمين 16 في المجموع.

ويحمل 13 من المشتبه بهم الجنسية السورية والثلاثة الآخرون هولنديون. وأربعة من المشتبه بهم قاصرون.

وقال مكتب الادعاء إن «تمجيد الدعاية ونشرها يُقوّضان الأمن إلى حد كبير»، مُذكّراً بأن نشر الدعاية لتنظيم «داعش» جريمة يُعاقب عليها القانون.

ولم تستبعد السلطات تنفيذ مزيد من التوقيفات في إطار التحقيق.