كيف سطرت هوليوود نهاية الرجل ـ البطل واستبدلته بوكيل

أفلام جديدة عن الإنسان المهدد

من «وبائي»: لوس أنجليس قريبًا؟  -  «الطريق»: اثنان أمام النهاية
من «وبائي»: لوس أنجليس قريبًا؟ - «الطريق»: اثنان أمام النهاية
TT

كيف سطرت هوليوود نهاية الرجل ـ البطل واستبدلته بوكيل

من «وبائي»: لوس أنجليس قريبًا؟  -  «الطريق»: اثنان أمام النهاية
من «وبائي»: لوس أنجليس قريبًا؟ - «الطريق»: اثنان أمام النهاية

اليوم ينطلق في بعض صالات أميركا فيلم بعنوان «وبائي» (Pandemic) ومثل الوباء سينتشر الفيلم بعد ذلك في عدد من الصالات الأوروبية مع تحذير للمشاهدين بأن الموضوع ربما كان أقسى من أن يتحمله من هم دون الثامنة عشرة أو فوق الثامنة والأربعين.
إنه فيلم عن انتشار وباء يمحو مدينة لوس أنجليس وقيام فريق مسلح بمحاولة إنقاذ الذين ما زالوا أحياء أو غير مصابين مما يقع نتيجة انتشار فيروس مجهول. هذا ما يضع هذا الفريق وسط مخاطر ناشئة عن أن المصابين به، وقد أصيبوا بلوثة خطرة أو أدركوا أنهم سيموتون لا محالة، انطلقوا إلى الشوارع يهدمونها ناشرين فوضى مطلقة.
إلى ذلك، الفيلم مروي من منظور «الشخص الأول». أي إن الكاميرا موضوعة بدل عيناه تنقل ما يراه وتلتفت حيث يلتفت وترى من زوايا النظر المنطقية. لا قطع لوجهات نظر من شخصيات أخرى.
هذا النمط ليس منتشرًا لكن الشهر الحالي يحتوي على فيلمين من متجانسين هما هذا الفيلم وفيلم أكشن عنوانه «هاردكور هنري» مُسرد أيضًا من وجهة نظر بطله. في العام 1948 ابتدع المخرج الأميركي دلمر ديفز فيلما من هذا النوع عنوانه «ممر داكن» (Dark Passage) حول رجل هارب من السجن بعدما حكم عليه لجريمة لم يرتكبها. لساعة إلا بضع دقائق لا نرى وجه الرجل مطلقًا (باستثناء لقطة تظهر صورته في صحيفة تعلن هربه)، فالعمل حتى لحظة الإفصاح عنه مروي من وجهة نظر صاحبه الملتزمة بما يراه هو. بعد ذلك يوافق على إجراء عملية جراحية يتم خلالها تركيب ملامح وأمارات جديدة. حينها فقط يصبح بمقدورنا أن نرى النسخة الجديدة من ذلك المجهول: همفري بوغارت.
* بلا مستقبل
لكن الانتماء الأقوى لفيلم «وبائي» ليس لتلك الأفلام القليلة التي التزمت بوجهة نظر بطلها وحده، بل بالسيل غير المنتهي من الأفلام التي تنبؤنا بمستقبل مقضي عليه بالنسبة للأرض. مستقبل لا إنسان ولا إنسانية فيه، أو أن البشر الصالحين الوحيدين هم قلّة من الذين بقوا على قيد الحياة وعليهم الآن مواجهة غالبية من البشر مصابين بجرثومات حولتهم إلى مخلوقات متوحشة.
لدينا «الحرب العالمية Z» الذي أنتجه وقام ببطولته براد بت ويجري الآن التحضير لتصوير جزء ثان هذا العام ليكون جاهزًا في العام المقبل.
قبله فيلمان بريطانيان مؤثران هما «بعد 28 يوم» لداني بويل (2002) و«بعد 28 أسبوع» لجوان كارلوس فرسناديللو (2007). ولدينا قبل كل هذا سلسلة أفلام جورج أ. روميرو التي انطلقت سنة 1968 بفيلم «ليلة الموتى الأحياء» واستكملت بملاحق وأجزاء مثل «فجر الموتى - الأحياء» و«يوم الموتى - الأحياء» عدا عن مجموعة كبيرة من الإعادات والأفلام التي روت القصص ذاتها تحت عناوين أخرى.
الطريق إلى إبادة الإنسان في هذه الأفلام هي تلك الجرثومة التي ستحول غالبية المواطنين إلى آكلي لحوم بشرية. موتى يسيرون بحثًا عن لحم نيئ لا يشبعون من تناوله. وإذا كانت طريقة الموت الوحيدة الناجعة في حكايات دراكولا القديمة هي غرز قلبه بصليب يرمز إلى الدين كخلاص فاعل، وفي حكايات الرجل - الذئب هي رصاصة فضية، فإن التخلص الوحيد من هذه المخلوقات المتوحشة هي برصاص يطلق على المخ.
لا يهم كيف يموتون في هذه الأفلام، بل كيف يولدون وينتشرون ما يهدد الأحياء الأصحاء بالموت أو بالتحول إلى زومبيز أيضًا. وبالنظر إلى ما انتشر من هذه الأفلام (بالمئات) فإنه لا يمكن سوى ضمها إلى مجموعة أكبر من الأفلام التي لا ترى في مستقبل الأرض سوى دمار كامل ونهاية حاسمة تحوّل الحضارات الاجتماعية والصناعية إلى أنقاض. في أفضل الأحوال، يُصيب الدمار المباني وأشكال المدن، لكن في أسوئها لا يبقى على ظهر الأرض إلا مجموعة من الأفراد منعزلين أو مجتمعين.
* دفاع عن النفس
هذا ما يصيب الإنسان في الأفلام الأخيرة من سلسلة «كوكب القردة» حيث الصراع بين القردة الكبيرة والإنسان يميل لصالح هذا الطرف حينا وذاك حينا آخر كل يهدد الآخر بالفناء (حاليًا يتم تصوير فيلم جديد من السلسلة بعنوان «الحرب لأجل كوكب القردة» مع وودي هارلسون وأندي سركيس في البطولة). وما يصيبه في سلسلة «ترانسفورمرز» ولو أن الأعداء هم مصنوعات ميكانيكية ذات حياة مستوردة من كواكب معادية.
وفي مسلسلات الكوميكس فإن الدمار يصيب مدنًا بكاملها نتيجة صراعات بين أعداء الحياة والمدافعين عنها. الثمن باهظ لكن الجمهور يتهافت على «آيرون مان» و«المنتقمون» و«كابتن أميركا» و- حاليًا - «باتمان ضد سوبرمان: فجر العدالة» مستمتعًا، على ما يبدو، بأفلام تتنبأ بقرب زوال مدنه ومجتمعاته. لكن هذه الأفلام في مجموعها تتحدث عما هو أهم من المجتمعات والمدن. تتناول في صميمها الرجل وكيانه.
في «الطريق» لجون هيلكوت (2009) عن رواية للكاتب اللامع كورماك مكارثي نجد رجلا (بلا اسم ويقوم به فيغو مورتنسن) وولدا (بلا اسم أيضًا: كودي سميت - ماكفي) يحاولان الوصول إلى غربي أميركا عبر رحلة تحفها المخاطر. العالم مدمّر. الأشجار عارية. السماء ملوّثة. هناك آكلو لحوم بشر (لكنهم ليسوا زومبيز، ولم يداخلهم أي فيروس) ومواطنون يعيشون بلا قانون. في قراءة أبعد من الظاهر قليلاً هذا «الرجل» هو نموذج لنهاية «الرجال».
ذات النموذج الذي نراه في رواية رتشارد ماثيسون «أنا أسطورة» (نشرت سنة 1954) التي تم تحويلها قبل سبع سنوات إلى فيلم من بطولة ول سميث (وإخراج فرنسيس لورنس). هو آخر من بقي حيًا وطبيعيًا في العالم بأسره (علمه على الأقل). يخرج نهارًا إلى المدينة المدمّـرة ويعود قبل غروب الشمس لأن الليل ليس ملكه بل ملك عصابات متوحشة أخرى.
لم يكن هذا الفيلم (2008) هو الأول الذي تم اقتباسه عن رواية الكاتب بل هو إعادة صنع لفيلم حققه سيدني سالكوف سنة 1964 من بطولة فنسنت برايس بعنوان «آخر رجل على الأرض».
إلى حد بعيد فإن سلسلة «ماد ماكس» (آخرها «ماد ماكس: طريق الغضب») استيحاء للرجل الذي بقي على قيد الحياة وسط سيادة اللاقانون واللاحضارة في مستقبل قريب. في كلا الحالتين، وفي حالات أخرى، فإن الرجل يدافع عن نفسه لا كجنس بشري فقط، بل عن كونه ذكرًا أيضًا.
نجد هذه المعادلة في طيّـات معظم الأفلام المتناولة لموضوع الإبادة والدمار بفيروس أو سواه. بين كل الأحياء الطبيعيين الذين لجأوا إلى بيت في مزرعة في فيلم روميرو «ليلة الموتى - الأحياء» (1968) فإن الشخص الوحيد الذي بقي على قيد الحياة هو رجل وليس أحد المرأتين في المجموعة. لكن هذا الأفرو – أميركي، إذ يخرج من البيت في صباح اليوم التالي مع وصول نجدة من المسلحين (البيض) يتم قتله «خطأ».
على الأقل تربط أفلام الرعب لدى روميرو وعمليات الإبادة بالمجتمع الذي كان سائدًا قبل انتشار الفيروس. عالم الاستهلاك الذي ربضت تحت ثقله الطبقات الفقيرة والمتوسطة، والعلم الذي فقد بوصلته ليصبح الداء وليس الدواء، كما الإعلام الشريك في تعميم الأكاذيب على الأميركيين عوض نقل الحقائق. كل ذلك من وجهة نظر سياسية نرى أمثالها في كل تلك الأفلام منفردة أو مجتمعة.
بذلك لم تعد المسألة نوعًا من الرغبة في التخويف أو الإثارة حتى بالنسبة لأفلام الكوميكس الحالية. كلها يمكن تفسيرها حسب أو عكس ما تقصد أيضًا. فنجاة الإنسان المتعارف عليه بطلاً اجتماعيًا وقدوة لعالم أفضل، باتت في «سوبرمان» و«باتمان» و«سبايدر مان» و«كابتن أميركا»، موكولة لأشخاص غير طبيعيين. بذا تم نزع سلاح الإنسان وتسليمه لوكالة ميكانيكية.



أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.


شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)
«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)
TT

شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)
«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)

«خروج آمن»

★★★★

• إخراج: محمد حمّاد

• النوع: دراما اجتماعية | مصر

معالجة إنسانية لشخصيات تبحث عن خلاص

يحاصر المخرج محمد حمّاد شخصياته بأوضاع اجتماعية جادّة. ولأنها جادّة فهي أيضاً صعبة. في فيلمه الأول «أخضر يابس» نجد بطلته امرأة يفوتها قطار الحياة بسرعة، ذلك الذي تستخدمه في المواصلات بطيئاً لكنه مستديم. مشكلتها أنها باتت وحيدة، حتى وإن كانت تعيش مع شقيقتها التي تتوق للزواج ولا تشعر بآلام شقيقتها الكبرى. يتجلّى عن ذلك الوضع سرد قاتم وإنساني للحالة التي يستعرضها الفيلم.

هذا يتكرّر في «خروج آمن» (ثاني فيلم روائي طويل للمخرج حمّاد منذ «أخضر يابس» قبل 10 سنوات). بطله سمعان محاط بظروف قاهرة: شاب لا مستقبل منظوراً ومتوقَّعاً له. يعمل رجل أمن في عمارة يستغلّه بعض مَن فيها لتأمين حاجاته اليومية. هناك إرهابي شاب يكنّ له العداء رغم أنّ سمعان يتستَّر عليه حين يدهم الأمن المكان بحثاً عنه. ثم هناك حقيقة أنه مسيحي يشعر بالدونية وسط محيطه، ويحمل في باله وجع خسارة أبيه (عندما قتل ليبيون والده لأنه قبطي).

المقابل النسائي هنا يأتي على شكل شابة معتلّة صحياً لكنها معدومة القدرة، لا على المعالجة الصحية فحسب، بل على تلك النفسية، في مجتمع لا أحد يرى أحداً آخر فيه. سمعان وفاطمة، كلٌّ من دين مختلف، لكن المخرج لن يذهب وراء قصة حبّ بل قصة تفاهم.

يستخدم حمّاد حنكته بوصفه مخرجاً ومؤلّفاً ليضع كلّ هذه الشخصيات وسواها في أماكن صحيحة. لا بطولات ولا إنجازات ولا حتى انتصارات. الخروج الآمن الوحيد بالنسبة إلى سمعان هو ارتكاب جريمة يرتاح فيها من الشعور بالخوف والخشية ممن قتله، وبالتالي، من وضعه المتعثّر. إنه خروج آمن (أو هكذا يقرّر) من عالم مقيَّد إلى آخر أفضل.

«خروج آمن» مصوَّر بدراية تربط بين الوضع الماثل والتأطير المناسب لكل مشهد. لا تنازل عن جعل الصورة ملازمة للحالة التي يعكسها المشهد. فيعكس حمّاد النظرة الإنسانية التي يشعر بها حيال شخصياته التي تشترك في المعاناة الماثلة مع توليف صحيح لا يفلت من بين يديه.

STRANGER

★★ 1-2

• إخراج: مادس هاديغارد

• النوع: تاريخ | الدنمارك

فيلم طموح عن الحياة قبل 4000 سنة

وفق كتاب للمؤرّخ كريس كريستنس «صعود عصر المجتمع البرونزي» الصادر عام 2023، فإن ملابس الشعوب الإسكندنافية سنة 2000 قبل الميلاد كانت عبارة عن رداء يشمل القامة من الكتفين لما بعد الركبتين. ما نراه في الفيلم العائدة أحداثه إلى 4000 سنة قبل الميلاد، فإن الملابس كانت شبيهة، باستثناء أنها كانت قصيرة للنساء وطويلة للرجال.

«غريبة»... الهجرة التي لم تنقطع يوماً (موتور برودكشن)

هل يمكن أن تكون ملابس شخصيات الفيلم على هذا النحو قبل 6000 سنة من اليوم؟ ماذا عن الذقون المحلوقة جيداً؟ ثم ماذا عن القول إنّ بعض الإسكندنافيين اكتشفوا بذور القمح والزراعة في ذلك الحين؟

لا أرغب الخوض في هذا الشأن إلا من باب التمنّي لو أنّ المخرج قدَّم المرحلة الزمنية نحو 2000 سنة إلى الأمام، لأنّ هناك تفاصيل كثيرة تحتاج إلى التدقيق. يستدعي «غريبة» الإعجاب في بعض نواحيه. من بينها حياكته قصة جديدة على هيئة موضوع يدور حول قبيلتين تنتمي بطلة الفيلم آثي (أنجيلا بوندالوفيتش) إلى إحداهما، التي وصلت إلى بقعة جديدة من الغابات الإسكندنافية (لا تبدو لي صالحة للزرع ولكن...) للاستقرار فيها. لكن القبيلة الأخرى هاجمتها وقتلت معظم أفرادها. الناجيان الوحيدان هما آثي وشقيقها ثاران (بنجامين شريفزاده) اللذان يقعان في قبضة القبيلة ويتحمّلان سوء معاملتها. لا تستمر الأحداث بمثل هذا التصاعد، بل تتحوّل إلى متابعة لا تغادر مكانها. يخفق الفيلم في إثارة اهتمام أوسع أو في إثراء حكايته لتصبح ضرورية. هو من ساعتين، ولو كان أقل ومنح مشاهديه الرغبة في التواصل مع مشكلته، لحقَّق نجاحاً أعلى. لكن ثمة ما يمكن إضافته إلى إيجابياته القليلة، وهو أنه منذ البداية يومئ بربط ما يدور حول الهجرة من موقع لآخر مع الهجرة التي لم تنقطع يوماً وتنتشر في زمننا الحاضر حول العالم بأسره.

WAR MACHINE

آلة حرب

★★ 1-2

• إخراج: باتريك هيوز

• النوع: أكشن/ خيال علمي | الولايات المتحدة

لا يفل الحديد إلا الحديد

ليس في الحبكة هنا ما هو جديد بالفعل. سبق للأرض أن دافعت عن نفسها ضدّ غزاة من الفضاء (بأشكالهم المتعدّدة) منذ الأربعينات. كذلك يذكّر الفيلم بالجزء الأول من سلسلة «المفترس» (إخراج جون مكتيرنان، 1987) باستثناء أنّ الشخصيات الموزَّعة في ذلك الفيلم تحت قيادة أرنولد شوارتزنيغر كانت أكثر صلابة.

«آلة حرب»... الحديد بالحديد (نتفليكس)

في جميع الأحوال، يعتمد الفيلم الجديد على نخبة من الجيش الأميركي يعهد إليها التحقُّق مما يحدث، وذلك بعد مدّة طويلة من التدريبات لاختيار الأكثر صلابة وقوة بين المجندين. الرقم 81 (آلان ريتشسون) يبزّ جميع الآخرين، وينطلق لمجابهة هذا الغزو الغريب. معظم أفراد فرقته يُباد، والوحش الآلي يبدو أقوى بكثير ولا سبيل لدحره. لكن لا يفني الحديد سوى الحديد، كما نرى عند نهاياته.

يوظّف المخرج وفريقه مناطق التصوير (نيوزيلندا وأستراليا) جيداً، ويفيد ذلك في مزج الأماكن الطبيعية في لُحمة المخاطر التي لا تتوقَّف (نهر جارف، جبال وعرة، وديان سحيقة...). مجموع ما تولّده الحبكة بعد نحو نصف ساعة من بداية الفيلم، وأماكن تصويرها، بالإضافة إلى مواجهة آلة الروبوت المسلّحة التي لا يمكن قهرها، نافع بوصفه تسلية وترفيهاً.

الممثل الأول ريتشسون لا يحلّ تماماً مكان شوارتزنيغر وجاذبيته، لكنه قابل للتصديق في مشاهد الخطر. المخرج الذي سبق وحقق «المرتزقة 3» يفهم مهنته ويؤمن تنفيذ مشاهد رائعة وتواصلاً في سرد جيد. كلّ ذلك لن يرفع الفيلم إلى أكثر من المستوى المعهود لأفلام تلتزم بالحركة وتتخلَّى عن عمق شخصياتها ومدلولاتها.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«مارتي سوبريم» و«سيرات»… مرشحا الأوسكار يفتتحان موسم أفلام العيد

«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
TT

«مارتي سوبريم» و«سيرات»… مرشحا الأوسكار يفتتحان موسم أفلام العيد

«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)

مطلع الأسبوع المقبل تعلن جوائز الأوسكار التي يترقبها عشاق السينما، وبعدها بأربعة أيام تبدأ صالات السينما السعودية في عرض أفلام رُشحت للفوز بالأوسكار، إذ يصل فيلما «مارتي سوبريم» Marty Supreme و«سيرات» Sirāt إلى دور السينما ليلة العيد، وتحديداً في 19 مارس (آذار)، ليأتي عرضهما في توقيت لافت، حيث يُتوقع أن ينعشا صالات السينما المحلية التي دخلت في حالة ركود نسبي خلال شهر رمضان.

وينتقل هذان الفيلمان سريعاً من دائرة ترشيحات الأوسكار إلى شباك التذاكر، في انعكاس للتحولات التي شهدتها سوق السينما في المملكة خلال السنوات الماضية، فبعد أن كانت أفلام المهرجانات تصل إلى الجمهور المحلي بفارق زمني طويل عن طرحها العالمي، باتت اليوم تُعرض في توقيت متقارب مع عرضها الدولي، ما يجعل الجمهور السعودي جزءاً من دورة المشاهدة العالمية للأفلام المرتبطة بموسم الجوائز.

تيموثي شالاميه في مشهد من الفيلم (imdb)

تيموثي شالاميه في سباق أفضل ممثل

يأتي فيلم «مارتي سوبريم» في مقدمة الأفلام المنتظرة، والتي لفتت الأنظار خلال موسم جوائز هذا العام، خصوصاً مع الأداء الاستثنائي الذي قدمه النجم الأميركي تيموثي شالاميه في دور لاعب تنس الطاولة مارتي ماوزر، وهي شخصية مستوحاة من اللاعب الأميركي الشهير مارتي ريسمان الذي كان أحد أبرز نجوم اللعبة في خمسينات القرن الماضي.

الفيلم من إخراج جوش سافدي، ودخل سباق جوائز الأوسكار بعدة ترشيحات، أبرزها أفضل فيلم وأفضل ممثل لتيموثي شالاميه، إضافة إلى ترشيحات في عدد من الفئات الفنية الأخرى. ويعد هذا الترشيح محطة مهمة في مسيرة شالاميه، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز نجوم جيله في هوليوود، خصوصاً بعد أدواره في أفلام مثل «Dune» و«Call Me by Your Name».

وجاء العرض الأول للفيلم في مهرجان نيويورك السينمائي 2025 قبل أن يُطرح تجارياً في دور العرض الأميركية نهاية العام نفسه عبر شركة «A24» التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز شركات الإنتاج والتوزيع المرتبطة بالأفلام المرشحة للجوائز. ومع طرحه التجاري، تحول «مارتي سوبريم» إلى أحد أبرز عناوين موسم الجوائز، مدعوماً بإشادات واسعة بأداء شالاميه.

فيلم «سيرات» مرشح الأوسكار عن فئة أفضل فيلم دولي (imdb)

«سيرات»... رحلة إنسانية معقدة

في المقابل، يقدم فيلم «سيرات» تجربة سينمائية مختلفة تنتمي إلى السينما الأوروبية ذات الطابع التأملي، وهو فيلم من إخراج المخرج الفرنسي الإسباني أوليفر لاكس المعروف بأسلوبه البصري الهادئ، واعتماده على الطبيعة بوصفها عنصراً أساسياً في بناء الصورة السينمائية.

وتدور أحداثه حول أب يُدعى لويس، يؤدي دوره الممثل الإسباني سيرجي لوبيز، ينطلق في رحلة عبر صحراء جنوب المغرب بحثاً عن ابنته التي اختفت خلال حفلة موسيقية في منطقة صحراوية نائية، ويرافقه في الرحلة ابنه الصغير، لتتحول هذه المغامرة تدريجياً إلى حالة إنسانية تتجاوز مجرد البحث عن شخص مفقود. وخلال الطريق، يلتقي الأب بمجموعة من الشباب الرحّل الذين يتنقلون بين حفلات موسيقى إلكترونية تُقام في الصحراء، حيث تختلط الأسئلة العائلية بالبحث عن المعنى والهوية، في عمل يعتمد على الإيقاع البصري وبناء الأجواء أكثر من اعتماده على التسلسل المباشر للأحداث.

ولفت الفيلم الأنظار منذ عرضه الأول في مهرجان كان السينمائي 2025، حيث شارك في المسابقة الرسمية، وتمكن من الفوز بجائزة لجنة التحكيم، وهي إحدى الجوائز الرئيسة في المهرجان، كما اختير «سيرات» لتمثيل إسبانيا في فئة أفضل فيلم دولي في جوائز الأوسكار، ليكون أحد الأفلام الأوروبية المنافسة في هذه الفئة خلال الدورة الحالية من الجائزة.

