اليوم ينطلق في بعض صالات أميركا فيلم بعنوان «وبائي» (Pandemic) ومثل الوباء سينتشر الفيلم بعد ذلك في عدد من الصالات الأوروبية مع تحذير للمشاهدين بأن الموضوع ربما كان أقسى من أن يتحمله من هم دون الثامنة عشرة أو فوق الثامنة والأربعين.
إنه فيلم عن انتشار وباء يمحو مدينة لوس أنجليس وقيام فريق مسلح بمحاولة إنقاذ الذين ما زالوا أحياء أو غير مصابين مما يقع نتيجة انتشار فيروس مجهول. هذا ما يضع هذا الفريق وسط مخاطر ناشئة عن أن المصابين به، وقد أصيبوا بلوثة خطرة أو أدركوا أنهم سيموتون لا محالة، انطلقوا إلى الشوارع يهدمونها ناشرين فوضى مطلقة.
إلى ذلك، الفيلم مروي من منظور «الشخص الأول». أي إن الكاميرا موضوعة بدل عيناه تنقل ما يراه وتلتفت حيث يلتفت وترى من زوايا النظر المنطقية. لا قطع لوجهات نظر من شخصيات أخرى.
هذا النمط ليس منتشرًا لكن الشهر الحالي يحتوي على فيلمين من متجانسين هما هذا الفيلم وفيلم أكشن عنوانه «هاردكور هنري» مُسرد أيضًا من وجهة نظر بطله. في العام 1948 ابتدع المخرج الأميركي دلمر ديفز فيلما من هذا النوع عنوانه «ممر داكن» (Dark Passage) حول رجل هارب من السجن بعدما حكم عليه لجريمة لم يرتكبها. لساعة إلا بضع دقائق لا نرى وجه الرجل مطلقًا (باستثناء لقطة تظهر صورته في صحيفة تعلن هربه)، فالعمل حتى لحظة الإفصاح عنه مروي من وجهة نظر صاحبه الملتزمة بما يراه هو. بعد ذلك يوافق على إجراء عملية جراحية يتم خلالها تركيب ملامح وأمارات جديدة. حينها فقط يصبح بمقدورنا أن نرى النسخة الجديدة من ذلك المجهول: همفري بوغارت.
* بلا مستقبل
لكن الانتماء الأقوى لفيلم «وبائي» ليس لتلك الأفلام القليلة التي التزمت بوجهة نظر بطلها وحده، بل بالسيل غير المنتهي من الأفلام التي تنبؤنا بمستقبل مقضي عليه بالنسبة للأرض. مستقبل لا إنسان ولا إنسانية فيه، أو أن البشر الصالحين الوحيدين هم قلّة من الذين بقوا على قيد الحياة وعليهم الآن مواجهة غالبية من البشر مصابين بجرثومات حولتهم إلى مخلوقات متوحشة.
لدينا «الحرب العالمية Z» الذي أنتجه وقام ببطولته براد بت ويجري الآن التحضير لتصوير جزء ثان هذا العام ليكون جاهزًا في العام المقبل.
قبله فيلمان بريطانيان مؤثران هما «بعد 28 يوم» لداني بويل (2002) و«بعد 28 أسبوع» لجوان كارلوس فرسناديللو (2007). ولدينا قبل كل هذا سلسلة أفلام جورج أ. روميرو التي انطلقت سنة 1968 بفيلم «ليلة الموتى الأحياء» واستكملت بملاحق وأجزاء مثل «فجر الموتى - الأحياء» و«يوم الموتى - الأحياء» عدا عن مجموعة كبيرة من الإعادات والأفلام التي روت القصص ذاتها تحت عناوين أخرى.
الطريق إلى إبادة الإنسان في هذه الأفلام هي تلك الجرثومة التي ستحول غالبية المواطنين إلى آكلي لحوم بشرية. موتى يسيرون بحثًا عن لحم نيئ لا يشبعون من تناوله. وإذا كانت طريقة الموت الوحيدة الناجعة في حكايات دراكولا القديمة هي غرز قلبه بصليب يرمز إلى الدين كخلاص فاعل، وفي حكايات الرجل - الذئب هي رصاصة فضية، فإن التخلص الوحيد من هذه المخلوقات المتوحشة هي برصاص يطلق على المخ.
لا يهم كيف يموتون في هذه الأفلام، بل كيف يولدون وينتشرون ما يهدد الأحياء الأصحاء بالموت أو بالتحول إلى زومبيز أيضًا. وبالنظر إلى ما انتشر من هذه الأفلام (بالمئات) فإنه لا يمكن سوى ضمها إلى مجموعة أكبر من الأفلام التي لا ترى في مستقبل الأرض سوى دمار كامل ونهاية حاسمة تحوّل الحضارات الاجتماعية والصناعية إلى أنقاض. في أفضل الأحوال، يُصيب الدمار المباني وأشكال المدن، لكن في أسوئها لا يبقى على ظهر الأرض إلا مجموعة من الأفراد منعزلين أو مجتمعين.
