كرويف: في مونديال 1974 كنا نحن الأبطال الحقيقيين

الأسطورة الهولندي الراحل كان يرى أن كرة القدم ما زالت تتأخر عن رياضات أخرى رغم شعبيتها

كرويف يشارك في ألعاب المعاقين (إ.ب.أ)  -  كرويف ظل عاشقا لممارسة اللعبة حتى ضربه السرطان (إ.ب.أ)  -  لعب الجولف جعله يدرك مدى تأخر كرة القدم (إ.ب.أ)
كرويف يشارك في ألعاب المعاقين (إ.ب.أ) - كرويف ظل عاشقا لممارسة اللعبة حتى ضربه السرطان (إ.ب.أ) - لعب الجولف جعله يدرك مدى تأخر كرة القدم (إ.ب.أ)
TT

كرويف: في مونديال 1974 كنا نحن الأبطال الحقيقيين

كرويف يشارك في ألعاب المعاقين (إ.ب.أ)  -  كرويف ظل عاشقا لممارسة اللعبة حتى ضربه السرطان (إ.ب.أ)  -  لعب الجولف جعله يدرك مدى تأخر كرة القدم (إ.ب.أ)
كرويف يشارك في ألعاب المعاقين (إ.ب.أ) - كرويف ظل عاشقا لممارسة اللعبة حتى ضربه السرطان (إ.ب.أ) - لعب الجولف جعله يدرك مدى تأخر كرة القدم (إ.ب.أ)

يواصل دونالد ماكراي تذكر الحوار والذكريات عندما التقى الأسطورة الهولندي في أمستردام في 2014. ودار بينهما الكثير من الكلام الذي كشف عن موهبة يوهان كرويف ورؤيته للحياة.
«الأمور على ما يرام».. تحدث يوهان كرويف بهذه الكلمات، وهو يربت على كتفي ويطمئنني. جلسنا على مضجع صغير في الملعب الأوليمبي في أمستردام في سبتمبر 2014. قال كرويف بعد أن توجهت له باعتذار صغير لأني جعلته يتحمل عناء مقابلة أخرى: «لم أعد أجري الكثير من هذه المقابلات الطويلة».
كان الأسطورة البالغ من العمر 67 عاما في بلدته في ذلك اليوم، بعد أن عاد جوا من برشلونة. هز كتفيه بنوع من اللامبالاة قائلا: «سنجري هذه المقابلة بالشكل المناسب. أرى أن لديك الكثير من الأسئلة».
أشار كرويف إلى ورقتي التي كنت سكبت عليها قدحا من القهوة قبل بضع ساعات، وحملق بنظرة ملؤها تساؤل في كتابتي المتشابكة. كنت قد دونت 42 سؤالا. قال كرويف: «42؟ هل تعرف أن عليّ اللحاق برحلة جوية للعودة إلى برشلونة الليلة؟».
كنت أعرف أنه يمزح ومن ثم طويت الصفحة لأظهر له 6 أسئلة أخرى على الظهر. قال كرويف ضاحكا: «يا إلهي.. إذن لدينا الآن 48 سؤالا؟ دعنا نر إن كان لدينا ما يكفي من الوقت للصفحة الأولى».
بالطبع لم يكن أي منا يعرف آنذاك أنه بعد 18 شهرا سيكون كرويف قد رحل عن عالمنا. عندما سمعت بنبأ وفاته يوم الثلاثاء عدت إلى المقابلة التي أجريناها. لقد أعجبني سماع الطريقة التي تجاهل بها كرويف التقاليد، بعد بدايتنا الكوميدية؛ حيث بدأ، وهو من أجري معه المقابلة، بطرح سؤال علي. هل استمتعت باليوم؟
كنت قد أمضيت ساعات الصباح متابعا كرويف خلال ساحة الملعب الأوليمبي، حيث لعب سلسلة من المباريات المصغرة في التنس أو الكرة الطائرة، أو كرة السلة أو كرة القدم الخماسية، مع مئات من الأطفال من ذوي الإعاقة، الذين استفادوا من مؤسسته. عادة لا تلقى فكرة متابعة رياضي سابق قبولا كبيرا. لكن فرصة قضاء الوقت مع كرويف، وهو لاعب كرة قدم ساحر وأكثر المفكرين تأثيرا في كرة القدم الحديثة كمدرب مع أياكس، ومع برشلونة على وجه الخصوص، كانت مختلفة.
كانت هناك أوقات بدأ فيها وكأنه يشعر بالملل أو الإجهاد، خاصة عندما احتضنه رجل كبير يرتدي دمية على هيئة كرويف. كان كلما انتقل من مباراة إلى أخرى، يحيط به الأطفال أو آباؤهم المبتسمون الذين يريدون مصافحته أو التقاط الصور التذكارية معه. لكن كرويف كان يحافظ على روح الدعابة حتى عندما سدد الكرة في الشبكة في مباراة تنس رقيقة، بظهر المضرب. حملق في مضربه غير مصدق – كما لو كان لا يفهم لماذا بدا غير رشيق في يده، مثلما تكون الكرة بين أقدامه.
لذا كان بمقدوري أن أجيب بشكل إيجابي وأقول، نعم، لقد استمتعت. أومأ كرويف ثم تحدث لخمس دقائق متواصلة عن الدروس التي يمكن أن نتعلمها جميعا من الأطفال ذوي الإعاقة. قال: «إنه أمر جميل والشيء المدهش هو أنني أحاول مساعدتهم ولكنهم يساعدونني. حدثني رئيس اللجنة الباراليمبية ذات مرة عن الفارق بين أصحاب الأجسام السليمة وذوي الإعاقة، وقال: (الأشخاص ذوو الإعاقة لا يفكرون فيما لا يملكونه. هم فقط يفكرون فيما يملكونه. آه لو تعلمنا جميعا أن نفكر بهذه الطريقة. إنهم يفاجئونني دائما. إذا رأيت ما يمكنهم عمله وكيف يتطورون كأشخاص، ستتعلم الكثير من الأشياء)».
بدافع حاجتي للبدء بقائمة أسئلتي، قاطعت حديثه المنفرد، كمدافع أخرق يحاول إيقاف سرعة وإبداع كرويف. فهم كرويف أن جزءا من مهمتي يتعلق بتوجيه دفة حديثه نحو التطرق إلى موقف لويس فان غال، عدوه القديم الذي كان قد تولى تدريب مانشستر يونايتد منذ بضعة شهور. كان مترددا في بدء سجال جديد مع فان غال «ذي النزعة العسكرية»، ومن ثم طلبت إلى كرويف أن يستفيض في الحديث عن أفكارهما المتضادة بشأن كرة القدم.
قال كرويف: «الأمر أهم الآن من مجرد قولي إن فان غال لن ينجح. لست مهتما كثيرا بهذا الأمر. كلانا هولندي لكن هناك فارقا كبيرا بيننا. أنا دائما أفكر في أن أكون مسؤولا عن السرعة وعن الكرة. ربما يعرف أكثر مني ولكنني أسعى دائما لفرض السيطرة على المباراة. ما الذي أفعله إذا لم أكن مستحوذا على الكرة؟ أقوم بالضغط من أجل استعادتها. إنها طريقة دفاع. لكن الأهم هو أنني أحب أن أحتفظ بالكرة. ولهذا أؤمن بحصص التدريب الفردية لتجهيز اللاعبين بالشكل المناسب. عليك الاهتمام بالأفراد لصالح الفريق، كما أظهر عملنا مع جوزيب غوارديولا».
عندئذ نحيت قائمة أسئلتي جانبا، فلقد بدا من المهم أكثر أن أستمع إلى كرويف وأن أتجاوب مع المحادثة بدلا من الالتزام بالأسئلة التي أعدتها سلفا. دبت الحيوية في كرويف وهو يقول: «أكون سعيدا إذا بدأ لاعبو فريقي في التفكير، وغوارديولا مثال جيد على هذا. عندما كان لاعبا، كان مثاليا من الناحية التكتيكية لكنه قال: إنه لا يستطيع أن يدافع. قلت: أتفق معك، بصورة جزئية. أنت تصبح مدافعا سيئا إذا اضطررت إلى تغطية كل هذه المنطقة. لكن إذا قمت بالدفاع في هذه المنطقة الصغيرة، فعندئذ ستكون الأفضل. تأكد من أن هناك أناسا يتولون تغطية المناطق الأخرى. وطالما فعلت هذا فستكون مدافعا جيدا جدا. وقد فعل هذا وأصبح جيدا جدا».
لم يمنحني كرويف تصريحا قاتلا يسخر فيه من فان غال كأحمق مصيره إلى الفشل في أولد ترافورد، لكنني أحببت الطريقة التي انتقل بها من الحديث عن غوارديولا إلى المدربين الإنجليز، كيث سبورغيون وفيك باكنغهام، اللذين شكلا خطواته الأولى في عالم الكرة. لقد غرسا الانضباط في تألق كرويف المنفرد واختاره باكنغهام ليشارك لأول مرة مع أياكس في نوفمبر (تشرين الثاني) 1964، ودربه أيضا في برشلونة.
قال كرويف: «أضفى كيث وفيك علينا بعضا من الروح الاحترافية لأنهما كانا قطعا شوطا أطول بكثير على هذا الطريق منا في هولندا. لكن الفكر التكتيكي جاء في وقت لاحق مع رينوس ميتشلز».
لم أضغط على كرويف من أجل الاستفاضة في الحديث عما حققه هو وميتشلز من خلال ابتكاراتهما الناجحة المتعلقة بالكرة الشاملة. لم يبد كرجل عاطفي أو يشعر بحنين إلى الماضي. لم أكتب عن هذا في ذلك الوقت، لكن كرويف كان أكثر اهتماما كذلك، كما قال: «في الحقيقة أنا لا أزال أشعر بأن كرة القدم ما زالت متأخرة لمسافة بعيدة عن رياضات أخرى».
وأوضح: «إذا نظرت إلى رياضة الجولف، فلديك معلم للقيادة، ومعلم لأسلوب اللعب ومعلم للتسديدة الصغيرة. لدينا 3 مدربين متخصصين للاعب واحد. في كرة القدم يتولى مدرب واحد توجيه 25 لاعبا. لا يمكنك مقارنة لاعب وسط مهاجم بجناح أيمن أو لاعب وسط مدافع. إن كل مركز من تلك المراكز يتطلب صفات ومهارات بدنية معينة. ولهذا أؤمن بحصص التدريب الفنية. عليك أن تهتم بالفرد».
غلف الأسى نبرة صوته فقط عندما تحدث عن كيف أفسد المال نقاء كرة القدم. قال: «المال هو كل شيء في كرة القدم الآن. هنالك مشكلات مع القيم في داخل اللعبة. وهذا أمر محزن لأن كرة القدم أجمل اللعبات. يمكننا أن نلعبها في الشارع ويمكننا أن نلعبها في كل مكان. يستطيع أي شخص أن يلعبها سواء كان طويلا أو قصيرا، ممتلئا أو نحيفا. لكن تلك القيم قد ضاعت، وعلينا أن نستعيدها».
كانت هناك مفاجآت كذلك، حيث أشاد بعمل المدرب الإسباني روبرتو مارتينيز في إيفرتون. فقد أنهى إيفرتون الموسم الماضي بفارق ضئيل عن المراكز المؤهلة لدوري الأبطال، وحول ذلك قال كرويف: «إذا رأيت ما فعله مارتينيز وهو صديق مقرب لي، سترى قصة نجاح. حسنا، إنه لم يفز بلقب الدوري لكن الجميع سعداء».
ربما لا تكون هذه هي الكلمة التي يمكن أن يستخدمها أحد لوصف الأجواء في ملعب غوديسون بارك بقيادة مارتينيز حاليا. كذلك عبّر كرويف عن عدم يقينه بشأن كيف يلعب 3 لاعبين كبار، هم ليونيل ميسي ونيمار ولويس سواريز، في نفس الخط الهجومي في برشلونة. الآن يطيب لي أن أفكر في أنه كان من أسباب سعادة كرويف في الشهور الأخيرة من حياته، مشاهدة الخطورة الشديدة والواضحة في هجوم برشلونة الثلاثي.
كان كرويف إنسانا، سواء في تسديده الكرة نحو الشبكة بضربة بظهر المضرب في ملعب تنس مؤقت، أو باستسلامه يوم الثلاثاء الماضي لضربات السرطان. لكن في يوم غائم في سبتمبر (أيلول) من عام 2014، بدا مفعما بالحياة. شعر بالملل فقط عندما قال لي إن عليه العودة إلى برشلونة في تلك الليلة. قال: «لدي اجتماع غدا مع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، مع ميشيل بلاتيني وكل الرعاة».
كانت تعبيراته المتذمرة تشي بالكثير. وقد كان كرويف أكثر سعادة لأن يتحدث أكثر بنزعة فلسفية: «مثل كل شيء في كرة القدم، وفي الحياة، عليك أن تنظر وأن تفكر وأن تتحرك. عليك أن توجد المساحة، وعليك أن تساعد الآخرين، الأمر بسيط جدا في النهاية».
وحتى بعد أن جاءه تذكير بأنه سيقدم الجوائز بعد قليل في نهاية يوم طويل، واصل حديثه. من أين أنا؟ من جنوب أفريقيا؟
وما إن أكدت هذه الحقيقة حتى انتقل إلى موضوع جديد. تحدثنا عن كرة القدم في أفريقيا قبل أن أحاول أن أشرح معنى أن يكون كأس العالم 1974 في الأرجنتين، أول حدث نشاهده في جنوب أفريقيا، بعد أن تم فك الحظر على البث التلفزيوني الذي كان يفرضه نظام الفصل العنصري. خسرت هولندا في النهائي آنذاك، أمام الأرجنتين أصحاب الأرض.
وكصبي في المدرسة كنت مفتونا بما فيه الكفاية لأن أندم على حقيقة أننا لم نشاهد بطولة كأس العالم السابقة، عندما كان منتخب هولندا في حالة أفضل، وكان كرويف في أوج مجده، لكنه خسر في النهائي أيضا أمام ألمانيا الغربية. نظر إليّ كرويف باهتمام وقال: «نعم، لكن ربما كنا الأبطال الحقيقيين في النهاية»، مضيفا وقد أضاءت مقلتاه الضيقتان فجأة: «أعتقد أن العالم يتذكر فريقنا أكثر».
كانت هذه ومضة من الشخصية الطموحة التي كان يملكها كرويف كلاعب كرة قدم ومدرب. هدأ من جديد وانتقل للحديث بلغته الأم، وسأل ما إذا كنت أفهم الهولندية. أجبت بالأفريكانية قائلا: «قليلا فقط». كنت أعرف ما يكفي من الهولندية لأفهمه عندما سأل مجددا عما إذا كنت سعيدا بالمقابلة: هل لدي ما يكفي لأكتبه؟
عندما أومأت بالموافقة وشكرته اقترب مادا يده ليصافحني. قال كرويف: «لم نجب على كل الأسئلة الـ48. لكن ربما تكون المقابلة أفضل هكذا، أليس كذلك؟ إن الحوار أكثر إثارة من المقابلة».



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.