«شباب البومب3»... الكوميديا السعودية

وبينما تحضر أفلام موسم الجوائز في موسم العيد، لا يغيب الإنتاج المحلي عن صالات السينما، إذ ينضم إليها الفيلم الكوميدي «شباب البومب3»، الذي يبدأ عرضه أيضاً في 19 مارس، وهو امتداد لسلسلة الأفلام المقتبسة من المسلسل التلفزيوني الشهير «شباب البومب» الذي حقق شعبية واسعة في السعودية على مدى سنوات، واستطاعت السلسلة أن تنقل هذا النجاح إلى السينما، حيث حقق الجزآن السابقان حضوراً قوياً في شباك التذاكر المحلي.

يقود بطولة الفيلم الممثل السعودي فيصل العيسى إلى جانب محمد الحربي وعبد العزيز الفريحي وسلمان المقيطيب، في عمل يواصل تقديم مغامرات مجموعة من الأصدقاء التي اعتاد الجمهور على متابعتها في المسلسل الرمضاني. كما تدور أحداث الجزء الجديد حول عامر (فيصل العيسى) الذي يخطط لقضاء عطلة صيفية مع أصدقائه، غير أن خطته تصطدم بإصرار عائلته على مرافقته في الرحلة.

أفلام عالمية منتظرة

وإلى جانب أفلام موسم الجوائز، تشهد صالات السينما في موسم العيد عروضاً لأفلام عالمية أخرى بدأت بالفعل رحلتها في دور العرض الدولية خلال الأسابيع الماضية. من بينها فيلم الرعب «الغرباء: الفصل الثالث» The Strangers: Chapter 3، وهو أحدث أجزاء سلسلة الرعب الشهيرة التي تعود جذورها إلى فيلم The Strangers الصادر عام 2008. ويأتي الفيلم من إخراج ريني هارلن ويضم في بطولته مادلين بيتش وغابرييل باسو وإيما هورفاث، ويتابع قصة الناجية الوحيدة من هجمات الغرباء المقنّعين، والتي تجد نفسها مجدداً في مواجهة قاتليها أثناء محاولتها الهروب من المدينة.

كما ينضم إلى العروض فيلم «ذا برايد» The Bride!، وهو عمل درامي ذو طابع قوطي مستلهم من أسطورة فرانكنشتاين، ومن إخراج وكتابة ماغي جيلنهال ويضم طاقماً لافتاً من النجوم يتقدمه كريستيان بيل وجيسي باكلي، في حين تدور أحداث الفيلم في ثلاثينات القرن الماضي حول امرأة تُعاد إلى الحياة لتصبح «عروس الوحش»، في إعادة تخيّل معاصرة لفيلم Bride of Frankenstein الكلاسيكي.

موسم سينمائي ساخن

ويمكن القول إن موسم أفلام العيد في السعودية هذا العام يحمل قدراً كبيراً من التنوع والإثارة، إذ يجمع بين أعمال قادمة من قلب موسم الجوائز العالمية، وأخرى تنتمي إلى السينما السعودية الجماهيرية. وبين فيلم أميركي يتتبع صعود لاعب رياضي في عالم تنافسي، وفيلم أوروبي يقدم رحلة إنسانية في الصحراء، وفيلم سعودي كوميدي يعتمد على نجومية مسلسل تلفزيوني ناجح، يجد الجمهور نفسه أمام خيارات سينمائية متعددة في موسم واحد.

ومع استمرار توسع سوق السينما في المملكة، وازدياد عدد دور العرض، يبدو أن هذا التنوع سيصبح سمة أكثر وضوحاً في السنوات المقبلة، حيث تتقاطع الإنتاجات المحلية مع الأفلام العالمية في برامج العرض، لتمنح الجمهور فرصة متابعة أحدث التجارب السينمائية في وقت واحد.