* دفاع عن النفس
هذا ما يصيب الإنسان في الأفلام الأخيرة من سلسلة «كوكب القردة» حيث الصراع بين القردة الكبيرة والإنسان يميل لصالح هذا الطرف حينا وذاك حينا آخر كل يهدد الآخر بالفناء (حاليًا يتم تصوير فيلم جديد من السلسلة بعنوان «الحرب لأجل كوكب القردة» مع وودي هارلسون وأندي سركيس في البطولة). وما يصيبه في سلسلة «ترانسفورمرز» ولو أن الأعداء هم مصنوعات ميكانيكية ذات حياة مستوردة من كواكب معادية.
وفي مسلسلات الكوميكس فإن الدمار يصيب مدنًا بكاملها نتيجة صراعات بين أعداء الحياة والمدافعين عنها. الثمن باهظ لكن الجمهور يتهافت على «آيرون مان» و«المنتقمون» و«كابتن أميركا» و- حاليًا - «باتمان ضد سوبرمان: فجر العدالة» مستمتعًا، على ما يبدو، بأفلام تتنبأ بقرب زوال مدنه ومجتمعاته. لكن هذه الأفلام في مجموعها تتحدث عما هو أهم من المجتمعات والمدن. تتناول في صميمها الرجل وكيانه.
في «الطريق» لجون هيلكوت (2009) عن رواية للكاتب اللامع كورماك مكارثي نجد رجلا (بلا اسم ويقوم به فيغو مورتنسن) وولدا (بلا اسم أيضًا: كودي سميت - ماكفي) يحاولان الوصول إلى غربي أميركا عبر رحلة تحفها المخاطر. العالم مدمّر. الأشجار عارية. السماء ملوّثة. هناك آكلو لحوم بشر (لكنهم ليسوا زومبيز، ولم يداخلهم أي فيروس) ومواطنون يعيشون بلا قانون. في قراءة أبعد من الظاهر قليلاً هذا «الرجل» هو نموذج لنهاية «الرجال».
ذات النموذج الذي نراه في رواية رتشارد ماثيسون «أنا أسطورة» (نشرت سنة 1954) التي تم تحويلها قبل سبع سنوات إلى فيلم من بطولة ول سميث (وإخراج فرنسيس لورنس). هو آخر من بقي حيًا وطبيعيًا في العالم بأسره (علمه على الأقل). يخرج نهارًا إلى المدينة المدمّـرة ويعود قبل غروب الشمس لأن الليل ليس ملكه بل ملك عصابات متوحشة أخرى.
لم يكن هذا الفيلم (2008) هو الأول الذي تم اقتباسه عن رواية الكاتب بل هو إعادة صنع لفيلم حققه سيدني سالكوف سنة 1964 من بطولة فنسنت برايس بعنوان «آخر رجل على الأرض».
إلى حد بعيد فإن سلسلة «ماد ماكس» (آخرها «ماد ماكس: طريق الغضب») استيحاء للرجل الذي بقي على قيد الحياة وسط سيادة اللاقانون واللاحضارة في مستقبل قريب. في كلا الحالتين، وفي حالات أخرى، فإن الرجل يدافع عن نفسه لا كجنس بشري فقط، بل عن كونه ذكرًا أيضًا.
نجد هذه المعادلة في طيّـات معظم الأفلام المتناولة لموضوع الإبادة والدمار بفيروس أو سواه. بين كل الأحياء الطبيعيين الذين لجأوا إلى بيت في مزرعة في فيلم روميرو «ليلة الموتى - الأحياء» (1968) فإن الشخص الوحيد الذي بقي على قيد الحياة هو رجل وليس أحد المرأتين في المجموعة. لكن هذا الأفرو – أميركي، إذ يخرج من البيت في صباح اليوم التالي مع وصول نجدة من المسلحين (البيض) يتم قتله «خطأ».
على الأقل تربط أفلام الرعب لدى روميرو وعمليات الإبادة بالمجتمع الذي كان سائدًا قبل انتشار الفيروس. عالم الاستهلاك الذي ربضت تحت ثقله الطبقات الفقيرة والمتوسطة، والعلم الذي فقد بوصلته ليصبح الداء وليس الدواء، كما الإعلام الشريك في تعميم الأكاذيب على الأميركيين عوض نقل الحقائق. كل ذلك من وجهة نظر سياسية نرى أمثالها في كل تلك الأفلام منفردة أو مجتمعة.
بذلك لم تعد المسألة نوعًا من الرغبة في التخويف أو الإثارة حتى بالنسبة لأفلام الكوميكس الحالية. كلها يمكن تفسيرها حسب أو عكس ما تقصد أيضًا. فنجاة الإنسان المتعارف عليه بطلاً اجتماعيًا وقدوة لعالم أفضل، باتت في «سوبرمان» و«باتمان» و«سبايدر مان» و«كابتن أميركا»، موكولة لأشخاص غير طبيعيين. بذا تم نزع سلاح الإنسان وتسليمه لوكالة ميكانيكية.
كيف سطرت هوليوود نهاية الرجل ـ البطل واستبدلته بوكيل
أفلام جديدة عن الإنسان المهدد
من «وبائي»: لوس أنجليس قريبًا؟ - «الطريق»: اثنان أمام النهاية
كيف سطرت هوليوود نهاية الرجل ـ البطل واستبدلته بوكيل
من «وبائي»: لوس أنجليس قريبًا؟ - «الطريق»: اثنان أمام النهاية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة






