القومية الإيرانية.. تحديات انفصام الشخصية

ملالي طهران.. من تصدير الثورة إلى المزايدة بالتراث الفارسي

القومية الإيرانية.. تحديات انفصام الشخصية
TT

القومية الإيرانية.. تحديات انفصام الشخصية

القومية الإيرانية.. تحديات انفصام الشخصية

عام 2010، عندما توفي شجاع الدين شفا، الكاتب والأديب ومترجم الآثار الكلاسيكية الغربية، في منفاه بالعاصمة الفرنسية باريس، كان أقرب إلى صوت وحيد في واد.
لما لا يقل عن عقدين من الزمن سبقا «الثورة الخمينية»، كان «شفا» أحد ألمع الكتاب، وكانت أعماله بين الأعمال الأكثر رواجًا. وكشخصية منفية تعيش معزولة عن بيئته وجمهور قرائه، كان أمام شفا خياران: إما كسر قلمه واعتزال الكتابة، أو الاكتفاء بصفوة قليلة من القراء الذين يحنّون إلى «أيام الشاه» الخوالي. ولكن، بعد مرور ست سنوات، يظهر أنه انضم إلى ذلك الصوت الوحيد أصوات كثيرة أخرى من الماضي والحاضر، بل من المستقبل أيضًا، مشكلة جوقة تناوئ عقيدة الملالي الإسلاموية وتشدّد «إيرانية» الهوية عند الإيرانيين.
عودة إلى عام 1984، عندما سأل صحافي فرنسي الكاتب والأديب الإيراني شجاع الدين شفا عن رأيه في «أوضاع الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، جاء رد شفا ملمحًا إلى أنه لا وجود لشيء اسمه «(جمهورية إسلامية)، أما إيران، فهي إيران». هذا حصل عام 1984، أما ما هو مؤكد اليوم، فهو أن «القومية الإيرانية» على طريق العودة، وإن لم يكن بالضرورة بنسختها الراديكالية التي يؤمن بها شفا. وفي أي حال، المهم أن هذه العودة غير مفاجئة.
على امتداد نحو 15 قرنًا من الزمن، عانت إيران من «انفصام الشخصية»، فلا هي قادرة على نسيان «إيرانيتها»، ولا تذويبها في الإسلام الذي تعيشه وتعتنقه. وعلى سبيل المثال، هناك من يؤمن، كالكاتب محمد محيط طباطبائي، بأن «الهوية الإيرانية و(الإسلام) جناحا الطائر الأسطوري (سيمروغ)، المذكور في ملحمة (الشاهنامه)، اللذان يمكنانه من التحليق عاليًا». وفي حين يعد مفكّر كأحمد كسروي، الإسلام «عائقًا يحول دون عودة إيران إلى التاريخ على درب العظمة»، يرفض أمثال الدكتور علي شريعتي مفهوم «القومية الإيرانية»، ويعد أنه كمفهوم «قومي مستورد من أوروبا»، هو العائق الحقيقي، ولذا ينادي بـ«الانغماس الكلّي في الإسلام الشيعي».
مؤشر احتفالات «النوروز»
منذ عهد رضا شاه بهلوي، حاولت الغالبية العلمانية في مؤسسة السلطة والمجتمع، التخفيف من الهوية الدينية وانتماء إيران إلى «أمة إسلامية عريضة»، والعمل على تعزيز الشعور بالانتماء إلى أمة إيرانية. غير أن هذا المنحى انقلب رأسًا على عقب في عصر آية الله روح الله الخميني، على الرغم من أن التطبيق لم يكن متناسقًا، وهدف الملالي إلى «عودة الأسلمة» إلى إيران. غير أن ما يلفت بعض المراقبين أن الأمور تبدو مائلة من جديد إلى شيء من التحوّل باتجاه استنهاض الهوية «القومية الإيرانية»، مما قد يخلّف تبعات بالغة الأهمية على سياسات طهران الداخلية والخارجية على حد سواء. وكان من أبرز المؤشرات التي ظهرت خلال مارس (آذار) الماضي خلال احتفال الإيرانيين بـ«النوروز» (رأس السنة الجديدة)، بصورة غير مسبوقة.
لقد بدأت الاحتفالات قبل يوم 20 مارس الماضي بمائة يوم مع احتفال «جشن سده» (احتفال المائة) الموغل في القدم، عندما تجمع عشرات الألوف في تشك تشك، قرب مدينة يزد على أطراف الصحراء الإيرانية الكبرى، حيث يقال إن مهربانو، كبرى بنات يزدجرد الثالث – آخر الملوك الساسانيين – في قلب جبل أجرد. وحسب المرويّات التاريخية، قادت الأميرة جماعة من المقاتلين المتحمسين لقتال جيوش الفتح الإسلامي في مناوشات ومعارك طالت لمدة 15 سنة قبل أن تختفي في الجبل الأجرد. وتذهب المرويّات إلى حد القول إن شجرتين نبتتا لتظليل قبرها، كما تفجّر نبع ليذرف الدموع عليه.
لأكثر من 1400 سنة كان هذا المكان مزارًا للزرادشتيين الآتين من كل أصقاع المعمورة. ولكن بما أنه لم يبقَ في إيران اليوم أكثر من 30 ألف زرادشتي، يفترض المرء أن السواد الأعظم من «الزوّار» – أو «الحجّاج» – من الإيرانيين المسلمين.
المناسبة الثانية كانت «احتفال النار» – أو «تشارشنبه» – في يوم الأربعاء الأخير من السنة، الذي يقفز فيه الإيرانيون فوق النار وينشدون أناشيد من مرحلة ما قبل الفتح الإسلامي. ووفق تقارير وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا» كانت احتفالات النار هذه السنة الأضخم في الذاكرة، مما استدعى نشر قوات كبيرة من الشرطة درءًا لأي «حوادث».
حتى مشهد والنجف
أيضًا، وفق «إرنا»، تنقل أكثر من 20 مليون إيراني – أي نحو ربع إجمالي سكان إيران – في أنحاء البلاد وخارجها في إجازة «النوروز» تماشيا مع التقاليد العتيقة. وفي حالات عدة حرص الزوّار على تمضية لحظة إطلالة السنة الجديدة، المعروفة بـ«سال تحويل»، في مقام أو مزار ديني، مما يجسد حالة «انفصام الشخصية» الإيرانية.. بل أمضى نحو مليون ونصف مليون زائر هذه المناسبة اللا إسلامية في مدينة مشهد، مرقد علي الرضا، الإمام الثامن من أئمة الشيعة. وأكثر من 30 ألفًا في النجف الأشرف بالعراق عند مرقد علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، الإمام الأول. غير أن الشرطة العراقية منعت الزوار الإيرانيين من الدخول إلى المرقد، عادّة أنه لا يجوز استعمال مقام إسلامي لطقوس وثنية. وسبب الرفض العراقي غضبًا شديدًا تولى إخماده مكتب آية الله علي السيستاني.
تصاعد المدّ «القومي الإيراني» هذا ظهر كذلك في باسارغاد، إلى الشمال من مدينة شيراز، حيث قبر قورش الأكبر مؤسس الإمبراطورية الأخمينية الفارسية. جموع كبيرة جاءت إلى المكان من مختلف أنحاء إيران تحت شعارات: «لست وحدك يا قورش»، وثمة تقارير غير مؤكدة بأن عدد من وفد إلى هناك لحضور الاحتفال قارب مائة ألف زائر. وكانت هناك زيارات مماثلة قام بها ألوف الزوّار إلى معبد آناهيتا (أناهيد)، آلة الخصب والماء الوثنية، وقبر استير الزوجة اليهودية للملك الأخميني ارتحششتا في مدينة همدان، وقبر فيروز – الشهير بأبي لؤلؤة المجوسي – قاتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
أكثر من هذا، بمناسبة هذا «النوروز»، شارك أكثر من 50 موقعًا في مسابقة وطنية على مستوى البلاد لإعداد طبق «هفت سين» (السينات السبع) الذي تعده كل العائلات الإيرانية بغض النظر عن ديانتها، ويضم سبعة أصناف؛ تبدأ أسماؤها بحرف «السين» بالفارسية. وفازت مدينة كرمنشاه بمسابقة هذه السنة.
جدير بالذكر أن بعض القوى الإسلامية الراديكالية الهامشية سعت إلى حظر احتفالات «النوروز» ومحو كل تقاليد وطقوس المرحلة السابقة لدخول الإسلام إيران. كذلك، فكر الخميني بحظر «النوروز» في أول سنة من عمر ثورته، لكنه عدل لاحقًا عن تحدّي ميول غالبية الشعب. إلا أن بعض «خُمينيي الحاضر» طلبوا فتاوى من آيات الله حول «النوروز» وطقوسه، والملاحظ أن أيًا من آيات الله لم يفتِ بالحظر، وإن كان آية الله مكارم شيرازي، وهو أحد أبرز ملالي قُم وكبار رجال الأعمال الأثرياء، كان الأقرب إلى اعتبار «بعض» احتفالات «النوروز» قريبة من الخرافات. أما المرشد علي خامنئي، فتجاوز الموضوع بـ«دبلوماسية» قائلاً في فتواه: «هذه الاحتفالات لا تحمل بعدًا دينيًا»، مثبتًا ما يعرفه الجميع. وردًا على سؤال حول ما إذا كان على النساء خلع الحجاب إبان زياراتهن لأقاربهن خلال «النوروز»، جاءت إجابته على شيء من الغموض؛ إذ قال: «يجوز ذلك، ولكن شرط ألا تحول دون التخلي عن المحظورات».
التقويم الشمسي
موضوع آخر أثار جدلاً بين «القومية الإيرانية» و«الخمينية الإسلاموية»؛ كان اقتراح الكاتب سعيد حجاريان الداعي إلى كف السلطات عن الالتزام بالتقويم القمري الهجري الذي لا تفهمه سوى قلة من الإيرانيين، وبالتالي لا تتبعه. وللعلم، بما أن الإيرانيين كانوا يعتمدون تقويمهم الشمسي («الروزنامة» الشمسية) الخاص قبل الفتح الإسلامي، تقديرًا لإلهة الشمس الأسطورية «ميثرا»، وبموجبه تضم كل سنة 365 يومًا، فإنهم لم يستخدموا التقويم القمري الذي جلبه العرب مع الفتح في القرن السابع الميلادي.
حجاريان، الذي كان كبير المخططين الاستراتيجيين في فريق رئيس الجمهورية الأسبق محمد خاتمي، رأى أنه إذا أمكن تثبيت موعد الحج وشهر رمضان في مرحلة ما وفق التقويم الشمسي، فستنتفي الحاجة إلى التقويم القمري الهجري برمّته. كذلك عدّ ريان، المحسوب من أبرز منظّري «التيار الإصلاحي»، أن الأيام الـ24 المخصّصة كل سنة لأيام مولد أو وفاة «الأئمة المعصومين الـ14» – أي علي (رضي الله عنه)، الأئمة الـ12 – يمكن ضبطها بالتحديد على التقويم الشمسي. ثم ذهب أعد من ذلك مقترحًا جعل يوم «عيد الغدير» – الذي يقول الشيعة إن الرسول (صلى الله عليه وسلّم) سمّى فيها عليًا بن أبي طالب (رضي الله عنه)، في نفس يوم «النوروز» مزجًا للتقاليد الشيعية بالقومية الإيرانية، وكتب: «نحن، الإيرانيين، صرنا مسلمين، لكننا لم نتحوّل إلى عرب، وهذا أمر مهم». اقتراح كهذا يأتي من «التيار الإصلاحي» لافت جدًا، لأنه إبان حكم الشاه لم يكن أحد يجرؤ على الكلام عن تثبيت المناسبات الدينية على التقويم الشمسي. وكان الشاه، إلى حد ما متأثرًا بنصيحة شجاع الدين شفا، أصدر مرسومًا غيّر فيه بداية التقويم الإيراني مرجعًا إياها إلى تأسيس الإمبراطورية قبل 2576 سنة، قبل صرف النظر عنه بعد ثلاث سنوات.

حتى السلطة والفن

غير أن الميل للتحوّل من الشخصية الإسلامية إلى الهوية الإيرانية، لا يقتصر على مَن هم خارج السلطة اليوم، بل يظهر عند بعض رجال النخبة الحاكمة أيضًا؛ إذ دعا بهمن نامور – مطلق، نائب وزير التراث الثقافي، إلى أن على إيران أن تروّج لها في الخارج صورة «النوروز» بدلاً من كربلائيات الشهادة الإسلامية. وتابع: «..(النوروز) إرث فريد لأجدادنا الذين رأوا في الاعتدال الربيعي علامة من علامات تجدد الطبيعة، والاحتفاء بالحياة والجمال. هذه هي الرسالة التي نستطيع حملها إلى البشرية جمعاء، وسنكون على ثقة من حسن تقبلهم إياها». وخلال الشهر الماضي قرّرت بلدية العاصمة طهران تغيير أسماء عدد من الشوارع ومحطات المترو ملغية أسماء وصفتها بـ«الأجنبية»، بأسماء إيرانية. والطريف أن بين الأسماء التي غيّرت اسم محطة «ولي العصر» (التي تعني الإمام المستور)، أما الاسم الجديد فهو «مسرح المدينة» نسبة إلى مسرح قريب من المحطة.
أضف إلى ما سبق، أنه عندما أزاحت إيران الستار عن أحدث نسخة من الإنسان الآلي (الروبوت) الذي طوّره قسم التصنيع في الحرس الثوري، كانت الاقتراحات الأولى لاسمه محصورة في أسماء عدد من كبار القادة المسلمين الأوائل. ولكن لما تبيّن أن كل أولئك القادة من العرب الذين أسهموا بفتح إيران في القرن السابع، صرف النظر عنها، واختير للروبوت اسم القائد الإيراني القديم سورنا الذي هزمت قواته الفيالق الرومانية بقيادة كراسوس في معركة حرّان (في تركيا اليوم) عام 53ق.م، وقتل كراسوس في تلك المعركة.
عودة إلى بلدية طهران، فإنها دعت مائة فنان إيراني لرسم جداريات على امتداد العاصمة الإيرانية، ومجددًا في سياق تأكيد الرجوع إلى الهوية الإيرانية، استعيض عن مشاهد الاستشهاد الدينية أو منجزات الخميني، كلّف الفنانون بالاستيحاء مما ورد في ملحمة الشاعر فردوسي «الشاهنامة»، التي تتغنى بماضي إيران قبل الإسلام. وكان بين أبرز الجداريات جداريتان للفنان محمد رضا فرزانه، تصوّران مشاهد من مرور الأمير سياواش عبر النار، وتحديات رستم السبعة، والملك الساساني بهرام وهو يتصيد حُمُر الزرد.
تأكيد «القومية» يتجلى اليوم أيضًا في الأفلام والمسرحيات والمؤلفات الموسيقية التي يبدعها الإيرانيون. فالموسيقار لوريس تشكناورايان أطلق سلسة من الإبداعات السيمفونية المستندة إلى المضامين الثقافية الإيرانية. وفي الشعر، المجال الفني الذي أبدعت فيه إيران، تكاد المضامين الإسلامية تختفي إلا من بضعة أعمال لـ«شعراء السلطة» في تمجيد الخميني وخامنئي. وفي المقابل، التوجهات القومية القوية تظهر لدى عدد كبير من الشعراء أبرزهم إسماعيل خوئي ومحمد جلالي.
ثم إن الفكرة القائلة إن تسويق إيران عالميًا سينجح أكثر إذا ركّز على هويتها «الإيرانية» وليس على دورها كـ«بطل الإسلام الراديكالي»، أخذت تشق طريقها حتى إلى الخطاب السياسي الرسمي، وإن مغلفًا بالحيطة الشديدة؛ فخلال مقابلة نشرتها صحيفة «إيران» اليومية التي تصدرها الحكومة، حث محمد سريع الكلام، أحد مستشاري الرئيس حسن روحاني على اعتماد «سياسة خارجية قائمة على المصلحة الوطنية لا الآيديولوجيا». ورأى أن على إيران أن تبيّن للعالم أنها تطوّر تفاهمًا وطنيًا عريضًا على فكرة التصرف كدولة – أمة لا كمطية للتطرف. وفي الاتجاه نفسه، دعا الأستاذ الجامعي صادق زيبا - كلام، وهو مقرّب من الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، إلى التصرف وفق مبدأ «إيران أولاً»، وحض السلطات في طهران على النأي عن أزمات منطقة الشرق الأوسط، قائلاً: «أنا أتفهم أولئك الذين يهتفون: لا غزة ولا لبنان! حياتي فقط فداء إيران؟». وأردف: «بالنسبة لي أيضًا، إيران أولاً وثانيًا وأخيرًا!».
أما الأمر الأكثر إثارة للدهشة، فهو أن علي أكبر محتشمي – بور، الملا الذي أسس الفرع اللبناني لـ«حزب الله» ونظّم قياداته، يأخذ الآن موقفًا مشابهًا؛ إذ قال محتشمي – بور أخيرًا: «هؤلاء القوم (أي جماعة حزب الله والقوى التي تموّلها طهران) يهموننا فقط ما داموا يخدمون مصالحنا القومية. ليست علينا التزامات لأحد، بل التزامنا الوحيد لإيران».
في هذه الأثناء، يقول فريدون عبد اللهيان إن «بطاقة غيران الرابحة» هي ثقافتها العريقة، مضيفًا: «صواريخنا لن تبلغ واشنطن أبدًا، لكن أطباق الـ(هفت سين) كانت في البيت الأبيض يوم (النوروز)، وحازت إعجاب الرئيس الأميركي وعائلته؛ بل إن إيران كانت الدولة الوحيدة التي تلقت رسائل معايدة وتهاني بمناسبة السنة الجديدة من أكثر من 140 ملكًا ورئيس دولة في العالم، بينهم الرئيس الأميركي».
ثم إنه في حين قد يفرّق الدين الإيرانيين، فإن مفهوم «القومية الإيرانية» يوحدهم بصرف النظر عن خلفياتهم، ومنهم مسيحيون مثل إدوارد جوزيف وهومر إبراهيميان وزافين هاكوبيان، ويهود مثل مشفق همداني وسيمون فرزمي، وزرادشتيون مثل بهرام شاهرخ وآردشير وَرجاوند.
ولكن كل هذا قد لا يقود إلى شيء، ذلك أن الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد تحدّث قبل نحو عشر سنوات عن «الإسلام الإيراني»، وحاول لعب الورقة القومية عبر استعارة «أسطوانة قورش» التي يُقال إنها تحتوي أول إعلان لحقوق الإنسان، من المتحف البريطاني.. وشاهدها بالفعل أكثر من ثلاثة ملايين إيراني.
للعلم، أحمدي نجاد من أتباع حسن يعقوبي، العالِم والباحث الديني الذي يزعم أنه يطرح «إعادة قراءة» للإسلام من منطلق إيراني. ويعقوبي يعد قورش «موازيًا للأنبياء»، ويدّعي أنه «ذو القرنين» المذكور في القرآن الكريم. (طبعًا هناك من يقولون إن المقصود الإسكندر المقدوني الشهير بهذا اللقب). ومن ثم، استغل أحمدي نجاد «القومية» تكتيكا لاستعادة جزء من شرعية النظام التي كان قد فقدها في أعقاب الانتخابات الرئاسية المشكوك في نزاهتها عام 2009.
واليوم، من المحتمل أن يكون هاشمي رفسنجاني يحاول الآن تكتيكًا مشابهًا لتوسيع قاعدته الشعبية في خضم صراع النفوذ الدائر بينه وبين الخمينيين المتشددين. ولكن، مهما كانت حصيلة الفورة الحالية لـ«القومية الإيرانية»، فإن ثمة حقيقة لا جدال فيها، ألا وهي: أن محاولة نزع الهوية الإيرانية من إيران باسم الإسلام محكومة بالفشل بمقدار السعي في سالف الأيام لإلغاء الإسلام في إيران باسم القومية.
إن ما تحتاجه إيران حقًا، وما احتاجته دائمًا، طريقة ذكية وإنسانية «لإدارة» التناقض الجوهري في وجودها كأمة ودولة. إنه تناقض كان وراء معظم مشكلاتها، بالتوازي، مع كونه محفّزًا لكثير من إنجازاتها.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.